[مَسَائِلُ]
" مسألة ": مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تقبل روايته عند الجماهير.
ومن جهلت عدالته باطناً، ولكنه عدلٌ في الظاهر، وهو المستور: فقد قال بقبوله بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح (١). وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات. والله أعلم.
فأما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولا تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه.
ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن (٢). وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير. والله أعلم (٣).
стр. 212
قال الخطيب البغدادي (١) وغيره: وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه.
قال الخطيب (٢): لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. أ. هـ
وعلى هذا النمط «١» مشى ابن حبان وغيره: بأن حَكم له بالعدالة بمجرد هذه الحالة، والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قوله: "وعلى هذا النمط" أي التعديل برواية عدلين عنه. [شاكر]
стр. 213
قالوا: فأما من لم يرو عنه سوى واحد، مثل: عمرو ذي مُر «١» وجَبّارُ الطائيُّ «٢»، وسعيد بن ذي حُدّان «٣»، تفرد بالرواية عنهم أبو إسحاق السبيعي.
وجُري (١) بن كليب «٤»، تفرد عنه قتادة.
قال الخطيب (٢): والهزهاز ابن ميزن «٥»، تفرد عنه الشعبي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هو عمرو [١] ذو مر الهمداني التابعي، روى عن علي بن أبي طالب. وحديثه عنه في مسند أحمد، بتحقيقنا برقم ٩٥١ [شاكر].
«٢» [شاكر] هو تابعي روى عن ابن عباس. وله ترجمة في التاريخ الكبير للبخاري (ج ١ ق ٢، ص ٢٥٠، ولسان الميزان ٢/ ٩٤). [شاكر]
«٣» [شاكر] سعيد بن ذي حُدّان، بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين: تابعي ثقة [٢]، روى عن سهل بن حنيف، وقيل عن علي أيضًا، ولكن الصحيح أن بينه وبين علي راوياً مبهماً. انظر المسند رقم ٦٩٦، ٦٩٧، ١٠٣٤ [شاكر].
«٤» [شاكر] جُريُّ، بضم الجيم. وهو تابعي ثقة [٣]. روى عن علي بن أبي طالب، وحديثه في مسند الإمام أحمد برقم ٦٣٣، ٧٩١، ١٠٤٨. [شاكر]
«٥» [شاكر] اختلف في روايته عن علي، وبعضهم يقول: عن رجل عن =
стр. 214
قال ابن الصلاح (١): وروى عنه الثوري.
وقال ابن الصلاح (٢): وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي (٣)، ولم يرو عنه سوى قيس بن أبي حازم، ومسلم لربيعة بن كعب (٤)، ولم يرو عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= علي. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (ج ٤ ق ٢ ص ٢٥٠ - ٢٥١)، وقد ذكر أنه روى عن الثوري أيضًا [شاكر].
«١» [شاكر] [١] تبع المصنف هنا ابن الصلاح، وكذلك تبعه النووي، وابن الصلاح تبع الحاكم، والحاكم تبع مسلماً في كتاب الوحدان.
قال العراقي: وليس ذلك بجيد، فقد روى عن ربيعة أيضًا نُعيم بن عبد الله المجمر، وحنظلة بن علي وأبو عمران الجوني.
قال: وأما مرداس، فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في التهذيب أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة، وتبعه عليه الذهبي في "مختصره"! وهو وهم منهما، فإن =
стр. 215
قال: وذلك مصير منهما إلى ارتفاع الجهالة برواية واحد. وذلك متجه، كالخلاف في الاكتفاء بواحد في التعديل.
" قلت ": توجيه جيد. لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك برواية (الواحد فقط) (١)، لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابي لا تضر، بخلاف غيره (٢). والله أعلم.
مسألة (٣): المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال
في رد روايته. وإذا لم يكفر،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الذي روى عنه زياد بن علاقة إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي. وهذا ما لا أعلم فيه خلافا .. : قال: وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر من يقف على كلام المزي بذلك لجلالته. والله أعلم. اهـ. كلام العراقي ملخصًا. [شاكر]
стр. 216
فإن استحل الكذب رُدت أيضاً، وإن لم يستحل الكذب، فهل يقبل أو لا (١)؟ يُفَرَّق بين كونه داعية أو غير داعية؟ في ذلك نزاع قديم وحديث.
والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره (٢).
وقد حكي عن نص الشافعي، وقد حَكَى ابن حبان عليه الاتفاق، فقال (٣): لا يجوز الاحتجاج به «١» عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافاً.
قال ابن الصلاح (٤): وهذا أعدل الأقوال وأولاها. والقول بالمنع
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] يعني المبتدع الذي يدعو إلى بدعته. [شاكر]
стр. 217
مطلقاً بعيد، مباعِد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة عن المبتدعة غير الدعاة، ففي الصحيحين من حديثهم في الشواهد والأصول كثير. والله أعلم.
" قلت ": وقد قال الشافعي (١): أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون «١» الشهادة بالزور لموافقيهم.
فلم يفرق الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره، ثم ما الفرق في المعنى بينهما؟ وهذا البخاري قد خرج لعمران بن حطان (٢) الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي (٣)، وهذا من أكبر الدعاة إلى البدعة «٢»! والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في الأصل "لا يرون" بالنفي، وهو خطأ، ففي، ابن الصلاح [١] والتدريب [٢]: "يرون" بالإثبات، وهو الصحيح، فلذا صححنا ما هنا على الإثبات. [شاكر]
«٢» [شاكر] أهل البدع والأهواء، إذا كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القائل بها، لا تقبل روايتهم بالاتفاق، فيما حكاه النووي ورد عليه السيوطي في التدريب دعوى الاتفاق ونقل قولا آخر بأنها تقبل روايتهم مطلقا، وقولا آخر بأنها تقبل إن اعتقد حرمة الكذب ثم نقل عن الحافظ ابن حجر [٣] أنه قال: "التحقيق أنه =
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.
