← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

منهن شيء، حتى يكون يوم السبت؛ فذلك قوله (تعالى) (١): ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر؛ فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث (فيها) (٢)؛ فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره (روائحه) (٢)، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك؛ فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال (الفقهاء) (٣): لا، ولكنكم صدتموه يوم (فتحتم) (٤) له الماء فدخل. قال: (وغلبوا) (٥) أن ينتهوا؛ فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا، والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم؛ فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم؛ فلما أبطئوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم؛ فذهبوا في الأرض؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ … ﴾ (الآية) (٦) [المائدة: ٧٨] فهم القردة. قلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا؛ بل الصحيح أنه (معنوي صوري) (٧) والله (تعالى) (٢) أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا [نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] (٨)﴾ قال بعضهم: الضمير في "فجعلناها" عائد على القردة. وقيل: على الحيتان. وقيل: على العقوبة. وقيل: على القرية. حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية؛ أي: فجعل الله هذه القرية؛ والمراد أهلها بسبب اعتدائهمِ في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبةً، فجعلناها عبرةً؛ كما قال الله على فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٥].

стр. 492

وقوله (تعالى) (١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: من القرى. قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرةً لما حولها من القرى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا … ﴾ الآية [الرعد: ٤١] على أحد الأقوال. فالمراد: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في المكان، كما قال محمد بن (٢) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من القرى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القرى. وكذا قال سعيد (٣) بن جبير: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (قال) (٤): (من) (٥) بحضرتها من الناس يومئذٍ. وروي عن إسماعيل (٦) بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قال: ما (كان) (٧) قبلها من الماضيين في شأن السبت. وقال أبو العالية (٨)، والربيع (٩)، وعطية (١٠): وما خلفها (لمن) (١١) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون: المراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في الزمان. وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس، أن يكون أهل تلك القرية عبرةً لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به؛ وهو أن يكون عبرةً لمن سبقهم (١٢)؟ وهذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان؛ وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والله أعلم. وقال أبو جعفر (١٣) الرازي، عن الربيع (١٤) [بن أنس، عن أبي العالية: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عقوبةً لما خلا (من ذنوبهم) (١٥)] (١٤).

стр. 493

[وقال ابن] (١) أبي (حاتم) (٢): وروي عن عكرمة، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، [والحسن، وقتادة (٥)، والربيع (٦) بن] (٧) [أنس نحو ذلك. (٨) [وحكى القرطبي (٩) عن ابن عباس] (١٠) والسدي، والفراء، وابن عطية (١١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى (فخر الدين) (١٢) (الرازي) (١٣) ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة، ومن بعدها. والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه (تعالى جعلها) (١٥) عقوبةً لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده؛ وهو قول الحسن. قلت: وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها من] (٨) [بحضرتها من القرى (التي) (١٦) يبلغهم خبرها، وما حل بها؛ كما قال (تعالى) (١٧): ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) … ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] فجعلهم عبرةً ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظةً لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] (١٨). وقوله (تعالى) (١٩): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال محمد بن (٢٠) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.

стр. 494

وقال الحسن (١)، وقتادة (٢): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها. وقال السدي (٣)، وعطية العوفي (٤): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ . قلت: المراد بالموعظة ها هنا الزاجر؛ أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم؛ كما قال الإمام (٥) أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن (سلم) (٦)، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن (عمرو) (٧) (عن أبي سلمة) (٨)، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل". وهذا إسناد جيد (٩). وأحمد بن محمد بن سلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾. يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول ونصه على من قتله منهم. [مسألة: الإبل تنحر، والغنم تذبح، [واختلفوا في البقر؛ فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح] (١٠) أولى لنص القرآن، ولقرب منحرها من مذبحها] (١١).

стр. 495

[قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك، وقد يكره الإنسان ما لا يحرمه. قال أبو عبد الله: وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة] (١). [ذكر بسط القصة] (٢): (قال) (٣) ابن أبي حاتم (٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله؛ ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم (على) (٥) بعض. فقال ذوو الرأي (منهم) (٦) (والنهي) (٧): علام يقتل بعضكم بعضًا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجودها عند رجل ليس له بقرة غيرها؛ فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبًا. فأخذوها بملء جلدها ذهبًا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا - لابن أخيه - ثم مال ميتًا؛ فلم يعط من ماله شيئًا، فلم يورث قاتل بعد. ورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن (عبيدة) (٨) بنحو من ذلك. والله أعلم. [ورواه عبد (بن حميد) (٩) في "تفسيره": أنبأنا يزيد بن هارون، به] (١٠). ورواه آدم بن أبي إياس في "تفسيره"، عن أبي جعفر - هو الرازي - عن هشام بن حسان، به. وقال آدم بن أبي إياس في "تفسيره" (١١): أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول (الله) (١٢) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: وكان رجل من بني إسرائيل،

