← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾. يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه من عمل سيئةً وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة؛ بل جميع أعماله سيئات؛ فهذا من أهل النار. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤]. قال محمد بن إسحاق (٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: عمل (بمثل) (٣) أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنةٍ. وفي رواية (٤) عن ابن عباس: قال: الشرك. قال ابن أبي حاتم (٥): وروى عن أبي وائل (٦)، وأبي العالية، ومجاهد (٧)، وعكرمة، والحسن، وقتادة (٨)، والربيع بن أنس (٩)، نحوه. وقال الحسن (١٠) أيضًا، والسدي (١١): السيئة الكبيرة من الكبائر. وقال ابن جريج (١٢)، عن مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه.

стр. 527

وقال أبو هريرة (١) وأبو وائل، وعطاء، والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالوا: أحاط به شركه. وقال الأعمش (٢)، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب. وعن السدي (٣)، وأبي رزين (٤) نحوه. وقال أبو العالية (٥)، ومجاهد (٦)، والحسن - في رواية عنهما -، وقتادة (٧)، والربيع بن أنس (٨): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (الكبيرة الموجبة) (٩). وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام (١٠) أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا

стр. 528

(عمران، عن قتادة) (١)، عن عبد ربه، عن (أبي عياض) (٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيءُ بالعود حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها". وقال محمد بن إسحاق (٣): حدثني محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها؛ يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله (أبدًا لا انقطاع له) (٤). ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾. يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه؛ فأمرهم (تعالى) (٥) أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله (تبارك و) (٥) تعالى أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين؛ وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن (الله) (٦) (تبارك و) (٥) تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال (تبارك (٥) و) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وفي "الصحيحين" (٧) عن ابن مسعود: قلت: "يا رسول الله؛ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله". ولهذا جاء في الحديث الصحيح (٨) أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك.

стр. 529

قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك؛ ثم أدناك، أدناك". [وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري (١): خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله ﴿لَا تَعْبُدُونَ (إِلَّا اللَّهَ) (٢)﴾ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت "أن" (فارتفع) (٣). وحُكي عن أُبيٍّ، وابن مسعود أنهما قرآها "لا تعبدوا إلا الله" (٤). [وقيل: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم؛ أي: والله لا تعبدون إلا الله] (٥)، ونقل هذا التوجيه القرطبي في "تفسيره" (٦) عن سيبويه. قال: واختاره (المبرد) (٧)، والكسائي، والفراء] (٨). قال: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء (٩). [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم مطلق في بني آدم من الأم أيضًا] (١٠) والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية "النساء" التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا … ﴾ الآية [النساء: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا؛ ويدخل في ذلك

стр. 530

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف؛ كما قال الحسن البصري (١) في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحلم وتعفو وتصفح، وتقول للناس حسنًا؛ كما قال الله؛ وهو كل خلق حسن (رضيَه (٢) الله. [وقرأ بعضهم "حَسَنًا" (٣) أي: قولًا حسنًا، وقرأ آخرون: "حُسْنىَ" (٤) مثل: "فعلى"، وأنكرها على الأخفش جماعة، وقالوا: لا يستعمل ذلك إلا بالألف واللام، مثل: الكبرى، والحسنى، والعظمى. وعزوه إلى سيبويه. نقله القرطبي (٥)] (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر (﵁) (٨)، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فالْق أخاك بوجه (طلق) (٩) ". وأخرجه مسلم في "صحيحه" والترمذي وصححه من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به. وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ (فجمع) (١٠) بين طرفي الإحسان (الفعلي) (١١) والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس (بالمتعين) (١٢) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة؛ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم. وقد أمر (الله تعالى) (١٣) هذه الأمة بنظير ذلك في "سورة النساء" بقوله: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها. ولله الحمد والمنة.

стр. 531

ومن النقول الغريبة ها هنا ما ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف - يعني: (التنيسي) (٢)، حدثنا خالد بن (صبيح) (٣)، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة - أنه كان يخرج من منزله فلا يلى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا (سلَّم) (٤) عليه؛ فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني فقال: إن الله (تعالى) (٥) يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام. قال (٦): وروى عن عطاء الخراساني (٧) نحوه. قلت: وقد (ثبت في) (٨) السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام (٩)، والله أعلم (١٠). ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾. يقول (الله) (١١) (تبارك و) (١٢) تعالى، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج؛ وذلك أن الأوس والخزرج، وهم

