. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مثال الاضطراب في الإسناد على ما ذكر السيوطي في التدريب [١/ ٣١٢]: حديث أبي بكر: "أنه قال: يارسول الله، أراك شبت؟ قال: شيبتني هود وأخواتها".
قال الدراقطني [١]: هذا حديث مضطرب، فإنه لم يُرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر [٢].
ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ في "نضح الفرج بعد الوضوء" [٣].
قد اختلف فيه على عشرة أقوال: فقيل: عن مجاهد عن الحكم أوابن الحكم عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن الحكم - غير منسوب - عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان، بلا شك. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عن مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم ابن سفيان. وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان أو ابن أبى سفيان وقيل عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ . انتهى ما نقله في التدريب.
ومثال الاضطراب في المتن حديث التسمية في الصلاة، السابق في " المعلل"، قال السيوطي: " فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب، كما تقدم.
والمضطرب، يجامع المعلل، لأنه قد تكون علته ذلك.
وأمثلة المضطرب كثيرة. وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابا فيه سماه "المقترب =
стр. 177
النَّوْعُ الْعِشْرُونَ:
مَعْرِفَةُ الْمُدْرَجِ (١)
وَهُوَ أَنْ يُزَادَ (٢) لَفْظَةٌ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ (٣) مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي فَيَحْسَبُهَا مَنْ يَسْمَعُهَا منه مَرْفُوعَةً فِي الْحَدِيثِ فَيَرْوِيهَا كَذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالمسَانِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يَقَعُ الْإِدْرَاجُ فِي الْإِسْنَادِ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا حَافِلًا سَمَّاهُ (فَصْلَ الْوَصْلِ لِمَا أُدْرِجَ فِي النَّقْلِ) (٤) وَهُوَ مُفِيدٌ جِدًّا «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= في بيان المضطرب". قال المتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير: "أفاد وأجاد وقد التقته من كتاب العلل للدارقطني" [شاكر].
«١» [شاكر] الحديث المدرج: ما كانت فيه زيادة ليست منه. وهو: إما مدرج في المتن، وإما مدرج في الإسناد. هكذا قسمه السيوطي وغيره. والإدراج على =
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الحقيقة إنما يكون في المتن [١]، كما سيأتي.
ويعرف المدرج بوروده منفصلا في رواية أخرى، أو بالنص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك.
ومدرج المتن: هو أن يَدخل في حديث رسول الله ﷺ شيء من كلام بعض الرواة، وقد يكون في أول الحديث وفي وسطه وفي آخره، وهو الأكثر. فيتوهم من يسمع الحديث أن هذا الكلام منه.
مثال المدرج في أول الحديث: ما رواه الخطيب [٢] من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار ".
فقوله: " أسبغوا الوضوء " مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري [٣] عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال "ويل للأعقاب من النار" قال الخطيب: "وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم". نقله في التدريب [١/ ٣١٨].
ومثال المدرج في الوسط: ما رواه الدارقطني في السنن [٤] من طريق عبد الحميد ابن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ". قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغين، وأدرجه كذلك في حديث بسرة. والمحفوظ أن ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب، وحماد بن زيد وغيرهما، ثم رواه [٥] من طريق أيوب بلفظ: "من مس ذكره فلتوضأ" قال: وكان عروة يقول: إذا مس رفغيه أو أنثييه =
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= أو ذكره فليتوضأ. وكذا قال الخطيب [١]: فعروة لمَّا فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك، فقال ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر، فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا. قاله في التدريب.
وقد يكون الإدراج في الوسط على سبيل التفسير من الراوي لكلمة من الغريب.
مثل حديث عائشة في بدء الوحي في البخاري [٢] وغيره: "كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد ... إلخ" فهذا التفسير من قول الزهري أدرج في الحديث.
وكذلك حديث فضالة مرفوعا عند النسائي [٣]: " أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة". فقوله "والزعيم الحميل" مدرج من تفسير ابن وهب
مثال المدرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود [٤] من طريق زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن ابن مسعود: حديث التشهد، وفي آخره "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" فهذه الجملة وصلها زهير بالحديث المرفوع، وهي مدرجة من كلام ابن مسعود، كما نص عليه الحاكم والبيهقي والخطيب [٥]. ونقل النووي في الخلاصة اتفاق الحفاظ على أنها مدرجة. ومن الدليل على إدراجها أن حسينا الجعفي وابن عجلان وغيرهما رووا الحديث عن الحسن بن الحر بدون ذكرها، وكذلك كل من روى التشهد عن علقمة أو غيره عن ابن مسعود، وأن شبابة ابن سوار وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان - وهما ثقتان - رويا الحديث عن الحسن بن الحر، ورويا فيه هذه الجملة، وفصلاها منه، =
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وبينا أنها من كلام ابن مسعود. فهذا التفصيل والبيان، مع اتفاق سائر الرواة على حذفها من المرفوع -: يؤيدان أنها مدرجة، وأن زهيرا وهم في روايته.
مثال آخر: حديث ابن مسعود مرفوعا "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنه ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار": فإن في رواية أخرى عن ابن مسعود: " قال النبي ﷺ كلمة، وقلت أنا أخرى "، فذكرهما. فأفاد أن إحدى الكلمتين من قول ابن مسعود، ثم وردت رواية ثالثة أفادت أن الكلمة التي من قول ابن مسعود هي الثانية، وأكد ذلك رواية رابعة، اقتصر فيها على الكلمة الأولى مضافة إلى النبي ﷺ [١].
- مثال آخر: في الصحيح [٢] عن أبي هريرة مرفوعا: " للعبد المملوك أجران. والذي نفسي بيده لولا الجهاد والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك ". فهذا مما يتبين فيه بداهة أن قوله "والذي نفسي بيده ... إلخ"، مدرج من قول أبي هريرة، لاستحالة أن يقوله النبي ﷺ ، لأن أمه ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرق، وهو أفضل الخلق، ﵊.
