← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 150481

الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ط ابن الجوزي

أحمد شاكر

Полный текст (471 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قَالَ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، كَالسُّفْيَانَيْنِ وَالْأَعْمَشِ وَقَتَادَةَ وَهُشَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ «١» (١). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] فائدة: نقل السيوطي في التدريب عن الحاكم قال: " أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخُراسان وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر -: لا نعلم أحدا من أئمتهم دلسوا وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة. وأما أهل بغداد فلم يُذكر عن أحد من أهلها التدليس إلى أبى بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي [١] الواسطي فهو أول من أحدث التدليس بها" وقد ألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة في التدليس والمدلسين، طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ ألَّفَ رسالة طبعت في مصر. [شاكر]

стр. 142

(قُلْتُ): وَغَايَةُ التَّدْلِيسِ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْإِرْسَالِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَخْشَى أَنْ يُصَرِّحَ بِشَيْخِهِ فَيُرَدُّ مِنْ أَجْلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (١).

стр. 143

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ التَّدْلِيسِ: فَهُوَ الْإِتْيَانُ بِاسْمِ الشَّيْخِ أَوْ كُنْيَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ بِهِ، تَعْمِيَةً لِأَمْرِهِ، وَتَوْعِيرًا لِلْوُقُوفِ عَلَى حَالِهِ (١)، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، فَتَارَةً يُكْرَهُ، كَمَا إِذَا كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْهُ، أَوْ نَازِلَ الرِّوَايَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَتَارَةً يَحْرُمُ، كَمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ فَدَلَّسَهُ (لئلا) (٢) يُعْرَفَ حَالُهُ، أَوْ (٣) أَوْهَمَ أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَلَى وَفْقِ اِسْمِهِ أَوْ كُنْيَتِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ فَقَالَ "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ" (٤)، (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ (٥) النَّقَّاشِ الْمُفَسِّرِ «١» فَقَالَ "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنَدٍ (٦) " نَسَبَهُ إِلَى) (٧) جَدٍّ ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر بن سند المقرئ شيخ المقرئين في عصره وكان ضعيفا في الرواية مات سنة ٣٥١ له ترجمة في لسان الميزان (٥: ١٣٢) وتاريخ بغداد (٢: ٢٠١) للخطيب. [شاكر]

стр. 144

لَهُ «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وبقيت أقسام من التدليس: منها تدليس التسوية وهو: أن يسقط غير شيخه لضعفه أو صغره، فيصير الحديث ثقة عن ثقة، فيحكم له بالصحة، وفيه تغرير شديد وممن اشتهر بذلك: بقية بن الوليد، وكذلك الوليد بن مسلم، فكان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ويبقي الثقات، فقيل له في ذلك، فقال: أُنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء! . فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضُعِّف الأوزاعي؟ [١] فلم يلتفت الوليد إلى ذلك القول. وهذا التدليس أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها [٢]. =

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = ومنه تدليس العطف كأن يقول "حدثنا فلان وفلان" وهو لم يسمع من الثاني المعطوف وقد ذكر عن هشيم أنه فعله. ومنه تدليس السكوت، كأن يقول: "حدثنا" أو "سمعت " ثم يسكت، ثم يقول: " هشام بن عروة" أو "الأعمش" موهما أنه سمع منهما، وليس كذلك [١] [شاكر]

стр. 146

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ (١): وَقَدْ كَانَ الْخَطِيبُ لهِجَاً بِهَذَا الْقِسْمِ [من التدليس] (٢) فِي مُصَنَّفَاتِهِ «١» (٣). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] قال ابن الصلاح في النوع (٤٨): و (الخطيب الحافظ) يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي والجميع شخص واحد من مشايخه. وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال وعن الحسن بن أبي طالب وعن أبي محمد الخلال والجميع عبارة عن واحد. ويروى أيضا عن أبي القاسم التنوخي وعن علي بن المحسن وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وعن علي بن أبي علي المعدل والجميع شخص واحد. وله من ذلك الكثير والله أعلم. أقول: وكذلك الحافظ أبو الفرج بن الجوزي يفعل هذا في مؤلفاته ويكثر منه. وتبعهما كثير من المتأخرين. وهو عمل غير مستحسن، لما فيه من صعوبة معرفة الشيخ على من لم يعرفه، وقد لا يفطن له الناظر فيحكم بجهالته. [شاكر]

стр. 147

النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: الشَّاذُّ (١) قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ. وَقَدْ حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ الحجازي الْقَزْوِينِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ أَيْضًا، قَالَ (٣): وَالَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاذَّ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ فَيُتَوَقَّفُ فِيمَا شَذَّ بِهِ الثِّقَةُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَيُرَدُّ مَا شَذَّ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ (٤): هُوَ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الثِّقَةُ وَلَيْسَ لَهُ مُتَابِعٌ.

