← Язык

Язык · id 15043

بحوث ومقالات في اللغة

رمضان عبد التواب

Полный текст (254 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

للدار، فعل ذلك للعلة، التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة ... فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو، هي أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها"١. ومن الأمور التي تلفت النظر، في تراثنا النحوي الضخم، خلوه في بعض الأحيان من الاستقراء الكامل، لبعض صور الظاهرة الواحدة، من الظواهر النحوية. ويكفي أن نذكر هنا بما يقوله النحاة، منذ أيام سيبويه، من أن الاستثناء في الكلام التام غير الموجب المنقطع، كما في مثالهم المشهور: "ما قام القوم إلا حمارًا" يجب فيه نصب المستثى على لغة أهل الحجاز، وبها نزل قول الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ . أما بنو تميم فإنهم يجيزون فيه الإتباع، كقول زياد بن حمل التميمي: ليست عليهم إذا يغدون أردية ... إلا جيادُ قسي النبع واللجم٢ وليس النحاة على حق في هذا، فليس بنو تميم وحدهم في تجويز الإتباع هنا، فهذا جران العود النميري يقول: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ٣ كما يقول ضرار بن الأزور في يوم اليمامة: عشية لا تُغني الرماح مكانها ... ولا النبلُ إلا المشرفيُّ المصمم٤

стр. 142

وضرار شاعر من بني أسد١. ومثله قول الأخطل التغلبي: فرابية السكران قفر فمالهم ... بها شبحٌ الإ سلامٌ وحرملُ٢ والسلام: الحجارة. والحرمل: شجر. ومثله قول سعد بن مالك بن ضبيعة، جد طرفة بن العبد البكري: والحرب لا يبقى لجا ... حمها التخيلُ والمراحُ إلا الفتى الصبارُ في ... النجدات والفرس الوقاح٣ فهذه الأبيات -كما ترى- لشعراء من نمير، وأسد، وتغلب، وبكر، وغيرها كثير، يثبت أن استقراء النحاة العرب لهذه الظاهرة، كان استقراء ناقصا. ومن العجب قول المرزوقي في شرح هذين البيتين الأخيرين: "إلا الفتى: ارتفع على أنه بدل من التخيل وهذه لغة تميم! ". بل إنه ليلاحظ في هذا التراث النحوي، أن فيه متابعة تكاد تكون كاملة، لكثير مما جاء به سيبويه في كتابه، دون تمحيص أو تدقيق، على ما في بعض مسائله أحيانا من الخطأ المبني على تحريف في الرواية، أو تغيير في الشواهد العربية. وهذا مثال واحد، من أمثلة كثيرة، يدل على صدق ما نذهب إليه: يرى النحاة العرب، منذ أيام سيبويه، أن "كان" الناسخة" تحذف وحدها أحيانا، وذلك بعد أن المصدرية، في مثل قولك: "أما أنت منطلقا انطلقت"، وأصله -كما يقول النحاة- انطلقت لأن كنت منطلقا، ثم قدمت اللام، وما بعدها على: "انطلقت" للاختصاص، ثم حذفت اللام

стр. 143

للاختصار، وحذفت "كان" لذلك، فانفصل الضمير، ثم زيدت "ما" للتعويض، ثم أدغمت النون في الميم للتقارب. هكذا يقول النحاة العرب، ويستشهدون على ذلك بقول العباس بن مرداس السلمي: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع١ وقول الشاعر: أما أقمت وأما أنت مرتحلًا ... فالله يكلا ما تأتي وما تذر٢ ويبدو أن هذه المسألة، مبنية على تحريف وقع في بيت العباس بن مرداس السلمي، وهو البيت الوحيد الصحيح النسبة، بين شاهدي هذه المسألة؛ لأن البيت الثاني يروى بلا نسبة، كما أنه يحتوي على عبارات إسلامية ظاهرة، مما يدل على أنه مصنوع بعد وضع القاعدة وعلى ضوئها. وهذا يعني أن المسألة لا وجود لها في اللغة العربية أصلا، وأن النحاة وعلى رأسهم سيبويه أو شيوخه، قد وقعوا في التحريف في بيت العباس بن مرداس، وقاسوا عليه أمثلتهم الأخرى، وأن صواب رواية البيت: أبا خراشة إمَّا كنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع هكذا: "إما كنت" بدلا من": "أما أنت" التي يزعم النحاة منذ أيام سيبويه أن البيت يروى بها. و"إمَّا" هذه هي: "إن" الشرطية المؤكدة بما الزائدة، وهي كثيرة في الكلام العربي، ويأتى بعدها المضارع، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ، والماضي كقول الأبيرد الرياحي:

стр. 144

فلا يبعدنك الله إما تركتنا ... حميدا وأودى بعدك المجد والفخر١ ولعل الدليل على صحة ما نقول، أن بيت العباس بن مرداس، يروى كثيرا في غير كتب النحو "التي ينقل بعضها عن بعض"، بالرواية الصحيحة، وهي: "إما كنت" ويكفي أن تراجع ذلك في كتاب العين للخليل بن أحمد ١/ ٣٣١ وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ٢/ ١١٠ وتهذيب الألفاظ لابن السكيت ٢٦ وحماسة الخالدين ١/ ٨٩ وجمهرة اللغة لابن دريد ١/ ٣٠٢ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٤٣ ولسان العرب "خرش" ٨/ ١٤٣ والاشتقاق لابن دريد ٣١٣ والشعر والشعراء لابن قتيبة ١/ ٣٤١ وشرح ديوان جرير لمحمد بن حبيب ١/ ٣٤٩ والحيوان للجاحظ ٥/ ٢٤، ٦/ ٤٤٦ وغير ذلك. وهذا مثال ثان يؤكد ما قلنا، من ابتداع بعض النحاة العرب لشيء من القواعد، بناء على رواية مغيرة لهذا الشاهد أو ذاك من شواهد الشعر، يقول ابن قتيبة: "وقد رأيت سيبويه يذكر بيتا يحتج به، في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، على المعنى لا على اللفظ، وهو قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا قال: كأنه أراد: لسنا الجبالَ ولا الحديدا، فرد الحديد على المعنى قبل دخول الباء. وقد غلط على الشاعر؛ لأن هذا الشعر كله مخفوض، قال الشاعر: فهبها أمة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد أكلتم أرضنا وجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد

стр. 145

ويحتج أيضا بقول الهذلي في كتابه، وهو قوله: يبيت على معاري فاخرات ... بهن ملوب كدم العباط وليست هاهنا ضرورة، فيحتاج الشاعر إلى أن يترك صرف "معار". ولو قال: "يبيت على معار فاخرات"، كان الشعر موزونا والإعراب صحيحا. قال أبو محمد: وهكذا قرأته على أصحاب الأصمعي. وكقوله في بيت آخر. ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح وكان الأصمعي ينكر هذا، ويقول: وما اضطره إليه؟ إنما الرواية: ليبك يزيد ضارع لخصومة"١. وقد أسهم النساخ والطباعون، في شيوع التصحيف والتحريف في كثير من شواهد النحو، ومسائله وقضاياه، وأصبح من الواجب علينا التدقيق في إخراج هذه الكتب محققة، على وجه تخلو فيه من مثل هذه التحريفات الشنيعة، التي تتداول بين الدارسين، في مشاهير الكتب النحوية، فقد استشهد ابن عقيل في شرحه لألفية ابن مالك، على جواز نصب المفعول لأجله، إذا كان محلى بالألف واللام، بقول قريط بن أنيف: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارةَ فرسانا وركبانا والبيت على هذا الرواية، التي جاءت في كتاب ابن عقيل، ليس فيه شاهد على هذه المسألة؛ لأن "الإغارة" مفعول به، وليس مفعولا له. والذي في شعر قريط بن أنيف: "شدوا الإغارة". ويقول التبريزي في تفسيره: "ويُروى شنوا الإغارة أي فرقوها. ومن روى: شدوا الإغارة، فليس الإغارة

стр. 146

مفعولا به، ولا انتصابها على ذلك، لكن انتصابها انتصاب المفعول له، أي شدوا للإغارة"١. ويبدو أن ما في كتاب ابن عقيل، تحريف للرواية الأخرى: "شدوا"، وأن المراد: "شدوا الخيل للإغارة، وإن كان شراح شواهده، كالشيخ عبد المنعم الجرجاوي، والشيخ قطة العدوي، يريان حذف المفعول به هنا أيضا، فيقولان: "إن المعنى: شنوا أنفسهم لأجل الإغارة على العدو"، مع أن الذي في المعاجم: "شن الغارة" أي فرقها، ولم يقل: "شنوا أنفسهم" فيما وقفت عليه من نصوص العربية. أما كتب فقه اللغة العربية، من تراثنا اللغوي، فإنها حقا تبعث على الإعجاب والإكبار، إذ يظهر في شيء غير قليل من قضاياها، سبق علمائنا القدامى لأحدث النظريات اللغوية في العصر الحديث، بألف عام أو يزيد، وعلى رأس هذه الكتب: "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب" للإمام ابن جني "المتوفى سنة ٣٩٢هـ"، و"الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس اللغوي "المتوفى سنة ٣٩٥هـ"، و"المزهر في علوم اللغة وأنواعها" للإمام السيوطي "المتوفى سنة ٩١١هـ"، ففي هذه الكتب وغيرها علم كثير ونظريات لغوية، تقف شامخة أمام ما وصل إليه العلماء، في عصر التكنولوجيا الحديثة، والعقول الإلكترونية.