والمعتمد: أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواترا من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه. وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله".
وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح.
وأما من كانت بدعته لا توجب الكفر، فإن بعضهم لم يقبل روايته مطلقا، وهو غلو من غير دليل، وبعضهم قبل روايته إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروي هذا القول عن الشافعي، فإنه قال: "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم". وقال أيضًا "ما رأيت في أهل الأهواء قوما أشهد بالزور من الرافضة". وهذا القيد - أعني عدم استحلال الكذب- لا أرى داعيا له لأنه قيد معروف بالضرورة في كل راو، فإنا لا نقبل رواية الرواي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة، فأولى أن نرد رواية من يستحل الكذب أو شهادة الزور [١].
وقال بعضهم [٢]: تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إن كان داعية، ورجح النووي هذا القول، وقال: "هو الأظهر الأعدل، وقول: الكثير أو الأكثر".
وقيد الحافظ أبو إسحاق الجوزجاني [أحوال الرجال ص ٣٢]- شيخ =
стр. 219
[مَسَائِلُ] (١)
"مَسْأَلَةٌ":
التَّائِبُ مِنَ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= أبي داود والنسائي- هذا القول بقبول روايته إذا لم يرو ما يقوي بدعته.
وهذه الأقوال كلها نظرية. والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه. والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان، ـ وإن رووا ما يوافق رأيهم ـ، ويرى كثيرا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه ولذلك قال الحافظ الذهبي في الميزان (ج ١ ص ٤) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: "شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته"، ونقل توثيقه عن أحمد وغيره، ثم قال: "فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلا وهو صاحب بدعة؟ وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى، كغلو التشيع، أو التشيع بلا غلو ولا تحرق، فهذا كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ ! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا ﵃، وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مفتر".
والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى- هو التحقيق، المنطبق على أصول الرواية. والله أعلم [شاكر].
стр. 220
الصَّيْرَفِيِّ «١» (١).
فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ كَذَبَ فِي الْحَدِيثِ مُتَعَمِّدًا، فَنَقَلَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٢) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْحُمَيْدِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا.
وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ (٣): مَنْ كَذَبَ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إِسْقَاطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ «٢».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث [١] (ص ١٢٨): "وأطلق الإمام أبو بكر الصيرفي الشافعي، فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي، فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر. ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، وذكر أنه مما افترقت فيه الرواية والشهادة".
قال العراقي في شرحه [ص ١٥١]: "والظاهر أن الصيرفي أطلق الكذب، وإنما أراد في الحديث، بدليل قوله: "من أهل النقل"، وقد قيده بالمحدث، فيما رأيته في كتابه المسمى بالدلائل والإعلام، فقال وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول: تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك ". [شاكر]
«٢» [شاكر] الراوي المجروح بالفسق، إذا تاب عن فسقه وعرفت عدالته بعد التوبة، تقبل روايته بعدها، وهذا على إطلاقه في كل المعاصي، ما عدا الكذب في رواية الحديث، فإن أحمد بن حنبل وأبا بكر الحميدي وأبا بكر الصيرفي قالوا: لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، وإن تاب عن الكذب بعد ذلك. =
стр. 221
(قُلْتُ) وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَفَّرَ مُتَعَمِّدَ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ (١)، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَتِّمُ قَتْلَهُ، وَقَدْ حَرَّرْتُ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قال الصيرفي: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر".
وقال أبو المظفر السمعاني: "من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه".
ورد النووي هذا، فقال في شرح مسلم [١/ ٧٠]: "المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته، كشهادته، كالكافر إذا أسلم".
والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه، تغليظاً وزجرًا بليغاً عن الكذب على رسول الله ﷺ ، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمرًّا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب في الرواية على الكذب في الشهادة أو في غيرها ولا على أنواع المعاصي الأخرى.
قال في التدريب [١]: "وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني: فذكروا في باب اللعان: أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد ذلك، لبقاء ثُلمة عرضه. فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدًا. وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحدًا من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف.
وكذلك نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روي من حديثه، فوجب إسقاط الكل. وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدًا تنبه لما حررته ولله الحمد". [شاكر]
стр. 222
وَأَمَّا مَنْ غَلِطَ فِي حَدِيثٍ فَبُيِّنَ لَهُ الصَّوَابُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فَقَالَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْحُمَيْدِيُّ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَيْضًا، وَتَوَسَّطَ بَعْضُهُمْ «١»، فَقَالَ إِنْ كَانَ عَدَمُ رُجُوعِهِ إِلَى الصَّوَابِ عِنَادًا، فَهَذَا يَلْتَحِقُ بِمَنْ كَذَبَ عَمْدًا، وَإِلَّا فَلَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ «٢».
وَمِنْ هَاهُنَا يَنْبَغِي التَّحَرُّزُ مِنَ الْكَذِبِ كُلَّمَا أَمْكَنَ، فَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ، وَيَجْتَنِبُ الشَّوَاذَّ وَالْمُنْكَرَاتِ، فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يوسف (١): من تتبع غرائب الحديث كذب، وفي الأثر (٢): " كفا بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ".
