برحمته، يكتب في مجلس السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ رداً جيداً بيناً واضحاً، بحيث يتعجب القارئ من نفسه، أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال ابن الصلاح (١): وكذلك التحدث في مجلس السماع، وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أو (٢) كان السامع بعيداً من القارئ. ثم اختار أنه يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ مع النسخ فالسماع صحيح. وينبغي أن يُجبر (٣) ذلك بالإجازة بعد ذلك كله (٤).
(قلت) (٥): هذا هو الواقع في زماننا اليوم: أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، (والبعيد من القارئ، والناعس،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قرية كبيرة من ضواحي دمشق. والحافظ المزي هو صاحب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" الذي اختصره الحافظ الذهبي، في كتاب سماه "تهذيب التهذيب"، طبعت خلاصته للخزرجى، وكذلك اختصره الحافظ ابن حجر العسقلاني
في نحو ثلث الأصل، وسماه "تهذيب التهذيب" طبع بحيدر آباد الدكن بالهند، ومختصره "تقريب التهذيب" في مجلد وسط، طبع كذلك خمس مرات بالهند. وللحافظ ابن كثير، مؤلف هذا المختصر، كتاب "التكميل في أسماء الثقات والضعفاء والمجاهيل" جمع فيه بين كتابي شيخيه المزي والذهبي، وهما: "التهذيب وميزان الاعتدال"، وزاد عليهما جرحاً وتعديلاً. والحافظ ابن كثير، كان زوجاً لبنت الحافظ المزي، ﵏ جميعاً [شاكر].
стр. 247
والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط) (١) أمرهم بل يلعبون غالباً، ولا يشتغلون بمجرد السماع. وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀.
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي (٢): أنه زُجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فإنَّا سمعنا مثلهم.
وقد روي عن الإمام العَلم عبدالرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه (٣).وكذا قال غير واحد من الحفاظ (٤).
وقد كانت المجالس تعقد ببغداد. وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، بل الألوف المؤلفة، ويصعد المُستملي. على الأماكن المرتفعة، ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام.
وحكى الأعمش: أنهم كانوا في حلقة إبراهيم إذا لم يسمع
стр. 248
أحدهم الكلمة جيداً استفهمها من جاره (١).
قلت: وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر (٢)،
وجابر بن سَمُرة (٣) وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس. وإن كان قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس «١». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] كان بعض الشيوخ الكبار من المحدثين، يقصدهم الطالبون ويحرصون على الرواية عنهم. فيعظم الجمع في مجالسهم جدًّا، حتى يصعب على الشيخ إسماع كل الحاضرين. فكان لكل واحد من هؤلاء شخص- أو أكثر- يُسمع باقي المجلس، ويسمى هذا "مستمليا".
فإذا كان الراوي لم يسمع لفظ الشيخ، وسمعه من المستملي، وكان الشيخ يسمع ما يمليه مستمليه- فلا خلاف في جواز الرواية عن الشيخ، لأنه يكون من باب الرواية بالقراءة على الشيخ. وأما إن كان الشيخ لا يسمع ما يقوله المستملي، =
стр. 249
فرع (١): ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يروون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث "حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٢).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= فقد اُختلف في ذلك: فذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز للراوي أن يرويه عن الشيخ وقال غيرهم: لا يجوز ذلك، بل على الراوي أن يبين أنه سمعه من المستملي. وهذا القول رجحه ابن الصلاح [ص ٣٣٠].
وقال النووي [١]: إنه الصواب الذي عليه المحققون.
والقول الأول - بالجواز- هو الراجح عندي.
ونقل في التدريب [٢] أنه هو الذي عليه العمل؛ لأن المستملي يُسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدًّا أن يحكي عن شيخه - وهو حاضر في جمع كبير- غير ما حدث به الشيخ، ولئن فعل ليردن عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم، وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله. وهذا واضح جدًّا.
وهذا الخلاف أيضًا فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض الحاضرين، قال الأعمش: "كنا نجلس إلى إبراهيم، فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه" [٣]. وعن حماد بن زيد: "أنه سأله رجل في مثل ذلك، فقال: يا أبا إسماعيل، كيف قلت؟ فقال: استفهم ممن يليك" [٤] [شاكر].
стр. 250
وقال بعضهم عن شعبة: إذا حدثك من لا ترى شخصه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول "حدثنا"، "أخبرنا" (١). وهذا عجيب وغريب جداً!
فرع (٢): إذا حدثه بحديث ثم قال: "لا تروه عني"، أو "رجعت عن إسماعك"، ونحو ذلك، ولم يبد مستنداً سوى المنع اليابس، أو أسمع قوماً فخص بعضهم، وقال: "لا أجيز لفلان أن يروي عني [شيئا] (٣) فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله.
وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين (٤) والحالة هذه؛ وأفتى الشيخ أبو إسحاق الأسفرائيني (٥) بذلك «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] كل من سمع عن شيخ رواية فله أن يرويها عنه سواء أقصده الشيخ بالتسميع أم لم يقصده، وكذلك إذا منعه من الرواية عنه، كأن قال له: "لا تروه عني"، أو "لا آذن لك في الرواية عني"، أو نحو ذلك، وكذلك إذا رجع الشيخ =
стр. 251
القسم الثالث (١) «١»: الإجازة (٢):
والرواية بها جائزة عند الجمهور، وادعى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع على ذلك (٣). ونقضه ابن الصلاح (٤) بما رواه الربيع عن
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= عن حديثه، بأن قال له: "رجعت عن إخبارك"، أو "رجعت عن اعتمادي إياك فلا تروه عني" لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من الشيخ وصحة نقله عنه، فلا يؤثر في ذلك تخصيص الشيخ بعض الرواة دون بعض، أو نهيه عن روايته عنه، لأنه لا يملك أن يرفع الواقع، من أنه حدث الراوي وأن الراوي سمع منه. وظاهر أن رجوع الشيخ لا يمنع من الرواية إذا كان مع إقراره بصحة روايته، وأما إذا كان هذا على معنى شكه فيما حدث، وعلى معنى ظهور أنه أخطأ فيما روى: فهذا يؤثر في روايته، ويجب على الراوي أن يمتنع من رواية ما رجع عنه شيخه، أو يذكر الرواية ورجوع الشيخ عنها، ليظهر للناظر ما فيها من العلة القادحة [شاكر].