стр. 147

ولكنك تعجب حين ترى في بعضها اشتغال هؤلاء العلماء بشيء من التعليلات الواهية والجدل العقيم، واسمع معي إلى قول ابن جني، متسائلا: لماذا رفع الفاعل ونصب المفعول؟ ثم يجيب بقوله: "لأن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون"١. كما يقول ابن جني في موضع آخر: "لماذا يكثر الأصل الثلاثي في اللغة العربية، دون الرباعي والخماسي؟ الجواب هو: لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يحشى به، وحرف يوقف عليه، وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه فحسب، لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه؛ لأنه أقل حروفا، وليس الأمر كذلك، وأقل منه ما جاء على حرف واحد ... فتمكن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه -لعمري- ولشيء آخر، وهو حجز الحشو الذي هو عينه بين فائه ولامه، وذلك لتباينهما، ولتعادي حاليهما، ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركا، وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكنا؟ فلما تنافرت حالاهما، وسطوا العين حاجزا بينهما، لئلا يفجئوا الحس بضد ما كان آخذا فيه"٢. ويدلك على ما نقول كذلك، هذا الجدل العنيف، الذي يثيره ابن جني حول الحركة القصيرة، أهي قبل الحرف أو معه أو بعده؟ وبدلا من أن يلجأ إلى التجربة، أخذ يستخدم منطق أرسطو، في التدليل على أن الحركة القصيرة تقع بعد الحرف، مثلها في ذلك مثل حروف المد، وهي الألف

стр. 148

والواو والياء، فيقول: "واعلم أن الحركة التي يتحملها الحرف، لا تخلو أن تكون في المرتبة قبله أو معه أو بعده، فمحال أن تكون الحركة في المرتبة قبل الحرف؛ إذ لو كانت كذلك لما جاز الإدغام في الكلام أصلا، ألا ترى أنك تقول: قطع، فتدغم الطاء الأولى في الثانية، ولو كانت حركة الطاء الثانية في الرتبة قبلها، لكانت حاجزة بين الطاء الأولى والطاء الثانية، ولو كان الأمر كذلك لما جاز إدغام الأولى في الثانية، فجواز الإدغام في الكلام دلالة على أن الحركة ليست قبل الحرف المتحرك بها.. وبقي أن تكون معه أو بعده، وفي الفرق بينهما بعض الإشكال، فالذي يدل على أن حركة الحرف في المرتبة بعده، أنك تجدها فاصلة بين المثلين، نحو قولك، قصص، ومضض، فإن ظهر هذان المثلان، ولم يدغم الأول منهما في الآخر منهما، فظهورهما دلالة على فصل واقع بينهما، وليس هاهنا فصل ألبتة، غير الحركة المتأخرة عن الحرف الأول"١. أما أبو علي الفارسي، فإنه لم يتصور إمكان استقلال الحركة بالنطق، ولم يستطع أن يفرق بين الصوت الصامت والحركة هذه التفرقة، فكان يرى أن الحركة تحدث مع الحرف، يقول ابن جني: "واستدل أبو علي على أن الحركة تحدث مع الحرف بأن النون الساكنة إذا تحركت، زالت عن الخياشيم إلى الفم، وكذلك الألف إذا تحركت انقلبت همزة، فدل ذلك عنده، على أن الحركة تحدث مع الحرف، وهو لعمري استدلال قوي"٢.

стр. 149

وقد فات أبا علي الفارسي، أن الذي يزول عن الخياشيم إلى الفم، هو الحركة وليست النون، وأن الذي يتحرك هو الهمزة، وليست ألف مد؛ لأن ألف المد حركة طويلة، والحركة لا تحرك! ولم تخل هذه الكتب كذلك من داء التصحيف والتحريف، الذي ابتليت به الكتابة العربية منذ القديم، فقد وقع في كتاب "المزهر" للسيوطي النص التالي: "قال ابن درستويه في شرح الفصيح: قول العامة نحوي لغوي، على وزن: جَهِلَ يَجْهَلُ، خطأ أو لغة رديئة"١. وفي هامشه تعليقا على عبارة: "نحوي لغوي" قال محققو المزهر: "لم نقف على ضبط هذه العبارة"! وهذا الذي لم يقف على ضبطه محققو المزهر، موجود على الصواب في تصحيح الفصيح لابن درستويه، وهو قوله: "فتقول: غَوِيَ يَغْوَى، على نحو جَهِلَ يَجْهَل"٢. هذه هي بعض الملاحظات، التي لم يقصد كاتبها إلى الحصر والاستقصاء، وإنما هو تنبيه للأذهان، إلى أنه قد آن الأوان، لتنقية تراثنا اللغوي، من كل هذه الشوائب، التي تركت آثارها الجدرية، في وجه اللغة الحسناء، لغتنا الجميلة.

стр. 150

الباب الرابع: في تاريخ العربية الفصل الأول: الفصحى وتحديات العصر منيت العربية الفصحى في العصر الحديث، بخصوم حاقدين وأعداء ألداء. وليست تلك الهجمة الضاربة الشرسة على الفصحى، إلا جزءا من الهجوم على الدين الإسلامي الحنيف، فقد فطن أعداء هذا الدين، إلى الارتباط الوثيق بينه وبين اللغة العربية الفصحى، وفي يقينهم أنهم إن أزالوها عن مكانتها الراسخة في القلوب منذ أربعة عشر قرنا. فقد أزالوا الحصن الأكبر من حصون هذا الدين الحنيف، فرموها بكل ما يملكون من أسهم ونبال، واتهموها وما زالوا يتهمون بالصعوبة والتعقيد، وأخذوا يشككون أهلها في قدرة لغتهم على مجاراة العصر، والاتساع للتعبير عن مستحدثات الحضارة، وبذلوا جهدهم في إحلال العامية محلها، بدعوى جمود الفصحى، وانتمائها إلى عصور بادت وانقرضت، وعدم صلاحيتها للحياة وسط هذا الخضم الهائل، من النظريات الفلسفية والاجتماعية والسياسية، التي يموج بها القرن العشرون. حتى خطها، الذي شرق وغرب، واستحسنته أمم غير عربية، فكتبت به لغاتها، لم يسلم هو أيضا من الطعن فيه، والادعاء بأنه هو سبب تأخر العرب، وبذل الجهود في محاولة تنحيته عن الساحة، وأن يستبدل به الخط اللاتيني، حتى إذا ضاعت اللغة، وضاع الخط العربي، فقد تهدمت آخر حصون الدين الإسلامي، وتحطمت أقوى قلاع هذا الشرع الشريف. وقد قاد هذه الحملة الشرسة أقوام من المستشرقين، وتعاون معهم ذيولهم في الوطن العربي، ممن يتسمون بأسماء عربية: سلامة موسى، وعبد العزيز فهمي، وأنيس فريحة، وسعيد عقل، وغيرهم، وما لهم من العروبة إلا

стр. 151

هذه الأسماء، أما قلوبهم وأما اتجاههم فإلى الغرب، ضد العربية وضد الدين. وقد ذهب منهم من ذهب إلى غير رجعة، ومنهم من لا يزال حيا، ينشر المقالات، ويرصد الجوائز والمكافآت لحرب الفصحى، وزعزعة أركان الدين الإسلامي. وفيما يلي تفنيد لدعاوي القوم، وكشف لزيفها وضلالها: أما الدعوى الأولى، فقد أثرت بعض التأثير في نفوس الشباب، الذي لم يتزود من الفصحى بالقدر الذي يحصنه ضدها؛ إذ يسود بين جمهرة المثقفين العرب شعور مدمر، بأن لغتنا الجميلة العربية الفصحى، لغة معقدة القواعد، صعبة التعلم، كثيرة الشذوذ في مسائلها وقضاياها، بحيث تجعل من استخدامها والتحدث بها، عبئا ثقيلا على أهلها. ولقد انتهز المغرضون هذه الفرصة، وأخذوا يصيدون في الماء العكر، ويدعون إلى استخدام العامية، وهجر الفصحى أو خلطها بالعامية. وهي دعوة حمل لواءها منذ فترة طويلة، المعادون للإسلام وأهله، فادعوا أن إعراب العربية الفصحى، أمر عسير التعلم؛ ليصرفوا المسلمين عن منبع دينهم وعماد شريعتهم ودستور حياتهم، وهو القرآن الكريم، الذي أنزله الله بهذه العربية الفصحى. ولكيلا ينخدع شبابنا المثقف بهذه الأكذوبة الخداعة، أحب أن ألفت نظرهم إلى أن هذا الإعراب المعقد الصعب، لا تنفرد به العربية الفصحى وحدها، بل هناك لغات كثيرة، لا تزال تحيا بيننا، وفيها من ظواهر الإعراب المعقد ما يفوق إعراب العربية بكثير، فهذه هي اللغة الألمانية مثلا، تقسم أسماءها اعتباطا إلى مذكر ومؤنث، وجنس ثالث لا تعرفه العربية، وهو: "المحايد"، وتضع لكل واحد من هذه الأجناس الثلاثة، أربع حالات