"مسألة":
إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح (٣) أنه لا تقبل روايته عنه، لجزمه بإنكاره، ولا يقدح
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هو ابن حبان، كما نقله العراقي. وهو اختيار ابن الصلاح [شاكر]
«٢» [شاكر] قال العراقي [التقييد ص ١٥٧]: "قيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون الذي بين له غلطه عالما عند المبين له. أما إذا لم يكن بهذه المثابة عنده فلا حرج إذن".
وهذا القيد صحيح، لأن الراوي لا يلزم بالرجوع عن روايته إن لم يثق بأن من زعم أنه أخطأ فيها أعرف منه بهذه الرواية التي يخطئه فيها. وهذا واضح. [شاكر]
стр. 223
ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية.
(كحديث سليمان بن موسى عن الزهري) عن عروة عن عائشة: " أيما امرأة نكحت «١» (بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (١) " (٢).
قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه.
وكحديث ربيعة عن «٢» سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: " قضى بالشاهد واليمين " (٣). ثم نسي سهيل، لآفة حصلت له فكان يقول: حدثني ربيعة عني.
"قلت": هذا أولى بالقبول من الأول. وقد جمع الخطيب البغدادي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في الأصل: نكحت نفسها وهو خطأ ومخالف للرواية. [شاكر]
«٢» في "ح": بن، [شاكر] كان في الأصل: "ربيعة بن سهيل عن أبي صالح عن أبيه" إلخ.
وهو غلط بَيِّنٌ، كما يعلم من كتب الرجال والحديث، فلذلك صححناه "ربيعة" يعني ابن أبي عبد الرحمن الملقب بالرأي، "عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه". [شاكر]
стр. 224
كتاباً في "من حدث بحديث ثم نسي" «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] إذا روى ثقة عن ثقة آخر حديثا، فنفاه المروي عنه، وجزم بأنه لم يحدث بهذا الحديث، بأن قال: "ما رويته"، أو "كذب عليّ"، أو نحو ذلك، وجب رده في الأصح ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه، ولا يثبت جرحه قال في التدريب [١] (ص ١٢٣): لأنه أيضًا مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من قبول الآخر، فتساقطا، فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه، فهو مقبول. صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما"
وهذا الذي رجحه لا أراه راجحا، بل الراجح قبول الحديث مطلقًا، إذ إن الراوي عن الشيخ ثقة ضابط لروايته، فهو مثبت، والشيخ وإن كان ثقة إلا أنه ينفي هذه الرواية، والمثبت مقدم على النافي، وكل إنسان عرضة للنسيان والسهو، وقد يثق الإنسان بذاكرته ويطمئن إلى أنه فعل الشيء جازمًا بذلك، أو إلى أنه لم يفعله مؤكدًا لجزمه _: وهو في الحالين ساه ناس.
وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء، واختاره السمعاني، وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي [٢] الإجماع عليه. كما نقل ذلك السيوطي في التدريب [٣]، ثم قال: "ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. قال عمرو بن دينار ثم ذكرته لأبي معبد بعد، فقال: لم أحدثك، قال عمرو: قد حدثتنيه! قال الشافعي [٤]: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه. والحديث أخرجه البخاري (٨٤٢) من حديث ابن عيينة".
وأما إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه الثقة به، بل نسيه فقط، بأن قال: "لا أعرفه" =
стр. 225
"مسألة":
ومن أخذ على التحديث أجرة: هل تقبل روايته أم لا؟ روي عن أحمد، وإسحاق، وأبي حاتم: أنه لا يكتب عنه، لما فيه من خرم المروءة. وترخص فيه أبو نعيم الفضل بن دكين وعلي بن عبد العزيز وآخرون، كما تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ثبت في صحيح
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= أو "لا أذكره" أو نحو ذلك: فإنه أولى بالقبول، ولا يرد بذلك، وجاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من أهل الحديث والفقه والكلام، خلافا لبعض الحنفية.
ومثال ذلك ما رواه أبو داود (٣٦١١)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن ماجه (٢٣٦٨) من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"، زاد أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: حدثني ربيعة - وهو عندي ثقة- أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه،
ورواه أبو داود (٣٦١٣) أيضًا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. نقله في التدريب.
قال ابن الصلاح في علوم الحديث [١] (ص ١٤٠): "وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدّثوا بها عمن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا. وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب: "أخبار من حدث ونسي". [شاكر]
стр. 226
البخاري (١): " إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ". وقد أفتى الشيخ أبو إسحاق (الشيرازي) (٢) فقيه العراق ببغداد لأبي الحسين بن النقور (٣) (بأخذ الأجرة) (٤)، لشغل المحدثين له عن التكسب لعياله (٥).
" مسألة ":
قال الخطيب البغدادي (٦): أعلى العبارات في التعديل والتجريح أن يقال " حجة " أو " ثقة "، وأدناها أن يقال: " كذاب ".
" قلت ": وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ يَعْسُرُ ضَبْطُهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (٧) عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهَا. «١»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] ذكر الحافظ في خطبة تقريب التهذيب مراتب الجرح، والتعديل، فجعلها اثنتي عشرة مرتبة:
١ - الأولي: الصحابة. =
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
=
٢ - من أكد مدحه بأفعل، كأوثق الناس. أو بتكرار الصفة لفظا، كثقة ثقة، أو معنى، كثقة حافظ.