стр. 148

قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا حَدِيثُ "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٢) فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ وَعَنْهُ عَلْقَمَةُ وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ وَعَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. (قُلْتُ): ثُمَّ تَوَاتَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هَذَا فَيُقَالُ إِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْنِ وَقِيلَ: أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ اِبْنُ مَنْدَهْ مُتَابَعَاتٍ غَرَائِبَ وَلَا يصِحُّ كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ وَفِي الْأَحْكَامِ الْكَبِير «١». قَالَ: وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ" (٣). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] ومن هذا يُعرف خطأ من زعم أن حديث " الأعمال بالنيات " متواتر، وقد حكى لنا هذا ثقات من شيوخنا عن عالم كبير لم ندرك الرواية عنه. وزعم غيره أنه حديث مشهور. وكلا القولين خطأ، بل هو حديث فرد غريب صحيح. ولذلك قال الحافظ أبو بكر البزار بعد تخريجه - فيما نقله عنه العراقي (ص ٨٥) [١]: " لا يصح عن النبي ﷺ إلا من حديث عمر ولا عن عمر إلا من حديث علقمة ولا من علقمة إلا من حديث محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من حديث يحيى بن سعيد ". [شاكر]

стр. 149

وَتَفَرَّدَ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ" (١). وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فَقَطْ. وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ (٢): لِلزُّهْرِيِّ (تِسْعُونَ حَرْفًا لَا يَرْوِيهَا غَيْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ) (٣) مِنْ تَفَرُّدِهِ بِأَشْيَاءَ لَا يَرْوِيهَا غَيْرُهُ يُشَارِكُهُ فِي نَظِيرِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ. فَإِذَاً الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوَّلًا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ إِذَا رَوَى الثِّقَةُ شَيْئًا قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ النَّاسُ فَهُوَ الشَّاذُّ يَعْنِي الْمَرْدُودَ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ مَا لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ بَلْ هُوَ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا حَافِظًا. فَإِنَّ هَذَا لَوْ رُدَّ لَرُدَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا النَّمَطِ وَتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ عَنْ الدَّلَائِلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُنْفَرِدُ بِهِ غَيْرَ حَافِظٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عَدْلٌ ضَابِطٌ فَحَدِيثُهُ حَسَنٌ فَإِنْ فَقَدَ ذَلِكَ فَمَرْدُودٌ «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (٤). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] ويسمى "منكرا"، وهو الذي يأتي في النوع التالي لهذا [شاكر]

стр. 150

النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْمُنْكَرُ (١) وَهُوَ كَالشَّاذِّ إِنْ خَالَفَ رَاوِيهِ الثِّقَاتِ فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ضَابِطًا (٢)، (وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ، فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ) (٣) «١». وَأَمَّا إِنْ كَانَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَدْلٌ (ضَابِطٌ) (٤) حَافِظٌ قُبِلَ شَرْعًا، وَلَا يُقَالُ لَهُ "مُنْكَرٌ"، وَإِنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لُغَةً (٥). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] يعني أن ما انفرد به الراوي الذي ليس بعدل ولا ضابط فهو منكر مردود، مع أنه لم يخالفه غيره في روايته، لأنه انفرد بها. ومثله لا يُقبل تفرده. [شاكر]

стр. 151

النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الِاعْتِبَارَاتِ وَالْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ «١» (١) ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] قال ابن الصلاح "هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث: هل تفرد به راويه أولا؟ وهل هو معروف أو لا؟ ". [شاكر]

стр. 152

مِثَالُهُ: أَنْ يَرْوِيَهُ (١) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (حَدِيثًا، فَإِنْ رَوَاهُ غَيْرُ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ أَوْ غَيْرُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) (٢) فَهَذِهِ مُتَابَعَاتٌ. فَإِن رُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ سُمِّيَ شَاهِدًا لِمَعْنَاهُ. وَإِنْ لَمْ [يُرْوَ بِمَعْنَاهُ حَدِيثٌ آخَرُ] (٣) فَهُوَ فَرْدٌ مِنَ الْأَفْرَادِ) «١». وَيُغْتَفَرُ فِي بَابِ " الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ " مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ الضَّعِيفِ الْقَرِيبِ الضَّعْفُ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ، كَمَا يَقَعُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِثْلُ ذَلِكَ (٤). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وهو الفرد المطلق، وينقسم عند ذلك إلى مردود منكر، وإلى مقبول غير مردود، كما سبق. [شاكر]

стр. 153

وَلِهَذَا يَقُولُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ الضُّعَفَاءِ "يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ"، أَوْ "لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ" وَاللَّهُ أَعْلَمُ «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] لم يوضح المؤلف هذا الباب إيضاحا كافيا. وقد بيناه في شرحنا على ألفية السيوطي في المصطلح، فقلنا: تجد أهل الحديث يبحثون عما يرويه الراوي، ليتعرفوا ما إذا كان قد انفرد به أولا، وهذا البحث يسمى عندهم "الاعتبار". فإذا لم يجدوا ثقة رواه غيره كان الحديث "فردا مطلقا" أو "غريبا" كما مضى. مثال ذلك أن يروي حماد بن سلمة حديثاً عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، فينظر هل رواه ثقة آخر عن أيوب؟ فإن وجد كان ذلك متابعة تامة، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة [١]، وإن لم يوجد فينظر: هل رواه ثقة آخر عن أبي هريرة غير ابن سيرين؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة: وإن لم يوجد فينظر: هل رواه صحابي آخر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فإن وجد كان متابعة قاصرة أيضا، وإن لم يوجد كان الحديث فرداً غريباً. كحديث " أحبب حبيبك هونا ما "، فإنه رواه الترمذي [٢] من طريق حماد ابن سلمة بإلاسناد السابق، وقال: " غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه ". قال السيوطي في التدريب [١/ ٢٨٣]: " أي من وجه يثبت، وإلا فقد رواه =