стр. 496

وكان غنيًا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب، وكان وارثه، فقتله ليرثه؛ ثم ألقاه على مجمع الطريق؛ وأتى موسى ﵇، فقال له: إن قريبي قتل، وأُتي إلي أمر عظيم؛ وإني لا أجد أحدًا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى ﵇ (١) في الناس؛ فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا (بينه) (٢) لنا، فلم يكن عندهم (علم) (٣) فأقبل القاتل على موسى ﵇، فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى الله إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يعني: لا هرمة، ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يعني: ولا صغيرة، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: نصف بين البكر والهرمة. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] أي: صاف لونها؛ ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] أي: تعجب الناظرين. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة] [أي: لم يذللها العمل] (١) ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: وليست بذلول تثير الأرض؛ ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: ولا تعمل في الحرث؛ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: مسلمةٌ من العيوب؛ ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] يقول: لا بياض فيها؛ ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة استعرضوا بقرةً من البقرة فذبحوها لكانت إياها؛ ولكن شددوا على أنفسهم فشدد (الله) (٤) عليهم؛ ولولا أن القوم استثنوا، فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] لما هدوا إليها أبدًا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نُعتت لهم إلا عند عجوز، وعندها يتامى، وهي القيمة عليهم؛ فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة؛ وأنها سألت أضعاف ثمنها؛ فقال موسى: إن الله قد خفف (عنكم) (٥) فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا. (واشتروها) (٦) فذبحوها؛ فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل؛ ففعلوا؛ فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله؛ ثم عاد ميتًا كما كان. فأُخذ قاتله، وهو الذي كان أتى موسى ﵇ (٧)، فقتله إليه، فقتله الله على أسوأ عمله. وقال محمد بن جرير (٨): ...............................................................

стр. 497

حدثني (محمد) (١) بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، (عن أبيه) (٢)، عن ابن عباس، في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ (٣) كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له؛ وكان بنو أخيه ورثته؛ فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؛ وذلك أنهما كانتا مدينتين؛ كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قُتل (فطرح) (٤) بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية، وأنهم لما سوَّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه؛ ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتك؛ فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇. فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة: نقسم بالله (ما قتلنا) (٥)، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا؛ وإن جبرائيل جاء بأمر (ربه) (٦) السميع العليم إلى موسى ﵇ (٧)، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتضربوه ببعضها. وقال السدي (٨): ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ (٩) أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] (٩)﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، (وكانت) (١٠) له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج؛ فخطب إليه ابن أخيه ابنته؛ فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته؛ فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي، فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها؛ فإنهم إذا رأوك معي أعطوني.

стр. 498

فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله؛ فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده، فانطلق نحوه؛ فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه؛ فأخذهم وقال: قتلتم عمي؛ فأدوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعماه! فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه؛ فيؤخذ صاحب (الفرصة) (١)، فوالله إن ديته علينا لهينة (ولكنا) (٢) نستحيي أن نعير به، فذلك حين يقول (الله) (٣) (تعالى) (٤): ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢] فقال لهم موسى ﵇ (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قالوا: نسأل عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرةً! أتهزأُ بنا! ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال ابن عباس (٦): فلو اعترضوا بقرةً فذبحوها لأجزأت عنهم، (ولكنهم) (٧) شددوا وتعنتوا (على) (٨) موسى، فشدد الله عليهم؛ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. والفارض: الهرمة التي لا تلد. والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها. ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩] قال: نقي لونها؛ ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قال: تعجب الناظرين، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٠، ٧١] من بياض، ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مر به معه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح؛ فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ أبي، فآخذه منك بثمانين ألفًا (٩).