стр. 152

إعرابية، هي حالات: الفاعلية والمفعولية والإضافة والقابلية، والحالة الأخيرة حالة لا تعرفها العربية، وهي إعراب المفعول الثاني، فهي من حالات المفعولية في العربية، وليست حالة خاصة فيها: تلك هي حالات الإعراب الاسم المفرد المعرف في الألمانية، والمفرد المنكر له أربع حالات أخرى، وكذلك الجمع المعرف والجمع المنكر. وبناء الجملة في اللغة الألمانية له نظام صارم، فالفعل يحتل فيها المرتبة الثانية دائما، إلا في الجمل الفرعية، كالجمل التعليلية مثلا، فإن الفعل يؤخر فيها إلى نهاية الجملة. وإن من يشكو من كثرة جموع التكسير في العربية، وغلبة الشذوذ على قواعد هذا الجمع فيها، سيحمد للعربية الاطراد النسبي في هذه القواعد، إذا درس اللغة الألمانية، ورأى كثرة صيغ هذه الجموع فيها، وفقدان القاعدة التي تخضع لها تماما، إلى درجة أن كل كتاب في تعليم قواعد الألمانية، تبدأ صفحاته الأولى بهذه العبارة: "احفظ مع كل اسم أداة تعريفه وصيغة جمعه؛ لأنه ليست هناك قاعدة لذلك"! فليست العربية إذن، بدعا بين اللغات في صعوبة القواعد، غير أن شيئا من هذه الصعوبة يعود بالتأكيد إلى طريقة عرض النحويين لقواعدها، فقد خلطوا في هذه القواعد بين الواقع اللغوي والمنطق العقلي، وبعدوا عن وصف الواقع إلى المماحكات اللفظية، وامتلأت كتبهم بالجدل والخلافات العقيمة، فضل المتعلم وسط هذا الركام الهائل من الآراء المتناقضة في بعض الأحيان. والحقيقة أن القواعد الأساسية لنحو اللغة العربية، يمكن أن تستخلص في صفحات قليلة مصفاة من هذا الحشو الذي لا طائل وراءه. ولقد كثر البحث عن السر في إخفاقنا حتى الآن، في تعليم العربية

стр. 153

الفصحى لأبنائنا، كما ينبغي، فلم تفلح مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا عموما في إنشاء علاقة الود بين المتعلمين وهذه اللغة، ولم تنجح في غرس حب القراءة في النشء منذ الصغر. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد الكثيرين منا، بأن في تعليم قواعد اللغة تعليما للغة. وتفكيرنا في الأمر على هذا النحو، كتفكير من يعلم قواعد العروض لكي ينشئ شاعرا، أو كتفكير من يحفظ صفحتين في قواعد قيادة السيارات، ثم يظن أنه بهذا الحفظ وحده، قد أصبح سائقا ماهرا، فإن اهتمامنا بتعلم القواعد النحوية في مرحلة مبكرة من حياة الطفل، جعلنا نظن أن مقياس إجادة اللغة، هو البراعة في حفظ المصطلحات النحوية، والتفنن في عد مسوغات الابتداء بالنكرة، ومجيء الحال معرفة، وأحوال الصفة المشبهة وما إلى ذلك. كل هذه الأمور وأمثالها، يرددها التلميذ في هذه السن المبكرة بلا وعي، ثم ينساها عقب الفراغ من الامتحان، ولا يبقى في ذهنه منها إلا التندر على صعوبة اللغة العربية، وما لاقاه في تعلمها من عنت ومشقة. وإنني لست بهذا أحط من أهمية قواعد اللغة، ولا أقلل من قدرها في الوقوف على سر اللغة والتمكن منها. ولكني أحذر من وصعها في المقام الأول، ونسيان الفطرة التي جبل عليها الإنسان في تعلم اللغة. خذ لغة التخاطب مثلا، وانظر كيف يتعلمها الطفل؟! إننا لا نشرح له أية قاعدة من قواعدها، ولكن الذي يحدث هو أننا نتكلم، والطفل يحاكي ويقلد، حتى إذا أخطأ لا يجد من حوله يشرحون له القاعدة، وإنما يكررون الصواب أمامه ... وهكذا وعن هذه الطريق وحدها، يلم الطفل بتراكيب اللغة ومعانيها حفظا وفهما، ويهضم كل ذلك ثم يقيس عليه، ويكتمل نضج لغة

стр. 154

الخطاب لديه في وقت قصير دون أن يعلم شيئا عن قواعدها وقوانينها وضوابطها. وإذا كان هذا هو المنهج الفطري في تعلم اللغة، فلماذا لا نفيد منه في تعلم العربية الفصحى؟ حقا إن العربية الفصحى لا يتكلمها الناس في كل وقت حول التلميذ، كما نتحدث بالعامية أمام الطفل، ولكن هناك طريق آخر يقوم مقام السماع، وهو طريق القراءة، قراءة النصوص الأدبية القديمة، وما نسج على نمطها في العصور المختلفة، قراءة واعية صابرة، مع حفظ الكثير والكثير جدا، من هذه النصوص الجيدة شعرا ونثرا. وعلى رأس هذه النصوص جميعها بالطبع، نص القرآن العظيم، وفي هذه الحالة تتكون الملكة القادرة على محاكاة هذه النصوص، والنسج على منوالها. ولقد نادى بمثل ذلك العلامة ابن خلدون، فقال: "ووجه التعليم لمن يبتغى هذه الملكة ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم، الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث، وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور، منزلة من عاش بينهم، ولقن العبارة منهم"١. هذا ما قاله ابن خلدون. وإنه لا شيء أجدى على من يريد تعلم لغة ما، من الاستماع إليها، والقراءة الكثيرة في تراثها، وحفظ الجيد من نصوصها، وإذا كنا أمام الفصحى لا ننعم بالوسيلة الأولى وهي الاستماع؛ إذ أكثر ما نسمعه عامي أو فصيح ملحون أو مليء بالخطأ، أو ركيك العبارة

стр. 155

ضحل المضمون، فلا تزال أمامنا فرصة الإفادة من القراءة الواعية للنصوص الجيدة، وعندئذ تتكون السليقة اللغوية عند أبناء العربية، وتجري ألسنتهم بالفصحى العذبة، وتأتي دروس القواعد، فتنظم هذا الكيان اللغوي، الذي نما وترعرع في ظل النصوص. وعندها لا يجد أعداء العربية ما يقولونه، حول صعوبة قواعدها، أو ضعف المتعلمين بها. أما الدعوى الثانية، وهي أن العربية قاصرة عن استيعاب علوم العصر، فالرد عليها هين جدا؛ لأن المنصفين من علماء اللغة يعتقدون اعتقادا جازما في قدرة كل لغة على التعبير على أية فكرة، متى قامت في نفوس أصحابها، "فهناك وجه شبه ظاهر، بين اللغة ومختلف أنواع النقود، التي نستعملها في البيع والشراء، فالنقود في نظر رجال الاقتصاد، ما هي إلا رمز للقوة الشرائية، التي تمكن الإنسان من تملك الشيء، الذي تصبو إليه نفسه، فإن القيمة الحقيقية لما في العملة من ورق أو معدن، تعد شيئا تافها بالنسبة لقواتها الشرائية، فالصكوك والعملة الورقية، لا تساوي في حد ذاتها، أكثر من قيمة الورق الذي طبعت عليه. وللذهب والفضة قيمة محدودة لأغراض الزينة، ولكنهما من الناحية العملية أقل قيمة من المعادن الأخرى، التي تفوقها في الصلابة وقوة الاحتمال. فحقيقة الأمر أن القيمة الحقيقية للنقود، هي صفة يضيفها عليها المجتمع الذي يتعامل بها"١. وكذلك اللغة، فإن قيمتها في تمسك أهلها بها، ورواجها.