هذا مدرج المتن. وأما مدرج الإسناد، ومرجعه في الحقيقة إلى المتن: فهو ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة فيرويه عنه راو آخر، فيجمع الكل على إسناد واحد، من غير أن يبين الخلاف.
مثاله: ما رواه الترمذي [٣] من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور والأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شراحبيل عن ابن مسعود قال: "قلت: يارسول الله أي الذنب أعظم؟ "، الحديث فإن رواية واصل - هذه - مدرجة على رواية منصور والأعمش، فإن واصلا يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرة، لا يذكر فيه " عمر وبن شراحبيل ". وهكذا رواه شعبة وغيره عن واصل، وقد رواه =
стр. 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= يحيى القطان عن الثوري بالإسنادين مفصلا، وروايته أخرجها البخاري [١].
الثاني: أن يكون الحديث عند راو بإسناد، وعنده حديث آخر بإسناد غيره، فيأتي أحد الرواة ويروي عنه أحد الحديثين بإسناده، ويدخل فيه الحديث الآخر أو بعضه من غير بيان.
مثاله: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعا "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا" [٢]، [فقوله ولا تنافسوا] [٣] أدرجه ابن أبي مريم، وليس من هذا الحديث، بل هو من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. هكذا رواهما رواة الموطأ، وكذلك هو في الصحيحين عن مالك [٤].
مثال آخر: مارواه أبو داود [٥] من رواية زائدة وشريك، والنسائي من رواية سفيان ابن عيينة، كلهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وقال فيه: " ...... ثم جئتهم بعد ذلك في زمن فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب". فهذه الجملة مدرجة على عاصم بهذا الإسناد لأنها من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل كما رواه مُبَيِّنا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد فميزا قصة تحريك الأيدي وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادها وهذا المثال فصله بعضهم عن الذي قبله، وجعلهما قسمين. والصواب ما صنعنا، لأنهما من نوع واحد. ويدخل في هذا القسم ما إذا سمع الراوي الحديث من شيخه إلا قطعة منه سمعها عن شيخه بواسطة، فيروي الحديث كله عن شيخه ويحذف الواسطة.
* الثالث: أن يحدث الشيخ فيسوق الإسناد ثم يعرض له عارض فيقول كلاما من =
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= عنده، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك.
مثاله: حديث رواه ابن ماجة [١] عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجه بالنهار".قال الحاكم [٢]: " دخل ثابت على شريك وهو يُملي ويقول: " حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم ... وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجه بالنهار، وقصد بذلك ثابتا، لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به " وقال ابن حبان [٣]: إنما هو قول شريك، قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم"، فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء، وحدثوا به عن شريك. وهذا القسم ذكره ابن الصلاح في نوع "الموضوع " وجعله شبه وضع من غير تعمد، وتبعه على ذلك النووي والسيوطي. وذِكره في المدرج أولى وهو به أشبه، كما صنع الحافظ ابن حجر.
(فصل): في حكم الإدراج: أما الإدراج لتفسير شيء من معنى الحديث، ففيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه. وأما ما وقع من الراوي خطأ من غير عمد، فلا حرج على المخطئ، إلا إن كثر خطؤه، فيكون جرحا في ضبطه وإتقانه. وأما ما كان من الراوي عن عمد فإنه حرام كله، على اختلاف أنوعه، باتفاق أهل الحديث والفقه والأصول وغيرهم، لما يتضمن من التلبيس والتدليس، ومن عزو القول إلى غير قائله. قال السمعاني: " من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين" [٤]. [شاكر]
стр. 183
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
مَعْرِفَةُ الْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقِ الْمَصْنُوعِ (١)(٢)
وَعَلَى ذَلِكَ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا إِقْرَارُ وَاضْعِهِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالًا أَوْ حَالًا، وَمِنْ ذَلِكَ رَكَاكَةُ أَلْفَاظِهِ، وَفَسَادُ مَعْنَاهُ، أَوْ مُجَازَفَةٌ فَاحِشَةٌ، أَوْ مُخَالَفَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ «١».
فَلَا تَجُوزُ رِوَايَتُهُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ، لِيَحْذَرَهُ مَنْ يَغْتَرُّ بِهِ مِنَ الْجَهَلَةِ وَالْعَوَامِّ والرِّعَاعِ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] نقل السيوطي في التدريب عن ابن الجوزي قال: " ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة " [شاكر] [١].
стр. 184
وَالْوَاضِعُونَ أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ:
مِنْهُمْ زَنَادِقَةٌ، وَمِنْهُمْ مُتَعَبِّدُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، يَضَعُونَ أَحَادِيثَ فِيهَا تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ، وَفِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، لِيُعْمَلَ بِهَا.
وهؤلاء طائفة من الكرَّامية وغيرهم، وهم من أشر من «١»
فعل هذا، لما يحصل بضررهم من الغِرَّة على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب «٢».
وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زُبرهم، عاراً على واضعي ذلك في الدنيا، وناراً وشناراً في الآخرة. قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). وهذا متواتر عنه (٢).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» في باقي المخطوطات: "ما".
[شاكر] هكذا الأصل، ولعله "مَنْ فَعل هذا" لأن "ما" لما لا يَعقل، أو نزلهم منزلة مالا يَعقل. [شاكر]
[قلنا] الثابت في "ط"، "ب"، "ع": [مَنْ].كما رجحه العلامة أبو الأشبال وهذا ينبأك عن مدى تضلع وتمكن الشيخ ﵀ وبلّ بالمغفرة ثراه.
«٢» [شاكر] الكرَّامية - بتشديد الراء - قوم من المبتدعة، نُسبوا إلى أحد المتكلمين واسمه محمد بن كرَّام السجستاني. وقولهم هذا مخالف لأجماع المسلمين؛ وعصيان صريح للحديث المتواتر عنه ﷺ : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير من وضع حديثا على رسول الله ﷺ قاصدا إلى ذلك عالما بافترائه. وهو الحق. [شاكر]
стр. 185
قال بعضُ هَؤلاء الجهلة: نحن ما كَذَبنا عليه، إنما كَذَبنا له! وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائِهم، فإنه ﵊ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره.