стр. 499

قال الآخر: أيقظ أباك، وهو لك بستين ألفًا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ، حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرةً ببقرة؛ فأبى؛ فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرًا (١)؛ فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ﵇، فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدناها عند هذا، وأبى أن (يعطيناها) (٢)، وقد أعطيناه ثمنًا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله؛ أنا أحق بمالي. فقال: صدقت. وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوه له حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا، فباعهم إياها، وأخذ ثمنها؛ فذبحوها. قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه من قتلك! فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله، فآخذ ماله، وأنكح ابنته، فأخذوا الغلام فقتلوه. وقال سنيد (٣): حدثنا حجاج - هو ابن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد؛ وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس بنوا مدينةً فاعتزلوا شرور الناس؛ فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر (وأشرف) (٤)، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمَنَ في مكان هو وأصحابه؛ قال: (فأشرف) (٥) رئيس المدينة على باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا، ففتح الباب؛ فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول وأصحابه: هيهات؛ قتلتموه، ثم تردون الباب؟! وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في (أصحابه) (٦) بني إسرائيل كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى، فذكروا له شأنهم، قالوا: (يا رسول الله!) (٧) إن هؤلاء قتلوا قتيلًا ثم ردوا الباب. قال أهل المدينة: يا رسول الله! قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينةً كما رأيت، نعتزل شرور الناس؛ والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا. فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرةً. فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.

стр. 500

وهذه السياقات عن عبيدة، وأبي العالية، والسدي، وغيرهم فيها اختلاف ما. والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. والله أعلم (١). [فائدة: تقول العرب (٢): أصفر فاقع، وأبيض يقق وناصع ولهق ولهاق، وأخضر ناضر، وأحمر قاني، وأسود حالك وحلكوك، وحلكوك، ودجوجي، وغربيب، وأرزق ولم أسمع] (٣) [أنهم أكدوه بشيء كغيره من بقية الألوان المذكورة وهي ستة، ولا زائد عليها إلا ما يركب منها، وليس يكون أصلًا. والله أعلم] (٤). ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل، وكثرة سؤالهم لرسولهم؛ ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق (الله) (٥) عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس، وعبيدة وغير واحد؛ ولكنهم شددوا فشدد عليهم؛ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ (أي) (٦): ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها؟ قال ابن (٧) جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا (عثام) (٨) بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد (الله) (٩) عليهم. إسناد صحيح. وقد رواه غير واحد عن ابن عباس؛ وكذا قال عبيدة (١٠)، والسدي (١١)، ومجاهد (١٢)، وعكرمة (١٣)، وأبو العالية (١٤)، وغير واحد.

стр. 501

وقال ابن جريج (١): قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة (كفتهم) (٢)؛ قال ابن جريج: قال رسول الله ﷺ : "إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا (على أنفسهم) (٣) شدد الله عليهم، وايم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد"؛ قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة (لم يلقحها) (٤) الفحل، كما قاله أبو العالية (٥)، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، ووهب ابن منبه، والضحاك، والحسن، وقتادة؛ وقاله ابن عباس أيضًا. وقال الضحاك (٦)، عن ابن عباس ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يقول: نصف بين الكبيرة والصغيرة؛ وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما يكون. وروى (٧) عن عكرمة، ومجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك، نحو ذلك. (٨) [وفي "تفسير عبد بن حميد" عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: العوان؛ هي: العانس النصف. وعن خصيف، عن مجاهد، قال: ولدت بطنًا أو بطنين] (٨). وقال السدي (٩): العوان: النصف التي بين ذلك التي (ولدت) (١٠) وولد ولدها. وقال هشيم (١١)، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرةً وحشيةً. وقال ابن جريج (١٢)، عن عطاء، عن ابن عباس: من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما

стр. 502

دام لابسها؛ وذلك [قول الله (١) تعالى]: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. وكذا قال مجاهد (٢)، ووهب (٣) بن منبه: (إنها) (٤) كانت صفراء. وعن ابن عمر (٥): كانت صفراء الظلف. وعن سعيد (٦) بن جبير: كانت صفراء القرن، والظلف. وقال ابن أبي حاتم (٧): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله (تعالى) (٨): ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: سوداء شديدة السواد. وهذا غريب. والصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. وقال عطية (٩) العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ تكاد تسود، من صفرتها. وقال سعيد بن (١٠) جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: صافية اللون.

стр. 503

وروى عن أبي العالية (١)، والربيع (٢) بن أنس، والسدي (٣)، والحسن، وقتادة (٤)، نحوه. وقال شريك (٥)، عن (مغراء) (٦)، عن (٧) [ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: (صافي) (٨) وقال العوفي في "تفسيره" (٩)، عن] (٧) ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض. وقال السدي (١٠): ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي: تعجب الناظرين. وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس. وقال وهب بن (١١) منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. (١٢) [وفي التوراة أنها كانت حمراء؛ فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد. والله أعلم] (١٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ أي: لكثرتها؛ فميز لنا هذه البقرة وصفها وجلها لنا؛ ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها. وقال ابن أبي (١٣) حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى (الأودي) (١٤) الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما أعطوا، ولكن استثنوا". ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" من وجه آخر عن (سرور) (١٥) بن المغيرة (بن) (١٦) زاذان، عن عباد بن منصور؛ عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أُعطوا أبدًا؛ ولو أنهم اعترضوا بقرةً من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم".