стр. 532

الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص (كتابه) (١)، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وذلك أن أهل (الملة) (٢) الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال (٣) ﵊: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى (والسَّهر) (٤) ". وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به. [﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ تقديره: ثم أنتم يا هؤلاء، ومنع (كثير) (٥) من النحاة حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وسوغه بعضهم؛ وهو ظاهر السياق. وقيل: هؤلاء بمعنى: "الذين"، ومعناه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم … إلى آخره. وقيل معناه: ثم أنتم اليوم هؤلاء؛ [مبتدأ وخبر؛ أي: ثم صرتم بعد العهود والمواثيق] (٦) على ما أنتم عليه من] (٧) [الصفة المفسَّرة بما بعده. قال الزمخشري (٨): نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات؛ كما يقال: دخل بغير الوجه الذي خرج به] (٩). ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ … ﴾ الآية. قال محمد بن (١٠) إسحاق بن (يسار) (١١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة؛ عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾

стр. 533

الآية؛ قال: (أنبأهم) (١) الله بذلك من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداءَ أسراهم؛ فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع (وأنهم) (٢) حلفاء الخزرج والنضير؛ وقريظة (وأنهم) (٢) حلفاء الأوس؛ فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس؛ يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، (ويطلون) (٣) ما أصابوا من دمائهم، (وقتلوا) (٤) من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرةً لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره (حين) (٥) (أنبأهم) (٦) بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم بحكم التوراة. وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا (يفعل) (٧) (ويخرجه من داره، ويظاهر) (٨) عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. وقال أسياط، من السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب (سمير) (٩)، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها (ويغلبونهم) (١٠)، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها؛ فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن (تستذل حلفاؤنا) (١١)؛ فذلك حين عيرهم الله ﵎؛ فقال (تعالى) (١٢): ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ … ﴾ الآية.

стр. 534

وقال (شعبة) (١)، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ … ﴾ الآية. وقال أسباط (٢)، عن السدي، عن عبد خير؛ قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي (بلنجر) (٣)، فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهوديةً بسبعمائة؛ فلما مر برأس الجالوت نزل به؛ فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز ها هنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائةً أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه (التي) (٤) في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته؛ ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين. وقال آدم بن أبي إياس (٥) في "تفسيره": حدثنا أبو جعفر؛ يعني: الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء من لم يقع (عليها) (٦) مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن. والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه، ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله (عليهم الصلاة والسلام). واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (أي) (٧): بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره؛ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاءً على (ما كتموه من) (٨) كتاب الله الذي بأيديهم، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا (تَعْمَلُونَ) (٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها، ﴿فَلَا

стр. 535

يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعةً واحدةً؛ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه (١). ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾. ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم؛ فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، وهو التوراة، فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ … ﴾ الآية [المائدة: ٤٤]. ولهذا قال (تعالى) (٢): ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام؛ ولهذا أعطاه الله من البينات. وهي المعجزات؛ قال ابن عباس (٣): من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، (وإبرائه) (٤) الأسقام، وإخباره بالغيوب، (والتأييد) (٥) بروح القدس - وهو جبريل ﵇ ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم، لمخالفة التوراة في البعض؛ كما قال تعالى، إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ … ﴾ الآية [آل عمران: ٥٠] فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵇ (٦)؛ (ففريقًا يكذبون وفريقًا يكذبونه ويقتلونه) (٧)، وما ذاك إلا لأنهم (كانوا) (٨) يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، (وبإلزامهم) (٩) بأحكام التوراة التي (قد) (١٠) تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان ذلك يشق عليهم (فيكذبونهم) (١١)؛ وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾! والدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود (١٢) في تفسير هذه الآية،

стр. 536

وتابعه على ذلك (ابن عباس و) (١) محمد بن كعب، وإسماعيل (٢) بن أبي خالد والسدي (٣)، والربيع (٤) بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة (٥)، مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] كما قال البخاري (٦): وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن (عروة) (٧)، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ : فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن (نبيه) (٨) ". (وهذا) (٩) من البخاري تعليقًا. وقد رواه أبو داود في "سننه" عن (لوين) (١٠)، والترمذي عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري؛ ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة؛ عن عائشة به. وقال الترمذي: "حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد". وفي "الصحيحين" (١١)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن عمر (بن الخطاب) (١٢) مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه؛ فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس": فقال: اللهم نعم. وفي بعض الروايات (١٣) أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك". [وفي شعر حسان قوله: وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] (١٤)

