← Язык

Язык · id 15043

بحوث ومقالات في اللغة

رمضان عبد التواب

Полный текст (254 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تسحب اسكانر أحمد عبد الغفور عطار في كتابه: الفصحى والعامية "ص٢٨" والدكتور إبراهيم السامرائي في كتاب: العربية بين أمسها وحاضرها "ص٢٢". وخلاصة القول أن الباحث إذا وجد في المصادر الثانوية ما يحتاجه، فعليه أن يرجع به إلى المصادر الأصلية، ليتحقق من صحته. وقد عودتني التجارب الكثيرة أن العودة إلى المصادر الأصلية ضرورية جدا؛ لأن كثيرا من هذه المصادر الثانوية، قد تسيء فهم المصدر الأصلي أحيانا، أو يصيبها التصحيف والتحريف أحيانا أخرى. وسأضرب هنا بعض الأمثلة من تجاربي في بحوثي المختلفة: فقد رأيت في كتاب: "رابين" عن اللهجات القديمة في غربي الجزيرة العربية النص التالي١: "The dialect of Kab'za "sic is reported to have" Pronounced saq instead of saq "leg" Mukhassas. ٥٢". وترجمته: "يُروى عن قبيلة كبعز أنها كانت تنطق: سأق بدلا من ساق "المخصص ٢/ ٥٢". وكان من الممكن أن اقتبس هذا النص، للاستشهاد به على أنه إلى جانب قبيلة طيئ، توجد قبيلة أخرى تسمى قبيلة "كبعز" تهمز الكلمات التي لا تستحق الهمز أصلا، وهو ما يسمى لدى علماء الغرب: Hyperurb anismus: أو Overcorr ectness وأسميه أنا بالحذلقة أو المبالغة في التفصح٢، فإن الإحساس بأن نطق كلمة: "راس" أو "ياكل" أو غيرهما، نطق عامي يقابل النطق الفصيح: "رأس" و"يأكل" هذا

стр. 177

تسحب اسكانر الإحساس كان يقود أحيانا إلى الاعتقاد بأن حروف المد الأصلية، مثل: "ساق" و"باز" و"موقد" "من أوقد" نطق عامي، وأن الفصيح فيه: "سأق" و"بأز" و"مؤقد" عن طريق المبالغة في التفصح. أقول: كان من الممكن أن اقتبس نص Rabin السابق، دليلا على أن قبيلة "كبعز" تبالغ في التفصح في ناحية الهمز، تماما مثل قبيلة طيئ، التي اشتهر عنها أنها تقول: "السؤدد" بدلا من: "السودد" "وهو من السيادة، وفعله: ساد يسود، فأصله الواو لا الهمز" غير أن المنهج العلمي يحتم على المرء هنا أن يرجع إلى المصدر الرئيسي، الذي أخذ عنه Rabin هذه النقطة، وهو كتاب "المخصص" لابن سيده "٢/ ٥٢: ٧"، وبالرجوع إليه وجدت النص فيها كما يلي: "أما قراءة من قرأ: وكشفت عن سأقيها، فإنه همز، لمشابهة الألف الهمزة، وقيل: هي لغة كبأر"، أي أن همز كلمة: "سأق" لغة من اللغات العربية، تماما مثل همز كلمة: "بأز" عند من يهمزها بدلا من: "باز" بمعنى: صقر. والذي أوقع Rabin في هذا الخطأ، أنه قرأ العبارة فيما يبدو: "وقيل هي لغة كبأز"، وعندما نقلها بحروفه اللاتينية، استبدل بالرمز المصطلح عليه بين المستشرقين لكتابة الهمزة، وهو: "د" رمز العين المصطلح عليه عندهم، وهو رأس عين صغيرة ">" سهوا منه، وبذلك صارت الكلمة بالحروف اللاتينية: kabaz غير أن Rabin قد شك في وجود قبيلة عربية بهذا الاسم، وهو ما دعاه إلى أن يضع بعدها بين قوسين كلمة: sic ومعناها باللاتينية: "كذا وردت الكلمة، ولم أتبين وجهها". وهكذا يتبين لنا بالطريق العملي، كيف أن الرجوع إلى المصادر الأساسية، ضروري لتصحيح الخطأ، الذي تقع فيه المصادر الثانوية أحيانا.

стр. 178

وهذا مثال آخر يبين ضرورة الرجوع إلى المصادر الأساسية، فقد ذكر "فلوجل" Flugel" في كتابه: "مدارس العرب النحوية" في ترجمة الكسائي "عن الفهرست لابن النديم" ما يلي١: "Der Fihrist wiederum erzahltm dass, er den Horsaal des mu ad Al Harra Besucht, und wahrenddie Ubrigen Anwesenden einfache Uberwurfe حلل" Uper den Blossen korper trugen, "alleien" mit einem rothlichen Mantel كساء وردا" Bekleidet war" وترجمة العبارة: "ويحكي الفهرست أيضا أنه "أي الكسائي" كان يحضر مجلس معاذ الهراء، وكان سائر الحاضرين يرتدون الحلل على العري، أما هو فكان يرتدي وحده كساء أحمر". وإذا راجعنا نص الفهرست، وجدنا فيه ما يلي: "وإنما سمي الكسائي؛ لأنه كان يحضر مجلس معاذ الهراء، والناس عليهم الحلل، وعليه كساء ورداء"٢، ويهمنا هنا العبارة الأخيرة، وهي التي فهمها Flugel خطأ، والظاهر أنه قرأ كلمة: "ورداء" "التي كتبت في مخطوطة الفهرست، التي كان يستخدمها، بلا همزة": "وَرْدًا"، وفهمها على أنها صفة للكساء، أي أنه كساء في لون الورد، فيكون أحمر اللون، وفاته أنه لو كان الأمر كذلك، لوجب أن تكون العبارة: "وعليه كساء وردي"! ومن أمثلة المصادر الثانوية المضرة، ما يوجد في كتاب: "إعراب ثلاثين سورة" لابن خالويه، من قوله: "قال عمرو بن بحر الجاحظ في

стр. 179

كتاب الحيوان: والتين والزيتون: دمشق وفلسطين"١، فقد يظن من يكتفي بهذا النص، أن الجاحظ يفسر التين والزيتون بهذا التفسير، غير أن من يبحث عن هذا في كتاب الحيوان، يجد الجاحظ يحكي هذا الرأي عن غيره، ويرفضه ويهزأ به بشدة، فيقول: "وقد قال الله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ، فزعم زيد بن أسلم أن التين دمشق، الزيتون فلسطين، وللغالية في هذا تأويل أرغب بالعترة عنه، وعن ذكره وقد أخرج الله ﵎ الكلام مخرج القسم، وما تعرف دمشق إلا بدمشق. ولا فلسطين إلا بفلسطين"٢، ثم مضى الجاحظ بعد ذلك يعدد فوائد التين والزيتون، وقال بعد ذلك: "وليس لهذا المقدار عظمهما الله ، وأقسم بهما، ونوه بذكرهما". فأين من يعتمد على هذا النص في مصدره الأصلي، ممن يعتمد على نص مبتور، في مصدر ثانوي، ينسب إلى الجاحظ رأيا لم يقل به؟ ومثل ذلك ما في الفهرست لابن النديم، عند قوله في ترجمة المبرد ما نصه: "قال أبو سعيد ﵀: وقد نظر في كتاب سيبويه في عصره جماعة لم يكن لهم كتب عنه، يعني المبرد، مثل أبي ذكوان القاسم بن إسماعيل ... "٣ وذكر شخصين آخرين هما عسل بن ذكوان وأبو يعلى بن أبي زرعة. وإذا كان الباحث العجلان يكتفي أحيانا بمثل هذا النص، ليبني عليه أحكاما، فيدعي أن أبا ذكوان وزميليه كانوا من تلامذة المبرد، غير أنهم