«١» [شاكر] سقط من الأصل. وزدناه تصحيحا وإكمالا [شاكر].
стр. 252
الشافعي: أنه منع من الرواية بها (١).
وبذلك قطع الماوردي. وعزاه إلى مذهب الشافعي (٢)، وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المَرورّوذِيِّ صاحب "التعليقة" (٣)، وقالا جميعاً: لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحلة، وكذا روي عن شعبة بن الحجاج وغيره من أئمة الحديث وحفاظه (٤).
وممن أبطلها إبراهيم الحربي (٥)، وأبو الشيخ محمد بن عبد الله
стр. 253
الأصبهاني، وأبو نصر الوايلي السِجْزي، وحكى ذلك عن جماعة ممن لقيهم (١).
ثم هي أقسام:
أحدها: إجازة من معين لمعين في معين، بأن يقول: "أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب" أو "هذه الكتب". وهي المناولة (٢)، فهذه جائزة عند الجماهير، حتى الظاهرية، لكن (خالفوا في العمل بها، لأنها في معنى المرسل عندهم، إذا لم يتصل السماع (٣).
стр. 254
الثاني: إجازة لمعين في غير معين، مثل) (١) أن يقول: "أجزت لك أن تروي عني ما أرويه"، أو "ما صح عندك، من مسموعاتي ومصنفاتي". وهذا مما يجوزه الجمهور أيضاً، رواية وعملاً (٢).
الثالث (٣): الإجازة لغير معين، مثل أن يقول: "أجزت للمسلمين"، أو "الموجودين"، أو "لمن قال لا إله إلا الله"، وتسمى "الإجازة العامة". وقد اعتبرها طائفة من الحفاظ والعلماء، فممن جوزها الخطيب
стр. 255
البغدادي، ونقلها عن شيخه القاضي أبي الطيب الطبري (١)، ونقلها أبو بكر الحازمي عن شيخه أبي العلاء الهمداني الحافظ، وغيرهم من محدثي المغاربة ﵏ تعالي (٢).
وأما الإجازة للمجهول [أو] بالمجهول، ففاسدة. وليس منها ما يقع من الاستدعاء لجماعة مسمين لا يعرفهم المجيز أو لا يتصفح أنسابهم ولا عدتهم، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المسمع أنساب من يحضر مجلسه ولا عدتهم. والله أعلم (٣).
ولو قال: "أجزت رواية هذا الكتاب لمن أحب روايته عني"؛ فقد كتبه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، وسوغه غيره، وقواه ابن الصلاح.
وكذلك لو قال: "أجزتك ولولدك ونسلك وعقبك رواية هذا الكتاب" أو "ما يجوز لي روايته" فقد جوزها جماعة، منهم أبو بكر ابن أبي داود، قال لرجل: "أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة" «١» (٤).
وأما لو قال: "أجزت لمن يوجد من بني فلان"، فقد حكى الخطيب (٥) جوازها عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قوله: "ولحبل الحبلة": يعني أولاد الأولاد [شاكر].
стр. 256
الفضل ابن عمروس المالكي، وحكاه ابن الصباغ عن طائفة، ثم ضعف ذلك، وقال: هذا يبنى على أن الإجازة إذن أو محادثة (١)، وكذلك ضعفها ابن الصلاح، وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطب مثله (٢)، وذكر الخطيب أنه قال للقاضي أبي الطيب: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه؟ فقال: قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه (منه) (٣)(٤).
ثم رجح الخطيب صحة الإجازة للصغير، قال: وهو الذي رأينا كافة شيوخنا يفعلونه، يجيزون للأطفال، من غير أن يسألوا عن أعمارهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن موجوداً في الحال. والله أعلم (٥).
ولو قال: "أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك مما سمعته وما سأسمعه"، فالأول جيد، والثاني فاسد (٦). وقد حاول ابن الصلاح تخريجه على أن الإجازة إذن كالوكالة. وفيما لو قال: "وكلتك في بيع ما سأملكه" خلاف (٧).
وأما الإجازة بما يرويه إجازة، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة على الإجازة وإن تعددت (٨). وممن نص على ذلك الدارقطني،
стр. 257
وشيخه أبو العباس ابن عقدة، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والخطيب، وغير واحد من العلماء (١).
قال ابن الصلاح (٢): ومنع من ذلك بعض من لا يعتد به (٣) من المتأخرين (٤)، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وشبهوا ذلك بتوكيل الوكيل «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] الإجازة: أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته أو مؤلفاته، وكأنها تتضمن إخباره بما أذن له بروايته عنه.
وقد اختلفوا في جواز الرواية والعمل بها:
فأبطلها كثير من العلماء المتقدمين، قال بعضهم: "من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع- فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي [١]! لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع".
وهذا يصح لو أذن له في رواية ما لم يسمع مع تصريح الراوي بالسماع، لأنه يكون كذبا حقيقة، أما إذا كان يرويه عنه على سبيل الإجازة - وهو محل البحث -: فلا. =
стр. 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وقال ابن حزم: "إنها بدعة غير جائزة" [١].