стр. 504

وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم (مثله) (١) عن السدي. والله أعلم. ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي: إنها ليست مذللةً بالحراثة، ولا معدةً للسقي في السانية؛ بل هي مكرمة (حسناء) (٢) صبيحة مسلمة صحيحة لا عيب فيها. ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها. قال عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن قتادة: مسلمة؛ يقول: لا عيب فيها. وكذا قال أبو العالية (٤)، والربيع. وقال مجاهد (٥): مسلمة من الشية. وقال عطاء (٦) الخراساني: مسلمة القوائم والخلق لا شية فيها؛ قال مجاهد (٧): لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية (٨)، والربيع، والحسن، وقتادة: ليس فيها بياض. وقال عطاء (٩) الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم. وروي (١٠) عن عطية العوفي ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد، نحو ذلك. وقال السدي (١١): لا شية فيها من بياض، ولا سواد، ولا حمرة. وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى. [وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف، فقال: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها [بالحراثة لكنها] (١٢) لا تسقي الحرث. [وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث] (١٢). كذا قرره القرطبي (١٣) وغيره] (١٤).

стр. 505

﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة (١): الآن بينت لنا. وقال عبد الرحمن (٢) بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك - والله - قد جاءهم الحق؛ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال الضحاك (٣) عن ابن عباس: كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألا يذبحوها. يعني: أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد. وفي هذا ذم لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها. وقال محمد بن (٤) كعب، ومحمد بن قيس: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها. وفي هذا نظر؛ لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية، والسدى، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة (٥)، ومجاهد (٦)، ووهب بن (٧) منبه، وأبو العالية (٨)، وعبد الرحمن (٩) بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها (بمال كثير) (١٠). وفيه اختلاف؛ ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. قال عبد الرزاق (١١): (أنبأنا) (١٢) ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة؛ قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير؛ وهذا إسناد جيد عن عكرمة. والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا. وقال ابن جرير (١٣)؛ وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله على

стр. 506

قاتل القتيل الذي اختصموا فيه. ولم يسنده عن أحد. ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر؛ بل الصواب، والله أعلم، ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه. وبالله التوفيق. [(مسألة): استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت، أو تم تقييدها بعد الإطلاق، على صحة السلم في الحيوان، كما هو] (١) (٢) [مذهب مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد (بن حنبل) (٣)، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في "الصحيحين" (٤) عن النبي ﷺ : "لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها". وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في (قتل) (٥) الخطأ وشبه] (٢) العمد (٦) [بالصفات المذكورة بالحديث (٧). وقال أبو حنيفة، والثوري، والكوفيون: لا يصح السلم الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله. وحكى مثله عن ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة، وغيرهم] (٦).

стр. 507

﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾. قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (١) عن أبيه، عن حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم. وقال عطاء (٢) الخراساني، والضحاك: اختصمتم فيها. وقال ابن جريج (٣): ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن (٤) بن زيد بن أسلم. ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال مجاهد (٥): ما تغيبون. وقال ابن (٦) أبي حاتم: حدثنا (عمرو بن (٧) سلم) البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله. وتصديق ذلك في كلام الله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن؛ وقد كان معينًا في نفس الأمر؛ فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود لنا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه؛ فنحن نبهمه كما أبهمه الله. ولهذا قال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا (عفان) (٩) بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنةً حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه؛ قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه - يعني: القتيل - بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان. وكذا قال الحسن (١٠)، وعبد الرحمن (١١) بن زيد بن أسلم: إنه ضُرب ببعضها.

стр. 508

وفي رواية عن ابن عباس (١): أنه ضُرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وقال عبد (٢) الرزاق: (أنبأنا) (٣) معمر؛ قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها. قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها، فعاش، فقال: قتلني فلان. وقال [وكيع بن الجراح في "تفسيره":] (٤) حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ فضرب بفخذها فقام، فقال: قتلني فلان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد (٥)، وقتادة (٦) وعكرمة، نحو ذلك. وقال السدي (٧): فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش؛ فسألوه فقال: قتلني ابن أخي. وقال أبو العالية (٨): أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها فيضربوا (به) (٩) القتيل، ففعلوا؛ فرجع إليه روحه؛ فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها (١٠). [وقيل بلسانها. وقيل بعجب ذنبها] (١١). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحَيِيَ؛ ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل؛ جعل ﵎ ذلك الصنيع حجةً لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة (والعناد) (١٢). والله تعالى (قد) (١٣) ذكر في هذه السورة (ما) (١٤) خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها - وقصة إبراهيم ﵇ (١٥) والطيور الأربعة.