стр. 180

لم يؤلفوا كتبا أخذوا مادتها عن المبرد، فإن ذلك كله خطأ؛ إذ إنه ما قال أحد إن هؤلاء الثلاثة كانوا من تلامذة المبرد. ويقضي المنهج العلمي في هذه الحالة، أن تبحث المصادر التي اعتمد عليها الفهرست في هذه النقطة، وقد رأينا النص يبدأ بعبارة: "قال أبو سعيد ﵀"، فإذا عرفنا أن ابن النديم كان تلميذا لأبي سعيد السيرافي، وأن هذا الأخير قد ألف كتابا سماه: "أخبار النحويين البصريين"، كان علينا أن نبحث فيه عن النص الذي ذكره ابن النديم في كتابه "الفهرست"، وبالفعل نجد النص في أخبار النحويين البصريين للسيرافي، وفيه: "وقد كان من نظرائه "أي المبرد" في عصره، ممن قرأ كتاب سيبويه على المازني، جماعة لم يكن لهم كنباهته، مثل أبي ذكوان ... وعسل بن ذكوان ... وأبي يعلى بن أبي زرعة"١. ومن هذه المراجعة للمصدر الأصلي للنص، نعرف أن عبارة: "لم يكن لهم كتب عنه" المذكورة في الفهرست، ليست إلا تحريفا للعبارة الأصلية: "لم يكن لهم كنباهته: ويظهر أن السر في هذا التحريف أن الألف في: "نباهته" قصرت بعض الشيء وكذلك الهاء لم تكن واضحة تماما، فقرئت الكلمة لهذا السبب: "كتب عنه". ويطول بنا الحديث، إذا ذهبنا نعرض الأمثلة الكثيرة، التي تؤكد ضرورة تحقيق النص قبل استخدامه، على أي نحو، في البحوث العلمية. هذا، وترتبط فكرة الإلحاح على رؤية النص الواحد في أكثر من مصدر، للتحقق من صحته والاطمئنان إلى خلوه من التصحيف.

стр. 181

والتحريف، بفكرة تخريج النصوص الشعرية، في النص الذي يراد نشره، فقد سار جلة المحققين من المستشرقين والعرب، على الاستقصاء في هذه المسألة، والتنبيه على جمهرة المواضع التي ورد فيها هذا البيت أو ذاك في المصادر التي بين أيديهم. وقد يعيب بعض الناس هذا المنهج؛ إذ يرون فيه مبالغة وإسرافا في التخريج، كما ينادي بعضهم بالاكتفاء بمصدر أو بمصدرين، ولا سيما في الشعر المشهور المتداول. وما درى هؤلاء وأولئك أن هذا التخريج المستقصى، قد يفيد باحثا أو محققا، يجد أمامه هذا البيت أو ذاك في سياق نثري غير مفهوم، إما لاختصار مخل في العبارة، وإما لتصحيف أو تحريف، أصابا هذا النص في كتاب مطبوع أو مخطوط، والوسيلة المأمونة العاقبة في مثل هذه الحالة، هي البحث عن مثل هذا البيت في مصادره المختلفة، لعله يعثر في بعضها على سياقة الخالي من الاضطراب والتشويش. مثل هذا الباحث أو المحقق، يحمد لهذه الطريقة المستقصية في تخريج الأشعار، أن وضعت أمامه جمهرة مصادر البيت الذي يهمه، ووفرت له كثيرا من الجهد والمشقة. وهذا مثال واحد يبين مدى صدق هذا القول، ففي شرح قصيدة عدي بن الرقاع، التي نشرها الأستاذ عبد العزيز الميمني١ شرح البيت التالي: وبها مناخ قلما نزلت به ... ومصمعات من بنات معاها

стр. 182

بما يأتي: " ... مصمعات يعني بعذاب ملترفات محدرات سعرات لعله "كذا" أكلها وشربها". كذا ساق الميمني نص المخطوطة، كما هو بتحريفه، ولم يتبين وجه الصواب فيه، فكتب بعده كلمة: "كذا". ولو أتيح للأستاذ الميمني أن يعرف مصادر هذا البيت، لرأى في سياق بعضها، ما يعينه على إصلاح هذا التحريف، الذي شوه وجه النص، ففي لحن العوام للزبيدي: "وقال أبو نصر: أتانا بثريدة مصمعة، إذا رفعها كالصومعة، وحدد رأسها، ويقال: بعرات مصمعات إذا كانت ملتزقات عطاشا فيهن ضمور. وأنشد يعقوب لعدي بن الرقاع: ولها مناخ ... "١ البيت. وعلى ضوء نص "لحن العوام يمكن إصلاح الخلل الواقع في نص "الطرائف الأدبية" على النحو التالي: "مصمعات يعني بعرات ملتزقات محددات ببعرات لقلة أكلها وشربها". على أن الاكتفاء بمصدر أو بمصدرين، قد يجر إلى ادعاء خطأ نسبة بيت، وردت في مصادر لم يرها المحقق، أو القول بتحريف أو تصحيف في رواية، لم يجهد المحقق نفسه في البحث عنها، أو ترك التصحيف والتحريف كما هو، لعثوره عليه مرة أخرى في مصدره الذي اكتفى به. وقد وقعت أنا في بعض ذلك، عند تحقيقي كتاب: "لحن العوام" للزبيدي؛ إذ ادعيت أن رواية بيت الفرزدق: وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجرف محرفة في ديوانه، وأن الصواب: "مجلف"٢.

стр. 183

غير أن من يطلع على كتاب "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي، يعرف أن البيت يقال بالروايتين: "مجلف"، أو "مجرف"١. هذه هي بعض علامات على الطريق، تسندها خبرة متواضعة في معالجة النصوص، وتجارب شاقة في ميدان البحث العلمي.

стр. 184

الفصل الثاني: مصادر "كتاب المزهر" للسيوطي كتاب "المزهر في علوم اللغة وأنواعها" أشهر كتب جلال الدين السيوطي اللغوية، بل إنه أشهر كتب فقه اللغة في العربية، جمع فيه مؤلفه حصاد القرون الطويلة، التي سبقته في الدراسات اللغوية عند العرب، واستوعب فيه كل ما وصلت إليه يده من مؤلفات السابقين، في القضايا التي أثارها في كتابه، بدءا من حديثه عن أصل اللغة ونشأتها، ومرورا بطرق تحمل العلم باللغة، ومعرفة الفصيح والمطرد والشاذ والنادر، والمعرب والمولد، وخصائص العربية في ظواهر الاشتقاق والحقيقة والمجاز، والمشترك والتضاد والترادف، والإتباع والإبدال، والقلب والنحت، والمثنى والمكنى والمبني، والملاحن والألغاز، والأشباه والنظائر.... وانتهاء بالحديث عن آداب اللغوي، ومعرفة ما ينتاب كتابة اللغة من التصحيف والتحريف، وطبقات اللغويين وأسمائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وأغلاط الشعراء والرواة وأكاذيب الأعراب، وما إلى ذلك. ولقد بلغت مصادر السيوطي في هذا الكتاب مائتي مصدر، يعود أقدمها إلى القرن الثاني الهجري، كالعين للخليل بن أحمد الفراهيدي، وأحدثها إلى الفيروزآبادي المتوفى "سنة ٨١٧هـ" قبل السيوطي بحوالي قرن من الزمان. وقد أتى السيوطي على الكثير من محتويات بعض هذه الكتب، فنقلها إلى مزهره، فقد نقل أكثر ما في كتاب "الإبدال" لابن السكيت، ثم قال: "هذا غالب ما أورده ابن السكيت، وبقيت منه أحرف أخرى، أخرتها