وقد صنف الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه. «١»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] ألَّف الحافظ أبو الفَرج عبد الرحمن بن الجَوْزِي كتابا كبيرا في مجلدين، جمع فيه كثيرا من الأحاديث الموضوعة، أخذ غالبه من كتاب الأباطيل للجوزقاني. ولكن أخطأ في بعض أحاديث انتقدها عليه الحفاظ.
قال الحافظ ابن حجر: "غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جدا [١]. وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا، عكس الضرر بـ "مستدرك الحاكم "، فإنه يظن ماليس بصحيح صحيحا. ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عُدم الانتفاع بهما إلا بعالم للفن، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل". وقد لخص الحافظ السيوطي كتاب ابن الجوزي وتتبع كلام الحُفاظ في تلك الأحاديث، وخصوصا كلام الحافظ ابن حجر فى تصانيفه وأماليه، ثم أفرد الأحاديث المتعقبة في كتاب خاص، وهما: (اللآلي المصنوعة)، و (ذيل اللآلي المصنوعة). وألف ابن حجر كتاب (القول المسدد في الذب عن المسند) أي مسند الإمام أحمد ابن حنبل ﵀، ذكر فيه أربعة وعشرين حديثا من المسند، جاء بها ابن الجوزي في الموضوعات وحكم عليها بذلك. ورد عليه ابن حجر ودفع قوله. ثم ألف السيوطي ذيلا عليه ذكر فيه أربعة عشر حديثا أخرى كتلك من المسند، ثم ألف ذيلا لهذين الكتابين سماه: (القول الحسن في الذب عن السنن) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثا - من السنن الأربعة - حكم ابن الجوزي بأنها موضوعة، ورد عليه حكمه. =
стр. 186
وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية) (١)، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية! ! وقد حاول بعضهم الرد عليه، بأنه قد ورد في الحديث أنه ﵇ قال: " سيكذب عليَّ "، فإن كان هذا الخبر صحيحاً، فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذباً فقد حصل المقصود. فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر! ! وهذا القول (٢) والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم (٣)، والذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها أو (٤) أضعافها من المكذوبات، خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس، ﵏ ورضي عنهم «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= ومن غرائب تسرع الحافظ ابن الجوزي في الحكم بالوضع أنه زعم وضع حديث في صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر" رواه أحمد في المسند (رقم ٨٠٥٩ ج ٢ ص ٢٠٨) وهو في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٣٥٥). قال ابن حجر في القول المسدد (ص ٣١): " ولم أقف في كتاب الموضوعات لابن الجوزي على شيء حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه! ! " [شاكر]
«١» [شاكر] الخبر الموضوع: هو المختلق المصنوع، وهو الذي نسبه =
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الكذابون المفترون إلى رسول الله ﷺ ، وهو شر أنواع الرواية ومن علم أن حديثا من الأحاديث موضوعا فلا يحل له أن يرويه منسوبا إلى رسول الله ﷺ ، إلا مقرونا ببيان وضعه. وهذا الحذر عام في جميع المعاني، سواء الأحكام، والقصص، والترغيب والترهيب، وغيرها. لحديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله ﷺ «مَنْ حدث عَنِّي بحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِيْنِ» رواه مسلم في صحيحه، ورواه أحمد وابن ماجة عن سمرة [١]. وقوله: " يرى" فيه روايتان: بضم الياء وفتحها، أي بالبناء للمجهول وبالبناء للمعلوم، وقوله " الكاذبين فيه روايتان أيضا: بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع، وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح .. فسواء أَعَلِم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعلم، إن كان من غير أهلها، وأخبره العالم الثقة بها - فإنه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله ﷺ . وأما مع بيان حاله فلا بأس، لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارئ ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى الرسول ﵊.
ويعرف وضع الحديث بأمور كثيرة، يعرفها الجهابذة النقاد من أئمة هذا العلم: منها إقرار واضعه بذلك. كما روى البخاري في التاريخ الأوسط [٢] عن عمر بن صبح بن عمران التميمي أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي ﷺ . وكما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي [٣] أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وأنه وضع في فضل علي سبعين حديثا. وكما أقر أبو عصمة نوح ابن أبي مريم، الملقب بنوح الجامع [٤]، أنه وضع على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة.
ومنها: ماينزل منزلة إقراره. كأن يحدث عن شيخ بحديث لا يعرف إلا عنده، ثم يسأل عن مولده، فيذكر تاريخا معينا، ثم يتبين من مقارنة تاريخ ولادة الراوي =
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= بتاريخ وفاة الشيخ المروي عنه أن الراوي ولد بعد وفاة شيخه، أو أن الشيخ توفي والراوي طفل لا يدرك الرواية، أو غير ذلك كما ادعى مأمون ابن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار، فسأله الحافظ ابن حبان: متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له: فإن هشاماً الذي تروي عنه مات سنة ٢٤٥، فقال: هذا هشام ابن عمار آخر! ! [١].
وقد يعرف الوضع أيضا بقرائن في الراوي، أو المروي، أو فيهما معا. فمن أمثلة ذلك: ما أسنده الحاكم [٢] عن سيف بن عمر التميمي قال: " كنت عند سعد ابن طريف، فجاء ابنه من الكُتَّاب يبكي فقال: مالك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين! ! ". وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن معين: " لا يحل لأحد أن يروي عنه ". وقال ابن حبان: " كان يضع الحديث ". وراوي القصة عنه، سيف بن عمر، قال فيه الحاكم: " اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط ".
وقيل لمأمون بن أحمد الهروي: " ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟ ! فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - كذا في لسان الميزان (ج ٥ ص ٧ - ٨) وفي التدريب (ص ١٠٠) [٣] أحمد بن عبد البر - حدثنا عبد الله ابن معدان الأزدي عن أنس، مرفوعا: يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي! ! ".