ومنع الظاهرية من العمل بها، وجعلوها كالحديث المرسل.
وهذا القول - يعني إبطالها- ضعّفه العلماء وردوه.
وتغالى بعضهم فزعم أنها أصح من السماع. وجعلها بعضهم مثله.
والذي رجحه العلماء أنها جائزة، يروى بها ويعمل، وأن السماع أقوى منها.
قال ابن الصلاح [٢] ص (١٥٢): "إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم: القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها. وفي الاحتجاج لذلك غموض [٣]، ويتجه أن نقول: إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة: فهو كما لو أخبره تفصيلا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقاً، كما في القراءة على الشيخ كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم. وذلك يحصل بالإجازة المفهمة. والله أعلم".
وقال السيوطي في التدريب [٤]: "قال الخطيب في الكفاية [٥]: احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث: أن النبي ﷺ كتب سورة براءة في صحيفة، ودفعها لأبي بكر، ثم بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس" [٦].
أقول: وفي نفسي من قبول الرواية بالإجازة شيء، وقد كانت سبباً لتقاصر الهمم عن سماع الكتب سماعاً صحيحاً بالإسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها، حتى صارت في الأعصر الأخيرة رسم يرسم، لا علماً يتلقى ويؤخذ. ولو قلنا بصحة الإجازة إذا كانت بشيء معين من الكتب لشخص معين أو أشخاص معينين -: لكان =
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= هذا أقرب إلى القبول. ويمكن التوسع في الإجازة لشخص أو أشخاص معينين مع إبهام الشيء المجاز، كأن يقول له: "أجزت لك رواية مسموعاتي"، أو "أجزت رواية ما صح وما يصح عندك أني أرويه"، وأما الإجازات العامة، كأن يقول: "أجزت لأهل عصري"، أو "أجزت لمن شاء" أو "لمن شاء فلان" أو للمعدوم أو نحو ذلك- فإني لا أشك في عدم جوازها.
وإذا صحت الرواية بالإجازة، فإنه يصح للراوي بها أن يجيز غيره، ويجوز لهذا الغير أن يروي بها، وخالف في ذلك أبو البركات الأنماطي، فذهب إلى أن الرواية بها لا تجوز لأن الإجازة ضعيفة، فيقوى الضعف باجتماع إجازتين [١].
قال النووي في التقريب [٢] ص ١٤١: "الصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحفاظ: الدارقطني وابن عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي، وكان أبو الفتح يروي بالإجازة، وربما والى بين ثلاث [٣].
ولفظ الإجازة وضح مما قلناه. والأصل: أن يقوله الشيخ لافظاً به، فإن كتبه من غير نطق فقد رجح السيوطي إبطال الإجازة [٤]. =
стр. 260
القسم الرابع:
المناولة (١):
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وهو غير راجح، بل الكتابة والنطق سواء.
قال ابن الصلاح [١] ص (١٦٠): "ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة، كان ذلك إجازة إذا اقترن بقصد الإجازة، غير أنها أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها. وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد الكتابة في باب الرواية التي جعلت فيها القراءة على الشيخ - مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه -: إخبارًا منه بما قرئ عليه".
وهذا هو الحق، وبهذا الدليل نرجح أن الكتابة فيها كالتلفظ سواء.
واستحسن العلماء الإجازة من العالم لمن كان أهلا للرواية ومشتغلاً بالعلم، لا للجهال ونحوهم.
وذهب بعضهم إلى أن هذا شرط في صحتها. قال ابن عبد البر [٢]: "إنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في شيء معين لا يشكل إسناده". وهذا قول قد يكون أقرب إلي الصواب من كل الأقوال [شاكر].
стр. 261
فإن كان معها إجازة (١)، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتاباً من سماعه، ويقول له: " أرو هذا عني "، أو يُمَلِّكه إياه، أو يعيره لينسخه «١» (٢) ثم يعيده إليه، أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول: "ارو عني"، ويسمى هذا "عرض المناولة"، وقد قال الحاكم (٣): إن هذا سماع (٤) عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه) (٥)، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، من أهل المدينة، ومجاهد، وأبي الزبير، وسفيان بن عيينة، من المكيين، وعلقمة، وإبراهيم، والشعبي، من الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي (٦) من البصرة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه.
قال ابن الصلاح (٧): وقد خلط في كلامه "عرض المناولة"، بـ "عرض القراءة".
ثم قال (الحاكم) (٨)(٩): والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام، الذين
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في الأصل: "لناسخه" وهو غير جيد [شاكر].
стр. 262
أفتوا في الحرام والحلال: أنهم لم يروه سماعاً، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، والبويطي والمزني، وعليه عَهِدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه ذهب. «١» والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال السيوطي في التدريب [١] ص (١٤٣): "والأصل فيها ما علقه البخاري [٢] في العلم: "أن رسول الله ﷺ كتب لأمير السرية كتاباً، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ ". وصله البيهقي والطبراني بسند حسن.
قال السهيلي [٣]: احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناول تلميذه كتاباً، جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح.
قال البلقيني [٤]: وأحسن ما يستدل به عليها ما استدل به الحاكم [٥] من حديث ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عله وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى) [٦].
وقد نقل ابن الأثير في جامع الأصول [٧]: "أن بعض أصحاب الحديث جعلها - أي هذه المناولة- أرفع من السماع، لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه، فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع". وهذه مبالغة، =
стр. 263
وأما إذا لم يُمَلِّكه الشيخ الكتاب، ولم يُعره إياه، فإنه منحط عما قبله، حتى إن منهم من يقول: هذا مما لا فائدة فيه، ويبقى مجرد إجازة.