стр. 185

إلى النوع السابع والثلاثين والذي يليه، وفات ابن السكيت ألفاظ جمة مفرقة في كتب اللغة. ومن أهم ما فاته الإبدال بين السين والصاد، نحو: السراط والصراط"١. ومعنى هذا النص أن السيوطي، لم يكن ينقل ما في مصادره، نقلا عشوائيا، وإنما هو نقل واع يتبع منهجا وتخطيطا بالغ الدقة. ومثل ذلك أيضا نقله، ما ذكره الفيروزآبادي من أسماء العسل في كتابه: "ترقيق الأسل لتصفيق العسل"، وقوله بعد أن انتهى منه: "قلت: ما استوفى أحد مثل هذا الاستيفاء، ومع ذلك فقد فاته بعض الألفاظ"٢، ثم استكمل هذه الألفاظ من أمالي القالي، وأمالي الزجاجي٣. ويشبه هذا أيضا صنيعه مع كتاب "المثنى والمبني" لابن السكيت، فقد نقل منه عشر صفحات كاملة، ثم قال: "هذا ما أورده ابن السكيت في هذا الباب، وقد جمع فأوعى، ومع ذلك فقد فاته ألفاظ"٤، وقد استدرك السيوطي هذا الفائت من ديوان الأدب، والغريب المصنف، والجمهرة، وغيرها. وأحيانا ينقل السيوطي فصولا كاملة من مصادره، كما فعل ذلك حين نقل الفصلين الرابع والخامس من كتاب: "لمع الأدلة" لأبي البركات بن

стр. 186

الأنباري "٨٢/ ٨٤" بالحرف الواحد١. وكما فعل في باب: "ذكر ما جاء على فُعالة"؛ إذ نقله كله من "الغريب المصنف" لأبي عبيد، وقال في آخره: "هذا جميع ما في الغريب المصنف"٢. وفي بعض الأحيان يلخص السيوطي ما في مصادره تلخيصا شديدا، كما فعل حين لخص كتاب "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي، في عشرين صفحة، وقال في آخرها: "انتهى كلام أبي الطيب في كتاب مراتب النحويين ملخصا"٣. وهو لا يغفل الإشارة إلى ما لخصه من نصوص مصادره، كما رأينا في العبارة السابقة، وكقوله في موضع آخر مثلا: "انتهى كلام ابن جني ملخصا"٤. وقد نثر السيوطي كثيرا من مسائل "الصاحبي" لابن فارس، و"الخصائص" لابن جني في مزهره، فقد نقل عن الأول ست صفحات كاملة في أحد المواضع، ثم قال: "هذا كله كلام ابن فارس"٥. كما أكثر من النقل عنه في افتتاحيات كثير من أبوابه٦. وقد نص السيوطي على استفادته الكاملة من هذا الكتاب، فقال مرة: "قلت: قد رأيت نسخة من هذا الكتاب مقروءة على المصنف، وعليها خطه، وقد نقلت غالب ما فيه في هذا الكتاب"٧. كما نقل عن "الخصائص" كثيرا كذلك؛ إذ نقل منه ست صفحات في أصل اللغة، وقال في آخرها: "هذا كله كلام ابن

стр. 187

جني"١. وهناك نقل آخر في سبع صفحات في موضوع: المهمل والمستعمل، قال بعده: "انتهى كلام ابن جني"٢ وفي باب: سقطات العلماء، نقل عنه اثنتي عشرة صفحة، وقال: "انتهى ما أورده ابن جني"٣. ومن أمثلة النقل المطول عن المصادر، نقله رسالة في حوالي ثلاثين صفحة٤، من ديوان رسائل الشريف أبي القاسم علي بن الحسين المصري، في الألغاز اللغوية، ثم نقله المقامة الثانية والثلاثين في الألغاز من مقامات الحريري كاملة٥. ومع تطويله النقل عن بعض المصادر على هذا النحو، نراه لا يستخدم في بعض الأحيان كل الكتب المتخصصة في الموضوع الذي يكتب فيه، ففي موضوع: "المشجر" مثلا، لم يستخدم السيوطي كتاب: "المداخل" لأبي عمر الزاهد "٣٤٥هـ"، ولا كتاب: "المسلسل" لأبي الطاهر التميمي "٥٣٨هـ". وفي موضوع: "الإتباع" لم يستخدم كتاب: "الإتباع" لأبي الطيب اللغوي "٣٥١هـ". وكذلك في موضوع: "الإبدال" لم يفد من كتاب: "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي شيئا. ونراه كذلك في موضوع: "الأمثال" لا يستخدم بعض الكتب المهمة، مثل: "جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري "٣٩٥هـ" و"مجمع الأمثال" للميداني "٥١٨هـ" و"المستقصى" للزمخشري "٥٣٨هـ" وغير ذلك.

стр. 188

وتنقسم مصادر السيوطي في مزهره، إلى أنواع شتى من حيث التخصص، على النحو التالي: ١- كتب في فقه اللغة، كالصاحبي في فقه اللغة لابن فارس، والخصائص لابن جني. ٢- معاجم عربية مرتبة على الموضوعات، مثل: الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، وفقه اللغة للثعالبي١. أو مرتبة على المخارج، مثل: العين للخليل بن أحمد، ومختصره لأبي بكر الزبيدي، وتهذيب اللغة للأزهري، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده، واستدراك الغلط الواقع في كتاب العين للزبيدي، أو مرتبة ترتيبا هجائيا أو على المباني، مثل: الصحاح للجوهري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، والعباب للصاغاني، وجمهرة اللغة لابن دريد، وديوان الأدب للفارابي، والمجمل لابن فارس. ٣- كتب لغوية متخصصة في موضوع واحد، مثل: الإبدال لابن السكيت، والأيام والليالي للفراء، وما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد، والمقصور والممدود لابن ولاد، والأضداد لأبي بكر بن الأنباري، والإتباع لابن فارس، وشجر الدر لأبي الطيب اللغوي، والمقصور والممدود لأبي علي القالي، وما جاء على فَعَالِ للصاغاني، والمثنى لأبي الطيب اللغوي، والموازنة لحمزة بن الحسن الأصفهاني، وخلق الإنسان للصاغاني، والأجناس للأصمعي، والمقصود والممدود لابن السكيت، والفروق لأبي الطيب اللغوي، والأصوات لابن السكيت، والليل والنهار لأبي حاتم السجستاني. ٤- كتب في النحو والصرف، مثل: الكتاب لسيبويه، وأصول

стр. 189

النحو لابن السراج، وارتشاف الضرب لأبي حيان، والتسهيل لابن مالك، ولمع الأدلة لأبي البركات بن الأنباري، وشرح التسهيل لأبي حيان، وسفر السعادة للسخاوي، والإنصاف لأبي البركات بن الأنباري، وشرح فصول ابن معط لابن إياز، والغرة في شرح اللمع لابن الدهان، وشرح المفصل للسخاوي، وشرح الشافية للجاربردي. ٥- كتب في لحن العامة، مثل: إصلاح المنطق لابن السكيت، وتهذيبه للخطيب التبريزي، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وشرحه للجواليقي والزجاجي، والفصيح لثعلب، وشروحه لابن درستويه والمرزوقي وابن خالويه والبطليوسي، وذيله للموفق البغدادي. ٦- كتب الأمالي، مثل: أمالي ثعلب المعروفة بمجالس ثعلب، والأمالي لأبي علي القالي، وأمالي الزجاجي، وأمالي ابن دريد، وأمالي أبي عبيد. ٧- كتب النوادر، كالكتب التي ألفها كل من أبي زيد الأنصاري، وأبي محمد اليزيدي، وابن الأعرابي، ويونس بن حبيب، وأبي عمرو الشيباني، والنجيرمي. ٨- دواوين الأدب والمجاميع الشعرية، مثل: يتيمة الدهر للثعالبي، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والكامل للمبرد، وشرح المعلقات لأبي جعفر النحاس، وربيع الأبرار للزمخشري، ومقامات الحريري، ونشوار المحاضرة للتنوخي، وشرح شعر هذيل للسكري، والحمقى والمغفلين لابن الجوزي، وجمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب، وأيام العرب لأبي عبيدة، وشروح المقامات للمطرزي والنحاس وسلامة الأنباري، وشرح كامل المبرد لأبي إسحاق البطليوسي.