стр. 509

(وينبه) (١) تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا؛ كما قال أبو داود الطيالسي (٢): حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء؛ قال: سمعت وكيع بن عبدس يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرًا"؟ قال: بلى. قال: "كذلك النشور". أو قال: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾. وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ [يس: ٣٣ - ٣٥]. [(مسألة): استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثًا (٣) بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني؛ فكان ذلك مقبولًا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذٍ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه. ورجحوا ذلك؛ لحديث (٤) أنس أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاح (٥) لها، فرضخ رأسها بين حجرين؛ فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي؛ فأومأت برأسها؛ فأخذ] (٦) [اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف؛ فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين. وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامةً، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] (٧).

стр. 510

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾. يقول تعالى، توبيخًا لبني إسرائيل، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله؛ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ التي لا تلين أبدًا. ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم؛ فقال: ﴿* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]. وقال العوفي في "تفسيره" (١) عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني. ثم قُبض؛ فقال بنو أخيه حين (قبض) (٢): والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد (إذ) (٣) رأوه. فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (٤) [يعني: (بني) (٥) أخي الشيخ] (٤)، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسيةً بعيدةً عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات؛ فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوةً من الحجارة؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون (الجارية بالأنهار) (٦) ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله. وفيه إدراك لذلك بحسبه؛ كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. قال ابن أبي نجيح (٧)، عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو (ينشق) (٨) عن ماء، أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن. وقال محمد بن (٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 511

[وقال أبو علي (الجبائي) (١) في "تفسيره": ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ هو سقوط البرد من السحاب. قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده (فخر الدين) (٢) الرازي؛ وهو كما قال: فإن هذا خروج عن (ظاهر) (٣) اللفظ بلا دليل. والله أعلم] (٤). وقال ابن أبي حاتم (٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب - (يعني: يحيى) (٦) بن يعقوب - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ قال: كثرة البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب من غير دموع العين. [وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: كالعيون السارحة المشاهدة، تخرج من الأحجار عيانًا، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ كحجر موسى الذي كان إذا ضربه نبع منه اثنا عشرة عينًا بإذن الله في ذلك، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: من رؤوس شواهق الجبال، وهذا كقوله: "أُحد جبل يحبنا ونحبه"] (٧). [وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قال (فخر الدين) (٨) (الرازي) (٩) والقرطبي (١٠) وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى] (١١) [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ … ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ … ﴾ الآية [النحل: ٤٨] ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ … ﴾ الآية [الحشر: ٢١]، [﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ (الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) (١٢)] (١٣) [فصلت: ٢١]. [وفي "الصحيح" (١٤): "هذا جبل يحبنا ونحبه"] (١٥) وكحنين الجذع (١٦) المتواتر خبره] (١٧).

стр. 512

[وفي "صحيح (١) مسلم": "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". وفي صفة الحجر (٢) الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة] (٣). [وغير ذلك مما في معناه. [وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "أبي عبد الله (٤) الفيحي أو الفتحي" قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: تكلمت بشيء من الحكمة بين يدي هذا العمود الحجر، فقطر العمود دماءً!] (٥). قال: وخرجنا (مرة نريد دير مران) (٦)، ومعنا جماعة، منهم رجل معه في كمه محبرة، فتكلم رجل منا بشيء من الحكمة، فصاحت المحبرة صياحًا عاليًا، وانفلقت!] (٧). تنبيه: اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك؛ فقال بعضهم: "أو" ها هنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]] (٨) وكما قال النابغة (الذبياني) (٩): [قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد تريد ونصفه؛ قاله ابن جرير. وقال ابن جرير (١٠) بن عطية: نال الخلافة أو كانت له قدرًا … كما أتى ربه موسى على قدر قال ابن جرير: يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرًا] (١١). [وحكى القرطبي (١٢) قولًا بالتخيير؛ أي: شبهوها بهذا أو بهذا، مثل: جالس الحسن] (١٣)