٣ - من أفرد بصفة: كثقة، أو متقن، أو ثبت.
٤ - من قصر عمن قبله قليلا، كصدوق أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
٥ - من قصر عن ذلك قليلا، كصدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأَخَرَةٍ. ويلتحق بذلك من رمي بنوع بدعة، كالتشيع والقدر والنصب والإرجاء والتجهم.
٦ - من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، ويشار إليه بمقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
٧ - من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، ويشار إليه بمستور، أو مجهول الحال.
٨ - من لم يوجد فيه توثيق معتبر، وجاء فيه تضعيف وإن لم يبين، والإشارة إليه: ضعيف.
٩ - من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، ويقال فيه: مجهول.
١٠ - من لم يوثق البتة وضعف مع ذلك بقادح. ويقال فيه: متروك، أو متروك الحديث: أو واهي الحديث، أو ساقط.
١١ - من اتهم بالكذب ويقال فيه: متهم، ومتهم بالكذب.
١٢ - من أطلق عليه اسم الكذب والوضع، ككذاب، أو وضاع، أو يضع، أو ما أكذبه. ونحوها اهـ. ملخصًا مع تحوير قليل.
والدرجات من بعد الصحابة: فما كان من الثانية والثالثة، فحديثه صحيح من الدرجات الأولى، وغالبه في الصحيحين. وما كان من الدرجة الرابعة فحديثه صحيح من الدرجة الثانية، وهو الذي يحسنه الترمذي، ويسكت عليه أبو داود. وما بعدها فمن المردود، إلا إذا تعددت طرقه مما كان من الدرجة الخامسة والسادسة، فيتقوى ذلك ويصير حسنا لغيره. وما كان من السابعة إلى آخرها فضعيف على =
стр. 228
وَثَمَّ اِصْطِلَاحَاتٌ لِأَشْخَاصٍ، يَنْبَغِي التَّوْقِيفُ عَلَيْهَا.
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا قَالَ، فِي الرَّجُلِ "سَكَتُوا عَنْهُ" أَوْ "فِيهِ نَظَرٌ" فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي أَدْنَى الْمَنَازِلِ وَأَرْدَئِهَا عِنْدَهُ، وَلَكِنَّهُ لَطِيفُ الْعِبَارَةِ فِي التَّجْرِيحِ، فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ «١» (١).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= اختلاف درجات الضعف. من المنكر إلى الموضوع [١]. [شاكر]
«١» [شاكر] وكذلك قوله: "منكر الحديث". فإنه يريد به الكذابين. ففي الميزان للذهبي (ج ١ ص ٥": (نقل ابن القطان: أن البخاري قال: كل من قلت فيه. منكر الحديث: فلا تحل الرواية عنه". [شاكر]
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَقَدْ فُقِدَتْ شُرُوطُ الْأَهْلِيَّةِ فِي غَالِبِ أَهْلِ زَمَانِنَا، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُرَاعَاةُ اِتِّصَالِ السِّلْسِلَةِ فِي الْإِسْنَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ [الشيخ] (٢) مَشْهُورًا بِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا عَنْ ضَبْطِ سَمَاعِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا الشَّأْنِ «١»
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] الشروط السابقة في عدالة الراوي إنما تراعى بالدقة في المتقدمين. وأما المتأخرون - بعد سنة ثلاثمائة تقريبا- فيكفي أن يكون الراوي مسلما بالغا عاقلاً، غير متظاهر بفسق أو بما يخل بمروءته، وأن يكون سماعه ثابتا بخط ثقة غير متهم، وبرواية من أصل صحيح موافق شيخه؛ لأن المقصود بقاء سلسلة الإسناد. وإلا فإن الروايات استقرت في الكتب المعروفة، وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط.
قال الحافظ البيهقي: "توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا، الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه. ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خُصت بها هذه الأمة، شرفا لنبينا ﷺ ".