стр. 190

٩- مجاميع أمثال العرب، مثل: الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر بن الأنباري، وجامع الأمثال لأبي علي أحمد بن إسماعيل القمي. ١٠- كتب في البلاغة والنقد القديم، مثل: الإيضاح للقزويني، ومنهاج البلغاء لحازم القرطاجني، وسر الفصاحة لابن سنان، والعمدة لابن رشيق، وعروس الأفراح لبهاء الدين السبكي، والطريق إلى الفصاحة لابن النفيس. ١١- كتب في الأصول والفقه، مثل: شرح منهاج الأصول للإسنوي، والمحصول لفخر الدين الرازي، والوصول إلى الأصول لأبي الفتح ابن برهان، وشرح منهاج البيضاوي لتاج الدين السبكي، وشرح المحصول للقرافي، والملخص في أصول الفقه للقاضي عبد الوهاب السبكي، والروضة للإمام النووي. ١٢- كتب في التفسير، مثل: تفسير الطبري، والبحر المحيط للزركشي، والتفسير لوكيع، والتفسير لابن جزي. ١٣- كتب في الحديث، مثل: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والمستدرك للحاكم، وشعب الإيمان للبيهقي، وغريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، والأدب المفرد للبخاري، ومسند أحمد بن حنبل. ١٤- كتب في التراجم والطبقات، مثل: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وأخبار النحويين البصريين للسيرافي، وطبقات الشعراء لابن المعتز، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي، ومراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي، ومن سمي عمرا من الشعراء لابن الجراح، والمؤتلف والمختلف للآمدي.

стр. 191

١٥- كتب تاريخية، مثل: تاريخ دمشق لابن عساكر، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ حلب للكمال بن العديم، وتاريخ المسعودي "مروج الذهب"، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار. هذه هي جمهرة المصادر التي رجع إليها جلال الدين السيوطي، في تأليف موسوعته اللغوية: "المزهر في علوم اللغة وأنواعها". وبعض هذه المصادر مفقودة لا وجود له الآن، مثل: الأجناس للأصمعي، والأصوات لابن السكيت، والليل والنهار لأبي حاتم السجستاني، والفروق لأبي الطيب اللغوي، وشرح الفصيح لابن خالويه، وأيام العرب لأبي عبيدة، والنوادر لأبي عمرو الشيباني، والنوادر ليونس بن حبيب. وهذا الكتاب الأخير كان قليل الوجود في عصر ابن مكتوم "٧٤٩هـ"؛ إذ قال عنه السيوطي في المزهر: "وفي النوادر ليونس، رواية محمد بن سلام الجمحي عنه، وهذا الكتاب لم أقف عليه، إلا أني وقفت على منتقى منه، بخط الشيخ تاج الدين بن مكتوم النحوي، وقال عنه: إنه كتاب كثير الفائدة قليل الوجود"١. وبعض مصادر السيوطي في مزهره، لا يزال مخطوطا ينتظر من يحققه وينشره، وينفض غبار الزمن عنه، مستعينا على تحقيقه بالنصوص التي اقتبسها السيوطي منه، مثل: الموازنة لحمزة بن الحسن الأصبهاني، وشرح المفصل للسخاوي، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار، ومن المصادر المخطوطة

стр. 192

ما هو تحت الطبع، بعد أن اشتغل بتحقيقها بعض المعاصرين، مثل: العين للخليل بن أحمد، والمقصور والممدود للقالي، والغريب المصنف لأبي عبيد، وارتشاف الضرب لأبي حيان، وسفر السعادة للسخاوي، والأمالي لابن دريد، والنوادر لابن الأعرابي. ومن المصادر ما رآه السيوطي، ثم افتقده في أثناء تأليفه للمزهر، كهذا الكتاب الذي ذكره في النوع السابع والثلاثين، في معرفة ما ورد بوجهين بحيث يؤمن فيه التصحيف، فقال: "وقد رأيت من عدة سنين في هذا النوع مؤلفا في مجلد، لم يكتب عليه اسم مؤلفه، ولا هو عندي الآن حال تأليف هذا الكتاب. ورأيت لصاحب القاموس تأليفا سماه: تحبير الموشين فيا يقال بالسين والشين، ولم يحضر عندي الآن ... فأعملت فكري في استخراج أمثلة ذلك من كتب اللغة"١. وكتاب: "فتيا فقيه العرب" لابن فارس، الذي نشره حسين علي محفوظ، بدمشق سنة ١٩٥٨م، كان عند السيوطي كذلك، ثم افتقده عند تأليف المزهر، فقال: "وقد ألف ابن فارس تأليفا لطيفا في كراسه، سماه بهذا الاسم "فتيا فقيه العرب" رأيته قديما، وليس هو الآن عندي ... فنذكر ما وقع من ذلك في مقامات الحريري، ثم إن ظفرت بكتاب ابن فارس، ألحقت ما فيه"٢. ويبدو أن السيوطي لم يظفر بهذا الكتاب مرة أخرى، حتى مات ﵀. ومثل ذلك يتحدث السيوطي عن كتاب: "ليس في كلام العرب".

стр. 193

لابن خالويه، فيقول في باب: معرفة الأشباه والنظائر١: "هذا نوع مهم ينبغي الاعتناء به، فبه تعرف نوادر اللغة وشواردها، ولا يقوم به إلا مضطلع بالفن واسع الاطلاع، كثير النظر والمراجعة. وقد ألف ابن خالويه كتابا حافلا، في ثلاثة مجلدات ضخمات، سماه: كتاب ليس، موضوعه: ليس في اللغة كذا إلا كذا. وقد طالعته قديما. وانتقيت منه فوائد، وليس هو بحاضر عندي الآن. وأنا أذكر إن شاء الله في هذا النوع، ما يقضي فيه الناظر العجب، وآت فيه ببدائع وغرائب، إذا وقع عليها الحافظ المطلع، يقول: هذا منتهى الأرب". وهذا أحد المواضع التي يظهر فيها أسلوب السيوطي، في التقديم لأبواب المزهر المختلفة. أما الفوائد التي انتقاها من كتاب: "ليس" لابن خالويه قديما، فتظهر منثورة هنا وهناك في المزهر، ومنها في أحد المواضع اثنتا عشرة صفحة، قال في آخرها: "هذا آخر المنتقى من كتاب ليس لابن خالويه"٢. وبعض مصادر "المزهر" كانت عند السيوطي بخطوط مؤلفيها، فقد ذكر أنه رأى تاريخ حلب للكمال بن العديم بخطه٣، كما كانت عنده تذكره الشيخ تاج الدين بن مكتوم القيسي بخطه٤، وكانت عنده ثلاثة كتب للنجيرمي كلها بخطه، وهي: التعليق٥، والفوائد٦،

стр. 194

والنوادر١، كما نقل "من خط الشيخ بدر الدين الزركشي في كراسة له سماها: عمل من طب لمن حب"٢. وتبلغ نسبة النصوص المنقولة عن كتب مفقودة، في "المزهر" حوالي ٤٠% من حجم الكتاب. ومن هنا تبدو قيمة كتاب "المزهر" للسيوطي، الذي حفظ لنا نصوصا كثيرة، ضاعت أصولها ولم تصل إلينا. وهو في مثل هذه النصوص، يعد مصدرا أصيلا في البحث العلمي. وتختلف معاملة السيوطي لمصادره من مؤلف إلى مؤلف، فهو أحيانا ينقل نقلا حرفيا ما أمامه من نصوص في مصادره، مثلما ذكرناه من قبل، من نقله الفصلين الرابع والخامس من كتاب: "لمع الأدلة" لابن الأنباري، بالحرف الواحد. وأحيانا يتصرف، ويقدم ويؤخر، ويحذف ويختصر، كما فعل في باب: "الأضداد"٣ الذي نقله من كتاب: "الغريب المصنف" لأبي عبيد القاسم بن سلام، فإننا إذا طالعنا هذا الكتاب الأخير، رأينا أبا عبيد يروي في باب الأضداد منه عن أبي زيد، ثم عن اليزيدي، ثم عن أبي زيد مرة ثانية، ثم عن الأصمعي، ثم عن أبي عبيدة، ثم عن الكسائي، ثم عن أبي زيد مرة ثالثة، ثم عن الكسائي مرة ثانية، ثم عن الأموي، ثم عن الأصمعي مرة ثانية، ثم عن أبي عبيدة مرة ثانية، ثم عن أبي عمرو، ثم عن أبي عبيدة مرة ثالثة، ثم عن الأحمر، ثم عن الأصمعي مرة ثالثة، ثم عن أبي عبيدة مرة رابعة، ثم عن