"قلت": أما إذا كان الكتاب مشهوراً، كالبخاري ومسلم، أو شيء من الكتب المشهورة: فهو كما لو ملَّكه أو أعاره إياه. والله أعلم.
ولو تجردت المناولة عن الإذن في الرواية (١): فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها (٢).
وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها (٣).
قال ابن الصلاح (٤): ومن الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه. والله أعلم.
ويقول الراوي بالإجازة: "أنبأنا"، فإن قال "إجازة" فهو أحسن، ويجوز "أنبأنا" و "حدثنا" عند جماعة من المتقدمين.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قال النووي [١]: "والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة" [شاكر].
стр. 264
وقد تقدم (١) النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون: "حدثنا " و " أخبرنا "، بلا إشكال (٢).
والذي عليه جمهور المحدثين قديماً وحديثاً: أنه لا يجوز إطلاق "حدثنا" ولا "أخبرنا" بل مقيداً (٣).
وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله "خبَّرنا" بالتشديد (٤).
القسم الخامس:
المكاتبة (٥): بأن يكتب إليه بشيء من حديثه.
فإن أذن له في روايته عنه، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة، فقد جوز الرواية بها أيوب، ومنصور، والليث، وغير واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين (٦)، وهو المشهور، وجعلوا ذلك أقوى من الإجازة المجردة، وقطع الماوردي بمنع ذلك (٧). والله أعلم.
стр. 265
وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: "أخبرنا" و "حدثنا" مطلقاً (١) والأحسن الأليق تقييده (بالمكاتبة) (٢) «١».
القسم السادس:
إعلام الشيخ (٣) أن هذا الكتاب سماعه من فلان من غير أن يأذن له في روايته عنه، فقد سوغ الرواية بمجرد ذلك طوائف من المحدثين والفقهاء،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] المكاتبة: أن يكتب الشيخ بعض حديثه لمن حضر عنده، أو لمن غاب عنه، ويرسله إليه، وسواء كتبه بنفسه أم أمر غيره أن يكتبه. ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ، ويشترط في هذا أن يعلم أن الكاتب ثقة.
وشرط بعضهم في الرواية عن الكتابة أن تثبت بالبينة، وهذا قول غير صحيح، بل الثقة بالكتابة كافية، ولعلها أقوى من الشهود.
ولا يشترط في الكتابة أن تكون مقرونة بالإجازة، بل الصحيح الراجح المشهور عند أهل الحديث من المتقدمين والمتأخرين وكثيرا ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم قولهم: "كتب إلي فلان: قال حدثنا فلان" والمكاتبة مع الإجازة أرجح من المناولة مع الإجازة، بل أرى أنها أرجح من السماع وأوثق، وأن المكاتبة بدون إجازة أرجح من المناولة بالإجازة، أو بدونها.
والراوي بالمكاتبة يقول: "حدثني"، أو "أخبرني"، ولكن يقيدهما بالمكاتبة، لأن إطلاقهما يوهِم السماع، فيكون غير صادق في روايته، وإذا شاء قال: "كتب إليّ فلان"، أو نحوه مما يؤدي معناه [شاكر].
стр. 266
منهم ابن جريج (١)، وقطع به ابن الصباغ (٢)، واختاره غير واحد من المتأخرين، حتى قال بعض الظاهرية (٣): لو أعلمه بذلك ونهاه عن روايته عنه فله روايته، كما لو نهاه عن رواية ما سمعه منه «١»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] ذهب كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين إلى جواز الرواية بالإعلام من غير إجازة، بل أجازوا الرواية به، وإن منع الشيخ الرواية بذلك، فلو قال الشيخ للراوي: "هذه روايتي ولكن لا تروها عني" أو "لا أجيزها لك" جاز له مع ذلك روايتها عنه. قال القاضي عياض [١]: "وهذا صحيح، لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا لريبة-: لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه".
استدل المانعون من الرواية بذلك بقياسه على "الشهادة على الشهادة"، فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته.
وأجاب القاضي [٢] بأن: "هذا القياس غير صحيح، لأن الشهادة لا تصح إلا مع الإذن في كل حال، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. وأيضًا: فالشهادة تفترق عن الرواية في أكثر الوجوه"
والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح. بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذه شبه مناولة، وفيها تعيين للمروي بالإشارة إليه، ولفظ الإجازة لن يكون - وحده- أقوى منها ولا مثلها، كما هو واضح [شاكر].
стр. 267
القسم السابع:
الوصية (١): بأن "يوصى" بكتاب كان يرويه لشخص. فقد ترخص بعض السلف (٢) في رواية الموصى «١» له بذلك الكتاب عن الموصي، وشبهوا ذلك بالمناولة (وبالإعلام بالرواية) (٣).
قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته [عنه] (٤) بالوجادة «٢». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] مطموس من الأصل نحو كلمتين، كتبناهما بين قوسين بمعاونة السياق وفحوى الكلام وما تفيده عبارة ابن الصلاح والتدريب [شاكر].
«٢» [شاكر] قال ابن الصلاح [ص ٣٥٧، ٣٥٨]: "وقد احتج بعضهم لذلك، فشبه بقسم الإعلام وقسم المناولة ولا يصح ذلك، فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا".
وهو يشير بذلك إلى احتجاج القاضي عياض [١] لصحتها: بأن في إعطاء الوصية للموصى له نوعا من الإذن وشبها من العرض والمناولة. وأنه قريب من الإعلام. =
стр. 268
القسم الثامن:
الوجادة (١): وصورتها: أن يجد حديثاً أو كتاباً بخط شخص بإسناده.
فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول: "وجدت بخط فلان: حدثنا فلان" ويسنده. ويقع هذا كثيرا (٢) في مسند الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله: "وجدت بخط أبي: حدثنا فلان"، ويسوق الحديث.
وله أن يقول: "قال فلان" إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقى.
قال ابن الصلاح (٣): وجازف بعضهم (٤) فأطلق فيه "حدثنا" أو "أخبرنا" وانْتُقِد ذلك على فاعله.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وهذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكنا نرى أنه إن وقع صحت الرواية به، لأنه نوع من الإجازة، إن لم يكن أقوى من الإجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصى له برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجها للتفرقة بينه وبين الإجازة، وهو في معناها، أو داخل تحت تعريفها، كما يظهر ذلك بأدنى تأمل [١] [شاكر].
стр. 269
وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بغير خطه: "ذكر فلان"، و "قال فلان" أيضاً، ويقول: "بلغني عن فلان"، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه أو مقابلة كتابه. والله أعلم.
"قلت": والوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب (١).
وأما العمل بها: فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو أكثرهم، (فيما حكاه بعضهم) (٢).
ونقل الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها (٣).
قال ابن الصلاح (٤): وقطع بعض المحققين من أصحابه (٥) في الأصول بوجوب) العمل بها عند حصول الثقة به.
стр. 270
قال ابن الصلاح (١): وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني: فلم يبق إلا مجرد وجادات «١».
"قلت": وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، فقال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم، يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها" (٢)، وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد. فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة لها «٢». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في كل أنواع الرواية في الحديث - من السماع إلى الإجازة- يجب على الراوي العمل بما صح إسناده عنده من روايته من غير خلاف، وإن خالف في ذلك المقلدون المتأخرون، وخلافهم لا عبرة به، لأنهم يقرون على أنفسهم بالتقليد، وبأنهم تركوا النظر والاستدلال، وتبعوا غيرهم! .
وقد اختلف العلماء في الأنواع الأخيرة من الرواية وهي: الإعلام، والوصية، والوجادة: هل يجب العمل بما صح إسناده من الحديث المروي بها؟ والصحيح أنه واجب، كوجوبه في سائر الأنواع.
أما الإعلام والوصية فقد قدمنا أنهما لا يقلان في القوة والثبوت عن الإجازة، وأما الوجادة فسيأتي القول فيها [شاكر].
«٢» [شاكر] الوجادة - بكسر الواو- مصدر "وجد يجد"، وهو مصدر مولد غير =
стр. 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مسموع من العرب. قال ابن الصلاح [١] ص (١٦٧): "روينا عن المعافي بن زكريا النهرواني: أن المولدين فرعوا قولهم (وجادة) فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة: من تفريق العرب بين مصادر: (وَجَد) للتمييز بين المعاني المختلفة. يعني قولهم، "وجد ضالته وجداناً" ومطلوبه "وجوداً" وفي الغضب "موجدةً" وفي الغنى: "وُجْداً" وفي الحب: "وَجْدًا".
والوجادة هي: أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها - سواء لقيه أو سمع منه، أم لم يلقه ولم يسمع منه- أو أن يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين-: ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن أصحابها، بل يقول: "وجدت بخط فلان" إذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول: "قال فلان" أو نحو ذلك.
وفي مسند أحمد أحاديث كثيرة نقلها ابنه عبد الله، يقول فيها: "وجدت بخط أبي في كتابه" ثم يسوق الحديث، ولم يَسْتَجِزْ أن يرويها عن أبيه، وهو راويةُ كتبه وابنه وتلميذه، وخط أبيه معروف له، وكتبه محفوظة عنده في خزائنه.
وقد تساهل بعض الرواة، فروى ما وجده بخط من يعاصره، أو بخط شيخه، بقوله: "عن فلان". قال ابن الصلاح [٢] ص (١٦٨): "وذلك تدليس قبيح، إذا كان بحيث يوهم سماعه منه".
وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله: "حدثنا فلان" أو "أخبرنا فلان"! وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه أحدٌ يعتمد عليه، بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته.
وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا، في مؤلفاتهم وفي الصحف والمجلات: فذهبوا ينقلون من كتب السابقين من المؤرخين وغيرهم بلفظ التحديث، فيقول أحدهم: "حدثنا ابن خلدون"، "حدثنا ابن قتيبة"، "حدثنا الطبري"! وهو أقبح ما رأينا من أنواع النقل فإن التحديث والإخبار ونحوهما من اصطلاحات المحدثين الرواة بالسماع، وهي المطابقة للمعنى اللغوي في السماع، فنقلها إلى معنى آخر - هو =
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= النقل من الكتب- إفساد لمصطلحات العلوم وإيهام لمن لا يعلم، بألفاظ ضخمة، ليس هؤلاء الكتاب من أهلها! ! . ويخشى على من تجرأ على مثل هذه العبارات أن ينتقل منها إلى الكذب البحت! والزور المجرد. عافانا الله.
وبعد: فإن الوجادة ليست نوعا من أنواع الرواية كما ترى: وإنما ذكرها العلماء في هذا الباب - إلحاقا به- لبيان حكمها، وما يتخذه الناقل في سبيلها.
وأما العمل بها: فقد اختُلِف فيه قديماً: فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم: أنه لا يجوز. وحكي عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه [١].
وقطع بعض المحققين من الشافعية وغيرهم بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه. ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن يكون المؤلف ثقة مأمونا، وأن يكون إسناد الخبر صحيحا- حتى يجب العمل به.