стр. 156

بينهم وتداولها على ألسنتهم، واحترامهم إياها، وثقتهم بها في حمل أفكارهم ومعتقداتهم، والتعبير عن انفعالاتهم وعواطفهم، واستخدامهم إياها في كل ما يعن لهم من شئون الحياة السهلة، أو القضايا الفلسفية المعقدة. كما تبدو قيمتها كذلك فيما تعبر عنه من رصيد فكري وحضاري كبير. وإن الجاهلين بهذه المسلمات اللغوية، ليعيبون لغتنا الفصحى، بأنها قاصرة عن استيعاب علوم العصر؛ لأنها -كما يقولون- لغة سلفية جامدة، تتطلع إلى الوراء بدلا من اتجاهها إلى الإمام. ويحضرني هنا في الرد على هذه الفرية، كلام للعالم اللغوي الشهير "فندريس"، يقول فيه: "الواقع أننا لا نعلم إطلاقا لغة قد قصرت عن خدمة إنسان عنده فكرة يريد التعبير عنها"، ثم يقول عقب هذا: "فلا ننصت إذن إلى أولئك المؤلفين العاجزين، الذين يحملون لغاتهم مسئولية النقص الذي في مؤلفاتهم؛ لأنهم هم المسئولون، على وجه العموم، عن هذا النقص"١. واللغة العربية الفصحى، لم تخلد على الزمن، ولم يمتد بها العمر أربعة عشر قرنا، وإلى ما شاء الله، إلا لما تحمل من عناصر البقاء، المتمثل في هذا التراث الحضاري، وتلك العقيدة السامية، التي شرف الله بها العربية، حين اختارها وعاء لما فيها من أفكار وتصورات، ولما آتى الله أهلها من جلد وصبر على تحمل تبعاتها، ودأب في البحث عن أسرارها وخفاياها. وقد امتحنت العربية الفصحى في التاريخ مرتين، في ناحية القدرة على استيعاب الأفكار الجديدة، واجتازت هذا الامتحان بنجاح كبير، فهذه

стр. 157

هي الأفكار الدينية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء، قد استوعبتها العربية الفصحى، وعبرت عنها أدق تعبير وأبلغه. كما أن حركة الترجمة من اللغات الأجنبية في العصر العباسي الأول، لم تقصر العربية الفصحى عن تحمل تبعاتها، ولم يشك واحد من المترجمين آنذاك، من قصور الفصحى عن استيعاب الأفكار الفلسفية والعلمية، التي كانت لمفكري الإغريق والرومان والسريان وغيرهم. وما نجاح تدريس الطب بالعربية الفصحى في سوريا الشقيقة، في عصرنا الحاضر، إلا برهان آخر على قدرة لغتنا الجميلة، على استيعاب علوم العصر، والتعبير عن مظاهر مستحدثات الحضارة. إنهم يعيبون اللغة، والعيب فيهم هم. وفي رأينا أن اللغة لا تعجز عن التعبير عن أي معنى من المعاني، متى قام في نفوس المتكلمين بها، فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان، استطاع التعبير عنها بلغته، إن كان متمكنا من هذه اللغة، وعاملا على رفعة شأنها. أما الدعوى الثالثة، فإننا نرى كيف تعلو من آن لآخر، صيحات أثيمة في الوطن العربي، تدعي صعوبة الكتابة بالفصحى، وتدعو لذلك إلى هجرها، والكتابة بالعامية، بحجج يبدو فيها الزيف والضلال، وهي إن جازت على بعض ذوي العقول الضعيفة، والنفوس المريضة، فإنها لم تخدع بحال من الأحوال جمهرة العرب، الذين آمنوا بربهم، وتمسكوا بكتابهم، وعرفوا أن في حياة هذه اللغة الشريفة حياة لدينهم وتراثهم، وهم في هذه موقنون.

стр. 158

بتحقق وعد الله الكريم، بأن يحفظ الفصحى، حين تكفل بحفظ كتابه العزيز، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . وإن من يدعو إلى نبذ الفصحى، والكتابة بالعامية، لهو أحد رجلين، أولهما: حاقد على الفصحى وكتابها الكريم ودينها الخالد، فهو يريد هدم الدين عن طريق هدم لغته، وتضييع كتابه، وهذا ضل سعيه؛ لأنه ممن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. والآخر رجل جاهل بسر العربية، وما فيها من قدرة بارعة خلاقة في التعبير عن الفكر. ومن جهل شيئا عاداه، كما يقولون. ومن النفر الأول بعض المستشرقين وذيولهم في الوطن العربي، وقد هلل "نولدكه" لمحاولات "محمد عثمان جلال" الكتابة بالعامية المصرية للمسرح، فما باله لو اطلع على الأدب الغث الذي كتب بهذه اللغة الممسوخة، في عصرنا الحاضر؟! إن مما يطمئن النفس أن أصحاب هذا الأدب، يحسون في قرارة أنفسهم بالضعة، ويتجرعون مرارة الإحساس، بأن أدبهم محلي، ليس له رواج إلا في بيئاتهم المحدودة. ولقد يلفت النظر أن قطب الدعاة إلى العامية في نصف القرن الماضي، وهو "سلامة موسى"، لم يكتب واحدا من مؤلفاته، أو يسطر كلمة في مقالاته، باللغة التي كان يدعو إليها. فهل ترى أقسى من هذا على نفوس هؤلاء الحاقدين الحاسدين؟! إنه من الغريب حقا أن يبحث بعض الناس عن لغة أخرى غير الفصحى، لتحل محلها -على زعمهم- في توحيد شعوب الأمة العربية،

стр. 159

ويرون في هذه العامية أملهم في أن تحمل لواء الأدب، وتتسع لمستحدثات الحضارة. فأية عامية تلك التي يريدونها؟ أهي عامية مصر، أم عامية الجزيرة العربية، أم عامية العراق، أم عامية سوريا، أم عامية المغرب، أم عامية السودان؟ وفي مصر مثلا: أهي عامية الصعيد، أم عامية الوجه البحري، وفي الوجه البحري: أهي عامية الشرقية، أم المنوفية، أم البحيرة؟ إن هذا لهو الضلال المبين! وليعرف أبناء اللغة العربية، أن محاولة رفع مكانة العامية، لتحل محل اللغة الأدبية، إنما هو شعار مدرسة ضالة في أمريكا، لم يرض عنها جمهرة علماء اللغة في العالم. وهذا هو "ماريو باي" يرد عليهم فيقول١: "شق الجيل الجديد من اللغويين في أمريكا، عصا الطاعة على النحو التقليدي، وبدءوا يدعون للمبدأ الذي ينادي بأن الصيغة التي يستخدمها الناس، هي الصيغة اللغوية الصحيحة. وقد صار شعار هذه المدرسة: "إن اللغة الحقيقية، هي اللغة التي يستخدمها الناس فعلا، لا اللغة التي يعتقد بعضهم أن على الناس أن يستخدموها". ولكن الصيغة التي يستخدمها الناس، لها مشكلاتها الخاصة بها، فأية صيغة هذه؟ ومن الذي يستخدمها؟ حتى في الدول التي يظهر للناس أنها تستخدم لغة موحدة، هناك مستويات مختلفة لاستخدامها، كما تختلف اللهجات المحلية، باختلاف المناطق التي تستخدمها". ولقد بلغ من خبث بعض دعاة العامية في الوطن العربي أحيانا، أن زعموا أن العامية شكل صحيح من أشكال الفصحى، عنها تطور ومنها

стр. 160

أخذ، وأن استخدام العامية لن يقطع الصلة بيننا وبين الفصحى. ولقد كذبوا في هذا وزيفوا وضللوا، فهم يعرفون تماما أن اللاتينية مثلا، كانت هي اللغة الأدبية في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا في العصور الوسطى، وكانت العاميات المنتشرة في هذه البلاد، هي اللهجات الإيطالية والفرنسية والأسبانية، وهي عاميات لاتينية، تشبه العاميات العربية في صلتها بالفصحى. وقد أدى استخدام الأدباء والشعراء لهذه العاميات بعد ذلك، في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، وتركهم اللغة اللاتينية الأدبية الأم، إلى موت هذه اللغة، وانسلاخ العاميات عنها، وتكون اللغات الإيطالية والفرنسية والأسبانية، وهذا هو ما يريده دعاة العامية، وهو أن تتفكك لغتنا إلى لغات شتى، في أرجاء الوطن العربي. وخلاصة القول أنه لا يحق لنا، أن نخلط الفصحى بالعامية، بدعوى أنها تمت إليها بصلة، فإن هذه لغة وتلك لغة أخرى، فمن ضاق بالفصحى من هؤلاء الأفاقين، فلا عليه أن يستخدم عاميته في أحاديثه وكتاباته، غير أنه لن ينتزع منها شهادة بأن هذه العامية هي والفصحى سواء. وإنا لهم بالمرصاد، والله الموفق. أما هذا الخط الذي نكتب به لغتنا العربية، منذ مئات السنين، فلا شك في أنه خط غير مبرأ من العيوب، فالهمزة فيه لها مشاكل تعتاص على البراعم الصغيرة من أبنائنا في مراحلهم التعليمية الأولى، فهم يرونها تارة وقد كتبت على ألف، مثل: "سأل" وتارة أخرى على واو، مثل: "يؤمن"، وثالثة على ياء، مثل: "سئل"، ورابعة على السطر بلا حامل يحملها، مثل:

стр. 161

"سماء". والألف المقصورة كذلك، يرونها مرة بالألف، مثل: "دعا"، وأخرى بالياء، مثل: "سعى". وهناك حروف تكتب ولا تنطق، مثل: اللام الشمسية، والألف التي توضع أمام واو الجماعة. وحروف تنطق ولا تكتب، كحروف المد في: هذا، وهذه، وهؤلاء، ولكن، وذلك، وغيرها. وغير هذا وذاك، هناك تشابه محير للطفل، في بعض أشكال الحروف، كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، وغيرها، إذ نفرق بين كل مجموعة من هذه المجموعات المتشابهة، بالنقط المفردة والمثناة والمثلثة، من فوق الحرف أو تحته، كما أن الكلمة إذا أهمل ضبطها بالشكل، صارت في بعض الأحيان لغزا، لا يحله إلا فهم المعنى أولا، لكي يقرأ القارئ قراءة سليمة. هذا وغيره، من الأمور المعوقة للقراءة والكتابة عند النشء، جعلت فريقا من الناس يحاول إصلاح هذا الخط وتيسيره، وشاركت المجامع العلمية في هذا الميدان، فأعلن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، قبل حوالي ربع قرن من الزمان، عن مكافأة مالية سخية، لمن يتقدم بمشروع مبرأ من العيوب لإصلاح هذا الخط، وتقدم الكثيرون من العلماء وأشباه العلماء ببحوثهم واقتراحاتهم، ولم يصل واحد منهم إلى حل مقبول لهذه المشكلة العويصة. ومن قبل، أحس سلفنا الصالح، رضوان الله عليهم، بحاجة هذا الخط إلى الإصلاح؛ لأن العرب ورثوه عن النبط جثة هامدة؛ إذ كان يخلو من رموز الحركات القصيرة. وكان أول من فكر في إصلاح هذه الناحية: "أبو الأسود الدؤلي" الذي جعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة نقطة على يسار الحرف. وكانت هذه النقط تكتب.

стр. 162

بحبر مخالف لنقط الباء والتاء والثاء، وغيرها من الحروف المنقوطة، حتى لا تختلط بها. ثم جاء "الخليل بن أحمد الفراهيدي"، فوضع رموز الشكل التي نعرفها اليوم، وهي: الضمة والفتحة والكسرة، بل كان هو الذي وضع كذلك: رمز الهمزة والشدة، والسكون، والمدة والوصل، وغير ذلك. هذا هو تاريخ المشكلة، وفي رأيي أن أي تفكير في إصلاح هذا الخط في العصر الحاضر، يجب ألا يبتعد كثيرا عن نماذجه الحالية، فقد ذاع هذا الخط وانتشر، وكتب به تراث ضخم، فأي تفكير في إصلاح عيوبه، لا يصح أن يغفل هذا التراث، فما بالنا إذا رأينا من يدعو إلى هجره تماما، بين الجيل الذي يتعلم هذا الخط، وتراثنا العربي بكامله. وهذا هو ما يريده أعداء العربية. وفي الحقيقة، ليس خطنا العربى بدعا بين الخطوط في مشاكله، فالخط الفرنسي مثلا يعاني من عيوب خطيرة، تتمثل في أن به الكثير من الحروف التي لا تنطق، إلى جانب الدلالة على نطق معين بصور مختلفة من الرموز. ومع ذلك يقول "فندريس" أحد علماء اللغة الفرنسيين، عن محاولات إصلاح هذا الخط الفرنسي١: "فإذا قمنا بإصلاح شامل دفعة واحدة، كنا قد استبدلنا مكان اللغة المكتوبة، التي تعودنا عليها، لغة كتابية أخرى جديدة، ويترتب على هذا أن نطرح وراء ظهرنا دفعة واحدة، جميع المطبوعات التي نشرت بالفرنسية منذ قرون، وهو أمر مستحيل، هذا إلى أن مثل ذلك العمل، يوجب على جيل أو جيلين من الفرنسيين، أن يتعلموا

стр. 163

لغتين، بدلا من لغة واحدة، وإن هناك من العادات والتقاليد الأدبية، ما لا يستطيع المرء أن يغيره بجرة قلم واحدة". وهؤلاء هم الأتراك، عندما نبذوا الخط العثماني، واستبدلوا به الخط اللاتيني، أصبحوا كالمعلقين في الفضاء؛ إذ لا يعلم التركي في أيامنا هذه شيئا عن ماضيه الغابر، كما أنه أصبح حائرا في انتمائه الآن، فلا هو أوربي ولا هو شرقي، ولم يفلح اختياره الخط اللاتيني في تقريبه إلى العرب، في قليل أو كثير.

стр. 164

الفصل الثاني: الفصحى بين الجمود والتحرر العربية الفصحى لها ظرف خاص، لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم. وهذا الظرف يجعلنا نرفض ما ينادي به بعض الغافلين -عن حسن نية، أو سوء نية أحيانا- من ترك الحبل على الغارب للعربية الفصحى، لكي تتفاعل مع العاميات، تأخذ منها وتعطي، كما يحدث في اللغات كلها. حقا أن اللغة كائن حي، تتطور على ألسنة المتكلمين بها، فينشأ من هذا التطور، اختلاف بين لغة عصر والعصر الذي سبقه. وهنا يحدث الصراع بين أنصار الشكل القديم وأنصار الشكل الجديد، وبعد فترة يصبح قديما ما كان بالأمس جديدا، فيتصارع مع جديد آخر، وتضمحل لغة العصر الأسبق أو تندثر. غير أن كل جديد لا يظهر فجأة، ولا يقضي على القديم بين يوم وليلة، بل يظل الصراع بينهما لفترة قد تطول أو تقصر، غير أن الانتصار يكون في النهاية للشكل الجديد، تلك سنة الحياة، وتاريخ اللغات جميعها يشهد بهذا، ولا نعرف لغة على ظهر الأرض، جمدت على شكل واحد مئات السنين. غير أن العربية الفصحى، لها كما قلنا، ظرف لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم، ذلك أنها ارتبطت بالقرآن الكريم، منذ أربعة عشر قرنا، ودون بها التراث العربي الضخم، الذي كان محوره هو القرآن الكريم، في كثير من مظاهره. وقد كفل الله لها الحفظ ما دام يحفظ دينه، فقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ولولا أن شرفها الله فأنزل بها كتابه، وقيض له من خلقه من يتلوه صباح مساء، ووعد بحفظه على تعاقب

стр. 165

الأزمان، لولا كل هذا، لأمست العربية الفصحى لغة أثرية، تشبه اللاتينية أو السنسكريتية، ولسادات اللهجات العربية المختلفة في نواحي الأرض العربية، وازدادت على مر الزمان بعدا عن الأصل الذي انسلخت منه. هذا هو السر الذي يجعلنا لا نقيس العربية الفصحى، بما يحدث في اللغات الحية المعاصرة، فإذا أقصى عمر هذه اللغات في شكلها الحاضر، لا يتعدى قرنين من الزمان، فهي دائمة التطور والتغير، وعرضة للتفاعل مع اللغات المجاورة، تأخذ منها وتعطي، ولا تجد في كل ذلك حرجا؛ لأنها لم ترتبط في فترة من فترات حياتها بكتاب كريم، كما هي الحال في العربية. ولكن هل معنى هذا كله، أن العربية الفصحى لغة جامدة، تحجرت عبر عصور بادت وانقرضت، وفصل بيننا وبينها مئات السنين، مع أن طابع الحياة التجدد والتغير، والعالم يصحو كل يوم على جديد، في العلم والفن والسياسة والاجتماع؟! نقول نحن في الرد على هذا التساؤل، الذي قد يخطر في ذهن بعض الناس: إن العربية الفصحى تحمل في طبيعة تكوينها عنصر التجدد والحياة، إن أفاد أهلها من منهجها العظيم في القياس، والاشتقاق، والنحت، والتعريب. فلا حجر على أي مستخدم للفصحى، يصوغ جملا عربية، تشبه في نظامها جمل العرب، في موقع مفرداتها، وأبنية كلماتها، ودلالة ألفاظها، وإن لم تكن تلك الجمل بعينها مما قاله العرب. وقد أحسن ابن جني حين عقد في كتابه: "الخصائص" فصلا، ذهب فيه إلى أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب١.