стр. 537

وقال محمد بن (١) إسحاق: حدثني (عبد الله بن) (٢) عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ قالوا: أخبرنا عن الروح؛ فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبرائيل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم. [وفي "صحيح ابن حبان" (٣)] (٤) [(وأظنه) (٥) عن ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"] (٦). (أقوال أخر) (٧): قال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. وقال ابن جرير (٩): حُدِّثت عن المنجاب فذكره. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ونقله القرطبي (١٠)، عن عبيد بن عمير أيضًا؛ قال: وهو الاسم الأعظم] (١١). وقال ابن أبي نجيح (١٢): الروح هو حفظة على الملائكة. وقال أبو جعفر الرازي (١٣)، عن الربيع بن أنس: القدس: هو الرب ﵎. وهو قول كعب (١٤).

стр. 538

[وحكى القرطبي عن مجاهدٍ والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه جبريل. فعلى هذا يكون القول الأول] (١). وقال السدي (٢): القدس: البركة. وقال العوفي (٣)، عن ابن عباس: القدس (الطهر) (٤). وقال ابن جرير (٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد - في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ثم قال ابن جرير (٦): وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبرائيل؛ فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ … ﴾ الآية [المائدة: ١١٠] فذكر أنه أيده به؛ فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل لكان قوله: إذ أيدتك بروح القدس. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل - تكرير قول لا معنى له، والله (٧) أعزُّ (وأجل) (٨) أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم (به) (٨). قلت: ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق. ولله الحمد (والمنة) (٩). [وقال الزمخشري (١٠): (بروح القدس): بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس؛ كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فوصفه بالاختصاص والتقريب (للكرامة) (١١) وقيل: لأنه لم (تضمه) (١٢) الأصلاب والأرحام الطوامث. وقيل: بجبريل. وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. فتضمن كلامه قولًا آخر؛ وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة] (١٣). [وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي (محمد ﷺ ) (١٤)] (١٥)

стр. 539

[بالسم والسحر. وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أُكلة خيبر (تعادني) (١)، فهذا أوان (انقطاع) (٢) أبهري (٣) " (٤). قلت: وهذا الحديث في "صحيح البخاري" (٥) وغيره] (٦). تم بحمد الله الجزء الثاني من تفسير الحافظ ابن كثير ﵀، ويعقبه الجزء الثالث وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] والله المستعان على إتمامه على الوجه الذي يرضيه عني. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] أي: في أكنة. وقال علي بن أبي طلحة (٧)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه. وقال العوفي (٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي القلوب المطبوع عليها. وقال مجاهد (٩): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ عليها غشاوة. وقال عكرمة (١٠): عليها طابع. وقال أبو العالية (١١): أي: لا تفقه. وقال السدي (١٢): يقولون عليها غلاف وهو الغطاء. وقال عبد الرزاق (١٣)، عن معمر، عن قتادة (١٤): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: فلا يخلص إلينا شيء مما تقول.

стр. 540

وقال عبد الرحمن بن زيد (١) بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه (ما تقول) (٢). وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]. وهذا (هو) (٣) الذي رجحه ابن جرير (٤)؛ واستشهد بما روى من حديث عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة (٥)؛ قال: "القلوب أربعة"؛ فذكر منها: "وقلب أغلف (معصوب) (٦) عليه، وذاك قلب الكافر". وقال ابن أبي حاتم (٧): حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن. وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير. قول آخر: قال الضحاك (٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: (يقولون) (٩): قلوبنا (غلف) (١٠) مملوءة (علمًا) (١١) لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وقال (عطية العوفي) (١٢): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: أوعية للعلم. وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض (الأمصار) (١٣) فيها، حكاه ابن جرير (١٤) "وقالوا قلُوبنا غُلُف" (١٥) بضم اللام، (نقلها الزمخشري) (١٦) (عن أبي عمرو وحكاها القرطبي عن ابن عباس والأعرج وابن محيصن) (١٧)؛ أي: جمع غلاف؛ أي: أوعية؛ بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا (يمنُّون) (١٨) بعلم التوراة. [وقال القرطبي (١٩): معناه: وقالوا قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم قول محمد؟ والأول أولى؛ لأنه منصوص عن ابن عباس، أنهم يقولون: نحن في غنية بما عندنا من العلم] (٢٠)