وكما فعل محمد بن عكاشة الكرماني الكذاب [٤]: " قال الحاكم: بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبة. فقيل له: إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه؟ فقال: حدثنا المسيب ابن واضح حدثنا عبد الله ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له! فهذا مع كونه كذبا من أنجس الكذب، فإن الرواية عن =
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال، وهي في الموطأ [١] وسائر كتب الحديث " أ. هـ من لسان الميزان (ج ٥ ص ٢٨٨ - ٢٨٩).
ومن القرائن في المروي: أن يكون ركيكا لا يعقل أن يصدر عن النبي ﷺ ، وقد وضعت أحاديث طويلة، يشهد لوضعها ركاكة لفظها ومعانيها. قال الحافظ ابن حجر [٢]: "المدار في الركة على ركة المعنى، فحيثما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ، لأن هذا الدين كله محاسن. والركة ترجع إلى الرداءة. أما ركاكة اللفظ فقط فلا تدل على ذلك لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح. نعم، إن صرح بأنه من لفظ النبي ﷺ فكاذب ". وقال الربيع بن خثيم [٣]: "إن للحديث ضوءا كضوء النهار، تعرفه، وظلمة كظلمة الليل، تنكره " [٤]. وقال ابن الجوزي [٥]: " الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه في الغالب ". قال البلقيني [٦]: "وشاهد هذا: أن إنسانا لو خدم إنسانا سنين، وعرف ما يحب وما يكره، فادعى إنسان أنه كان يكره شيئا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيبه ". وقال الحافظ ابن حجر [٧]: " ومما يدخل في قرينة حال المروي ما نقل عن الخطيب عن أبي بكر بن الطيب: أن من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقل بحيث لا يقبل التأويل ويلتحق به ما يدفعه الحِسُ والمشاهدة، أو يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية، أو السنة المتواترة، أوالإجماع القطعي. أما المعارضة مع إمكان الجمع؛ فلا. =
стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= ومنها ما يصرح بتكذيب رواة جمع المتواتر، أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير. وهذا كثير في حديث القصاص، والأخير راجع إلى الركة ". قال السيوطي [١]: " ومن القرائن كون الراوي رافضياً والحديث في فضائل أهل البيت".
ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي [٢] من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا: "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين! " فهذا من سخافات عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقد ثبت عنه من طريق أخرى نقلها في التهذيب (ج ٦/ص ١٧٩) عن الساجي عن الربيع عن الشافعي قال: "قيل لعبد الرحمن بن زيد حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله ﷺ قال "إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين! ؟ قال: نعم! ! ". وقد عُرف عبد الرحمن بمثل هذه الغرائب، حتى قال الشافعي فيما نقل في التهذيب [٣]-: " ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا، فقال: "اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح! "
وروى ابن الجوزي [٤] أيضا من طريق محمد بن شجاع الثلجي - بالثاء المثلثة والجيم-، عن حَبان - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة - ابن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المُهَزّمِ عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت، فخلق نفسه منها! ! " قال السيوطي في التدريب [٥]: " هذا لا يضعه مسلم، والمتهم به محمد بن شجاع، كان زائغا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رَأيتُه، لو أعطي درهما وضع خمسين حديثا"! !
والأسباب التي دعت الكذابين الوضاعين إلى الافتراء ووضع الحديث كثيرة: =
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= فمنهم الزنادقة، الذين أرادوا أن يفسدوا على الناس دينهم، لِما وقر في نفوسهم من الحقد على الإسلام وأهله، يظهرون بين الناس بمظهر المسلمين، وهم المنافقون حقا.
قال حماد بن زيد [١]: " وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث ".
كعبد الكريم بن أبي العوجاء قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة، على الزندقة، بعد سنة ١٦٠، في خلافة المهدي. ولما أخذ لتضرب عنقه قال: " لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام"
وكبيان بن سمعان النهدي، من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى - لعنه الله - إلاهية علي - كرم الله وجه - وزعم مزاعم فاسدة. ثم قتله خالد بن عبد الله القسري، وأحرقه بالنار.
وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب: قال أحمد بن حنبل: " قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع " [٢]. وقال أحمد بن صالح المصري [٣]: " زنديق، ضربت عنقه، ، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى، فاحذروها ". وقال الحاكم أبو أحمد [٤]: " كان يضع الحديث، صلب على الزندقة ". وحكى عنه الحاكم أبو عبد الله [٥]: أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعاً: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله ". وقال: " وضع هذا الاستثناء لما كان يدعوا إليه من الالحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي ". ومنهم أصحاب الأهواء والآراء التي لا دليل لها من الكتاب والسنة، وضعوا أحاديث نُصرة لأهوائهم، كالخطابية [٦]، والرافضة وغيرهم. قال عبد الله بن يزيد المقرئ: " إن رجلا من أهل =
стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه! فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا! ".
وقال حماد بن سلمة: " أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث ".
وقال أبو العباس القرطبي [١] صاحب كتاب المفهم شرح صحيح مسلم: " استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا! ! ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندا ".نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي (ص ١١١) [٢]، والمتبولي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير.
ومنهم القصاص: يضعون الأحاديث في قصصهم، قصدا للتكسب والارتزاق، وتقربا للعامة بغرائب الروايات. ولهم في هذا غرائب وعجائب، وصفاقة وجه لا توصف. كما حكى أبو حاتم البستي [٣]: أنه دخل مسجدا، فقام بعد الصلاة شاب فقال: " حدثنا أبو خليفة: حدثنا أبو الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس " وذكر حديثا، قال أبو حاتم: " فلما فرغ دعوته، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: كيف تروي عنه ولم تراه؟ فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة! ! أنا أحفظ هذا الإسناد، فكلما سمعت حديثا ضممته إلى هذا الإسناد! ! ".