стр. 195

الأصمعي مرة رابعة، ثم عن أبي عبيدة مرة خامسة، ثم عن الكسائي مرة ثالثة. وهكذا ينتهي الباب. أما السيوطي، فإنه جمع آراء كل عالم بعضها إلى بعض، فبدأ بأبي زيد، فالأصمعي، فأبي عبيدة، فالكسائي، فالأموي، فأبي عمرو، فالأحمر. أما أبو عبيدة فإنه كان -فيما يبدو- يدون في غريبه المصنف، ما سمعه من شيوخه، حسبما كان يقع إليه هذا المسموع يوما بعد يوم. هذا إلى أن السيوطي، حذف كلام اليزيدي، والشواهد الشعرية المختلفة، التي يمتلئ بها الغريب المصنف، في هذا الباب. وبعد ... فماذا للسيوطي في كتابه: "المزهر"؟ إن له أولا فضل جمع الجزئيات الصغيرة من هنا وهناك، في الموضوع الذي يكتبه. وهو يعزو كل قول إلى صاحبه في أمانة علمية فائقة. وإذا كانت تلك عادته في كل نقوله هنا وهناك. فإننا لا ندري السر الذي جعله يجهّل مصدره في تلك المواضع القليلة جدا في كتابه، كقوله مثلا: "وقال بعضهم"١، أو: "وفي بعض المجاميع"٢ أو: "قال أهل الأصول"٣، أو: "قال المعري في بعض كتبه"٤، أو: "قال صاحب زاد المسافر"٥ أو: "رأيت لهذه الأبيات شرحا في كراسة"٦.

стр. 196

ولم يخل كتاب: "المزهر" بالإضافة إلى هذا الجمع الدءوب، والترتيب المعجب الرائق، من خطرات هنا وهناك للمؤلف تعزى إليه وحده، وهي في بعض الأحيان رأي له، واجتهاد وصل إليه بثاقب فكره، وطول خبرته باللغة. فهو يدخل أحيانا بجمل اعتراضية، تفسر مبهما، أو تشرح غامضا، أو تضيف جديدا، كقوله مثلا: "وقال ابن جني في الخصائص -وكان هو وشيخه أبو علي الفارسي معتزليين"١ وتوضيحه اسم إسماعيل بن القاسم البغدادي، بأنه "هو أبو علي القالي"٢، وتعليقه على تعليم آدم للملائكة أسماء الأشياء، بأن "في هذا فضيلة عظيمة، ومنقبة شريفة لعلم اللغة"٣، ووصفه الراغب الأصفهاني بأنه "من أئمة السنة والبلاغة"٤، وتعليقه على قول السيرافي إن الخليل بن أحمد عمل أول كتاب العين، بأن "هذه العبارة من السيرافي صريحة في أن الخليل لم يكمل كتاب العين، وهو الظاهر لما سيأتي من نقل كلام الناس في الطعن فيه، بل أكثر الناس أنكروا كونه من تصنيف الخليل"٥. وليست كل تعليقات السيوطي على هذا النحو من الاختصار. وهذه تعليقه طويلة، يعرفنا فيها بقراءته لكتاب: "استدراك الغلط الواقع في كتاب العين للزبيدي"، ويذكر لنا محتواه، فيقول: "قلت: وقد طالعته إلى

стр. 197

ولم يخل كتاب: "المزهر" بالإضافة إلى هذا الجمع الدءوب، والترتيب المعجب الرائق، من خطرات هنا وهناك للمؤلف تعزى إليه وحده، وهي في بعض الأحيان رأي له، واجتهاد وصل إليه بثاقب فكره، وطول خبرته باللغة. فهو يدخل أحيانا بجمل اعتراضية، تفسر مبهما، أو تشرح غامضا، أو تضيف جديدا، كقوله مثلا: "وقال ابن جني في الخصائص - وكان هو وشيخه أبو على الفارسي معتزليين١"، وتوضيحه اسم إسماعيل بن القاسم البغدادي، بأنه "هو أبو على القالي ٢"، وتعليقه على تعليم آدم للملائكة أسماء الأشياء، بأن "في هذا فضيلة عظيمة، ومنقبة شريفة لعلم اللغة"٣، ووصفه الراغب الإصفهاني بأنه "من أئمة السنة والبلاغة ٤"، وتعليقه على قول السيرافي إن الخليل بن أحمد عمل أول كتاب العين، بأن "هذه العبارة من السيرافي صريحة في أن الخليل لم يكمل كتاب العين، وهو الظاهر لما سيأتي من نقل كلام الناس في الطعن فيه، بل أكثر الناس أنكروا كونه من تصنيف الخليل ٥". وليست كل تعليقات السيوطي على هذا النحو من الاختصار. وهذه تعليقه طويلة، يعرفنا فيها بقراءته لكتاب: "استدراك الغلط الواقع في كتاب العين للزبيدي"، ويذكر لنا محتواه، فيقول: "قلت: وقد طالعته إلى

стр. 198

"قلت: معاذ الله! هو بريء مما رمي به. ومن طالع الجمهرة رأي تحريه في روايته، وسأذكر منها في هذا الكتاب ما يعرف منه ذلك. ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كانت بينهما منافرة عظيمة ... وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح"١. وكذلك رد على الفخر الرازي، حين ذكر أن أهل اللغة أهملوا البحث عن أحوال اللغات ورواتها جرحا وتعديلا، فقال: "وأقول: بل الجواب الحق عن هذا، أن أهل اللغة والأخبار، لم يهملوا البحث عن أحوال اللغات، ورواتها جرحا وتعديلا، بل فحصوا ذلك وبينوه، كما بينوا ذلك في رواة الأخبار. ومن طالع الكتب المؤلفة في طبقات اللغويين والنحاة وأخبارهم وجد ذلك. وقد ألف أبو الطيب اللغوي كتاب: مراتب النحويين، بين فيه ذلك، وميز أهل الصدق من أهل الكذب والوضع"٢. وحين قال أبو الطيب في هذا الكتاب، عن أبي عبيد القاسم بن سلام: "ولا نعلمه سمع من أبي زيد شيئا"، رد عليه السيوطي فقال: "قلت: قد صرح في عدة مواطن من الغريب المصنف بسماعه منه"٣. وتبدو سعة علم السيوطي، حين يهمل مصدره تفسير شيء ما، فيعثر عليه السيوطي مفسرا في كتاب آخر فيذكره، كقوله مثلا: "وقال ابن ولاد في المقصور والممدود، عُشُورا، بضم العين والشين. زعم سيبويه أنه لم يعلم في الكلام شيء على وزنه، ولم يذكر تفسيره ... قلت: ذكر القالي في