стр. 513

[(أو) (١) ابن سيرين، وكذا حكاه (فخر الدين) (٢) (الرازي) (٣) في "تفسيره" (٤)، وزاد قولًا آخر وهو أنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب؛ كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا؟ وهو يعلم أيهما أكل. وقولًا آخر: وهو أنها بمعنى قول القائل: (أكلي حلو أو حامض) (٥)؛ أي: لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] (٦). وقال آخرون: "أو" ها هنا بمعنى "بل"؛ فتقديره: فهي كالحجارة؛ بل أشد قسوة. وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]. وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ عندكم؛ حكاه ابن جرير. وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود: أحب محمدًا حبًا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصايا (٧) فإن يك حبهم رشدًا أصبه … (وليس) (٨) بمخطئ إن كان غيا وقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمي رشد، ولكنه أبهم على (من) (٩) خاطبه؛ قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فقال: أو كان شاكًا من أخبر بهذا [في الهادي منهم من الضال] (١٠). وقال بعضهم: معنى ذلك: (فقلوبهم) (١١) لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها (قسوةً) (١٢). قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوةً، وبعضها أشد قسوةً من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير (١٣) مع توجيه غيره. قلت: وهذا القول الأخير يبقى شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] مع قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ … ﴾ الآية [النور: ٤٠] أي: إن منهم من هو هكذا؛ ومنهم من هو هكذا. والله أعلم.

стр. 514

وقال الحافظ أبو بكر (١) بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي". رواه الترمذي في "كتاب الزهد" من "جامعه" عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد، به. ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: "غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم". [وروى البزار (٢) عن أنس - مرفوعًا: "أربع من الشقاء: جمود العين، (وقساء) (٣) القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"] (٤). ﴿* أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾. يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة؟ هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد

стр. 515

ذلك، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]. قال محمد بن إسحاق (١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس قوله: (سمعوا التوراة) (٢)، كلهم قد سمعها، (ولكنهم) (٣) الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها. وقال محمد (٤) بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى: قد حيل بيننا وبين رؤية (الله) (٥) تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى؛ فقال: نعم، مرهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم، ويصوموا. ففعلوا؛ ثم خرج بهم حتى أتوا الطور؛ فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى (أن يسجدوا) (٦)، (فوقعوا سجودًا) (٧)، وكلمه ربه (فلما سمعوا) (٨) كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا (عنه) (٩) ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل. فلما جاءهم (حرَّف) (١٠) فريق منهم ما أمروا به، [وقالوا - حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا؛ قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله -: إنما قال كذا وكذا، خلافًا لما قال الله ﵇ لهم] (١١)؛ فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ . وقال السدي (١٢): ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة حرفوها.

стр. 516

وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق؛ وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق؛ فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله (أن) (١) يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران ﵊؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي: مبلغًا إليه. ولهذا قال قتادة (٢) في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه (ووعوه) (٣). وقال مجاهد (٤): الذين يحرفونه والذين يكتمونه (هم) (٥) العلماء منهم. وقال أبو العالية (٦): عمدوا إلى ما أنزل الله في (نص) (٧) كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه. وقال السدي (٨): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب (٩): قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوةٍ أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوةٍ أخرجوا له ذلك الكتاب؛ فهو فيه محق. (وإن جاء) (١٠) أحد يسألهم (شيئًا) (١١) ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] (١٢) … ﴾ الآية. قال محمد بن (١٣) إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: (بصاحبكم) (١٤) رسول الله ولكنه إليكم خاصةً؛ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم؛ فكان منهم؛ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: تقرون بأنه نبي؛ وقد علمتم أنه قد

стр. 517

أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي (كنا ننتظر) (١)، ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به؛ يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾. وقال الضحاك (٢)، عن ابن عباس: يعني: المنافقين من اليهود؛ كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا. وقال السدي (٣): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا؛ وكذا قال الربيع (٤) بن أنس، وقتادة (٥)، وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن (٦) بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله ﷺ قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن "؛ فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا؛ فكانوا يأتون المدينة بالبُكر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران: ٧٢] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره؛ فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر؛ فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون؛ وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى؛ فإذا رجعوا إلى قومهم (يعني: الرؤساء) (٧)؛ فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. وقال أبو العالية (٨): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ . وقال عبد الرزاق (٩)، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج (١٠): حدثني القاسم بن أبي (بزة) (١١)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: قام النبي ﷺ قريظة تحت حصونهم؛

стр. 518

فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا (الأمر) (١) إلا منكم؛ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجةً عليكم. قال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًا، فآذوا محمدًا ﷺ (٢). وقال السدي (٣): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا؛ فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. وقال عطاء الخراساني (٤): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم. وقال الحسن البصري (٥): هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقوله (تعالى) (٦): ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ قال أبو العالية (٧): يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ ، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم؛ وكذا قال قتادة (٨). وقال الحسن (٩): ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ ، وخلا بعضهم إلى بعض، (تناهوا) (١٠) أن (يخبر أحد) (١١) منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ : آمنا. وكذا قال أبو العالية (١٢)، والربيع (١٣)، وقتادة (١٤).