وأغرب منه ما روى ابن الجوزي [٤] بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي =
стр. 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قال: " صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين، قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خلق الله كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان " وأخذ في قصة نحواً من عشرين ورقة فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدثته بهذا، فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ثم قعد ينتظر بقيتها قال له يحيى بن معين بيده تعال فجاء متوهما النوال، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث، فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ! فقال لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة! كأنَّ ليس فيها يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما! وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين! ! فوضع أحمد كُمَّه على وجههِ، وقال: دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما "! ! .
وأكثر هؤلاء القصاص جهال تشبهوا بأهل العلم، واندسوا بينهم، فأفسدوا كثيرا من عقول العامة. ويشبههم بعض علماء السوء، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة، وتقربوا إلى الملوك والأمراء والخلفاء، بالفتاوى الكاذبة والأقوال المخترعة، التي نسبوها إلى الشريعة البريئة، واجترءوا على الكذب على رسول الله ﷺ ، إرضاءا للأهواء الشخصية، ونصرا للأغراض السياسية، فاستحبوا العمى على الهدى. كما فعل غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث، كما وصفه إمام أهل الجرح والتعديل، يحيى بن معين -: فإنه دخل على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير المؤمنين فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح، فأمر له المهدي بِبَدْرَةٍ، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ! ثم قال المهدي: أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه [١]. =
стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وفعل نحوا من ذلك مع أمير المؤمنين الرشيد، فوضع له حديثا: أن رسول الله ﷺ كان يطير الحمام. فلما عرضه على الرشيد قال: اخرج عني، فطرده عن بابه [١].
وكما فعل مقاتل بن سليمان البلخي [٢]، من كبار العلماء بالتفسير، فإنه كان يتقرب إلى الخلفاء بنحو ذلك. حكى أبو عبيد الله وزير المهدي قال: " قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني مقاتلاً -؟ قال: إذا شئت وضعت لك أحاديث في العباس؟ ! قلت: لا حاجة لي فيها " [٣].
وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررا قوم يَنسِبون أنفسهم إلى الزهد والتصوف، لم يتحرجوا عن وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، احتسابا للأجر عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي، فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون. وقد اغتر بهم كثير من العامة وأشباههم، فصدقوهم، ووثقوا بهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا موضعا للصدق، ولا أهلا للثقة.
وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلا بالسنة، لحسن ظنهم وسلامة صدروهم، فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالا وأقل إثما من أولئك. ولكن الوضاعون منهم أشد خطرا، لخفاء حالهم على كثير من الناس. ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذب عن سنة رسول الله ﷺ ، وأفنوا أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى -: لولا =
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء؛ ولسقطت الثقة بالأحاديث: رسموا قواعد للنقد، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح الحديث، وهو أدق الطرق التي ظهرت في العلم للتحقيق التاريخي، ومعرفة النقل الصحيح من الباطل. فجزاهم الله عن الأمة والدين أحسن الجزاء، ورفع درجاتهم في الدنيا والأخرة، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين.
وقد قيل لعبد الله ابن المبارك الإمام الكبير: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة (إنا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون) [١].
ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة: الحديث المروي عن أبي بن كعب مرفوعا في فضائل القرآن سورة سورة. وقد ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي وقد أخطأوا في ذلك خطأ شديدا. قال الحافظ العراقي [٢]: " لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين - يعني الثعلبي والواحدي - فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده وإن كان لا يجوز له السكوت عليه وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم - فخطؤه أفحش ". وأكثر الأحاديث الموضوعة كلام اختلقه الواضع من عند نفسه. وبعضهم جاء لكلام بعض الحكماء، أو لبعض الأمثال العربية، فركب لها إسنادا مكذوبا؛ ونسبها إلى رسول الله ﷺ أنها من قوله. وقد يأتي الوضع من الراوي غير مقصود له، وليس هذا من باب الموضوع بل هو من باب المدرج، كما حدث لثابت بن موسى الزاهد في حديث: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". وقد سبق تفصيلا في باب المدرج. [شاكر]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= يكون في الإسناد فمثال المقلوب في المتن: ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" [١] من حديث أُنيسة مرفوعاً "إذا أذَّن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" [٢].
وما رواه مسلم [٣] في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة .... "ورجل تصدق بصدقة أخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو كما في "الصحيحين" [٤] "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"
وما رواه الطبرانيٍ [٥] من حديث أبى هريرة مرفوعاً "إذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم"، فإن المعروف ما في "الصحيحين" [٦] "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم"
وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه، كأن يقول "كعب بن مرة" بدل "مرة بن كعب".
وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتابا سماه "رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب" وقد يكون الحديث مشهوراً براوٍ من الرواة أو إسناد، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين، ويبدل الراوي بغيره، ليُرَغِبْ فيه المحدثون، كأن يكون الحديث معروفاً عن سالم بن عبد الله، فيجعله عن نافع، أو يبدل الإسناد بإسنادٍ آخر كذلك. =
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مثل ما روى حماد بن عمرو النَّصيبي-الكذاب -عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام" [١] الحديث، فإنه مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم [٢] من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل. وهذا الصنيع يطلق على فاعله أنه يسرق الحديث، إذا قصد إليه وقد يقع هذا غلطا من الراوي الثقة، لاقصداً كما يكون من الوضاعين. مثاله: ما روى إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".
قال إسحق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث؟ فقال: وهِمَ أبو النضر- يعنى جرير بن حازم- إنما كُنّا جميعا في مجلس ثابت، وحجاج بن أبى عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس. فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبى كثير [٣]، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيي [٤].
وقد يقلبُ بعض المحدثين إسناد حديث قصدا لامتحان بعض العلماء لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
البخاري، فيما رواه الخطيب [١] فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة. وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث؟ فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، .... فما زال يلقى عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فَهِمَ الرجل، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة؟ فقال البخاري: لا أعرفه ... فلم يزل يلقي إليه واحد بعد واحد، حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه ثم انتدب إليه الثالث والرابع، إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا والثالث، والرابع، على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، أ. هـ
وهذا العمل محرم أن يقصده العالم به، إلا إن كان يريد به الاختبار. وشرط الجواز- كما قال الحافظ ابن حجر [٢]- أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة.