وجزم ابن الصلاح [٢] ص (١٦٩): بأن القول بوجوب العمل بالوجادة "هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها".
قال السيوطي في التدريب [٣] ص (١٤٩ - ١٥٠) قال البُلقيني [٤]: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: "أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟ قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها". قال البُلقيني: وهذا استنباط حسن. =
стр. 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير ذكر ذلك في أوائل تفسيره [١/ ١٦٧]، والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة أوردتها في الأمالي. وفي بعض ألفاظه: "بل قوم من بعدكم، يأتيهم كتاب بين لوحين، يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا".
أخرجه أحمد والدارمي (٢٧٤٤) والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري [١] وفي لفظ للحاكم (٦٩٩٣) من حديث عمر: "يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه. فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً" [٢].
وهذا الاستدلال الذي ذهب إليه ابن كثير هنا وفي تفسيره (ج ١ ص ٧٤ - ٧٥ طبعة المنار)، وارتضاء البلقيني والسيوطي [٣]-: فيه نظر.
ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ، وثقه المكلف بأن ما وصل إلى علمه صحت نسبته إلى رسول الله ﷺ .
والوجادة الجيدة التي يطمئن إليها قلب الناظر، لا تقل في الثقة عن الإجازة بأنواعها لأن الإجازة - على حقيقتها- إنما هي وجادة معها إذن من الشيخ بالرواية. ولن تجد في هذه الأزمان من يروي شيئاً من الكتب بالسماع، إنما هي إجازات كلها، إلا فيما ندر.
والكتب الأصول الأمهات في السنة وغيرها-: تواترت روايتها إلى مؤلفيها بالوجادة ومختلف الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها، ولا يتشكك في هذا إلا غافل عن دقة المعنى في الرواية والوجادة، أو متعنت لا تقنعه حجة.
ثم إن السيوطي في ألفية المصطلح [٤] أشار إلى اعتراض بعض العلماء على =
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مسلم بن الحجاج، صاحب الصحيح، فقد انتقدوا عليه بعض أحاديث مروية بالوجادة، والوجادة - كما تقدم حكمها- منقطعة، لأنها ليست من الرواية [١].
والذي ذكره هو في التدريب [٢]، ورأيناه في صحيح مسلم، ثلاثة أحاديث، هي: حديث عائشة: "تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين"، "صحيح مسلم ج ١ ص ٤٠١ طبعة بولاق" [٣]، وحديثها أيضاً: "قالت: قال لي رسول الله ﷺ إني لأعلم إذا كنت عني راضية" [٤]، (ج ٢ ص ٢٤٤). وحديثها أيضاً: "إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟ " [٥] ج ٢ ص ٢٤٥)، وكلها بهذا الإسناد: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت في كتابي: عن هشام عن أبيه عن عائشة".
وقد أجاب في الألفية عن هذا النقد - تبعا للرشيد العطار- بأن مسلما روى الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة.
وهذا الجواب صحيح في ذاته، لأن مسلماً رواها كذلك.
وأجاب في التدريب [٦] (ص ١٤٩) بجواب آخر، وهو: "أن الوجادة المنقطعة: أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتابه عن شيخه، فتأمل".
وهذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا، لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثاً عن شيخه كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته، فينسى أنه سمعه منه، فيحتاط - تورعاً- ويذكر أنه وجده في كتابه، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ [٧] [شاكر].
(قُلْتُ): وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ"، وَقَدْ تَحَرَّرَ (٢) هَذَا الْفَصْلُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِنَا الْمُقَدِّمَاتِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ (٣) وَابْنُ الصَّلَاحِ (٤) وَغَيْرُ وَاحِدٍ لَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ حِينَ يُخَافُ اِلْتِبَاسُهُ بِالْقُرْآنِ، وَالْإِذْنُ فِيهِ حِينَ أُمِنَ (ذَلِكَ) (٥) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ حُكِيَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى تَسْوِيغِ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ (٦)، وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَفِيضٌ، شَائِعٌ ذَائِعٌ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] اختلف الصحابة قديما في جواز كتابة الأحاديث: فكرهها بعضهم، لحديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه" رواه مسلم في صحيحه (٣٠٠٤).وأكثر الصحابة على جواز الكتابة، وهو القول الصحيح [١].وقد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد بأجوبة: =
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= فبعضهم أعله بأنه موقوف عليه [١]، وهذا غير جيد، فإن الحديث صحيح.
وأجاب غيره بأن المنع إنما هو من كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، خوف اختلاطهما على غير العارف في أول الإسلام. وأجاب آخرون بأن النهي عن ذلك خاص بمن وثق بحفظه، خوف اتكاله على الكتاب، وإن لم يثق بحفظه فله أن يكتب. وكل هذه إجابات ليست قوية.
والجواب الصحيح: أن النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة. فقد روى البخاري ومسلم: أن أبا شاه اليمني التمس من رسول الله ﷺ أن يكتب له شيئًا سمعه من خطبته، عام فتح مكة، فقال: "اكتبوا لأبي شاه". وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك الشيء فأكتبه؟ قال: نعم، قال: في الغضب والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا" [٢].
وروى البخاري (١١٣) عن أبي هريرة قال: "ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
وروى الترمذي [٣] عن أبي هريرة قال: "كان رجل من الأنصار يجلس إلى =
стр. 278
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَيَنْبَغِي لِكَاتِبِ الْحَدِيثِ، أَوْ (١) غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ أَنْ يَضْبِطَ مَا يُشْكِلُ مِنْهُ، أَوْ قَدْ يُشْكِلُ (٢) عَلَى بَعْضِ الطَّلَبَةِ، فِي أَصْلِ الْكِتَابِ نَقْطًا وَشَكْلًا وَإِعْرَابًا، عَلَى بمَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَوْ قَيَّدَ فِي الْحَاشِيَةِ لَكَانَ حَسَنًا «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= رسول الله ﷺ ، فيسمع منه الحديث فيعجبه، ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط".