стр. 541

[عما جاء به محمد ﷺ ؛ [وهذا شبيه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾] (١) [غافر] (٢) (٣) ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر كما ادعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]. وقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقال بعضهم: (قليل) (٤) من يؤمن منهم [اختاره فخر الدين الرازي، وحكاه عن قتادة، والأصم، وأبي مسلم الأصفهاني] (٣) وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى: أنهم يؤمنون بما (جاءهم) (٥) (به) (٦) موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه (إيمان) (٧) لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . [وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء؛ وإنما قال فقليلًا ما يؤمنون، وهم بالجميع كافرون؛ كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط؛ تريد: ما رأيت مثل هذا قط. وقال الكسائي: تقول العرب (مررنا) (٨) بأرض قلما تنبت؛ أي: لا تنبت شيئًا] (٩). حكاه ابن جرير ﵀. والله أعلم. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: من التوراة. وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم؛ يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق (١٠)، عن عاصم بن (عمر) (١١) بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم؛ قال: (قالوا) (١٢): فينا والله وفيهم؛ يعني: في الأنصار، وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة؛ يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قالوا: كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتابًا (فكانوا) (١٣)

стр. 542

يقولون: إن نبيًا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال الضحاك (١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: (يستظهرون) (٢)؛ يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك؛ بل يكذبون. وقال محمد بن إسحاق (٣): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ، ونحن أهل شرك، (وتخبرونا) (٤) بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم؛ فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. [وقال العوفي (٥)، عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (٦) يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب؛ يعني: بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد ﷺ ، ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه. وقال أبو العالية (٧): كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب؛ يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم؛ فلما بعث الله محمدًا ﷺ ، ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ؛ فقال الله (تعالى) (٨): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال قتادة (٩): ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي؛ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.

стр. 543

وقال مجاهد (١): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال: هم اليهود. [وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن] (٣) [ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا على بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب، والميزان، والجنة، والنار، فقال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا، يحمونه ثم يدخلونه إياه، فيطبقونه عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنًا: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله! ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به! تفرد به أحمد] (٤). [وحكى القرطبي (٥) وغيره عن ابن عباس أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان، فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي] (٦)

стр. 544

[وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: وكذلك كانوا يصنعون؛ يدعون الله به فينصرون على أعدائهم ومن ناوأهم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ أي: من الحق وصفة محمد ﷺ ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾] (١). ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾. قال مجاهد (٢): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه. وقال السدي (٣): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم؛ (يعني) (٤) بئسما اعتاضوا لأنفسهم، (ورضوا) (٥) به. [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه ومؤازرته ونصرته] (٦)؛ وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية لـ ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ولا حسد أعظم من هذا. قال ابن إسحاق (٧)، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إن الله جعله من غيرهم.

стр. 545

﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قال ابن عباس (١) - فالغضب على الغضب: فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم. قلت: ومعنى "باءوا": استوجبوا واستحقوا واستقوا بغضب على غضب. وقال أبو العالية (٢): غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن (٣). [وعن عكرمة (٤) وقتادة (٥) مثله] (٦). قال السدي (٧): أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ . (وعن ابن عباس مثله) (٨). وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] (٩). وقد قال الإمام أحمد (١٠): حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار (يسقون) (١١) من طينة الخبال عصارة أهل النار".

стр. 546

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (أي): (١) على محمد ﷺ ، وصدقوه واتبعوه، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أُنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك، ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني: بما بعده؛ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ الحق. ﴿مُصَدِّقًا﴾ (منصوب) (٢) على الحال؛ أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦، الأنعام: ٢٠] (ثم) (٣) قال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي؛ كما قال (تعالى) (٤): ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقال السدي (٥) في هذه الآية: يعيرهم الله (تبارك و) (٣) تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال أبو جعفر (٦) بن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل - (الذين) (٧) إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا -: لم تقتلون - إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم (فيه) (٨) باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؛ وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعيير لهم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات، والدلائل (القاطعة) (٩) على أنه رسول الله ( ﷺ ) (١٠)، وأنه لا إله إلا الله. (والبينات) (١١) هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها.