وقال الذهبي في الميزان [١/ ٤]: ليس العمدة في زماننا على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عُرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم مِن المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره، فالعبرة في رواية المتأخرين على الكتب والأصول الصحيحة التي اشتهرت بنسبتها إلى مؤلفيها، بل تواتر بعضها إليهم. وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى بيان. [شاكر]
وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ بِسِنِّ التَّمْيِيزِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالْحِمَارِ (١)، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَنْبَغِي السَّمَاعُ إِلَّا بَعْدَ الْعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ بَعْضُ عَشْرٌ، وَقَالَ آخَرُونَ ثَلَاثُونَ (٢)، وَالْمَدَارُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى التَّمْيِيزِ، فمتى كان الصبي يعقل كتب له سماع (٣).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (٤): وَبَلَغَنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ صَبِيًّا «١» اِبْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] اختلفوا في السن التي يصح فيه الصبي للرواية: فنقل القاضي عياض: أن أهل الحديث حددوا أن أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس =
стр. 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
سنين. قال ابن الصلاح: [١] "وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث"، واحتجوا بما رواه البخاري عن محمود بن الربيع قال: "عقلت من النبي صلي الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين. "
قال النووي وابن الصلاح [٢] "والصواب اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزاً صحيح السماع، وإن لم يبلغ خمساً، وإلا فلا". وهذا ظاهر. ولا حجة فيما احتجوا به من رواية محمود بن الربيع، لأن الناس يختلفون في قوة الذاكرة،
ولعل غير محمود بن الربيع لا يذكر ما حصل له وهو ابن عشر سنين، وأيضا فان ذكره مجة وهو ابن خمس سنين لا يدل علي أنه يذكر كُلَّ ما رأي أو سمع، والحق أن العبرة في هذا بأن يميز الصبي ما يراه ويسمعه، وأن يفهم الخطاب ويرد الجواب. وعلى هذا يحمل ما روي عن موسى بن هارون الحمّال، فإنه سئل: "متى يسمع الصبي الحديث؟ " فقال "إذا فرّق بين البقرة والحمار". وكذلك ما روي عن أحمد بن حنبل فإنه سئل عن ذلك؟ فقال "إذا عقل وضبط"، فذُكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنه؟ فأنكر قوله هذا وقال: بئس القول! فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما [٣]؟ ! "
هذا في السماع والرواية. وأما كتابة الحديث وضبطه، فإنه لا اختصاص لهما بزمن معين، بل العبرة فيهما باستعداده وتأهُّله لذلك، وذهب السيوطي إلى أن تقديم الإشتغال بالفقه على كتابة الحديث أسدّ وأحسن، وهو كما قال في تعلم مبادئ الفقه، لا في التوسع فيه فإن الإشتغال بالحديث والتوسع فيه - بعد تعلم مبادئ الفقه - يقوي ملكة التفقه في الكتاب والسنة في طالب العلم ويضعه على الجادة المستقيمة في استنباط الأحكام منهما، وينزع من قلبه التعصب للأراء والأهواء. وعندي أنه ينبغي لطالب العلم المشتغل بالحديث أن يكثر من درس الأدب واللغة، حتى يحسن فقه الحديث وهو كلام أفصح العرب وأقومهم لسانا - صلي الله عليه وسلم. [شاكر]
стр. 234
وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ يَبْكِي (١).
وَأَنْوَاعُ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ ثَمَانِيَةٌ (٢):
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: السَّمَاعُ
وتارة (٣) يكون من لفظ المسمع حفظاً، أو من كتاب. قال القاضي عياض (٤): فلا خلاف حينئذ أن يقول (٥) السامع: "حدثنا" أو "أخبرنا"، و "أنبأنا": و "سمعت" (٦)، و "قال لنا" (٧)، و "ذكر لنا فلان".
وقال الخطيب (٨): أرفع العبارات "سمعت" ثم "حدثنا"، و "حدثني"، قال: وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما سمعوه من الشيخ إلا بقولهم "أخبرنا"، ومنهم حماد بن سلمة، وابن المبارك، وهشيم بن بشير، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون (٩).
قال ابن الصلاح (١٠): وينبغي أن يكون "حدثنا" و "أخبرنا" أعلى من
стр. 235
"سمعت"، لأنه قد لا يقصده بالإسماع، بخلاف ذلك. والله أعلم (١).
"حاشية" قلت: بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا أن يقول: "حدثني"، فإنه إذا قال "حدثنا" أو "أخبرنا"، قد لا يكون قصده الشيخ بذلك أيضاً، لاحتمال أن يكون في جمع كثير. والله أعلم.) (٢)
الثاني:
القراءة على الشيخ حفظاً أو من كتاب (٣): هو "العرض" عند الجمهور. والرواية بها سائغة عند العلماء، إلا عند شُذاذ (٤) لا يعتد بخلافهم «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال في التدريب [١]: "إن ثبت عنه، وهو أبو عاصم النبيل، رواه الرامهرمزي [ص ٤٢٠ - المحدث الفاصل] عنه". وروى الخطيب عن وكيع قال: ما أخذت حديثا قط عرضاً [٢].
وعن محمد بن سلام: أنه أدرك مالكا والناس يقرؤون عليه، فلم يسمع منه لذلك [٣]. وكذلك عبد الرحمن بن سلام الجمحي، لم يكتف بذلك، فقال مالك: =
стр. 236
ومستند العلماء حديث ضمام بن ثعلبة، وهو في الصحيح (١). وهي دون السماع من لفظ الشيخ.
وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب (٢): أنها أقوى.
وقيل: هما سواء، ويُعزى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة، وإلى مالك أيضاً وأشياخه من أهل المدينة، وإلى اختيار البخاري (٣).
والصحيح الأول، وعليه علماء المشرق «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= أخرجوه عني. (ص ١٣١) [١] [شاكر]
«١» [شاكر] القراءة على الشيخ تسمى عندهم "عرضا"، وهي جائزة في الرواية، سواء في ذلك أكان الراوي يقرأ من حفظه، أم من كتابه، أم سمع غيره يقرأ كذلك على الشيخ بشرط أن يكون الشيخ حافظًا لما يقرأ عليه، أو يقابل علي أصله =
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الصحيح، أو يكون الأصل بيد القارئ، أو بيد أحد المستمعين الثقات.
قال الحافظ العراقي [١]: "وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قُرئ وهو مستمع غير غافل، فذلك كاف أيضًا". نقله السيوطي في التدريب [٢] وأقره. وهو عندي غير متجه، لأنه إذا كان الشيخ غير حافظ لروايته ولا يقابل هو أو غيره على أصله الصحيح، وكان المرجع إلى الثقة بحفظ أحد السامعين: كانت الرواية في الحقيقة عن هذا السامع الحافظ. وليست عن الشيخ المسموع منه. وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان.
وقال الحافظ ابن حجر [٣] في باقي الصور: "ينبغي ترجيح الإمساك - أي إمساك الأصل- في الصور كلها على الحفظ، لأنه خوَّان".