стр. 200
وَقَدْ نَبَّهَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (١) هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِضَعْفِ سَنَدِ الْحَدِيثِ الْمُعَيَّنِ الْحُكْمُ بِضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ; إِذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ إِسْنَادٌ آخَرُ، إِلَّا أَنْ يَنُصَّ إِمَامٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ «١».
(قلت) (٢): يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المُناظر، وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها، حتى يثبت بطريق أُخرى. والله أعلم.
قال (٣): وتجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ونحو ذلك، إلا في صفات الله ، وفي باب الحلال والحرام. (٤)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر]: من وجد حديثا بإسناد ضعيف فالأحوط أن يقول: "إنه ضعيف بهذا الإسناد" ولا يحكم بضعف المتن- مطلقا من غير تقييد- بمجرد ضعف ذلك الإسناد فقد يكون الحديث واردا بإسناد آخر صحيح إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولاً عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق وإن نشط الباحث عن طرق الحديث، وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة وغلب على ظنه ذلك فإني لا أرى بأسا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقا.
وإنما ذهب ابن الصلاح إلى المنع تقليدا لهم في منع الاجتهاد كما قلنا نحو هذا الكلام على الصحيح فيما مضى ص (***). [شاكر]
стр. 201
قال (١): وممن يرخص في رواية الضعيف - فيما ذكرناه - ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، رحمهما الله.
قال (٢): وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل: " قال ﷺ كذا وكذا "، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضاً «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] من نقل حديثاً صحيحاً بغير إسناده وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلا. "قال رسول الله ﷺ " وَيُقبَحُ جداً أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث لئلا يقع في نفس القارئ والسامع أنه حديث غير صحيح وأما إذا نقل حديثاً ضعيفاً أو حديثاً لا يعلم حاله أصحيح أم ضعيف؟ فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: "روي عنه كذا": أو "بلغنا كذا" وإذا تيقن ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف لئلا يُغتر به القارئ أو السامع ولا يجوز للناقل أن يذكره بصيغة الجزم لأنه يوهِم غيره أن الحديث صحيح خصوصا إذا كان الناقل من علماء الحديث الذين يثق الناس بنقلهم ويظنون أنهم لا يَنْسِبونَ إلى رسول الله ﷺ شيئا لم يجزموا بصحة نسبته إليه وقد وقع في هذا الخطأ كثير من المؤلفين ﵏ وتجاوز عنهم.
وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط.
أولاً: أن يكون الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما.
ثانياً: أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية.
ثالثاً: أن يندرج تحت أصلٍ معمولٌ به.
رابعاً: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط. =
стр. 202
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ (١)
مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ وَبَيَانُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (٢)
الْمَقْبُولُ: الثِّقَةُ الضَّابِطُ لِمَا يَرْوِيهِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ (٣)،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= والذي أراه أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح خصوصاً إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يُرجَعُ إلى قولهم في ذلك وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة بل لا حجه لأحد إلا بما صح عن رسول الله صلى اله عليه وسلم من حديث صحيح أو حسن وأما ما قاله أحمد ابن حنبل وعبد الرحمن ابن مهدي وعبد الله بن المبارك "إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا" فإنما يريدون به - فيما أرجح والله أعلم - أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقراً واضحاً بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط. [شاكر]
стр. 203
سَالِمًا مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ، (حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ (مِنْ حِفْظِهِ) «١»، فَاهِمًا إِنْ حَدَّثَ عَلَى الْمَعْنَى، فَإِنْ اِخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا رُدَّتْ رِوَايَتُهُ. «٢»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] سقطت من الأصل، وزدناها من ابن الصلاح [المقدمه ص ٢٨٨] [شاكر]
«٢» [شاكر] أساس قبول خبر الراوي: أن يوثق به في روايته، ذكرا كان أو أنثى، حراً أو عبداً، فيكون موضعا للثقة به في دينه، بأن يكون عدلاً، وفي روايته بأن يكون ضابطًا.
والعدل: هو المسلم البالغ العاقل، الذي سلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة. على ما حقق في باب الشهادات من كتب الفقه.
إلا أن الرواية تخالف الشهادة في شرط الحرية والذكورة وتعدد الراوي.
وقد كتب العلامة القرافي في "الفروق" فصلاً بديعا للفروق بين الشهادة والرواية (ج ١ ص ٥ - ٢٢ طبعة تونس).
وأما الضبط: فهو إتقان ما يرويه الراوي. بأن يكون متيقظًا لما يروي، غير مغفل، حافظًا لروايته إن روى من حفظه، ضابطًا لكتابه، إن روى من الكتاب، عالماً بمعنى ما يرويه، وبما يحيل المعنى عن المراد، إن روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته. المتتبع لأحواله. بأنه أدى الأمانة كما تحملها، لم يغير منها شيئًا. وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات. فإذا كان الراوي عدلا ضابطًا -بالمعنى =
стр. 204
وَتَثْبُتُ عَدَالَةُ الرَّاوِي) (١) بِاشْتِهَارِهِ بِالْخَيْرِ وَالثَّنَاءِ (الْجَمِيلِ) (٢) عَلَيْهِ، أَوْ بِتَعْدِيلِ الْأَئِمَّةِ، أَوْ اِثْنَيْنِ مِنْهُمْ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ فِي قَوْلٍ «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الذي شرحنا- سمي "ثقة".
ويعرف ضبطه بموافقة الثقات المتقنين الضابطين، إذا اعتبر حديثه بحديثهم. ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة، اختل ضبطه، ولم يحتج بحديثه [شاكر] [١].