стр. 199

كتاب: المقصور والممدود أن العشورا: العاشوراء. قال: وهي معروفة"١. وهو كثير التخريج لنصوص مصادره، من أجل توثيقها، فقد خرج في أحد المواضع مجموعة من الأخبار التي نقلها من كتاب: "الصاحبي" لابن فارس، في المصاحف لابن أشتة، والمستدرك للحاكم، والأوائل لأبي هلال العسكري، والطيوريات لأبي طاهر السلفي، والمصاحف لأبي بكر بن أبي داود، ومسند أحمد بن حنبل٢. وفي موضع آخر خرج حكاية رواها عن تصحيف العسكري، في معجم الأدباء لياقوت، والحمقى والمغفلين لابن الجوزي٣. وهو في تعليقاته حريص كل الحرص على توثيق نقوله، بذكر خطوط العلماء الذين نقل عنهم، كقوله مثلا: "وجدت هذه الحكاية، مكتوبة بخط القاضي مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس، على ظهر نسخة من العباب للصاغاني، ونقلها من خطه تلميذه أبو حامد محمد بن الضياء الحنفي، ونقلتها من خطه"٤. بل إنه ليعلمنا في بعض هذه التعليقات، بملكيته لنسخة ثمينة من جمهرة اللغة مقروءة على العلماء، فيقول: "قلت: ظفرت بنسخة من الجمهرة بخط أبي النمر أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس الطرابلسي اللغوي، وقد قرأها على ابن خالويه، بروايته لها عن ابن دريد، وكتب عليها حواشي من استدراك ابن خالويه على مواضع منها، ونبه على

стр. 200

بعض أوهام وتصحيفات"١. وهو في أحد المواضع يقابل نسختين من كتاب الجمهرة، فيقول: "وقال ابن دريد في الجمهرة: باب ما تكلمت به العرب من كلام العجم حتى صار كاللغز. وفي نسخة: حتى صار كاللغة"٢. ويبدو في بعض تعليقات السيوطي، استدراكه المكمل لبعض المؤلفات السابقة قد استدرك على القاموس المحيط أشياء، وقال: "قلت: ومع كثرة ما في القاموس من الجمع للنوادر والشوارد، فقد فاته أشياء ظفرت بها في أثناء مطالعتي لكتب اللغة، حتى هممت أن أجمعها في جزء مذيلا عليه"٣. كما استدرك على كتاب: "الإتباع" لابن فارس، وقال: "وقد ألف ابن فارس تأليفا مستقلا في الإتباع، وقد رأيته مرتبا على حروف المعجم، وفاته أكثر مما ذكره. وقد اختصرت تأليفه وزدت عليه ما فاته، في تأليف لطيف سميته: الإلماع في الإتباع"٤. وهو أحيانا يذكر الأقوال المناظرة لما هو فيه، فبعد أن ذكر عن "الصاحبي" لابن فارس، أن ابن خالويه قال: جمعت للأسد خمسمائة اسم وللحية مائتين، قال: قلت: ونظير ذلك في فقه اللغة للثعالبي: قد جمع حمزة بن الحسن الأصبهاني من أسماء الدواهي ما يزيد على أربعمائة، وذكر أن تكاثر أسماء الدواهي من الدواهي. قال: ومن العجائب أن أمة وسمت معنى واحدا بمئين من الألفاظ٥.

стр. 201

ونرى من بعض تعليقات السيوطي، كيف أن علمه ﵀ كان ينمو بكثرة الاطلاع على المصادر المختلفة بمرور الأيام، فهذه فائدة استفادها من جمهرة اللغة، كان قد سئل عنها فلم يعرفها، يقول: "وهذه فائدة لطيفة، لم أرها إلا في الجمهرة، فكانت العرب تسمي: صفر الأول وصفر الثاني، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، فلما جاء الإسلام وأبطل ما كانوا يفعلونه من النسيء، سماه النبي ﷺ شهر الله المحرم ... وبذلك عرفت النكتة في قوله: شهر الله. ولم يرد مثل ذلك في بقية الأشهر ولا رمضان. وقد كنت سئلت من مدة عن النكتة في ذلك، ولم يحضرني فيها شيء، حتى وقفت على كلام ابن دريد هذا"١. وهذه فائدة أخرى وجدها السيوطي عند ثعلب، بعد أن طالب سؤاله عنها، فقد قال بعد أن روى عن ثعلب في أماليه شرحا للمثل: "لا يدري الحي من اللي" أي لا يعرف الكلام البين من الكلام غير البين: "قلت: ﵁ سيدي عمر بن الفارض، ما كان أوسع علمه باللغة! قال في قصيدته اليائية: صار وصف الضر ذاتيا له ... عن عناء والكلام الحي لي ولما شرحت قصيدته هذه ما وجدت من يعرف منها إلا القليل. ولقد سألت خلقا من الصوفية عن معنى قوله: "والكلام الحي لي"، فلم أجد من يعرف معناه، حتى رأيت هذا الكلام في أمالي ثعلب"٢. ولم تخل بعض تعليقات السيوطي من الوهم. ومن ذلك اعتقاده أن

стр. 202

كلمة: "السبت" تعني في أصل اللغة: "الدهر"، فقال في موضوع العام الذي خصص: "ثم رأيت له مثالا في غاية الحسن، وهو لفظ: "السبت" فإنه في اللغة: الدهر، ثم خصص في الاستعمال لغة بأحد أيام الأسبوع، وهو فرد من أفراد الدهر"١. والحقيقة أن "السبت" كلمة معربة عن العبرية: SABBAT ومعناها: الراحة! ولكن تلك الأوهام لا تقلل من قيمة الفوائد الجليلة، التي نثرها في صفحات كتابه الضخم، كقوله مثلا: "فائدة: حيث أطلق أبو عبيد في الغريب المصنف أبا عمرو فهو الشيباني، فإن أراد أبا عمرو بن العلاء قيده. وحيث أطلق النحاة أبا عمرو فمرادهم ابن العلاء. وحيث أطلق البصريون أبا العباس فالمراد به المبرد، وحيث أطلقه الكوفيون فالمراد به ثعلب"٢. ومن تعليقات السيوطي النادرة، ما ذكره عن طريقة الأمالي اللغوية، عند قدامى اللغويين، فقال: "يكتب المستملي أو القائمة: مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا، ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بإسناده كلاما عن العرب الفصحاء، فيه غريب يحتاج إلى التفسير، ثم يفسره، ويورد من أشعار العرب وغيرها بأسانيده، ومن الفوائد اللغوية، بإسناد وغير إسناد ما يختاره"٣. وقد ذكر السيوطي بعد ذلك محاولته التي لم يقدر لها النجاح، في إحياء هذه الأمالي، فقال: "وقد كان هذا في الصدر الأول فاشيا، ثم مات

стр. 203

الحفاظ، وانقطع إملاء اللغة من دهر مديد، واستمر إملاء الحديث ... وقد أردت أن أجدد إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره، فأمليت مجلسا واحدا، فلم أجد له حملة، ولا من يرعب فيه فتركته"١. هذا، ونحب أن نشير في خاتمة هذا البحث إلى شيء مهم جدا، وهو ضرورة مراجعة المزهر على مصادره، لسد ما أصاب نصه من خلل من كثير من المواضع. وهذه بعضها: أ- روى السيوطي النص التالي عن "ثعلب في أماليه: ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعة تميم، وتلتلة بهراء، وكسكسة ربيعة، وكشكشة هوازن، وتضجع قريش"٢. وصوابه، كما في مجالس ثعلب ومصادر أخرى كثيرة: "وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس"٣. ب- روى السيوطي النص التالي عن كتاب: "الألفاظ والحروف" للفارابي، في القبائل التي تؤخذ عنها اللغة: "وبالجملة فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد، لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن، فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس"٤.

стр. 204

ويقف المرء حائرا أمام هذا النص؛ إذ كيف يمكن لليمن أن تكون بالجزيرة مجاورة لليونان؟ ثم كيف لبكر أن تمتد بجناحيها في شمالي الجزيرة العربية، فتجاور في الشرق الفرس في إيران، كما تجاور في الغرب القبط في مصر؟ وصواب العبارة كما في المصادر: "ولا من تغلب والنمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس"١. فانظر كيف حرفت كلمة: "النمر" فصارت في نشرة المزهر: "اليمن"، كما حرفت أختها: "النبط"، فصارت في هذه النشرة كذلك: "القبط"! ج- روى السيوطي النص التالي عن ابن درستويه، فقال: "قال ابن درستويه في شرح الفصيح: قول العامة: نحوي لغوي، على وزن: جهل يجهل، خطأ أو لغة رديئة"٢. وفي هامشه تعليقا على عبارة: "نحوي لغوي" قال محققو المزهر: "لم نقف على ضبط هذه العبارة"! وهذا الذي لم يقف على ضبطه محققو الكتاب، موجود على الصواب في مصدره: تصحيح الفصيح لابن درستويه، وهو قوله: "فتقول: غَوِيَ يَغْوَى، على نحو: جَهِلَ يَجْهَلُ"٣.