стр. 547

﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله (١)، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف]. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾. (يعدد) (٢) (تبارك) (٣) وتعالى (عليهم) (٤) خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، (وعتوهم) (٥)، (وإعراضهم) (٦) عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه؛ ثم خالفوه؛ ولهذا (قال): (٧) قالوا: سمعنا وعصينا. وقد تقدم تفسير ذلك. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال عبد الرزاق (٨)، عن (معمر، عن) (٩) قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ (بِكُفْرِهِمْ) (١٠)﴾ (قال) (١١): أشربوا (في قلوبهم) (١٢) حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال (١٣) أبو العالية، والربيع بن أنس. وقال الإمام (١٤) أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم

стр. 548

الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ : قال: "حبك (الشيء) (١) يعمي ويصم". ورواه أبو داود عن (حيوة) (٢) بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، (به) (٣). وقال السدي (٤): أخذ موسى ﵇ العجل (فذبحه بالمبرد) (٥)، ثم (ذراه) (٦) في البحر، ثم لم يبق بحر يجري (يومئذ إلا وقع) (٧) فيه شيء؛ ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول (الله) (٨) تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا (إسرائيل) (١٠)، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن (عبد) (١١)، وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي (﵁) (١٢)؛ قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه (المبارد) (١٣) (فبرده بها) (١٤)، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك (الماء) (١٥) ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب. وقال سعيد بن جبير (١٦): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (قال: لما أحرق العجل) (١٧) بُرِد ثم

стр. 549

(نسف) (١)، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران. [وحكى القرطبي (٢) عن كتاب القشيري، أنه ما شرب (منه) (٣) أحد ممن عبد العجل إلا جن. (ثم قال القرطبي) (٤): وهذا شيء غير ما ها هنا؛ لأن المقصود من] (٥) [هذا السياق أنه ظهر (التغير) (٦) على شفاههم ووجوههم. والمذكور ها هنا أنهم أشربوا في قلوبهم (حب) (٦) العجل؛ يعني: في حال عبادتهم له؛ ثم أنشد قول النابغة في زوجته: "عثمة": تغلغل حب (عثمة) (٧) في فؤادي … (فباديه) (٨) مع الخافي يسير تغلغل حيث لم (يبلغ) (٩) شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد (منها) (١٠) … أطير لو أن إنسانًا يطير] (١١) [وقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه؛ من كفركم بايات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ ؛ وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين؛ فكيف تدعون لأنفسكم الايمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل (من دون الله) (١٢)] (١٣). ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. قال محمد بن إسحاق (١٤): (حدثني) (١٥) محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (١٦): يقول الله (تعالى) (١٧) لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ .

стр. 550

﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ أي: (لعلمهم) (١) بما عندهم من العلم (بك) (٢) والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك (٣)، عن ابن عباس: فتمنوا الموت - (فسلوا) (٤) الموت. وقال عبد الرزاق (٥)، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى (يهود) (٦) الموت لماتوا. وقال ابن أبي حاتم (٧): (حدثنا) (٨) أبي: حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش؛ قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (٩) قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وقال ابن جرير (١٠) في "تفسيره": وبلغنا أن (رسول الله) (١١) ﷺ قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا". حدثنا (١٢) بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا (عبيد الله) (١٣) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس (﵄) (١٤)، عن رسول الله ﷺ .

стр. 551

ورواه الإمام أحمد، عن إسماعيل بن يزيد الرقي (أبي يزيد) (١): حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن؛ قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا، والله ما كانوا ليموتوا، (لو) (٣) تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾. وهذا غريب عن الحسن، (ثم) (٤) هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم، أو من المسلمين على وجه المباهلة. ونقله ابن جرير عن "قتادة" (٥)، وأبي العالية (٦)، والربيع بن أنس ﵏ (تعالى). ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة] فهم، عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين؛ فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك؛ فلما تأخروا علم كذبهم؛ وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وقد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، (وعتوهم) (٧) وعنادهم، إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف؛ فعند ذلك جنحوا (للسلم) (٨)، (وبذلوا) (٩) الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح (﵁) (١٠) أمينًا. ومثل هذا المعنى، (أو) (١١) قريب منه، (قوله) (١٢) تعالى لنبيه ( ﷺ ) (١٣) أن يقول للمشركين:

стр. 552

﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أي: من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده الله مما هو فيه، ومد له واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله (تعالى) (١)، (وبه الثقة) (٢). (وأما) (٣) من فسر الآية على معنى [﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] (٤) إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: (إن كنتم صادقين) (٥) في دعواكم، فتمنوا (الآن الموت) (٦)، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة، كما (قرره) (٧) طائفة من المتكلمين وغيرهم. ومال إليه ابن جرير بعدما قارب القول الأول؛ فإنه قال: القول في (تأويل) (٨) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (٩) … ﴾ الآية: فهذه الآية مما احتج الله (سبحانه) (١٠) (به) (١١) لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، (وفضح) (١٢) بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله (تعالى) (١٣) أمر نبيه ﷺ إلى قضية عادلة (بينه وبينهم من الخلاف) (١٤)، كما أمره أن يدعو الفريق (الآخر) (١٥) من النصارى؛ إذ خالفوه في عيسى (ابن مريم) (١٦) عليه (الصلاة و) (١٧) السلام، وجادلوه فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة؟ فقال (لفريق اليهود) (١٨): إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإن ذلك غير (ضائركم) (١٩) إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة (من الله) (٢٠)، (بل أعطيكم) (٢١) أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم؛ فإنما تصيرون إلى الراحة من (تعب) (٢٢) الدنيا، ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، (وإن) (٢٣) لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم. فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك، (لعلمهم) (٢٤) أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت

стр. 553

دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في (آخرتها) (١)، كما امتنع فريق النصارى. فهذا الكلام منه أوله حسن، (وأما) (٢) آخره فيه نظر، وذلك (أنه) (٣) لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: (إنه) (٤) لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم (أن يتمنوا) (٥) الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمنى الموت؛ وكم من صالح لا يتمنى الموت؛ بل يود أن يعمر (ليزداد) (٦) خيرًا، (وترتفع درجته) (٧) في الجنة؛ كما جاء (في الحديث) (٨): "خيركم من طال عمره وحسن عمله" (٩). [وجاء في "الصحيح" (١٠) النهي عن تمني الموت؛ وفي بعض ألفاظه (١١) "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنًا فلعله (أن) (١٢) يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب". ثم] (١٣)، ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا، فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة، [وأنتم (لا تتمنون) (١٤) في حال الصحة الموت] (١٥)، فكيف (تلزمونا) (١٦) بما (لا يلزمكم) (١٧)؟! [وقد تعرض فخر الدين الرازي في "تفسيره" (١٨) لهذا السؤال؛ وأجاب عنه بأن الرسول مأمور بإبلاغ الرسالة إلى أمته بالتواتر عنه، وتمنى الموت يحجزه عن ذلك، قال: ولعلهم كان يمنعهم من التمني كثرة ذنوبهم، وكانوا يقولون: إنهم يكونون في النار أيامًا معدودات، ولكن كل يوم (كألف) (١٩) سنة، أو كان يمنعهم منه شدته وآلامه، وسال غير ذلك من الأسئلة، وأجاب] (٢٠)

стр. 554

[عنها بأجوبة، ولم يذكر مع هذا كله (قول) (١) المباهلة بالكلية، وأما القرطبي، فإنه حكاه، و (لكن) (٢) إنما عول على الأول. والله أعلم] (٣). وهذا كله إنما نشأ من تفسير (هذه) (٤) الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم (عليه) (٥) شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء (الله) (٦) من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم (من) (٧) أهل الجنة ومن عداكم (من) (٨) أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو (من) (٩) غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم، وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم، وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (١٠) إلى يوم القيامة. [وسميت هذه المباهلة تمنيًا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له (في) (١١) بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم (عزيزة عظيمة) (١٢) لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] (١٣). ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾: أي: (أحرص الخلق على حياة أي) (١٤) على طول (عمر) (١٥)، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، (وما يحذرون) (١٦) منه واقع بهم لا محالة، (حتى) (١٧) وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام. قال ابن أبي حاتم (١٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵁) (١٩): ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.

стр. 555

(وكذا) (١) رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الثوري؛ وقال: "صحيح على شرطهما ولم يخرجاه". قال: "وقد اتفقا على (سند تفسير) (٢) الصحابي". وقال الحسن البصري (٣): ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ قال: المنافق أحرص (الناس) (٤) (على حياة، وهو) (٥) أحرص (على الحياة من المشرك) (٦). ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي: (يود) (٧) أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق. وقال أبو العالية (٨): يود أحدهم؛ أي: أحد المجوس، وهو يرجع إلى الأول. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال الأعمش (٩)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو كقول الفارسي: " (زه) (١٠) هزار سأل": يقول (عشرة آلاف) (١١) سنة. وكذا روى عن سعيد بن جبير (١٢) نفسه أيضًا. وقال ابن جرير (١٣): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس - في قوله (تعالى) (١٤): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم (١٥): هزار سأل نوروز مهرجان. وقال مجاهد (١٦): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حُببت إليهم الخطيئة طول العمر.