«١» [شاكر] هذا في غير من استفاضت عدالتهم. واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم وشاع الثناء عليهم، مثل مالك، والشافعي، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره، وقد سئل أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: "مثل إسحاق يسأل عنه؟ ! ". [٢]، وسئل ابن معين عن أبي عُبيد؟ ! فقال: "مثلي يسأل عن أبي عُبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس" [٣]
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني [٤]: "الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية =
стр. 205
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١) وَتَوَسَّعَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٢)، فَقَالَ كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ
معروف العناية به، فهو عدل، محمول أمره على العدالة، حتى يتبين جرحه، لقوله ﵊: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ". قال: وفيما قاله اتساع غير مرضي. والله أعلم.
" قلت ": لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قوياً، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته «١» والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلا ملتبسا، ومجوزا فيهما العدالة وغيرها". والدليل على ذلك: أن العلم بظهور سرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة" [١] [شاكر].
«١» [شاكر] أشهر طرقه: رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ ، هكذا رواه ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه "الجرح والتعديل"، وابن عدي في مقدمة كتابه "الكامل"، والعقيلي في "الضعفاء" [٢] في ترجمة معان بن رفاعة [٣]، وقال: إنه لا يعرف إلا به. اهـ.
وهذا إما مرسل أو معضل، وإبراهيم الذي أرسله أو أعضله لا يعرف في شيء من العلم غير هذا. قاله أبو الحسن بن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" الواقعين في كتاب "الأحكام" لعبد الحق الإشبيلي [٤]. =
стр. 206
ويُعرفُ ضبط الرَّاوي بموافقةِ الثقاتِ لفظاً أو مَعْنَّى، وعكسُهُ عكسُهُ.
والتعديلُ مقبولٌ، من غير ذكر السبب لأن تعدادَه يَطُول، فَقُبِل إطلاقُه. بخلاف الجَرْح، فإنه لا يقبل إلا مُفَّسَراً، لاختلاف الناس في الأسباب المُفَسِّقَة، فقد يَعْتقدُ الجارِحُ شيئاً مُفَسِّقَاً، فَيُضِّعفُه، ولا يكون كذلك في نَفْسِ الأَمْرِ، أو عند غيره «١»، فلهذا اشترط بيان السبب في الجرح.
قال الشيخ أبو عمرو (١): وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل: " فلان ضعيف "، أو: " متروك "، ونحو ذلك، فإن لم نكتف به انسد باب كبير في ذلك.
وأجاب: بأنا إذا لم نكتف به توقفنا في أمره، لحصول الريبة عندنا بذلك.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وقد روي هذا الحديث متصلا من رواية جماعة من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة. وكلها ضعيفة. لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور والله أعلم. أفاده العراقي في شرح كتاب ابن الصلاح [ص ١٩٣] [شاكر].
«١» [شاكر] من ذلك ما نقل عن بعضهم: أنه قيل له: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه. [١]
ومنها: أنه سئل بعضهم عن حديث لصالح المري، فقال: ما يصنع بصالح؟ ذكروه يوما عند حماد بن سلمة، فامتخط حماد! ! [٢] [شاكر]
стр. 207
" قلت ": أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مُسَلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم واضطلاعهم (١) في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكاً، أو كذاباً أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه (٢) في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم.
ولهذا يقول الشافعي، في كثير من كلامه على الأحاديث: "لا يثبته أهل العلم بالحديث " (٣)، ويرده، ولا يحتج به، بمجرد ذلك «١». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟ فشرط بعضهم لقبولهما ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون الجرح. وقبل بعضهم التعديل من غير ذكر أسبابه. وشرط في الجرح بيان السبب مفصلا وهو الذي اختاره ابن الصلاح [ص ٢٩٠] والنووي [١/ ٣٥٩ - التدريب] وغيرهما، وهو المشتهر عند كثير من أهل العلم.
واعتُرِضَ ابن الصلاح [١] على هذا بكتب الجرح والتعديل، فإنها - في الأغلب- لا يُذكر فيها سبب الجرح، والأخذ بهذا الشرط يسد باب الجرح، وأجاب عن ذلك بأن فائدتها التوقف فيمن جرحوه، فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل، إذا كان
стр. 208
أمَّا إذا تعارض جَرْح وتَعْدِيل، فينبغي أن يكون الجَرح حينئذ مفسَّراً. وهل هو المُقَدَّم؟ أو الترجيح بالكثْرةِ أو الأحفَظِ؟ فيه نزاع مشهور في أصول الفقه وفروعه وعلم الحديث «١». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الجارح أو المعدل عالما بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرًا مرضيا في اعتقاده وأفعاله. قال السيوطي في التدريب [١] (ص ١٢٢): "وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في محاسن الاصطلاح.
واختار شيخ الإسلام - يعني ابن حجر- تفصيلاً حسناً [٢]: فإن كان من جرح مجملا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان، إلا مفسرا، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه، ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قُبل الجرح فيه غير مفسر، إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. [٣]
وقال الذهبي [الموقظة ص ٨٤]، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة. اهـ.
ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمعوا على تركه [٤].
والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعليل والجرح والتعديل، بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها. [شاكر]
«١» [شاكر] إذا اجتمع في الراوي جرح مبين السبب وتعديل، فالجرح =
стр. 209
[والصحيح: أن الجرح مقدم مطلقا إذا كان مفسرا. والله أعلم]. (١)
ويكفي قول الواحد في التعديل والتجريح على الصحيح «١». وأما رواية الثقة عن شيخ: فهل يتضَمَّن تعديله ذلك الشيخ أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال ... " ثالثها": إن كان لا يروي إلا عن ثقة فتوثيق، (وإلا فلا. والصحيح أنه لا يكون توثيقاً له، (حتى يسميه بعينه) (٢)، ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه. (ولو قال: " حدثني الثقة " «٢»، لا يكون ذلك توثيقاً له على الصحيح) (٣)، لأنه قد يكون ثقة عنده، لا عند غيره) (٤)، وهذا واضح. ولله الحمد (٥).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مقدم، وإن كثر عدد المعدلين، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه. وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسنت حاله، أو إذا ذكر الجارح سبباً معيناً للجرح، فنفاه المعدل بما يدل يقينا على بطلان السبب. قاله السيوطي في التدريب [١]. [شاكر]
«١» [شاكر] وحكى الخطيب في الكفاية [١/ ٣٠٨]: أن القاضي أبا بكر الباقلاني حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم: أنه لا يقبل في التزكية إلا اثنان، سواء كانت للشهادة أو للرواية. اهـ. عراقي. [شاكر]
«٢» [شاكر] يريد بهذا أن الراوي لا بد أن يسمي شيخه ويصفه بأنه ثقة، حتى يكون معينا، أما إذا قال: "حدثني الثقة" فقط، فإنه من باب الراوي المبهم [شاكر].