وهذه الأحاديث، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها-: كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن. وحديث أبي شاه في أواخر حياة النبي ﷺ ، وكذلك إخبار أبي هريرة، وهو متأخر الإسلام أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب، بدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبي هريرة، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرًا عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحا، ثم جاء إجماع الأمة القطعي بعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول. ﵃ أجمعين.
وقد قال ابن الصلاح [١] (ص ١٧١): ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة. ولقد صدق ﵀ [شاكر].
«١» [شاكر] قال ابن الصلاح [٢] (ص ١٧١): على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم، على الوجه =
стр. 279
وَيَنْبَغِي (١) تَوْضِيحُهُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الذي رووه، شكلاً ونقطاً يؤمن معهما الالتباس. وكثيرا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيقظه. وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول الناس [١]. وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. ثم لا ينبغي أن يعتني بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من قال: "إنما يُشْكَلُ مَا يُشْكِلُ".
وقد كان الأولون يكتبون بغير نقط ولا شكل، ثم لما تبين الخطأ في قراءة المكتوب لضعف القوة في معرفة العربية: كان اللفظ، ثم كان الشكل. وينبغي ضبط الأعلام التي تكون محل لبس، لأنها لا تدرك بالمعنى، ولا يمكن الاستدلال على صحتها بما قبلها ولا بما بعدها. قال أبو إسحاق النَّجِيَرمي -بالنون المفتوحة ثم الجيم مفتوحة أو مكسورة- "أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه". [٢]
ويحسن في الكلمات المُشْكِلة التي يخشى تصحيفها أو الخطأ فيها أن يضبطها الكاتب في الأصل ثم يكتبها في الحاشية مرة أخرى بحروف واضحة، يفرق حروفها حرفاً حرفاً، ويضبط كلا منها، لأن بعض الحروف الموصولة يشتبه بغيره.
قال ابن دقيق العيد [الإقتراح-ص ٢٥٨]: "من عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح الشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية، ويضبطوها حرفاً حرفاً". وقد رأينا ذلك في كثير من المخطوطات العتيقة.
وينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان إهمالها، كما تعرف المعجمة بالنقط؛ لأن بعض القراء قد يتصحف عليه الحرف المهمل فيظنه معجما وأن الكاتب نسي نقطه. =
стр. 280
وَيُكْرَهُ التَّدْقِيقُ وَالتَّعْلِيق «١» (فِي الْكِتَابِ لِغَيْرِ عُذْرٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِابْنِ عَمِّهِ حَنْبَلٌ -وَقَدْ رَآهُ يَكْتُبُ دَقِيقًا- لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ (يَخُونُكَ أَحْوَجُ) (١) مَا تَكُونُ إِلَيْهِ (٢).
(قَالَ) (٣) اِبْنُ الصَّلَاحِ (٤): وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ حَدِيثَيْنِ دَائِرَةٌ وَمِمَّنْ (بَلَغَنَا) (٥) عَنْهُ ذَلِكَ أَبُو الزِّنَادِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، (وَإِبْرَاهِيمُ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وطرق البيان كثيرة: فمنهم من يضع تحت الحرف المهمل مثل النقط الذي فوق المعجم المشابه له، كالسين، يضع تحتها ثلاث نقط، إما صفا واحدا هكذا ( ... ) وإما مثل نقط الشين المعجمة، ومنهم من يكتب الحرف نفسه بخط صغير تحت الحرف المهمل مثل (حـ) تحت الحاء، و (سـ) تحت السين، وهكذا. ومنهم من يكتب همزة صغيرة تحت الحرف أو فوقه. ومنهم من يضع خطًّا أفقيا فوق الحرف هكذا (ــ) ومنهم من يضع فوقه رسما أفقيًا كقلامة الظفر هكذا وتجد هذه العلامات كثيرا في الخطوط القديمة الأثرية.
وأرى أنه ينبغي أيضًا كتابة الهمزات في الحروف المهموزة، وأن تكون التي في أول الكلمة فوق الألف إن كانت مفتوحة، وتحتها إن كانت مكسورة. وأكثر الكاتبين يختارون وضع الهمزة فوق الألف مطلقًا، مفتوحة أو مكسورة، ولكن الذي اخترناه أولى وأوضح [شاكر].
«١» [شاكر] التدقيق: الكتابة بالخط الدقيق. والتعليق: خلط الحروف التي ينبغي تفريقها. [شاكر].
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَلْيَكْتُبْ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ مُجَلَّسَةً «١» لَا رَمْزًا
قَالَ (٢): وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى قَوْلِهِ "﵇"، يَعْنِي وَلْيَكْتُبْ صلي الله عليه وسلم وَاضِحَةً كَامِلَةً.