стр. 205

وبعد ... فقد بلغ السيوطي في تآليفه شأوا لا يدرك، وجهدا تقصر دونه الخطى ... وكتابه: "المزهر في علوم اللغة وأنواعها" تاج على رءوس هذه المؤلفات، وغرة في وجه هذه التصانيف، يشهد له بطول الباع في الدراسات اللغوية العربية. والصبر والجلد في القراءة والجمع. رحم الله السيوطي رحمة واسعة.

стр. 206

الباب السادس: في اللهجات العربية الفصل الأول: الخصائص اللغوية القبيلة طيئ القديمة ... الباب السادس: في اللهجات العربية الفصل الأول: الخصائص اللغوية لقبيلة طيئ القديمة نسب طيئ: تنسب قبيلة طيئ إلى جدها الأكبر: طيئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ١. و"طيئ" لقب له، واسمه: "جلهمة"، قال ابن حزم: "ولد أدد بن زيد: مرة بن أدد، ونبت ابن أدد وهو الأشعر، وجلهمة بن أدد، وهو طيئ، ومالك بن أدد، وهو مذحج"٢. وقبيلة طيئ هي في الأصل إحدى القبائل القحطانية اليمنية، فإن "سبأ" هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان٣. ويبدو أن هذه القبيلة، قد انتقلت مع غيرها من القبائل اليمنية، إلى شمائل الجزيرة العربية، بعد خراب سد مأرب، في عهد عمران بن عامر "ماء السماء" بن حارثة "الغطريف" بن امرئ القيس "البطريق" بن ثعلبة "البهلول" بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ٤.

стр. 207

ويرى الشيخ "حمد الجاسر" أن تحديد انتقال القبائل اليمنية، بخراب سد مأرب "أمر مشكوك فيه، وذلك أن المتقدمين يؤرخون حادثة الخراب، بأنها في عصر الملك الفارسي: دارا بن بهمن. ودارا هذا هو الذي غزاه الإسكندر الأكبر، في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد. والأدلة التاريخية والنقوش التي عثر عليها في أمكنة كثيرة في جنوبى الجزيرة وشماليها، وفي أمكنة أخرى خارجها، تدل على انتشار كثير من تلك القبائل، التي ورد ذكرها خارج اليمن، قبل سيل العرم". كما يقول: "وليس من المعقول أن تلك الرقعة الصغيرة من الأرض، وهي مأرب، تتسع لعدد كبير من السكان يتكون من قبائل. والأمر الذي لا ريب فيه أن انتقال تلك القبائل، كان في فترات متفرقة، وفي أزمان متباعدة، فعندما تضيق البلاد بسكانها، ينتقل قسم منها بحثا عن بلاد تلائم حياتهم"١. مكان إقامة طيئ: أقامة قبيلة طيئ في شمالي الحجاز. قال ابن خلدون: "كانت منازلهم باليمن، فخرجوا منه على إثر خروج الأزد منه، ونزلوا سميراء وفيدا في جوار بني أسد، ثم غلبوا بني أسد على أجأ وسلمى، وهما جبلان في بلادهم، يعرفنا بجبلي طيئ، فاستمروا فيها، ثم افترقوا في أول الإسلام في الفتوحات"٢.

стр. 208

وقد ذكر اليعقوبي بعض الأماكن التي كانت تقيم فيهم على طريق الحاج من الكوفة إلى المدينة ومكة، فقال: "والأجفر منازل طيئ، ثم فيد، وهي المدينة التي ينزلها عمال طريق مكة، وأهلها طيئ، وهي في سفح جبلهم المعروف بسلمى، وتوز وهي منازل طيئ"١. كما يقول الإصطخري: "وليس بين المدينة والعراق، مكان يستقل بالعمارة والأهل جميع السنة، مثل: فيد، وفيد في ديار طيئ. وجبلا طيئ منها على مسيرة يومين، وفيها نخيل وزرع قليل لطيئ، وبها ماء قليل، يسكنها بادية من طيئ، ينتقلون عنها في بعض السنة للمراعي"٢. ويذكر الزمخشري بعض مياههم وأمكنتهم، مثل: أبضة، وحساء، ريث، والحوراء، وغضور، والسبعان، وبلطة، ومناع، وغير ذلك كثير٣. فصاحة طيئ: تعد طيئ عند اللغويين والنحاة العرب، من القبائل الفصيحة، التي تؤخذ عنها اللغة، فقد قال أبو نصر الفارابي، وهو يتحدث عن العرب: "فإن فيهم سكان البراري، وفيهم سكان الأمصار، وأكثر ما تشاغلوا بذلك

стр. 209

من سنة تسعين إلى سنة مائتين. وكان الذي تولى ذلك من بين أمصارهم، أهل الكوفة والبصرة من أرض العراق، فتعلموا لغتهم والفصيح منها، من سكان البراري منهم، دون أهل الحضر، ثم سكان البراري من كان في أوسط بلادهم ومن أشدهم توحشا وجفاء، وأبعدهم إذعانا وانقيادا، وهم قيس وتميم وأسد وطيئ ثم هذيل، فإن هؤلاء هم معظم من نقل عنهم لسان العرب. والباقون فلم يؤخذ عنهم شيء؛ لأنهم كانوا في أطراف بلادهم، مخالطين لغيرهم من الأمم، مطبوعين على سرعة انقياد ألسنتهم لألفاظ سائر الأمم المطيفة بهم، من الحبشة والهند والفرس والسريانيين وأهل الشام ومصر"١. ومما يدل على مكانة اللغة الطائية في نفوس القوم، ما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، من حديث طلحة بن عبيد الله أنه قال: "فوضعوا اللج على قفي"، ثم فسره فقال: "وقوله: قفي، هي لغة طائية. وكانت عند طلحة امرأة طائية، ويقال إن طيئا لا تأخذ من لغة أحد، ويؤخذ من لغاتها"٢. وما يؤخذ من لغات طيئ إلا لفصاحتها ومكانتها بين القبائل الأخرى. كما أن اعتزاز طيئ بلغاتها، كان هو السبب -فيما يبدو- في عدم أخذها عما عداها من لغات العرب، فيما رواه لنا أبو عبيد.

стр. 210

تسحب اسكانر اشتقاق طيئ: "قال ابن خالويه: سئل ثعلب عن طيئ مم أُخذ؟ فقال: من طاءة الفرس، وهو أعلاه"١. فكأن ثعلبا يرى في طيئ علوا في النسب، وإن كان ابن الكلبي يرى أنه "سمي طيئًا؛ لأنه أول من طوى المناهل"٢. وطيء المناهل عبارة عن بناء الآبار بالحجارة. طييء واللغة السريانية: عرفت اللغة السريانية الاسم: هنا فقرة تسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟ tayyaya "طيابا" بمعنى: "الرجل الطائي" ثم بمعنى: "العربي" مطلقا. كما تسمى العربية عند السريان: lessana tayyaya "لشانا طيايا" بمعنى: "اللسان العربي". وقد عرف العرب هذه التسمية السريانية، لقبيلة طييء، فقد روى أن المفضل الضبي، الراوية الكوفي المشهور، التقى في الكوفة بأعرابي، فقال له المفضل: ممن الرجل؟ قال: من طييء، فقال له المفضل - وكان قليل المزح: وما طييء إلا نبيط تجمعت ... فقالوا طيابا، كلمة فاستمرت