стр. 210
قال (١): وكذلك فُتيا العاِلمِ أو عمَلِهِ على وِفق حديث، لا يستلزم تصحيحه له.
" قلت ": وفي هذا نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه «١».
قال ابن الحاجب (٢): وحكم الحاكم المشتَرِطِ العدالةِ تعديلٌ باتفاق (٣).
وأما إعراضُ العالِمِ عن الحديث المعين بعد العِلْمِ به، فليس قادحاً في الحديث باتفاق، لأنه قد يَعْدِلُ عنه لمعارِضٍ أرجح عنده، مع اعتقاد صحته.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] تعقبه العراقي في شرح ابن الصلاح [ص ١٤٤] فقال: "لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ثمَّ دليل آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته. بل ولا بعضَها، ولعل له دليلاً آخر، واستأنس بالحديث الوارد في الباب. وربما كان المفتي أو الحاكم يرى العمل بالضعيف إذا لم يَرِدْ في الباب غيره، وتقديمه على القياس. كما تقدم حكاية ذلك عن أبي داود: أنه كان يرى الحديث الضعيف، إذا لم يرد في الباب غيره، أولى من رأي الرجال .. وكما حُكي عن الإمام أحمد أنه يقدم الحديث الضعيف على القياس. وحمل بعضهم هذا على أنه أريد بالضعيف هنا الحديثُ الحسنُ والله أعلم. [شاكر]
стр. 211
[مَسَائِلُ]
" مسألة ": مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تقبل روايته عند الجماهير.
ومن جهلت عدالته باطناً، ولكنه عدلٌ في الظاهر، وهو المستور: فقد قال بقبوله بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح (١). وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات. والله أعلم.
فأما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولا تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه.
ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن (٢). وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير. والله أعلم (٣).
стр. 212
قال الخطيب البغدادي (١) وغيره: وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه.
قال الخطيب (٢): لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. أ. هـ
وعلى هذا النمط «١» مشى ابن حبان وغيره: بأن حَكم له بالعدالة بمجرد هذه الحالة، والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قوله: "وعلى هذا النمط" أي التعديل برواية عدلين عنه. [شاكر]
стр. 213
قالوا: فأما من لم يرو عنه سوى واحد، مثل: عمرو ذي مُر «١» وجَبّارُ الطائيُّ «٢»، وسعيد بن ذي حُدّان «٣»، تفرد بالرواية عنهم أبو إسحاق السبيعي.
وجُري (١) بن كليب «٤»، تفرد عنه قتادة.
قال الخطيب (٢): والهزهاز ابن ميزن «٥»، تفرد عنه الشعبي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هو عمرو [١] ذو مر الهمداني التابعي، روى عن علي بن أبي طالب. وحديثه عنه في مسند أحمد، بتحقيقنا برقم ٩٥١ [شاكر].
«٢» [شاكر] هو تابعي روى عن ابن عباس. وله ترجمة في التاريخ الكبير للبخاري (ج ١ ق ٢، ص ٢٥٠، ولسان الميزان ٢/ ٩٤). [شاكر]
«٣» [شاكر] سعيد بن ذي حُدّان، بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين: تابعي ثقة [٢]، روى عن سهل بن حنيف، وقيل عن علي أيضًا، ولكن الصحيح أن بينه وبين علي راوياً مبهماً. انظر المسند رقم ٦٩٦، ٦٩٧، ١٠٣٤ [شاكر].
«٤» [شاكر] جُريُّ، بضم الجيم. وهو تابعي ثقة [٣]. روى عن علي بن أبي طالب، وحديثه في مسند الإمام أحمد برقم ٦٣٣، ٧٩١، ١٠٤٨. [شاكر]
«٥» [شاكر] اختلف في روايته عن علي، وبعضهم يقول: عن رجل عن =
стр. 214
قال ابن الصلاح (١): وروى عنه الثوري.
وقال ابن الصلاح (٢): وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي (٣)، ولم يرو عنه سوى قيس بن أبي حازم، ومسلم لربيعة بن كعب (٤)، ولم يرو عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= علي. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (ج ٤ ق ٢ ص ٢٥٠ - ٢٥١)، وقد ذكر أنه روى عن الثوري أيضًا [شاكر].
«١» [شاكر] [١] تبع المصنف هنا ابن الصلاح، وكذلك تبعه النووي، وابن الصلاح تبع الحاكم، والحاكم تبع مسلماً في كتاب الوحدان.
قال العراقي: وليس ذلك بجيد، فقد روى عن ربيعة أيضًا نُعيم بن عبد الله المجمر، وحنظلة بن علي وأبو عمران الجوني.
قال: وأما مرداس، فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في التهذيب أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة، وتبعه عليه الذهبي في "مختصره"! وهو وهم منهما، فإن =
стр. 215
قال: وذلك مصير منهما إلى ارتفاع الجهالة برواية واحد. وذلك متجه، كالخلاف في الاكتفاء بواحد في التعديل.
" قلت ": توجيه جيد. لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك برواية (الواحد فقط) (١)، لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابي لا تضر، بخلاف غيره (٢). والله أعلم.
مسألة (٣): المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال
في رد روايته. وإذا لم يكفر،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الذي روى عنه زياد بن علاقة إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي. وهذا ما لا أعلم فيه خلافا .. : قال: وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر من يقف على كلام المزي بذلك لجلالته. والله أعلم. اهـ. كلام العراقي ملخصًا. [شاكر]