стр. 556

وقال محمد بن إسحاق (١)، عن محمد (بن أبي محمد) (٢)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس (﵁) (٣) ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: وما هو بمنجيه من العذاب؛ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت؛ فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي (بما ضيع) (٤) ما عنده من العلم. وقال العوفي (٥)، عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل. وقال أبو العالية (٦): (وإن عمر) (٧): (فما ذاك بمغيثه) (٨) من العذاب ولا منجيه (منه) (٩). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٠) (في هذه الآية) (١١): يهود أحرص على الحياة من هؤلاء؛ وقد ود هؤلاء (لو) (١٢) يعمر أحدهم ألف سنة؛ وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر [كما أن عمر إبليس لم ينفعه] (١٣)، إذ كان كافرًا. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: (خبير بصير) (١٤) بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله (١٥). ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾. قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (١٦) ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل (ولي) (١٧) لهم؛ ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك؛ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته.

стр. 557

ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب (١)، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس - أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا (يعلمهن) (٢) إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ : " (سلوا) (٣) عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم عن شيء فعرفتموه (لتتابعُني) (٤) على الإسلام". فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ : "سلوني (٥) عما شئتم". قالوا: أخبرنا عن أربع خلالٍ نسألك عنهن: أخبرنا: أي: الطعام (حرم) (٦) إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء الرجل؛ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في (النوم) (٧) (ووليه) (٨) من الملائكة؟ (فقال رسول الله) (٩) ﷺ : "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم (لتتابعُني؟) (١٠) "فأعطوه (ما شاء) (١١) من عهد وميثاق؛ فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى؛ هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب -

стр. 558

مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا، لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه؛ وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها"؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشهد عليهم" وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل (أبيض غليظ) (١) وأن ماء المرأة (أصفر رقيق) (٢) فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله (٣)، وإذا علا ماءُ الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله (٤) "؟ قالوا: اللهم نعم. "قال: اللهم اشهد [وأنشدكم (بالذي) (٥) أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه"؟ قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد"] (٦). قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك، أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: "فما منعكم أن تصدقوه"؟ قالوا: إنه عدونا؛ فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فعندها باءوا بغضب على غضب. وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في "تفسيره"، عن أحمد بن يونس؛ كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام، به. ورواه (الإمام أحمد) (٧) أيضًا عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد (به) (٨) بنحوه. وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، (حدثني) (٩) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب؛ فذكره مرسلًا. وزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: "فأنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل؛ هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني"؟ قالوا: اللهم نعم. ولكنه (لنا عدو) (١٠)، وهو ملك؛ إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء؛ فلولا ذلك اتبعناك؛ فأنزل الله (تعالى) (١١) فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]. وقال الإمام أحمد (١٢): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن

стр. 559

(بكير) (١) بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أقبلت يهود (إلى) (٢) رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك؛ فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه؛ إذ قال: (والله على ما نقول وكيل). قال: "هاتوا": قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: "يلتقى الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة (ماء الرجل) " (٣) آنثت". قالوا: أخبرنا (ما) (٤) حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكى عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل، فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ، موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله (٥). قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت واحدة؛ وهي التي نتابعك إن أخبرتنا (بها) (٦): إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر؛ فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا؛ لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات (لكان) (٧)؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ إلى آخر الآية. ورواه الترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد، به. وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال سنيد في "تفسيره" (٨)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة - أن يهود سألوا النبي ﷺ (من) (٩) صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي. قال: جبريل. قالوا: فإنه لنا

стр. 560

عدو، ولا يأتي إلا بالحرب والشدة، والقتال؛ فنزلت: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ الآية. قال ابن جريج (١): قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد؛ ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، فإنه لنا عدو؛ فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ الآية. وقال البخاري (٢): قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال عكرمة: جبر، وميك وإسراف: عبد، وإيل: الله. حدثنا عبد الله بن (منير) (٣)، سمع عبد الله بن (بكر) (٤)، حدثنا حميد؛ عن أنس بن مالك؛ قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ ؛ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: أخبرني (بهن جبريل آنفًا) (٥). قال: جبريل؟ قال: "نعم". قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت". قال: أشهد أن لا إله إلا الله (وأشهد أنك رسول الله) (٦). يا رسول الله؛ إن اليهود قوم بهت (٧)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم (يبهتوني) (٨)؛ فجاءت اليهود، فقال (لهم رسول الله ﷺ ) (٩): أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، (وأن) (١٠) محمدًا رسول الله. فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه؛ فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله - انفرد به البخاري من هذا الوجه.