стр. 166

والاشتقاق المقصود هنا هو الاشتقاق الصرفي، وهو المعروف عند علماء اللغة باسم: "الاشتقاق الأصغر"، ويعرفه السيوطي بأنه: "أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية وهيئة تركيب لها، ليدل بالثانية على معنى الأصل، بزيادة مفيدة، لأجلها اختلفا حروفا أو هيئة، كضارب من ضرب، وحَذِرٍ من حَذِرَ"١. وهذا النوع من الاشتقاق قياسي؛ إذ لا يعقل أن يسمع عن أصحاب اللغة، جميع المشتقات في كل مادة من مواد اللغة، فكثير من تلك الصيغ، التي يجوز اشتقاقها لا وجود لها فعلا في نص صحيح من نصوص اللغة، فهناك فرق كبير بين ما يجوز لنا اشتقاقه من صيغ، وما اشتق فعلا، واستعمل في أساليب اللغة المروية عن العرب، فليس من الضروري أن يكون لكل فعل اسم فاعل، أو اسم مفعول، رويا لنا في نصوص اللغة، فربما لا يحتاج المتكلم أو الكاتب إلى كليهما من فعل من الأفعال، فالمشتقات تنمو وتكثير حين الحاجة إليها، وقد يسبق بعضها بعضا في الوجود، ولهذا يجدر بنا ألا نتصور أن الأفعال أو المصادر، حين عرفت في نشأتها، عرفت معها مشتقاتها، فقد تظل اللغة قرونا، وليس إلا الفعل وحده، أو المصدر وحده، حتى تدعو الحاجة إلى ما يشتق منهما. ويخالف في هذا بعض قدامى اللغويين العرب، فيرون أنه لا قياس على كلام العرب في الاشتقاق، وأن كل كلام العرب توقيف. ومن هؤلاء ابن فارس اللغوي، الذي يقول: "إن الذي وقفنا على أن الاجتنان: التستر، هو الذي وقفنا على أن "الجِنَّ" مشتق منه، وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن

стр. 167

نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة، وبطلان حقائقها"١. وفي هذا القول غلو وإسراف في منع القياس على ما اشتقه العرب. ومن أتباع هذا الرأي في العصر الحاضر، أولئك الذي يخطئون استخدام: "تكاتف" بمعنى: تعاون، أي وضع كتفه إلى جانب كتف زميله، صنع من يتعاون مع غيره في حمل شيء ثقيل، فهم يخطئون هذه الاشتقاق؛ لأنه لم يرد في هذه الكلمة عن العرب القدماء، وما دروا أن الاشتقاق مذهب من مذاهب العربية، الذي يجدد شبابها على مر الزمن، وأنه قياسي كما ذهب إلى ذلك جمهور اللغويين. والنحت ضرب من ضروب الاشتقاق في اللغة، وهو أن تعتمد إلى كلمتين، أو جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها، كلمة تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها. ولأبي الحسين أحمد بن فارس، اليد الطولى في هذا الموضوع، فهو إمام القائلين بالنحت بين اللغويين القدامي؛ إذ يقول: "واعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس، يستنبطه النظر الدقيق، وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت. ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان، وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ"٢. ويذكر ابن فارس، أن الخليل بن أحمد سبقه في هذا الرأي، وأنه يسير على منهجه في ذلك، فيقول: "والأصل في ذلك ما ذكره الخليل، من قولهم: حيعل الرجل، إذا قال: حي على. ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم: عبشمي، وقوله:

стр. 168

وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلى أسيرا يمانيا١ ولا شك في أن السير على نهج الفصحى في النحت، يعين على ترجمة كثير من المصطلحات العلمية الكثيرة، التي لا تؤدي العربية معناها عادة إلا بكلمتين أو أكثر، كقولنا في العصر الحاضر: "الدبابات البرمائية" بدلا من "البرية المائية" مثلا. وهذا طريق آخر من طرق تجديد العربية. أما "التعريب"، فإنها كلمة تطلق على العملية التي تجرى على الكلمات الأجنبية، حين يدخلها العرب إلى لغتهم، ويعني هذا أن تلك الكلمات المستعارة في العربية، لم تبق على حالها تماما، كما كانت في لغاتها، وإنما حدث فيها أن طوعها العرب لمنهج لغتهم، في أصواتها وبنيتها وما شاكل ذلك. وليس هذا الأمر بدعا في العربية، إذ تخضع في الغالب الكلمات المقتبسة، للأساليب الصوتية في اللغة التي اقتبسها، فينالها كثير من التحريف في أصواتها وطريقة نطقها، وتبعد في جميع هذه النواحي عن صورتها القديمة. وكان هذا دأب العرب في جاهليتهم، تجري على ألسنتهم بعض الألفاظ، التي يحتاجون إليها، من لغات الأمم المجاورة لهم، بعد أن ينفخوا فيها من روحهم العربية، ويتلقفها الشعراء منهم، فيدخلونها في أشعارهم وأرجازهم. وقد طال الأمد على كثير من هذه الألفاظ في الجاهلية، وألف الناس استعمالها وصارت جزءا من لغتهم، وربما نسوا أصلها في كثير من الأحيان، وجاء القرآن الكريم، فأنزله الله تعالى بهذه اللغة العربية، التي أصبح بعض

стр. 169

هذا المعرب من مقوماتها، فجاء فيه شيء من تلك الألفاظ، التي عربها القوم من لغات الأمم المجاورة. وكان السلف الصالح من الصحابة والتابعين، يدركون ذلك تماما، فقد "روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم، في أحرف كثيرة "من القرآن الكريم" أنه من غير لسان العرب، مثل: سجيل، والمشكاة، واليم، والطور، وأباريق، وإستبرق، وغير ذلك ١". ولكن قول الله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ، جعل طائفة من مفكري الإسلام، تذهب إلى إنكار وقوع المعرب في كتاب الله، فهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى، يقول: "من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية، فقد أعظم على الله القول". وقد وازن أبو عبيد القاسم بن سلام، بين رأي شيخه أبي عبيدة، ورأي السلف الصالح، وانتهى إلى القول بعربية هذه الألفاظ، بعد أن عربتها العرب، فقال: "فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هذا إلى غيره، وكلاهما مصيب إن شاء الله، وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعربته فصار عربيا بتعريبها إياه. فهي عربية في هذا الحال، أعجمية الأصل"١. ولكن الشيخ أحمد محمد شاكر، يواصل في العصر الحديث، حملة أبي عبيدة في القديم، على من يقول بوقوع المعرب في القرآن الكريم، فقد راح يتعقب الجواليقي في كتابه: "المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم"، ويحاول أن يعثر على اشتقاق عربي للكلمات التي ذكرها الجواليقي

стр. 170

في هذا الكتاب، معتسفا الطريق في محاولاته تلك تارة، وغافلا عن سنن اللغات في الاقتراض عن غيرها تارة أخرى. وتعصب الشيخ في هذه القضية لا مبرر له؛ إذ الكلمة المعربة تصبح -كما قلنا من قبل- عربية، باستعمال العرب إياها على مناهجهم في لغتهم، غير أن ما دعا العلماء إلى القول بعدم أصالتها في العربية، أنها تدل على شيء لم يكن له وجود في الأصل، في البيئة العربية، وإنما هو وافد مع اسمه إلى تلك البيئة، كما وفدت علينا في العصر الحديث كلمات مثل: "تليفون، وراديو، وتليفزيون، مع أجهزتها التي سميت بها؛ لأن المفردات التي تقتبسها لغة ما، عن غيرها من اللغات، يتصل معظمها بأمور قد اختص بها أهل هذه اللغات، أو بروزا فيها، أو امتازوا بإنتاجها أو كثرة استخدامها، فمعظم ما انتقل إلى العربية من المفردات الفارسية واليونانية، يتصل بنواح مادية أو فكرية، امتاز بها الفرس واليونان، وأخذها عنهم العرب. وهكذا نرى أنه من العبث إنكار وقوع المعرب في العربية الفصحى والقرآن الكريم. وقد وقف اللغويون العرب بالتعريب، عند عصور الاحتجاج، وهي تلك الفترة السعيدة، التي تشمل الجاهلية وصدر الإسلام وعصر بني أمية، وتعد بجميع ما فيها عربية فصحى، وما عداها مما جاء بعدها مولد لا يصح، يستوي في هذا التطور والتعريب الجديد. وتقوم من آن لآخر صيحات، تنادي بأن نسير على طريقة العرب، في تعريب ما نحتاج إليه من ألفاظ اللغات المعاصرة، ومن هؤلاء عبد القادر المغربي، الذي ألف في ذلك كتابا سماه: "الاشتقاق والتعريب". وتتلخص فكرته، في أن الكلمات الدخيلة الدالة على الأحداث والمعاني لا تعتبر فصيحة، ولا يكون استعمالها من الحسن في شيء، وذلك لأن في اللغة ما يسد مسدها. ولكن هناك اختراعات، أوجدها قوم من غير أبناء لغتنا، ووضعوا لها أسماء: اخترعوا: الأوتوموبيل مثلا، وسموه بهذا الاسم، فنحن معشر العرب نأخذه ونأخذ اسمه. كما أخذ أسلافنا المنجنيق واسمه من لغة اليونان.