стр. 519

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾. يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ (أُمِّيُّونَ)﴾ (١) أي: ومن أهل الكتاب؛ قاله مجاهد (٢). والأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة؛ قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم (٣) النخعي، وغير واحد؛ وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ (إِلَّا أَمَانِيَّ)﴾ أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي ﷺ : أنه الأمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال ﵊:، إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب: الشهر هكذا وهكذا وهكذا … " الحديث (٤)؛ أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب. وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقال ابن جرير (٥): نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس (٦) ﵄ قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم؛ ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله. وقال (٧): قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير (٧): وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأميَّ عند العرب الذي لا يكتب. قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة (٨)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا أحاديث.

стр. 520

وقال الضحاك (١)، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولون بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد (٢): إلا كذبًا. وقال سنيد (٣)، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: أنا من (يهود) (٤) لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري (٥) نحوه. وقال أبو العالية (٦)، والربيع، وقتادة (٧): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال عبد الرحمن (٨) بن زيد بن أسلم: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا، فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم. قال ابن جرير (٩): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس؛ (وقول) (١٠) مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله (تعالى) (١١) (أنهم) (١٢) لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا؛ والتمني في هذا الموضع: هو تخلق الكذب وتخرصه؛ ومنه الخبر المروي عن عثمان (١٣) بن عفان ﵁: "ما تغنيت ولا تمنيت" يعني: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب.

стр. 521

[وقيل: المراد بقوله: إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا؛ أي: إلا تلاوةً؛ فعلى هذا يكون استثناءً منقطعًا؛ واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] أي: تلا ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ … ﴾ الآية [الحج: ٥٢] وقال كعب بن (١) مالك الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليله … وآخره لاقى حمام المقادر] (٢) [وقال آخر: تمنى كتاب الله آخر ليله … تمني داود (الكتاب) (٣) على رسل] (٤) وقال محمد بن إسحاق (٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: [ولا يدرون ما فيه، (وهم يجدون نبوتك) (٦) بالظن. وقال مجاهد (٧): ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾] (٨) يكذبون. وقال قتادة (٩)، وأبو العالية (١٠)، والربيع (١١): يظنون بالله الظنون بغير الحق. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية: هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل. والويل: الهلاك والدمار؛ وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري (١٢)، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.

стр. 522

وقال عطاء بن يسار (١): الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره". ورواه الترمذي (٣) عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة". قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده؛ وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر، والله أعلم. وقال ابن جرير (٤): حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام (بن) (٥) صالح (القشيري) (٦)، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه) (٧)، عن رسول الله ﷺ : ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قال: "الويل جبل في النار"؛ وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة؛ ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وهذا غريب أيضًا جدًّا.

стр. 523

[وعن ابن عباس: الويل: (المشقة) (١) من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر. وقال سيبويه: "ويل": لمن وقع في الهلكة، "وويح": لمن أشرف عليها؛ وقال الأصمعي: الويل: تفجع. (والويح) (٢): ترحم. وقال غيره: الويل الحزن. وقال الخليل: وفي معنى "ويل" و"ويح" و"ويس" و"ويه" و"ويك" و"ويت". ومنهم من فرق بينها. وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها لمعنى ألزمهم ويلًا. قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] (٣). وعن عكرمة (٤)، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد (٥)، عن قتادة: هم اليهود. وقال (وكيع في "تفسيره": حدّثنا) (٦) سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب. وقال السدي (٧): كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله (فيأخذوا) (٨) به ثمنًا قليلًا. وقال الزهري (٩): أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال: يا معشر المسلمين؛ كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدثُ أخبار الله تقرؤونه (غضًا) (١٠) لم يشب، وقد حدثكم الله (تعالى) (١١) أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب؛ وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؛ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم. رواه البخاري من طرق عن الزهري. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري (١٢): الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.

стр. 524

وقوله (تعالى) (١): ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك (٢)، عن ابن عباس (﵄) (٣) ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم. ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾. يقول تعالى، إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم؛ من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينجون منها؛ فرد الله عليهم ذلك بقوله (تعالى) (٤): ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: بذلك؛ فإن كان قد وقع (عهد) (٥) فهو لا يخلف (وعده) (٦) ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى: "بل"؛ أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه. قال محمد بن إسحاق (٧)، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون (إن) (٨) هذه الدنيا سبعة آلاف سنةً، وإنما نعذب بكل (ألف) (٩) سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً … ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢]. ثم رواه (١٠) عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه. وقال العوفي (١١)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلةً. [زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي (١٢) عن ابن عباس، وقتادة] (١٣).