стр. 211

تسحب اسكانر ١- موقف طييء من الهمزة: يبدو أنه قبيلة طييء، كانت تميل إلى التخلص من صوت الهمزة، في مثل: يؤاخي، ويؤاكل، ويؤاسي، فتبدلها حرفا من جنس حركة ما قبلها، فتصير الأمثلة السابقة، يواخي، ويواكل، ويواسي١، وتشتق الماضي من هذه الصيغ الجديدة، فتقول: واخيت، وواكلت، وواسيت. ويؤيد كراهية طييء لنطق الهمزة، ما روى لنا عنهم من أنهم كانوا يبدلون الهمزة في بعض المواضع هاء، فقد "حكى ابن جني عن قطرب أن طيئا تقول: هن فعلت فعلت، يريدون: إن فيبدلون ٢". وهذا يذكرنا بما حدث في اللغة العبرية، إذ قلبت فيها همزة "إن" الشرطية، هاء كذلك، فيقال فيها: hinne "هني" = إن. ولم يقتصر الأمر في قلب الطائيين الهمزة هاء على "إن" الشرطية وحدها، بل حكى ذلك عنهم في همزة الاستفهام كذلك، يقولون: "هزيد فعل ذلك؟ يريدون: أزيد فعل ذلك؟ ٣ ". ومثل هذا حادث في اللغة العبرية كذلك. أما ما رواه لنا الفراء عن طييء، من أنهم كانوا يهمزون ما لا يستحق الهمز، في قوله: "وربما غلطت العرب في الحرف، إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز، سمعت امرأة من طييء تقول: رثأت زوجي

стр. 212

بأبيات. ويقولون: لبأت بالحج، وحلأت السويق، فيغلطون"١ فليس هذا الهمز منهم إلا حذلقة، أو مبالغة في التفصح وتقعرا في الكلام، وكلها اصطلاحات من عندنا لما يقابل في اللاتينية Hyperurb anismus وفي الإنجليزية: Overcorr ectness ٢، وهو اصطلاح اتخذ لدى علماء اللغة، للصيغ التي تنتج بسبب الحرص الشديد، على محاكاة اللغة الأدبية، ممن لا يملك زمامها من عامة الشعب، فهو يحاول أن يرد العامية التي يتحدث بها إلى نمط اللغة الأدبية، وهو في محاولته هذه لا يفرق بين الظواهر الجديدة والقديمة، في لغة الخطاب، فإذا رد كلمة جديدة إلى القديم أصاب، أما إذا فعل مثل ذلك مع الكلمات التي احتفظت بالأصل القديم، وشابهت مع ذلك الجديد، فإنه حينئذ يكون متقعرا ومتحذلقا، وذلك كمن يعرف أن الصوت المركب: aw مثلا في العربية الفصحى، يقابل حركة الضم الممالة: "o" في العامية، وذلك مثل: صُوم في صَوْم، وعُوم في عَوْم، ونُوم في نَوْم، ويُوم في يَوْم، فهو إذا رد هذه الكلمات إلى أصلها كان مصيبا في كلامه، غير أن هناك كلمات لها مثل هذه الصورة في الأصل، في اللغة الفصحى نفسها، مثل: "ثُوم" و"حُوت" و"رُوح" وغير ذلك. وهنا يحاول ذلك المتفصح أن يقلب هذه الضمات الأصيلة إلى الصوت

стр. 213

المركب، الذي تتميز به اللغة الفصحى، فيقول: ثَوْم وحَوْت ورَوْح، قياسا على ما فعله في تلك الكلمات السابقة، وعندئذ يأتي بشيء لا هو في لهجات الخطاب، ولا هو في اللغة الفصحى. وليس ما فعله إلا نوعا من أنواع القياس الخاطئ. وعلى هذا النحو يمكن تفسير همز ما ليس أصله الهمز، في خبر الفراء السابق؛ لأن أولئك الطائيين يتركون الهمز في كلامهم -كما سبق أن عرفنا- فيقولون مثلا: فقيت عينه، ووجيت بطنه، بلا همز، ولكنهم يسمعون اللغة الأدبية في شعر الشعراء، ومواقف الجد من القول، وفيها: فقأت عينه، ووجأت بطنه، بالهمز، فيقولون بناء على هذا: حلأت السويق، ولبأت بالحج، ورثأت الميت، عن طريق القياس الخاطئ، مبالغة في التفصح، بدلا من: حليت ولبيت ورثيت. كما يمكن فهم ما روي عنهم من أنهم كانوا يهمزون: "السؤدد"١، وهو من سوَّدته، أي جعلته سيدا، فلا أثر للهمز في أصله. وبمثل هذا أيضا يمكن أن يفسر الهمز عند طيئ للألف المقصورة، في مثل: "حُبْلَأ" بدلا من: "حُبْلَى"٢. ٢- جهر السين والصاد: السين والصاد من الأصوات الأسنانية اللثوية، المهموسة أي التي

стр. 214

لا تتذبذب معها الأوتار الصوتية. والسين هي مرقق الصاد، والصاد هي مفخم السين. وقد روي عن قبيلة طيئ أنها كانت تجهر الصوتين، أي تجعل الأوتار الصوتية، تتذبذب معهما، وقد دل اللغويون على هذا الجهر فيهما بقلبهما زايا، فقالوا: إن طيئا تقول في: سقر: زقر، وفي الصقر: زقر، وفي الصراط: زراط. والزاي هي المقابل المجهور للسين. أما المقابل المجهور للصاد، فهو الزاي المفخمة التي تشبه نطق العوام للظاء، في مثل كلمة: ظلم. وأغلب الظن أن الطائيين كانوا ينطقون الصاد نطقا مماثلا لهذا النطق، غير أن اللغويين دلوا عليه بالزاي المرققة، لعدم وجود رمز للزاي المفخمة في الكتابة العربية، وإن كان هؤلاء اللغويون يتحدثون عما يسمونه بإشمام الصاد صوت الزاي، فقد قرأ كل من حمزة والكسائي وخلف ورويس قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ١، وقوله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ ٢ فإشمام الصاد زايا. وقد سمى ابن سينا هذا النطق: "الزاى الظائية" وقال عن نطقها: "يكون وسط اللسان فيها أرفع، والاهتزاز في طرف اللسان خفي جدا"٣. ويزعم ابن الكلبي أن هذه الظاهرة تسمى: "الرسو" و"التمعدد"، وهو يفسر قول حاتم طيئ: إلههم ربي وربي إلههم ... فأقسمت لا أرسو ولا أتمعدد

стр. 215

قال: الرسو أن يقال للصقر: زقر، ولسقر: زقر، وللصراط: زراط، وللصقعب: زقعب ... قال: وسمعت أبا أسماء وغير واحد من طيئ يقولون: اللهم إنا نعوذ بك من شر زقر. وهذا كلام معد، فلذلك قال: لا أتمعدد"١. ومع أن حاتما الطائي ينفي هذه الظاهرة عن نفسه -إن صح تفسير ابن الكلبي للبيت- فقد روي أنه هو نفسه قد قلب الصادر زايا، في حكاية رواها لنا مؤرج السدوسي، فقال: "وكانت عنزة أسروا حاتم طيئ، فغزت رجالهم، وتُرك مع النساء والضعفة من الرجال، فقالوا له: افصد لنا، فقام إلى ناقة فعقرها، فقالوا له: أهكذا الفصد؟ وأوجعوه ضربا. قال: هكذا فزدي أنه، يريد: فصدى أنا"٢. ويقيد أبو الطيب اللغوي، انقلاب الصادر زايا في لغة طيئ، بسكونها؛ إذ يقول: "ويقال: هي المزدعة والمصدغة، للمخدة. وطيئ تقلب كل صاد، ساكنة زايا. قال الأصمعى: كان حاتم الطائي أسيرا في عنزة، فجاءته النساء بناقة ومفصد، وقلن له: افصد هذه الناقة، فأخذ المفصد فلتم في سبلتها، أي نحرها، وقال: هكذا فزدي أَنَهْ، أي: فصدى أنا"٣.
следующие страницы →