والرواية عن الشيخ قراءة عليه: "رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك، إلا ما حُكي عن بعض من لا يعتد به" كما قال النووي [التقريب مع التدريب ١/ ٤٢٥].
وممن خالف في ذلك وكيع، قال: "ما أخذت حديثا عرضا قطُّ".
وحكى في التدريب [٤] (ص ١٣١) القول بصحتها عن كثير من الصحابة والتابعين ثم قال: "ومن الأئمة -يعني القائلين بالصحة- ابن جُرَيْج، والثوري، وابن أبي ذئب، وشُعْبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشَرِيك، والليث، وأبو عُبيد، والبخاري، في خلق لا يُحْصَوْنَ كثرةً. وروى الخطيب [٥] عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تَدَعُونَ تَنَطُّعكم يا أهل العراق، العرض مثل السماع! ،
واستدل الحُمَيْدِي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة، لما أتى النبي ﷺ فقال له: إني سائلك فمشدِّد عليك، ثم قال: أسألك بربك ورب مَنْ قبلك، آلله أرسلك؟ الحديث [٦]، في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال: آمنت =
стр. 238
فإذا حدث بها يقول "قرأت" أو "قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به" أو "حدثنا" أو "أخبرنا قراءة عليه" (١).
وهذا واضح، فإن أطلق ذلك جاز عند مالك، والبخاري، ويحيى بن سعيد القطان، والزهري، وسفيان بن عيينة، ومعظم الحجازيين والكوفيين) (٢)، حتى إن منهم من سوغ "سمعت" أيضاً، ومنع من ذلك أحمد، والنسائي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه، فأبلغهم، فأجازوه، أي قَبلوه منه وأسلموا. وأسند البيهقي في المَدْخَل [١] عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحدَّاد [٢]: عندي خبرٌ عن النبي ﷺ في القراءة على العالم، فقيل له، قال: قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم"
وقد عقد البخاري لذلك باباً في صحيحه في كتاب العلم، وهو "باب القراءة والعرض على المحدث".
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح [٣] (ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٨ طبعة بولاق": وقد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزئ، وإنما كان يقوله بعض المتشددين من أهل العراق". [شاكر]
стр. 239
والثالث «١»: أن يجوز "أخبرنا" ولا يجوز "حدثنا" وبه قال الشافعي، ومسلم، والنسائي أيضاً، وجمهور المشارقة، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين (١). وقد قيل: إن أول من فرق بينهما ابن وهب.
قال الشيخ أبو عمرو (٢): وقد سبقه إلى ذلك ابن جريج؛ والأوزاعي، قال: وهو الشائع الغالب على أهل الحديث «٢».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] يعني القول الثالث في الرواية بالقراءة على الشيخ، وبماذا يعبر الراوي عنها عند الرواية. [شاكر]
«٢» [شاكر] الراوي إذا قرأ على شيخه وأراد أن يروي عنه، فلا يجوز له أبدًا على الصحيح المختار- أن يقول "سمعت" لأنه لم يسمع من شيخه، فيكون غير صادق في قوله هذا وإنما الأحسن أن يقول: "قرأت على فلان وهو يسمع". إن كان قرأ بنفسه، أو: "قرئ على فلان وهو يسمع وأنا أسمع" إن كان القارئ غيره، أو نحو هذا مما يؤدي هذا المعنى. وله أيضًا أن يقول: "حدثنا فلان بقراءتي عليه"، أو "قراءة عليه" و "أخبرنا" كذلك. واختلف في جواز الرواية في هذا بقوله "حدثنا" أو "أخبرنا" بالإطلاق - من غير أن يصرح بالقراءة على المروي عنه - فمنعه بعضهم، وأجازه آخرون، بل حكاه القاضي عياض عن الأكثرين.
والصحيح المختار عند المتأخرين من الحفاظ إجازة قوله: "أخبرنا"، ومنع قوله: "حدثنا" وممن كان يقول به النسائي، وهو مروي عن أبي جريج والأوزاعي، وأول من فعله بمصر عبد الله بن وهب.
قال ابن الصلاح [١] (ص ١٤٣ - ١٤٤): "الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب =
стр. 240
"فرع": إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك، فجيد قوي، وإن لم يحفظ والنسخة بيد موثوق به، فكذلك؛ على الصحيح المختار الراجح، ومنع من ذلك مانعون (١)، وهو عسر. فإن لم تكن
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف. وخير ما يقال فيه: إنه اصطلاح منهم، أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خُصص النوع الأول بقول: "حدثنا" لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. والله أعلم.
ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب: ما حكاه الحافظ أبو بكر البر قاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي - أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان- أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفِرَبري صحيح البخاري. وكان يقول له في كل حديث: "حدثكم الفربري" فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه. فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله، وقال له في جميعه "أخبركم الفربري" [١]. والله أعلم. وهذا تكلف شديد من أبي حاتم الهروي ﵀ [شاكر].
стр. 241
نسخة إلا التي بيد القارئ وهو موثوق به فصحيح أيضاً (١).
"فرع": ولا يشترط أن يقر (٢) الشيخ بما قُرئ عليه نطقاً، بل يكفي سكوته وإقراره عليه، عند الجمهور. وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم: لا بد من استنطاقه بذلك (٣)، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق "الشيرازي" (٤)، وابن الصباغ، وسُليم الرازي «١».
قال ابن الصباغ (٥): إن لم يتلفظ لم تجز الرواية، ويجوز العمل بما سمع عليه (٦).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] وهم من الفقهاء الشافعين كما ذكره ابن الصلاح [١] [شاكر].