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات ". وإذا وجدنا الحديث غريبا بهذه المثابة، ثم وجدنا حديثا آخر بمعناه، كان الثاني شاهدا للأول. قال الحافظ ابن حجر (ص ٧٥ - نزهة): " قد يسمى الشاهد متابعة أيضا، والأمر سهل". مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد: ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطرو احتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه، لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ " فإن غُم عليكم فأقدروا له".لكن وجدنا للشافعي متابعاً: وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك، وهذه متابعة تامة. ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة، من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر، بلفظ: " فأكملوا ثلاثين ". وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: " فاقدروا ثلاثين ". ووجدنا له شاهدا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: بلفظه سواء. ورواه البخاري من رواية محمد ابن زياد عن أبي هريرة بلفظ: " فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ". وذلك شاهد بالمعنى. وظاهر صنيع ابن الصلاح والنووي يوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد، وأنها أنواع ثلاثة. وقد تبين لك مما سبق أن الاعتبار ليس نوعا بعينه، وإنما هو هيئة التوصل للنوعين: المتابعات والشواهد، وسبر طرق الحديث لمعرفتها فقط. [شاكر]

стр. 155

النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ: فِي الْأَفْرَادِ (١) وَهُوَ أَقْسَامٌ تَارَةً يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ يَنْفَرِدُ بِهِ أَهْلُ (قُطْرٍ، كَمَا يُقَالُ) "تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الشَّامِ" أَوْ "الْعِرَاقِ" أَوْ "الْحِجَازِ" أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يَتَفَرَّدُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ (الْوَصْفَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.) وَلِلْحَافِظِ الدَّارَقُطْنِيِّ كِتَابٌ فِي الْأَفْرَادِ فِي مِائَةِ جُزْءٍ، وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَى نَظِيرِهِ (وَقَدْ جَمَعَهُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ) (٢) فِي أَطْرَافٍ رَتَّبَهُ فِيهَا (٣).

стр. 156

النَّوعُ السَّابِعَ عَشَرَ (١): فِي زِيَادَةِ الثِّقَةِ (٢) (إِذَا تَفَرَّدَ الرَّاوِي بِزِيَادَةٍ فِي) (٣) الحَدِيثِ عَن بَقِيَّةِ الرُّوَاةِ عَن شَيخٍ لَهُم، وَهَذَا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنهُ بِزِيَادَةِ الثِّقَةِ، فَهَل هِيَ مَقبُولَةٌ أَم لَا؟ . فِيهِ خِلَافٌ مَشهُورٌ فَحَكَى الخَطِيبُ عَن أَكثَرِ الفُقَهَاءِ قَبُولَهَا، وَرَدَّهَا أَكثَرُ المُحَدِّثِينَ. وَمِن (٤) النَّاسِ مَن قَالَ: إِن اِتَّحَدَ مَجلِسُ السَّمَاعِ لَم تُقبَل، وَإِن تَعَدَّدَ قُبِلَت.

стр. 157

ومنهم من قال: تُقبل الزيادة إذا كانت من غير الراوي، بخلاف ما إذا نشط فرواها تارة وأسقطها أخرى «١». ومنهم من قال: إن كانت مخالفة في الحكم لما (١) رواه الباقون لم تُقبل، وإلا قُبلت، كما لو تفرد بالحديث كلِّهِ، فإنه يُقبل تفرده به إذا كان ثقة ضابطاً أو حافظاً. وقد حكى الخطيبُ على ذلك الإجماع (٢). وقد مثَّل الشيخ أبو عمرو (٣) زيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين ". فقوله: " من المسلمين ": من زيادات مالك عن نافع. وقد زعم الترمذي (٤) «٢» أن مالكاً تفرد بها، وسكت أبو عمرو ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] أي أن هذا القائل يرى قبول الزيادة من غير الراوي، وأما من نفس الراوي فلايقبلها. وهو قول غير جيد. [شاكر]. «٢» [شاكر] ذكره الترمذي في (العلل) التي في آخر الجامع [٥/ ٧٤٩] فقال: ورُب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك ابن أنس - فذكر الحديث - ثم قال: وزاد مالك في هذا الحديث "من المسلمين"، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذاالحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه. انتهى كلام الترمذي. ذكره العراقي في شرحه على المقدمة مدافعا عن الترمذي أنه لم يذكر التفرد =