قَالَ: وَلْيُقَابِلْ أَصْلَهُ بِأَصْلٍ مُعْتَمَد مَعَ نَفْسِهِ ومع غَيْرِهِ مِنْ مَوْثُوقٍ بِهِ ضَابِطٍ
قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ شَدَّدَ، وَقَالَ لَا يُقَابِلُ إِلَّا مَعَ نَفْسِهِ قَالَ وَهَذَا مَرْفُوضٌ مَرْدُودٌ (٣) «٢».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= منه، فإن كان فيه ذلك كتبه، وإلا لم يكتبه، وفي كل الأحوال يتلفظ الكاتب بذلك حين الكتابة: فيصلي نطقًا وخطا، إذا كانت في الأصل صلاة. ونطقا فقط إذا لم تكن. وهذا هو المختار عندي، محافظة على الأصول الصحيحة لكتب السنة وغيرها، وكذلك اختاره في طبع آثار المتقدمين، وبه أعمل إن شاء الله. [شاكر]
«١» [شاكر] ضُبطت في الأصل مشددة اللام مفتوحة، ومعناها تامة من غير نقص أو رمز. [شاكر]
«٢» [شاكر] بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه، أو على أصل آخر مقابل، أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة.
وهذا لتصحيح المنسوخ، خشية سقوط شيء منه أو وقوع خطأ في النقل.
قال عروة بن الزبير لابنه هشام: (كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضتَ كتابك؟ قال: لا. قال: لم تكتب) [١]. =
стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وقال الأخفش: (إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض: خرج أعجميًّا) [١].
ويقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب، إن أمكن، وهو أحسن، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: (أصدق المعارضة مع نفسك) [٢].
بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، فقال: (لا تصح مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره) [٣].
وأرى أن هذا يختلف باختلاف الظروف والأشخاص، وكثير من الناس يتقنون المقابلة وحدهم، ويطمئنون إليها أكثر من المقابلة مع غيرهم.
وإذا لم يتمكن الكاتب من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره ممن يثق به.
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها، فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في نسخته.
وذهب ابن معين إلى اشتراط ذلك، فقد سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: (أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم) [٤].
قال النووي: (والصواب، الذي قاله الجمهور، أنه لا يشترط) [٥].
أما إذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل: فذهب القاضي عياض [٦] وغيره =
стр. 284
(وَقَدْ تَكَلَّمَ) (١) الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّخْرِيجِ وَالتَّضْبِيبِ وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمُطَّرِدَةِ وَالْخَاصَّةِ مَا أَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ جِدًّا (٢) «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= إلى أنه لا يجوز له الرواية منه عند عدم المقابلة، والصواب الجواز، إذا كان ناقل الكتاب ضابطا صحيح النقل قليل السقط.
وينبغي أن يبين حين الرواية أنه لم يقابل على الأصل المنقول منه، كما كان يفعل أبو بكر البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: (أخبرنا فلان ولم أعارض بالأصل) [١].
ثم إن الشروط التي سبقت في تصحيح نسخة الراوي ومقابلتها بأصلها إلخ: تعتبر أيضًا في الأصل المنقول عنه، لئلا يقابل نسخته على أصل غير موثوق به، ولا مقابل على ما نقل منه [شاكر].
«١» [شاكر] إذا سقط من الناسخ بعض الكلمات: وأراد أن يكتبها في نسخته، فالأصوب أن يضع في موضع السقط - بين الكلمتين- خطا رأسيا، ثم يعطفه بين السطرين، بخط أفقي صغير، إلى الجهة التي سيكتب فيها ما سقط منه، فيكون بشكل زاوية قائمة هكذا -| إلى اليمين، أو هكذا |- إلى اليسار، واختار بعضهم أن يطيل الخط الأفقي حتى يصل إلى ما يكتبه، وهو رأي غير جيد، لأن فيه تشويها لشكل الكتاب، ويزداد هذا التشويه إذا كثرت التصحيحات. ثم يكتب ما سقط منه، ويكتب بجواره كلمة (صح) أو كلمة (رجع). والاكتفاء بالأولى أحسن وأولى.
وذهب بعضهم إلى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب الكتاب،
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= ولكن هذا غير مقبول، لئلا يظن القارئ أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفي الصلب مكررة في الأصل، وهو إيهام قبيح.
وأما إذا أراد أن يكتب شيئًا بحاشية الكتاب، على سبيل الشرح أو نحوه، ولا يكون إتمامًا لسقط من الأصل، فيحسن أن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها، فتكون العلامة فوقها، ليفرق بين التصحيح وبين الحاشية.
واختار القاضي عياض [١] أن يضبب فوق الكلمة. وفي عصورنا هذه نضع الأرقام للحواشي، كما ترى في هذا الكتاب.
ومن شأن المتقنين في النسخ والكتابة أن يضعوا علامات توضح ما يخشى إبهامه.
فإذا وجد كلاما صحيحا معنى ورواية، وهو عرضة للشك في صحته أو الخلاف فيه كتب فوقه (صح) وإذا وجد ما صح نقله وكان معناه خطأ وضع فوقه علامة التضبيب، وتسمى أيضًا (التمريض) وهي صاد ممدودة هكذا (صـ). ولكن لا يلصقها بالكلام، لئلا يظن أنه إلغاء له وضرب عليه.
وكذلك توضع هذه العلامة على موضع الإرسال أو القطع في الإسناد، وكذلك فوق أسماء الرواة المعطوفة، نحو (فلان وفلان)، لئلا يتوهم الناظر أن العطف خطأ، وأن الأصل (فلان عن فلان).
والأحسن في الإرسال والقطع والعطف ونحوها -: وضع علامة التصحيح، كما هو ظاهر.
وفيما كان خطأ في المعنى: أن يكتب فوقه أو بجواره كلمة (كذا). وهو المستعمل كثيرا في هذه العصور.
وإذا غلط الكاتب فزاد في كتابته شيئًا: فإما أن يمحوه، إن كان قابلا للمحو، أو يكشطه بالسكين ونحوها: وهذا عمل غير جيد.
والأصوب أن يضرب عليه بخط يخطه عليه، مختلطًا بأوائل كلماته، =