стр. 242
"فرع": قال ابن وهب والحاكم: يقول «١» فيما قرأ على الشيخ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] يعني أن الحاكم أبا عبد الله صاحب المستدرك على الصحيحين يذهب إلى الفرق بين "حدثني" و "حدثنا" وكذلك بين "أخبرني" و "أخبرنا"، وسبقه إلى ذلك عبد الله بن وهب المصري صاحب مالك ﵀.
فما توهِمهُ عبارة المؤلف من أن ابن وهب نقل عن الحاكم، ليست على ظاهرها. بل قوله: و "الحاكم" معطوف على ابن وهب، وجملة "يقول فيما قرئ على الشيخ" إلخ. هي مقول "قال" ومفعوله، كما هي موضحة في المقدمة لابن الصلاح [ص ٣٢٥]. قاله الشيخ عبد الرزاق حمزة.
أقول: وعبارة ابن الصلاح عن الحاكم نصها (ص ١٤٥ - ١٤٦): قال - يعني الحاكم: الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري -: أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظاً وليس معه أحد: "حدثني فلان": وما يأخذه من المحدث لفظاً ومعه غيره: "حدثنا فلان"، وما قرأ على المحدث بنفسه: "أخبرني فلان وما قرئ على المحدث وهو حاضر: "أخبرنا فلان". ثم قال: وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك ﵄. وهو حسن رائق. فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل "حدثنا أو أخبرنا" أو من قبيل "حدثني أو أخبرني". لتردده أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره: فيحتمل أن نقول: ليقال) (حدثني أو أخبرني" لأن عدم غيره هو الأصل. ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام، عن شيخه يحيى بن سعيد القطان الإمام، فيما إذا شك أن الشيخ قال "حدثني فلان" أو قال: "حدثنا فلان": أنه يقول: "حدثنا". وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول: "حدثنا" وهو عندي يتوجه بأن "حدثني" أكمل مرتبة، و "حدثنا" أنقص مرتبة فليقتصر إذا شك على الناقص، لأن عدم الزائد هو الأصل. وهذا لطيف ... ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب، وليس بواجب، حكاه الخطيب عن أهل العلم كافة. فجائز إذا سمع وحده أن يقول "حدثنا" =
стр. 243
وهو وحده (١): "حدثني"، فإن كان معه غيره: "حدثنا"، وفيما قرأه على الشيخ وحده: "أخبرني"، فإن قرأه غيره: "أخبرنا" (٢).
قال ابن الصلاح (٣): وهذا حسن فائق.
فإن شك أتى بالمحقق (٤)، وهو الوحدة: "حدثني" أو "أخبرني"، عند ابن الصلاح والبيهقي، وعن يحيى بن سعيد القطان: يأتي بالأدنى، وهو "حدثنا" أو "أخبرنا" (٥).
قال الخطيب البغدادي (٦): وهذا الذي قاله ابن وهب مستحب، لا مستحق، عند أهل العلم كافة «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= أو نحوه لجواز ذلك للواحد في كلام العرب. وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول "حدثني"، لأن المحدث حدثه وحدث غيره [شاكر].
«١» [شاكر] كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم "حدثنا"، أو "أخبرنا"، أو نحو ذلك-: بغيره، وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ، لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما، ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل.
وأما إذا روى الراوي حديثًا عن أحد الشيوخ - وهذا في غير الكتب المؤلفة- =
стр. 244
"فرع": اختلفوا في صحة سماع من ينسخ «١» أو إسماعِه (١): فمنع من ذلك إبراهيم الحربي وابن عدي (٢) وأبو إسحاق (٣) الأسفرائيني. وقال (٤) أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغي (٥) يقول "حضرت"، ولا يقول "حدثنا" ولا "أخبرنا" (٦). وجوزه موسى بن هارون الحافظ (٧).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= فإن كان الشيخ ممن يرى التفرقة بين الإخبار والتحديث، فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما من الآخر، وإن كان الشيخ ممن يرى التسوية بينهما. جاز للراوي ذلك، لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. هكذا قال بعضهم.
وقال آخرون بمنعه مطلقا. وهو الحق، لأن هذا العمل ينافي الدقة في الرواية. ولذلك قال أحمد بن حنبل [١]- فيما نقله عن ابن الصلاح [٢] (ص ١٤٦): "اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا، ولا تعده" [٣] [شاكر].
«١» [شاكر] قوله "ينسخ"، يعني وقت القراءة، كما قيده بذلك ابن الصلاح، وأبو إسحاق الإسفراييني: هو الفقيه الأصولي الشافعي، وأبو بكر الصبغي: أحد أئمة الشافعيين بخراسان، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة وبالغين المعجمة، ثم ياء النسبة في آخره [شاكر].
стр. 245
وكان ابن المبارك ينسخ وهو يُقرأ عليه (١).
وقال أبو حاتم «١»: كتبت (٢) عند عارم (٣) وعمرو بن مرزوق (٤).
وحضر الدارقطني وهو شاب، مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي، والدارقطني ينسخ جزءاً، فقال: له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ! فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك، فقال له: كم أملى الشيخ حديثاً إلى الآن؟ فقال الدارقطني: ثمانية عشر حديثاً، ثم سردها كلها عن ظهر قلب، بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه «٢» (٥)، والله أعلم.
[قلت] (٦): وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المِزّي «٣»، تغمده الله
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] أبو حاتم: هو ابن حبان البستي، صاحب الصحيح [١] [شاكر].