стр. 158

على ذلك. ولم يتفرد بها مالك. فقد رواها مسلم (١) من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع، (كما رواها مالك، وكذلك رواها البخاري وأبو داود والنسائي (٢) من طريق عمر بن نافع) (٣) عن أبيه، كمالك. قال (٤): ومن أمثلة ذلك حديث: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ". تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي بزيادة " وتربتها طهوراً " عن ربعي بن حراش «١» عن حذيفة عن النبي ﷺ ، ورواه مسلم وابن خُزيمة وأبو عوانة الاسفرائيني في صحاحهم من حديثه (٥). وذكر (٦) أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول زيادة الثقة (٧) «٢» ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = مطلقا عن مالك، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك، إلى آخر ما أطال به. (ص ٩٣ - ٩٤). [شاكر] [١] «١» [شاكر] " رِبْعِي ": بكسر الراء وإسكان الباء الموحدة وكثر العين المهملة وتشديد الياء المثناة. و "حِراش": بكثر الحاء المهملة وتخفيف الراء وآخره شين معجمة. [شاكر] «٢» [شاكر] هذا باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة، وهو =

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين. فإذا روى العدل الثقة حديثا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث، أو رواه الثقة العدل نفسه مرة ناقصاً ومرة زائداً -: فالقول الصحيح الراجح: أن الزيادة مقبولة، سواء أوقعت ممن رواه ناقصا أم من غيره، وسواء أتعلق به حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقد أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا؟ وهذا هو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول .. وقد عقد الإمام الحجة أبو محمد علي ابن حزم في هذه المسألة فصلا هاماً بالأدلة الدقيقة في كتابه (الإحكام فى الأصول) (ج ٢ ص ٩٠ - ٩٦) ومما قال فيه: " إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن - الذي نقله أهل الدنيا كلهم- أو يخصه به، وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم حكما آخر لم يروه غيره، وفي هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذو فهم وذو ورع" ثم قال: " ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم =

стр. 160

النَّوعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: (١) المُعَلَّلُ مِنَ الحَدِيثِ (٢) وَهُوَ فَنٌّ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِن عُلَمَاءِ الحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ بَعضُ ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = يروها غيره من رواة الحديث، وكل ذلك سواء، واجب قبوله، بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل الحافظ. وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبوله لهما؛ ولا نبالي روى مثل ذلك غيره أو لم يروه سواه. ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول خبر الواحد، ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة، وتناقض في مذهبه. وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله، ولا فرق ". ثم إن في المسألة أقوالا أخرى كثيرة، ذكرها السيوطي في التدريب تفصيلا. ولا نرى لشيء منها دليلا يركن إليه. والحق ما قلناه، والحمد لله. نعم: قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الراوي الثقة زيادة شاذة أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر الذي لا تبنى عليه القواعد. [شاكر]

стр. 161

حُفَّاظِهِم (١) مَعرِفَتُنَا بِهَذَا كِهَانَةٌ عِندَ الجَاهِلِ (٢). وَإِنَّمَا يَهتَدِي إِلَى تَحقِيقِ هَذَا الفَنِّ الجَهَابِذَةُ النُّقَّادُ مِنهُم، يُمَيِّزُونَ بَينَ صَحِيحِ الحَدِيثِ وَسَقِيمِهِ، وَمُعوَجِّهِ وَمُستَقِيمِهِ، كَمَا يُمَيِّزُ الصَّيرَفِيُّ البَصِيرُ بِصِنَاعَتِهِ بَينَ الجِيَادِ وَالزُّيُوفِ، وَالدَّنَانِيرِ وَالفُلُوسِ فَكَمَا لَا يَتَمَارَى هَذَا، كَذَلِكَ يَقطَعُ ذَاكَ بِمَا ذَكَرنَاهُ، وَمِنهُم مَن يَظُنُّ (٣)، وَمِنهُم مَن يَقِفُ، بِحَسَبِ مَرَاتِبِ عُلُومِهِم وَحِذقهِم وَاطِّلَاعِهِم عَلَى طُرُقِ الحَدِيثِ (٤)، وَذَوقِهِم حَلَاوَةَ عِبَارَةِ الرَّسُولِ ﷺ الَّتِي لَا يُشبِهُهَا غَيرُهَا مِن أَلفَاظِ النَّاسِ. فَمِنَ الأَحَادِيثِ المَروِيَّةِ مَا عَلَيهِا أَنوَارُ النُّبُوَّةِ (٥)، وَمِنهَا مَا وَقَعَ فِيهِ تَغيِيرُ لَفظٍ أَو زِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ أَو مُجَازَفَةٌ أَو نَحوُ ذَلِكَ، يُدرِكُهَا البَصِيرُ مِن أَهلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ. وَقَد يَكُونُ التَّعلِيلُ مُستَفَادًا مِنَ الإِسنَادِ، وَبَسطُ أَمثِلَةِ ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا، وَإِنَّمَا يَظهَرُ بِالعَمَلِ. وَمِن أَحسَنِ كِتَابٍ وُضِعَ فِي ذَلِكَ وَأَجَلِّهِ وَأَفحَلِهِ (كِتَابُ العِلَلِ) (٦)

стр. 162

لِعَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ شَيخِ البُخَارِيِّ وَسَائِرِ المُحَدِّثِينَ بَعدَهُ، فِي هَذَا الشَّأنِ على الخصوص (١). وكذلك " كتاب العلل " لعبد الرحمن بن أبي حاتم (٢)، وهو مرتب على أبواب الفقه «١»، و " كتاب العلل " للخلال (٣) «٢». ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد. وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بشكله (٤)، فرحمه الله وأكرم مثواه، ولكن يعوزه شيء لا بد منه، وهو: ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وقد طبع في مصر في مجلدين. اهـ[شاكر] «٢» [شاكر] كان في الأصل "للخلابي" وهو تحريف، فصححناه "للخلال"، لأنه هو الذي له كتاب في العلل [شاكر]