стр. 171

وقد وقف مجمع اللغة العربية في مصر، من هذه القضية، موقف المتشدد؛ إذ لم يجز إلا تعريب الألفاظ الفنية والعلمية، التي يعجز عن إيجاد مقابل لها في العربية. ولقد لخص الدكتور علي عبد الواحد وافي، موقفه ذلك أحسن تلخيص، فقال١: أما ما استخدمه المولدون في مختلف العصور، وما أدخله بعض المحدثين في العصر الحاضر، أو يُرى إدخاله في اللغة العربية، من كلمات أجنبية تتعلق بالمخترعات، أو بالمصطلحات العلمية والفنية، فقد رأى مجمع اللغة العربية عدم جواز استعماله؛ لأن في العربية غنية عنه، ولأن في بطون معجماتها مئات الألوف من الكلمات المهجورة، الحسنة النغم والجرس، الكثيرة الاشتقاق، مما يصلح أن يوضع للمسميات الحديثة، بدون حدوث اشتراك؛ لأن بعضها من مراقد الإهمال والنسيان، يصيرها كأنها موضوعة وضعا جديدا. وقد عُني المجمع بتطبيق قراره هذا، فوضع عددا كبيرا من الأسماء العربية لمسميات حديثة، جرت العادة باستخدام كلمات أجنبية في التعبير عنها. غير أنه قد احتاط للحالة التي قد تدعو فيها ضرورة قاهرة، إلى استخدام لفظ أعجمي في الشئون العلمية والفنية، ويتعذر إيجاد لفظ عربي يحل محله، فأجاز في هذه الحالة فقط، استخدام اللفظ الأعجمي، بعد صقله بالأساليب الصوتية العربية. وإليك نص قراره في هذا الموضوع: "يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة، على طريقة: العرب في تعريبهم". وفي رأيي أن اللغة لا تفسد بالدخيل بل حياتها في هضم هذا الدخيل لأن

стр. 172

مقدرة لغة ما، على تمثل الكلام الأجنبي، تعد مزيّة وخصيصة لها، إن هي صاغته على أوزانها وصبته في قوالبها، ونفخت فيه من روحها. والحق أن مشكلة تعريب ألفاظ العلم ومستحدثات الحضارة، هي مشكلتنا الحقيقية في العصر الحديث. ومجامعنا العلمية لم تستطع حتى الآن، معالجة هذه المشكلة معالجة حاسمة، فإنها تنتظر حتى يشيع اللفظ الأجنبي على كل لسان، وتستخدمه العامة والخاصة، وتنشره وسائل الأعلام المختلفة، ثم تسعى بعد فوات الأوان إلى محاربته، والبحث عن بديل له عند العرب القدماء، وبذلك يولد هذا اللفظ ميتا، لاشتهار اللفظ الأعجمي، وشيوعه على الألسنة. وكم من ألفاظ وضعتها المجامع اللغوية لمستحدثات الحضارة، غير أنها لم تتجاوز أبواب هذه المجامع، فمثلا: "المذياع" للراديو، و"المأوى" للوكاندة، و"الخيالة" للسينما و"الطارمة" للكشك، و"الملوحة" للسيمافور، و"المرناة" للتليفزيون، وغير ذلك من الألفاظ، ولدت ميتة لهذا السبب الذي ذكرته. ولو أننا سمينا مستحدثات الحضارة بأسماء عربية، واصطلحنا على هذه التسمية أو تلك، عند أول ظهور هذا المستحدث الحضاري أو ذاك، وعملت وسائل الإعلام المختلفة عندنا، على ذيوعه وانتشاره، لارتبط في أذهان الناس بمسماه، وقضينا على هذه المشكلة من أساسها. وإنك لتعجب حين ترى الألمان يقومون في لغتهم بمثل ما ننادي به هنا، فمعظم المخترعات الأجنبية، لها عندهم أسماء ألمانية خالصة. وفي قدرتنا النسج على هذا المنوال للحفاظ على عروبة لغتنا، أمام هذا الغزو الهائل من الألفاظ الأجنبية، وفي ذلك حياة للغة، وتجديد لشبابها.

стр. 173

الباب الخامس: في مناهج البحث اللغوي الفصل الأول: في أصول البحث العلمي وتحقيق النصوص يقوم البحث العلمي في الوقت الحاضر، على أسس علمية متعارف عليها، وسأقتصر هنا على جانب واحد منها، وهو جانب مصادر البحث، لما لهذا الموضوع من أهمية كبرى في النتائج التي يصل إليها الباحث في بحثه، ولارتباطه من جانب آخر بموضوع الخط العربي، الذي أصيب بداء التصحيف والتحريف، منذ أول نشأته، بسبب تشابه أكثر حروف الهجاء العربية، واختلاف أماكن النقط وعددها. لذلك، فإن أي باحث في العلوم الإنسانية، يجب -في رأيي- أن يكون على قدر من الخبرة بتحقيق النصوص، حتى لا يثق في المصدر الذي يعتمد عليه وثوقا مطلقا. وقد ارتبطت في الأذهان، فكرة تحقيق النص بإعداده للنشر، وليس الأمر كذلك تماما، بل إن أي باحث في الدراسات الإنسانية مطالب بتحقيق النص الذي يستنبط منه نتائج معينة، قبل أن يقدم على استنباط هذه النتائج، وليس من اللازم أن يكون ذلك النص مخطوطا، فكثير من الكتب المطبوعة التي بين أيدينا، لا تفترق كثيرا عن المخطوطات؛ إذ إن الذين تولوا طبعها ونشرها، طائفة من الوراقين وبعض الأدعياء، الذين لا يدرون عن فن تحقيق النصوص شيئا، ولذلك جاءت هذه المطبوعات في كثير من الأحيان مليئة بالتصحيف والتحريف، نصوصها مضطربة مشوشة، تبعد كثيرا عن الأصل الذي كتبه مؤلفوها. ويعين على عملية تحقيق النص، أن يتعقبه الباحث في مصادره الأولى، ولا يقتنع به في أول مصدر تقع عليه عينه، وبمعنى آخر لا يصح

стр. 174

للباحث أن يكتفي بالمصادر الثانوية في الموضوع، وهي التي تستقي معلوماتها من مصادر أقدم منها، فإذا ذكر أحد اللغويين المحدثين قولا نقله عن "المزهر" للسيوطي مثلا، فإن على الباحث أن يرجع إلى كتاب "المزهر" نفسه، فإذا رأي السيوطي ينقل هذا القول عن ابن جني مثلا، فإن عليه أن يبحث عن هذا النص في كتب ابن جني، التي حفظتها لنا الأيام، ويعد ذلك في كثير من الأحيان مهمة صعبة، إلا إذا نص السيوطي مثلا على اسم كتاب ابن جني، كالخصائص، أو سر صناعة الإعراب، أو غير ذلك. وكلما عثر الباحث على النص الواحد في كتب متعددة، كان أوثق لهذا النص؛ لأن العبارة قد تصاب بتحريف في أحد المصادر، فيقومها المصدر الثاني، ويكفي للتدليل على هذا مراجعة النص الذي اقتبسه السيوطي في القبائل التي تؤخذ عنها اللغة، من كتاب الألفاظ والحروف لأبي نصر الفارابي١ في كتابيه: "المزهر" و"الاقتراح" ومقارنة كل واحد منهما بالآخر، حتى يتبين لنا صدق هذا القول: ففي المزهر: " ... فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس ولا من عبد القيس وأزد عمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة"٢.

стр. 175

وفي الاقتراح: " ... فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة، ولا من غسان، ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلا لمخالطتهم للهند والحبشة"١. وهكذا نرى من مقارنة النصين في كل من "المزهر" و"الاقتراح" أن كلمة: "اليمن" وكلمة: "للقبط" في المزهر، تحريف لكلمتي: "النمر" و"للنبط" وهما في كتاب "الاقتراح". وصحتهما أوضح من أن يساق عليها الدليل. وقد يكون النص موجودا في كتب متعددة، غير أنه منقول فيها كلها عن كتاب واحد محرف، وحينئذ لا يغني التعدد هنا شيئا. ومن أمثلة ذلك نص المزهر المحرف في الموضع السابق، الذي أخذه بتحريفه دون فطنة إلى ذلك، كل من الشيخ محمد علي الدسوقي في كتابه: تهذيب الألفاظ العامية "ص٤٢"، والمستشرق أوجست فيشر في كتابه: المعجم اللغوي التاريخي "ص١٢-١٣"، والأستاذ عبد الوهاب حمودة في كتابه: القراءات واللهجات "ص٢٩"، والدكتور مهدي المخزومي في كتابه: مدرسة الكوفة "ص٥٤"، والدكتور صبحي الصالح في كتابه: دراسات في فقه اللغة "ص١١٤"، والدكتورة بنت الشاطيء في كتابها: لغتنا والحياة "ص٣٢" والأستاذ