стр. 525

وقال الضحاك (١): قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. وقال عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل. وقال عكرمة (٣): خاصمت اليهود رسول الله ﷺ ، فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلةً، وسيخلفنا (إليها) (٤) قوم آخرون - يعنون محمدًا ﷺ وأصحابه ﵃؛ فقال رسول الله ﷺ بيده على (رؤوسهم) (٥) بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم (إليها) (٤) أحد؛ فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً … ﴾ الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٦) ﵀: حدثنا (عبد الله) (٧) بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة (﵁) (٨)؛ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم؛ فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا لي من كان من اليهود ها هنا". فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أبوكم! " قالوا: فلان. قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم (تخلفونا) (٩) فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ : "اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك. ورواه الإمام أحمد والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعدٍ بنحوه.

стр. 526

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾. يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه من عمل سيئةً وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة؛ بل جميع أعماله سيئات؛ فهذا من أهل النار. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤]. قال محمد بن إسحاق (٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: عمل (بمثل) (٣) أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنةٍ. وفي رواية (٤) عن ابن عباس: قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم (٥): وروى عن أبي وائل (٦)، وأبي العالية، ومجاهد (٧)، وعكرمة، والحسن، وقتادة (٨)، والربيع بن أنس (٩)، نحوه. وقال الحسن (١٠) أيضًا، والسدي (١١): السيئة الكبيرة من الكبائر. وقال ابن جريج (١٢)، عن مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه.

стр. 527

وقال أبو هريرة (١) وأبو وائل، وعطاء، والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالوا: أحاط به شركه. وقال الأعمش (٢)، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب. وعن السدي (٣)، وأبي رزين (٤) نحوه. وقال أبو العالية (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن - في رواية عنهما -، وقتادة (٧)، والربيع بن أنس (٨): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (الكبيرة الموجبة) (٩). وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام (١٠) أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا

стр. 528

(عمران، عن قتادة) (١)، عن عبد ربه، عن (أبي عياض) (٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيءُ بالعود حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها". وقال محمد بن إسحاق (٣): حدثني محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها؛ يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله (أبدًا لا انقطاع له) (٤). ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه؛ فأمرهم (تعالى) (٥) أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله (تبارك و) (٥) تعالى أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين؛ وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن (الله) (٦) (تبارك و) (٥) تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال (تبارك (٥) و) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وفي "الصحيحين" (٧) عن ابن مسعود: قلت: "يا رسول الله؛ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله". ولهذا جاء في الحديث الصحيح (٨) أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك.

стр. 529

قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك؛ ثم أدناك، أدناك". [وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري (١): خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله ﴿لَا تَعْبُدُونَ (إِلَّا اللَّهَ) (٢)﴾ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت "أن" (فارتفع) (٣). وحُكي عن أُبيٍّ، وابن مسعود أنهما قرآها "لا تعبدوا إلا الله" (٤). [وقيل: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم؛ أي: والله لا تعبدون إلا الله] (٥)، ونقل هذا التوجيه القرطبي في "تفسيره" (٦) عن سيبويه. قال: واختاره (المبرد) (٧)، والكسائي، والفراء] (٨). قال: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء (٩). [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم مطلق في بني آدم من الأم أيضًا] (١٠) والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية "النساء" التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ﴾ الآية [النساء: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا؛ ويدخل في ذلك

стр. 530

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف؛ كما قال الحسن البصري (١) في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحلم وتعفو وتصفح، وتقول للناس حسنًا؛ كما قال الله؛ وهو كل خلق حسن (رضيَه (٢) الله. [وقرأ بعضهم "حَسَنًا" (٣) أي: قولًا حسنًا، وقرأ آخرون: "حُسْنىَ" (٤) مثل: "فعلى"، وأنكرها على الأخفش جماعة، وقالوا: لا يستعمل ذلك إلا بالألف واللام، مثل: الكبرى، والحسنى، والعظمى. وعزوه إلى سيبويه. نقله القرطبي (٥)] (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر (﵁) (٨)، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فالْق أخاك بوجه (طلق) (٩) ". وأخرجه مسلم في "صحيحه" والترمذي وصححه من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به. وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ (فجمع) (١٠) بين طرفي الإحسان (الفعلي) (١١) والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس (بالمتعين) (١٢) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة؛ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم. وقد أمر (الله تعالى) (١٣) هذه الأمة بنظير ذلك في "سورة النساء" بقوله: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها. ولله الحمد والمنة.
следующие страницы →