«٢» [شاكر] بياض بالأصل ليس عن سقط في الكلام، ولكن الكاتب يتركه عند آخر كلام وبدء كلام جديد. وسيتكرر هذا. فنكتفي بما نبهنا عليه هنا [شاكر].
«٣» [شاكر] بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى "المزة"، وهي =
стр. 246
برحمته، يكتب في مجلس السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ رداً جيداً بيناً واضحاً، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال ابن الصلاح (١): وكذلك التحدث في مجلس السماع، وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أو (٢) كان السامع بعيداً من القارئ. ثم اختار أنه يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ مع النسخ فالسماع صحيح. وينبغي أن يُجبر (٣) ذلك بالإجازة بعد ذلك كله (٤).
(قلت) (٥): هذا هو الواقع في زماننا اليوم: أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، (والبعيد من القارئ، والناعس،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قرية كبيرة من ضواحي دمشق. والحافظ المزي هو صاحب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" الذي اختصره الحافظ الذهبي، في كتاب سماه "تهذيب التهذيب"، طبعت خلاصته للخزرجى، وكذلك اختصره الحافظ ابن حجر العسقلاني
في نحو ثلث الأصل، وسماه "تهذيب التهذيب" طبع بحيدر آباد الدكن بالهند، ومختصره "تقريب التهذيب" في مجلد وسط، طبع كذلك خمس مرات بالهند. وللحافظ ابن كثير، مؤلف هذا المختصر، كتاب "التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل" جمع فيه بين كتابي شيخيه المزي والذهبي، وهما: "التهذيب وميزان الاعتدال"، وزاد عليهما جرحاً وتعديلاً. والحافظ ابن كثير، كان زوجاً لبنت الحافظ المزي، ﵏ جميعاً [شاكر].
стр. 247
والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط) (١) أمرهم بل يلعبون غالباً، ولا يشتغلون بمجرد السماع. وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀.
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي (٢): أنه زُجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فإنَّا سمعنا مثلهم.
وقد روي عن الإمام العَلم عبدالرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه (٣).وكذا قال غير واحد من الحفاظ (٤).
وقد كانت المجالس تعقد ببغداد. وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، بل الألوف المؤلفة، ويصعد المُستملي. على الأماكن المرتفعة، ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام.
وحكى الأعمش: أنهم كانوا في حلقة إبراهيم إذا لم يسمع
стр. 248
أحدهم الكلمة جيداً استفهمها من جاره (١).
قلت: وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر (٢)،
وجابر بن سَمُرة (٣) وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس. وإن كان قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس «١». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] كان بعض الشيوخ الكبار من المحدثين، يقصدهم الطالبون ويحرصون على الرواية عنهم. فيعظم الجمع في مجالسهم جدًّا، حتى يصعب على الشيخ إسماع كل الحاضرين. فكان لكل واحد من هؤلاء شخص- أو أكثر- يُسمع باقي المجلس، ويسمى هذا "مستمليا".
فإذا كان الراوي لم يسمع لفظ الشيخ، وسمعه من المستملي، وكان الشيخ يسمع ما يمليه مستمليه- فلا خلاف في جواز الرواية عن الشيخ، لأنه يكون من باب الرواية بالقراءة على الشيخ. وأما إن كان الشيخ لا يسمع ما يقوله المستملي، =
стр. 249
فرع (١): ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يروون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث "حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٢).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= فقد اُختلف في ذلك: فذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز للراوي أن يرويه عن الشيخ وقال غيرهم: لا يجوز ذلك، بل على الراوي أن يبين أنه سمعه من المستملي. وهذا القول رجحه ابن الصلاح [ص ٣٣٠].
وقال النووي [١]: إنه الصواب الذي عليه المحققون.
والقول الأول - بالجواز- هو الراجح عندي.
ونقل في التدريب [٢] أنه هو الذي عليه العمل؛ لأن المستملي يُسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدًّا أن يحكي عن شيخه - وهو حاضر في جمع كبير- غير ما حدث به الشيخ، ولئن فعل ليردن عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم، وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله. وهذا واضح جدًّا.
وهذا الخلاف أيضًا فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض الحاضرين، قال الأعمش: "كنا نجلس إلى إبراهيم، فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه" [٣]. وعن حماد بن زيد: "أنه سأله رجل في مثل ذلك، فقال: يا أبا إسماعيل، كيف قلت؟ فقال: استفهم ممن يليك" [٤] [شاكر].
стр. 250
وقال بعضهم عن شعبة: إذا حدثك من لا ترى شخصه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول "حدثنا"، "أخبرنا" (١). وهذا عجيب وغريب جداً!
فرع (٢): إذا حدثه بحديث ثم قال: "لا تروه عني"، أو "رجعت عن إسماعك"، ونحو ذلك، ولم يبد مستنداً سوى المنع اليابس، أو أسمع قوماً فخص بعضهم، وقال: "لا أجيز لفلان أن يروي عني [شيئا] (٣) فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله.
وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين (٤) والحالة هذه؛ وأفتى الشيخ أبو إسحاق الأسفرائيني (٥) بذلك «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] كل من سمع عن شيخ رواية فله أن يرويها عنه سواء أقصده الشيخ بالتسميع أم لم يقصده، وكذلك إذا منعه من الرواية عنه، كأن قال له: "لا تروه عني"، أو "لا آذن لك في الرواية عني"، أو نحو ذلك، وكذلك إذا رجع الشيخ =