стр. 163

أن يرتب على الأبواب، ليقرب تناوله للطلاب، وأن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبين على حروف المعجم، ليسهل الأخذ منه، فإنه مبدد جداً، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] هذا الفن من أدق فنون الحديث وأعوصها، بل هو رأس علومه وأشرفها. ولا يتمكن منه إلا أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب. ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل، كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والترمذي والدارقطني. وقد ألفت فيه كتب خاصة. فمنها "كتاب العلل" في آخر سنن الترمذي، وهو مختصر [١]. ومنها الكتب التي ذكرها المؤلف. وقد حكى السيوطي في التدريب أن الحافظ ابن حجر ألف فيه كتابا سماه "الزهر المطلول في الخبر المعلول" ولم أره، ولو وجد لكان في رأيي جديرا بالنشر، لأن الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة =

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وتجد الكلام على علل الحديث مفرقا في كتب كثيرة، من أهمما "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي. و "التلخيص الحبير"، و "فتح الباري"، كلاهما للحافظ ابن حجر. و "نيل الأوطار" للشوكاني. و "المُحلى" للإمام الحجة أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وكتاب "تهذيب سنن أبي داود" للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية. وعلة الحديث سبب غامض خفي [١] قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه. والحديث المعلول: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر سلامته منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر. والطريق إلى معرفة العلل [٢]: جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، وفي ضبطهم وإتقانهم. فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن أن الحديث معلول، ويغلب على ظنه، فيحكم بعدم صحته، أو يتردد فيتوقف فيه [٣]. وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه. فقال عبد الرحمن بن مهدي [٤]: "معرفة علل الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت =

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لايهتدي لذلك". وقيل له أيضا [١]: "إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بَهْرَج، أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ ! قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك، لطول المجالسة والمناظرة والخبرة". وسُئل أبو زرعة [٢]: "ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته، ثم تقصد ابن واراة - يعني محمد بن مسلم بن وارة - فتسأله عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم: فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلاف، فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم. ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام". والعلة قد تكون بالإرسال في الموصول أو الوقف في المرفوع، أو بدخول حديث في حديث، أو وهم واهم، أو غير ذلك، مما يتبين للعارف بهذا الشأن من جمع الطرق ومقارنتها، ومن قرائن تنضم إلى ذلك [٣]. وأكثر ما تكون العلل في أسانيد الحديث، فتقدح في الإسناد والمتن معاً، إذا ظهر منها ضعف الحديث. وقد تقدح في الإسناد وحده، إذا كان الحديث مرويا بإسناد آخر صحيح. مثل الحديث الذي رواه يَعلى بن عُبيد الطَّنافسي - أحد الثقات - عن سفيان الثوري عن عَمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "البيِّعان بالخيار ... "، الحديث. فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل، وهو معلول، وإسناده غير صحيح، =

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = والمتن صحيح على كل حال لأن يعلى بن عبيد غَلِطَ على سفيان في قوله "عمرو بن دينار"، وإنما صوابه: "عبد الله بن دينار"، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، كأبي نعيم الفضل بن دكين، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد .... وغيرهم، رووه عن سفيان عن "عبد الله بن دينار" عن ابن عمر [١]. وقد تقع العلة في متن الحديث، كالحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه (رقم ٣٩٩) من رواية الوليد ابن مسلم: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ "الحمد لله رب العالمين"، لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها. ثم رواه مسلم [رقم ٣٩٩ مكرر] أيضا من رواية الوليد عن الأوزاعي: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنسا يذكر ذلك، قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث [ص ٢٦١]: فعلل قوم رواية اللفظ المذكور - يعني التصريح بنفي قراءة البسملة - لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءة بـ (الحمد الله رب العالمين)، من غير تعرض لذكر البسملة، وهوالذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح [٢] ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له، ففهم من قوله: كانوا يستفتحون بالحمد الله أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ، لأن معناه أن السوره التي كانوا يفتتحون بها السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية. وانضم إلى ذلك أمور: منها أنه ثبت عن أنس أنه سُئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيها شيئا عن رسول الله ﷺ . والله أعلم". [٣] وقد أطال الحافظ العراقي في شرحه على ابن الصلاح الكلام على تعليل هذا الحديث (ص ٩٨ - ١٠٣) =

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وكذلك السيوطي في التدريب ص (٨٩ - ٩١). [١] وانظر ما كتبه الأخ العلامة الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على المنتقى لابن تيمية (ج ١ ص ٣٧٢ - ٣٧٦). ثم إن الحاكم في كتابه علوم الحديث قسم أجناس العلل إلى عشرة أجناس ننقلها بأمثلتها من (التدريب) للسيوطي ص ٩١ - ٩٣ [٢]، ونصححها من كتاب "علوم الحديث" للحاكم (ص ١١٣ - ١١٩) إذ طُبع بعد ذلك بمطبعة دار الكتب المصرية، مع احتفاظنا بتلخيص السيوطي، وهي: الأول: أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يُعرف بالسماع ممن رَوَى عنه كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك) [٣]. فروى أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبدالله قوله، قال محمد بن إسماعيل [هو البخاري] وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل [٤]. وهذه العلة نقلها أيضا الحافظ العراقي عن الحاكم (ص ٩٧ - ٩٨) [٥] ثم عقب عليه فقال: هكذا أعل الحاكم في علومه هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار، راويها عن مسلم فقد تكلم فيه، وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، ويبعد أن =