стр. 561

وقد أخرجاه (١) من وجه آخر، عن أنس، بنحوه. وفي "صحيح مسلم" (٢)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور - أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان (الثوري) (٣)، عن خصيف، عن عكرمة (٤). [ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة] (٥). ورواه ابن جرير (٦)، عن الحسين بن يزيد (الطحان) (٧)، عن إسحاق بن منصور، عن قيس (عن) (٨) عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه: "عبد الله"، وميكائيل اسمه: (عبيد الله) (٩). إيل: الله. ورواه (١٠) يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبًا. [وقال الإمام أحمد (١١) في أثناء حديث: "سمرة بن جندب": حدّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال لي علي بن الحسين: اسم جبريل: "عبد الله"؛ واسم ميكائيل: "عبيد الله"] (١٢). ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة عن "عبد"، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة "إيل" لا تتغير في الجميع فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل؛ "فعبد" موجودة في هذا كله؛ واختلفت الأسماء (المضاف) (١٣) إليها، وكذلك جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، ونحو ذلك. وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف. والله أعلم.

стр. 562

ثم قال ابن جرير (١): وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت [بين عمر بن الخطاب (﵁) (٢) وبينهم] (٣) في أمر النبي ﷺ . ذكرُ من قال ذلك (٤): حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها؛ فقال: (ما هؤلاء) (٥)؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ها هنا، قال: فكره ذلك، وقال: (إنما) (٦) رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد (فصلاها) (٧)، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم؛ فقال: كنت أشهد اليهود يوم (مدراسهم) (٨)، فأعجب من التوراة كيف تصدق (الفرقان) (٩)، ومن (الفرقان) (٩) كيف يصدق التوراة، (فبينا) (١٠) أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: (إنك) (١١) تغشانا وتأتينا. فقلت: إني آتيكم فأعجب من (الفرقان) (٩) كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق (الفرقان) (٩). قالوا: ومر رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه؛ هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. فقالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا (به) (١٢)

стр. 563

فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم، (فأنى) (١) هلكتم؟! قالوا: (إنا لم نهلك) (٢). قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله (ثم لا تتبعونه) (٣) ولا تصدقونه؟ قا لوا: إن لنا عدوًا من الملائكة وسلمًا من الملائكة؛ وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم؛ ومن سلمكم؛ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل (٤) قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة التخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. قال: ثم قمت. فاتبعت النبي ﷺ ، فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل. فقرأ عليّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ … ﴾ حتى قرأ (هذه) (٥) الآيات. قال: قلت: (بأبي وأمي) (٦) يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا (أريد أن) (٧) أخبرك، وأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد؛ أنبأنا عامر؛ قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا. قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله. قال عمر: وإني أشهد: ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل.

стр. 564

فبينا هو عندهم إذ مر النبي ﷺ ؛ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾. وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر؛ ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك (زمانه) (١). والله أعلم. وقال ابن جرير (٢): حدثنا (بشر) (٣)، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة؛ قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما (أبصروه) (٤) رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله (ما جئت) (٥) [لحبكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت] (٦) لأسمع منك. فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسَّنَةِ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم. فقال لهم عمر: (تعرفون) (٧) جبريل وتنكرون محمدًا ﷺ ؟! ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ (الآيات) (٨). ثم (قال) (٩): حدثني المثنى، حدثنا آمد، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة؛ قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا … فذكر نحوه. وهذا [في تفسير آدم، وهو] (١٠) أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط (١١) عن السدي، عن عمر مثل هذا، أو نحوه، وهو منقطع أيضًا. وقال ابن أبي حاتم (١٢): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن يعني: (الدشتكي) (١٣)، حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - أن يهوديًا (لقي) (١٤) عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ قال: فنزلت على لسان عمر ﵁.

стр. 565

[ورواه عبد بن حميد، عن (أبي النضر) (١) هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر - هو الرازي] (٢). وقال ابن جرير (٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم (لتبعناكم) (٤)؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة. فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية. حدثنا (٥) يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه. [وقال عبد الرزاق (٦): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل (عدونا) (٧)؛ لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل (عدونا) (٧)؛ فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ … ﴾ الآية] (٨). وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله، بإذنه له في ذلك؛ فهو رسول من رسل الله مَلَكيٌّ -، (عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام) (٩) ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، [كما أن من امن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] (١٠)، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء] فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم؛ وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه؛ كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء]. وقد روى البخاري في "صحيحه" (١١)، عن أبي هريرة (﵁) (١٢)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب".
следующие страницы →