стр. 176

تسحب اسكانر أحمد عبد الغفور عطار في كتابه: الفصحى والعامية "ص٢٨" والدكتور إبراهيم السامرائي في كتاب: العربية بين أمسها وحاضرها "ص٢٢". وخلاصة القول أن الباحث إذا وجد في المصادر الثانوية ما يحتاجه، فعليه أن يرجع به إلى المصادر الأصلية، ليتحقق من صحته. وقد عودتني التجارب الكثيرة أن العودة إلى المصادر الأصلية ضرورية جدا؛ لأن كثيرا من هذه المصادر الثانوية، قد تسيء فهم المصدر الأصلي أحيانا، أو يصيبها التصحيف والتحريف أحيانا أخرى. وسأضرب هنا بعض الأمثلة من تجاربي في بحوثي المختلفة: فقد رأيت في كتاب: "رابين" عن اللهجات القديمة في غربي الجزيرة العربية النص التالي١: "The dialect of Kab'za "sic is reported to have" Pronounced saq instead of saq "leg" Mukhassas. ٥٢". وترجمته: "يُروى عن قبيلة كبعز أنها كانت تنطق: سأق بدلا من ساق "المخصص ٢/ ٥٢". وكان من الممكن أن اقتبس هذا النص، للاستشهاد به على أنه إلى جانب قبيلة طيئ، توجد قبيلة أخرى تسمى قبيلة "كبعز" تهمز الكلمات التي لا تستحق الهمز أصلا، وهو ما يسمى لدى علماء الغرب: Hyperurb anismus: أو Overcorr ectness وأسميه أنا بالحذلقة أو المبالغة في التفصح٢، فإن الإحساس بأن نطق كلمة: "راس" أو "ياكل" أو غيرهما، نطق عامي يقابل النطق الفصيح: "رأس" و"يأكل" هذا

стр. 177

تسحب اسكانر الإحساس كان يقود أحيانا إلى الاعتقاد بأن حروف المد الأصلية، مثل: "ساق" و"باز" و"موقد" "من أوقد" نطق عامي، وأن الفصيح فيه: "سأق" و"بأز" و"مؤقد" عن طريق المبالغة في التفصح. أقول: كان من الممكن أن اقتبس نص Rabin السابق، دليلا على أن قبيلة "كبعز" تبالغ في التفصح في ناحية الهمز، تماما مثل قبيلة طيئ، التي اشتهر عنها أنها تقول: "السؤدد" بدلا من: "السودد" "وهو من السيادة، وفعله: ساد يسود، فأصله الواو لا الهمز" غير أن المنهج العلمي يحتم على المرء هنا أن يرجع إلى المصدر الرئيسي، الذي أخذ عنه Rabin هذه النقطة، وهو كتاب "المخصص" لابن سيده "٢/ ٥٢: ٧"، وبالرجوع إليه وجدت النص فيها كما يلي: "أما قراءة من قرأ: وكشفت عن سأقيها، فإنه همز، لمشابهة الألف الهمزة، وقيل: هي لغة كبأر"، أي أن همز كلمة: "سأق" لغة من اللغات العربية، تماما مثل همز كلمة: "بأز" عند من يهمزها بدلا من: "باز" بمعنى: صقر. والذي أوقع Rabin في هذا الخطأ، أنه قرأ العبارة فيما يبدو: "وقيل هي لغة كبأز"، وعندما نقلها بحروفه اللاتينية، استبدل بالرمز المصطلح عليه بين المستشرقين لكتابة الهمزة، وهو: "د" رمز العين المصطلح عليه عندهم، وهو رأس عين صغيرة ">" سهوا منه، وبذلك صارت الكلمة بالحروف اللاتينية: kabaz غير أن Rabin قد شك في وجود قبيلة عربية بهذا الاسم، وهو ما دعاه إلى أن يضع بعدها بين قوسين كلمة: sic ومعناها باللاتينية: "كذا وردت الكلمة، ولم أتبين وجهها". وهكذا يتبين لنا بالطريق العملي، كيف أن الرجوع إلى المصادر الأساسية، ضروري لتصحيح الخطأ، الذي تقع فيه المصادر الثانوية أحيانا.

стр. 178

وهذا مثال آخر يبين ضرورة الرجوع إلى المصادر الأساسية، فقد ذكر "فلوجل" Flugel" في كتابه: "مدارس العرب النحوية" في ترجمة الكسائي "عن الفهرست لابن النديم" ما يلي١: "Der Fihrist wiederum erzahltm dass, er den Horsaal des mu ad Al Harra Besucht, und wahrenddie Ubrigen Anwesenden einfache Uberwurfe حلل" Uper den Blossen korper trugen, "alleien" mit einem rothlichen Mantel كساء وردا" Bekleidet war" وترجمة العبارة: "ويحكي الفهرست أيضا أنه "أي الكسائي" كان يحضر مجلس معاذ الهراء، وكان سائر الحاضرين يرتدون الحلل على العري، أما هو فكان يرتدي وحده كساء أحمر". وإذا راجعنا نص الفهرست، وجدنا فيه ما يلي: "وإنما سمي الكسائي؛ لأنه كان يحضر مجلس معاذ الهراء، والناس عليهم الحلل، وعليه كساء ورداء"٢، ويهمنا هنا العبارة الأخيرة، وهي التي فهمها Flugel خطأ، والظاهر أنه قرأ كلمة: "ورداء" "التي كتبت في مخطوطة الفهرست، التي كان يستخدمها، بلا همزة": "وَرْدًا"، وفهمها على أنها صفة للكساء، أي أنه كساء في لون الورد، فيكون أحمر اللون، وفاته أنه لو كان الأمر كذلك، لوجب أن تكون العبارة: "وعليه كساء وردي"! ومن أمثلة المصادر الثانوية المضرة، ما يوجد في كتاب: "إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه، من قوله: "قال عمرو بن بحر الجاحظ في

стр. 179

كتاب الحيوان: والتين والزيتون: دمشق وفلسطين"١، فقد يظن من يكتفي بهذا النص، أن الجاحظ يفسر التين والزيتون بهذا التفسير، غير أن من يبحث عن هذا في كتاب الحيوان، يجد الجاحظ يحكي هذا الرأي عن غيره، ويرفضه ويهزأ به بشدة، فيقول: "وقد قال الله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ، فزعم زيد بن أسلم أن التين دمشق، الزيتون فلسطين، وللغالية في هذا تأويل أرغب بالعترة عنه، وعن ذكره وقد أخرج الله ﵎ الكلام مخرج القسم، وما تعرف دمشق إلا بدمشق. ولا فلسطين إلا بفلسطين"٢، ثم مضى الجاحظ بعد ذلك يعدد فوائد التين والزيتون، وقال بعد ذلك: "وليس لهذا المقدار عظمهما الله ، وأقسم بهما، ونوه بذكرهما". فأين من يعتمد على هذا النص في مصدره الأصلي، ممن يعتمد على نص مبتور، في مصدر ثانوي، ينسب إلى الجاحظ رأيا لم يقل به؟ ومثل ذلك ما في الفهرست لابن النديم، عند قوله في ترجمة المبرد ما نصه: "قال أبو سعيد ﵀: وقد نظر في كتاب سيبويه في عصره جماعة لم يكن لهم كتب عنه، يعني المبرد، مثل أبي ذكوان القاسم بن إسماعيل ... "٣ وذكر شخصين آخرين هما عسل بن ذكوان وأبو يعلى بن أبي زرعة. وإذا كان الباحث العجلان يكتفي أحيانا بمثل هذا النص، ليبني عليه أحكاما، فيدعي أن أبا ذكوان وزميليه كانوا من تلامذة المبرد، غير أنهم

стр. 180

لم يؤلفوا كتبا أخذوا مادتها عن المبرد، فإن ذلك كله خطأ؛ إذ إنه ما قال أحد إن هؤلاء الثلاثة كانوا من تلامذة المبرد. ويقضي المنهج العلمي في هذه الحالة، أن تبحث المصادر التي اعتمد عليها الفهرست في هذه النقطة، وقد رأينا النص يبدأ بعبارة: "قال أبو سعيد ﵀"، فإذا عرفنا أن ابن النديم كان تلميذا لأبي سعيد السيرافي، وأن هذا الأخير قد ألف كتابا سماه: "أخبار النحويين البصريين"، كان علينا أن نبحث فيه عن النص الذي ذكره ابن النديم في كتابه "الفهرست"، وبالفعل نجد النص في أخبار النحويين البصريين للسيرافي، وفيه: "وقد كان من نظرائه "أي المبرد" في عصره، ممن قرأ كتاب سيبويه على المازني، جماعة لم يكن لهم كنباهته، مثل أبي ذكوان ... وعسل بن ذكوان ... وأبي يعلى بن أبي زرعة"١. ومن هذه المراجعة للمصدر الأصلي للنص، نعرف أن عبارة: "لم يكن لهم كتب عنه" المذكورة في الفهرست، ليست إلا تحريفا للعبارة الأصلية: "لم يكن لهم كنباهته: ويظهر أن السر في هذا التحريف أن الألف في: "نباهته" قصرت بعض الشيء وكذلك الهاء لم تكن واضحة تماما، فقرئت الكلمة لهذا السبب: "كتب عنه". ويطول بنا الحديث، إذا ذهبنا نعرض الأمثلة الكثيرة، التي تؤكد ضرورة تحقيق النص قبل استخدامه، على أي نحو، في البحوث العلمية. هذا، وترتبط فكرة الإلحاح على رؤية النص الواحد في أكثر من مصدر، للتحقق من صحته والاطمئنان إلى خلوه من التصحيف.
следующие страницы →