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = البخاري يقول إنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم، أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عمرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، وقد بينت هذه الطرق كلها في تخريج أحاديث الإحياء للغزالي". [١] الثاني: - مما نقل في التدريب عن الحاكم -: أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسند من وجه ظاهره الصحة. كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً "أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عُمر وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرئهم أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمه أميناً وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة. [٢] قال الحاكم "فلو صح إسناده لأخرج في الصحيح وإنما روى خالد الحذَّاء عن أبي قلابة "أن النبي ﷺ قال أرحم أمتي .... " مرسلاً [٣] وأسند ووصل "أن لكل أمة أمينا وأبو عبيدة أمين هذه الأمة" هكذا رواه البصريون الحفاظ عن خالد الحذَّاء وعاصم جميعا وأسقط المرسل من الحديث وخرج المتصل بذكر أبي عبيدة في الصحيحين" [٤] الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعاً "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة" [٥] قال هذا إسناد لا يَنظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شرط الصحيح والمدنيون =

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = إذا رووا عن الكوفيين زَلَقوا [١]. ثم رواه الحاكم بإسناده إلى حماد بن زيد عن ثابت البناني قال سمعت أبا بردة يحدث عن الأغر المزني وكانت له صحبة قال قال رسول الله ﷺ : "إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة". [٢] ثم ذكر الحاكم أنه رواه مسلم في صحيحه هكذا وقال وهو الصحيح المحفوظ. تنبيه: في نسخة التدريب الأغر المدني بالدال وهو تصحيف فإن الأغر المدني تابعي مولى لأبي هريرة وأبي سعيد، وأما الصحابي فهو الأغر المزني بالزاي وهو الذي يروي عنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الرابع: أن يكون محفوظا عن صحابي ويروي عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته بل لا يكون معروفا من جهته كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه أنه "سمع رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور". قال الحاكم خرج العسكري وغيره من المشايخ هذا الحديث في الوحدان وهو معلول من ثلاثة أوجه أحدها: أن عثمان هو ابن أبي سليمان والآخر: أن عثمان إنما رواه عن نافع ابن جبير بن مطعم عن أبيه والثالث: قوله سمع النبي ﷺ وأبو سليمان لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه" [٣] الخامس: أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة. كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار "أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فرمى بنجم فاستنار ... " الحديث. =

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = قال الحاكم علة هذا الحديث أن يونس على حفظه وجلالة محله قصَّر به وإنما هو عن ابن عباس قال حدثني رجال من الأنصار. وهكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري. السادس: أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال "قلت يا رسول الله مالك أفصحنا؟ ... " الحديث [١]. وذكر الحاكم (المعرفة: ١١٦) علته وهي ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد: بلغني عن عمر فذكره السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله كحديث (أبي شهاب) عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا "المُؤمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ". [٢] وذكر الحاكم علته وهي ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان الثوري عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة فذكره. تنبيه: قال السيوطي في التدريب [٣] في هذه العلة السابعة "كحديث الزهري عن سفيان الثوري"! وهو خطأ غريب من مثله، فإن الزهري أقدم جدا من الثوري، ولم يذكر أحد أنه روى عنه والصواب: كحديث أبي شهاب عن سفيان الثوري، كما في علوم الحديث. وأبو شهاب هو الحناط - بالنون- واسمه "عبد ربه بن نافع الكناني". والحديث عنه في "المستدرك" للحاكم (ج ١ ص ٤٣) فاشتبه الإسم على السيوطي، وظنه ابن شهاب، فنقله بالمعنى، وجعله "الزهري"! ! وهذا من مدهشات غلط العلماء الكبار، ﵏ ورضي عنهم. =

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = ثم إن هذه العلة التي أعل بها الحاكم هذا الحديث غير جيدة، بل غير صحيحة، لأن أبا شهاب الحناط لم ينفرد عن الثوري بتسمية يحيى بن أبي كثير، فقد تابعه عليه عيسى بن يونس ويحيى بن الضريس، فروياه عن الثوري عن حجاج عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وله أيضا شاهد - وإن شئت فسمه متابعة قاصرة - فرواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير بإسناده. فانتقد تعليل الحديث بغلط أبي شهاب الحناط، وانظر أسانيده في المستدرك وبالله التوفيق. الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلّتها أنه لم يسمعها منه كحديث يحيى ابن أبي كثير عن أنس "أن النبي ﷺ كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أفطر عندكم الصائمون ... " الحديث. قال الحاكم: "قد ثبت عندنا من غير وجه رواية يحيى ابن أبي كثير عن أنس بن مالك إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديث" ثم أسند عن يحيى قال حُدثت عن أنس فذكره [١]. التاسع: أن تكون طريق معروفة يروي أحد رجالها حديثا من غير ذلك الطريق فيقع من رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله دينار عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم .. " الحديث. قال الحاكم: لهذا الحديث علة صحيحة. والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه. ثم رواه بإسناده [٢] إلى مالك بن إسماعيل عن عبد العزيز حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب [٣] =

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = العاشر: أن يروي الحديث مرفوعا من وجه وموقوفا من وجه كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا من "ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء" ثم ذكر الحاكم علته وهي ما روي بإسناده عن وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال سُئل جابر فذكره [١]. ثم إن الحاكم لم يجعل هذه الأجناس لحصر أنواع العلل، فقد قال الحاكم بعد ذكر هذه الأنواع: "وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة، ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم. فإن معرفة علل الحديث من أجلِّ هذه العلوم". واعلم أن من العلة ما لايقدح في صحة متن الحديث، وهو ما قلناه سابقا، من أن العلة قد تكون في الإسناد وحده، دون المتن، لصحته بإسناد آخر صحيح. كالحديث الذي ذكرنا من رواية يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار، وقلنا أنه وهم فيه بذكر عمرو بن دينار، إذ هو محفوظ من رواية الثوري عن عبد الله بن دينار، وعمرو وعبد الله ثقتان. وقد يطلق بعض علماء الحديث اسم "العلة" في أقوالهم على الأسباب التي يضعف بها الحديث: من جرح الراوي بالكذب أو الغفلة أو سوء الحفظ، أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة القادحة، فيقولون: "هذا الحديث معلول بفلان" مثلا، ولا يريدون العلة المصطلح عليها، لأنها إنما تكون بالأسباب الخفية التي تظهر من سبر طرق الحديث، كما تقدم. وقد أطلق أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد "العلة" على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: "من أقسام الصحيح: ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ"، ولم يقصد بهذا التقيد بالاصطلاح، ومثل له بحديث مالك في =

стр. 173

والله الموفق (١). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = الموطأ أنه قال: "بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : للمملوك طعامه وكسوته"، فرواه مالك معضلا هكذا في الموطأ، ورواه موصولا خارج الموطأ، فقد رواه إبراهيم ابن طهمان والنعمان ابن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. فقد صار الحديث بعد بيان إسناده صحيحا. قال بعضهم: "وذلك عكس المعلول، فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال، فلما فتش تبين وصله". ونقل ابن الصلاح، وتبعه النووي ثم السيوطي، أن الترمذي سمى النسخ علة من علل الحديث. ونقل السيوطي في التدريب عن العراقي أنه قال "فإن أراد - يعني الترمذي - أنه علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة. والذي أجزم به أن الترمذي إن كان سمى النسخ علة - فإني لم أقف على ذلك في كتابه ولعلي أجده فيه بعد- فإنما يريد به أنه علة في العمل بالحديث فقط، ولا يمكن أن يريد أنه علة في صحته، لأنه قال في سننه (ج ١ ص ٢٣ - ٢٤) [١]: "إنما كان (الماء من الماء) في أول الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك". فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح بذلك. [شاكر]

стр. 174

النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْمُضْطَرِبُ (١) وَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ الرُّوَاةُ فِيهِ عَلَى شَيْخٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ (٢) مُتَعَادِلَةٍ لَا يَتَرَجَّحُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ يَكُونُ تَارَةً فِي الْإِسْنَادِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَتْنِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] إذا جاء الحديث على أوجه مختلفة، في المتن أو فى السند، =

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = من راو واحد، أو من أكثر -: فإن رجحت إحدى الروايتين أو الروايات بشيء من وجوه الترجيح- كحفظ راويها، أو ضبطه، أو كَثُرت صحبته لمن روى عنه - كانت الراجحة صحيحة، والمرجوحة شاذة أو منكرة، وإن تساوت الروايات وامتنع الترجيح: كان الحديث مُضطَرِبا، واضطرابه موجب لضعفه، إلا في حالة واحدة، وهي أن يقع الاختلاف في اسم راو أو اسم أبيه أو نسبته مثلا، ويكون الراوي ثقة، فإنه يحكم للحديث بالصحة، ولا يُضر الاختلاف فيما ذكر، مع تسميته مضطرباً، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: " وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن "، نقل ذلك السيوطي في التدريب [١/ ٣١٤]. والاضطراب قد يكون في المتن فقط، وقد يكون في السند فقط، وقد يكون فيهما معا. =

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = مثال الاضطراب في الإسناد على ما ذكر السيوطي في التدريب [١/ ٣١٢]: حديث أبي بكر: "أنه قال: يارسول الله، أراك شبت؟ قال: شيبتني هود وأخواتها". قال الدراقطني [١]: هذا حديث مضطرب، فإنه لم يُرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر [٢]. ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ في "نضح الفرج بعد الوضوء" [٣]. قد اختلف فيه على عشرة أقوال: فقيل: عن مجاهد عن الحكم أوابن الحكم عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن الحكم - غير منسوب - عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، بلا شك. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم ابن سفيان. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبى سفيان وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ . انتهى ما نقله في التدريب. ومثال الاضطراب في المتن حديث التسمية في الصلاة، السابق في " المعلل"، قال السيوطي: " فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم. والمضطرب، يجامع المعلل، لأنه قد تكون علته ذلك. وأمثلة المضطرب كثيرة. وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابا فيه سماه "المقترب =

стр. 177

النَّوْعُ الْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْمُدْرَجِ (١) وَهُوَ أَنْ يُزَادَ (٢) لَفْظَةٌ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ (٣) مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي فَيَحْسَبُهَا مَنْ يَسْمَعُهَا منه مَرْفُوعَةً فِي الْحَدِيثِ فَيَرْوِيهَا كَذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالمسَانِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يَقَعُ الْإِدْرَاجُ فِي الْإِسْنَادِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا حَافِلًا سَمَّاهُ (فَصْلَ الْوَصْلِ لِمَا أُدْرِجَ فِي النَّقْلِ) (٤) وَهُوَ مُفِيدٌ جِدًّا «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = في بيان المضطرب". قال المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير: "أفاد وأجاد وقد التقته من كتاب العلل للدارقطني" [شاكر]. «١» [شاكر] الحديث المدرج: ما كانت فيه زيادة ليست منه. وهو: إما مدرج في المتن، وإما مدرج في الإسناد. هكذا قسمه السيوطي وغيره. والإدراج على =

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = الحقيقة إنما يكون في المتن [١]، كما سيأتي. ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى، أو بالنص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك. ومدرج المتن: هو أن يَدخل في حديث رسول الله ﷺ شيء من كلام بعض الرواة، وقد يكون في أول الحديث وفي وسطه وفي آخره، وهو الأكثر. فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه. مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب [٢] من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار ". فقوله: " أسبغوا الوضوء " مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري [٣] عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال "ويل للأعقاب من النار" قال الخطيب: "وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم". نقله في التدريب [١/ ٣١٨]. ومثال المدرج في الوسط: ما رواه الدارقطني في السنن [٤] من طريق عبد الحميد ابن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ". قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغين، وأدرجه كذلك في حديث بسرة. والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب، وحماد بن زيد وغيرهما، ثم رواه [٥] من طريق أيوب بلفظ: "من مس ذكره فلتوضأ" قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه =

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = أو ذكره فليتوضأ. وكذا قال الخطيب [١]: فعروة لمَّا فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر، فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا. قاله في التدريب. وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب. مثل حديث عائشة في بدء الوحي في البخاري [٢] وغيره: "كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ... إلخ" فهذا التفسير من قول الزهري أدرج في الحديث. وكذلك حديث فضالة مرفوعا عند النسائي [٣]: " أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة". فقوله "والزعيم الحميل" مدرج من تفسير ابن وهب مثال المدرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود [٤] من طريق زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن مسعود: حديث التشهد، وفي آخره "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" فهذه الجملة وصلها زهير بالحديث المرفوع، وهي مدرجة من كلام ابن مسعود، كما نص عليه الحاكم والبيهقي والخطيب [٥]. ونقل النووي في الخلاصة اتفاق الحفاظ على أنها مدرجة. ومن الدليل على إدراجها أن حسينا الجعفي وابن عجلان وغيرهما رووا الحديث عن الحسن بن الحر بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن علقمة أو غيره عن ابن مسعود، وأن شبابة ابن سوار وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - وهما ثقتان - رويا الحديث عن الحسن بن الحر، ورويا فيه هذه الجملة، وفصلاها منه، =

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا التفصيل والبيان، مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع -: يؤيدان أنها مدرجة، وأن زهيرا وهم في روايته. مثال آخر: حديث ابن مسعود مرفوعا "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنه ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار": فإن في رواية أخرى عن ابن مسعود: " قال النبي ﷺ كلمة، وقلت أنا أخرى "، فذكرهما. فأفاد أن إحدى الكلمتين من قول ابن مسعود، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التي من قول ابن مسعود هي الثانية، وأكد ذلك رواية رابعة، اقتصر فيها على الكلمة الأولى مضافة إلى النبي ﷺ [١]. - مثال آخر: في الصحيح [٢] عن أبي هريرة مرفوعا: " للعبد المملوك أجران. والذي نفسي بيده لولا الجهاد والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك ". فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله "والذي نفسي بيده ... إلخ"، مدرج من قول أبي هريرة، لاستحالة أن يقوله النبي ﷺ ، لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرق، وهو أفضل الخلق، ﵊. هذا مدرج المتن. وأما مدرج الإسناد، ومرجعه في الحقيقة إلى المتن: فهو ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنه راو آخر، فيجمع الكل على إسناد واحد، من غير أن يبين الخلاف. مثاله: ما رواه الترمذي [٣] من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شراحبيل عن ابن مسعود قال: "قلت: يارسول الله أي الذنب أعظم؟ "، الحديث فإن رواية واصل - هذه - مدرجة على رواية منصور والأعمش، فإن واصلا يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، لا يذكر فيه " عمر وبن شراحبيل ". وهكذا رواه شعبة وغيره عن واصل، وقد رواه =
следующие страницы →