← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 150481

الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ط ابن الجوزي

أحمد شاكر

Полный текст (471 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْحَرْبِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (١). (قُلْتُ): قَدْ رَأَيْتُهُ فِي خَطِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.) (٢) قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ (٣): وَيَنْبَغِي (أَنْ) (٤) يَتْرُكَ الدَّائِرَةَ غَفَلًا، فَإِذَا قَابَلَهَا نَقَطَ فِيهَا نُّقْطَةَ. قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٥): وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ "عَبْدُ اللَّهِ بن فُلَانٌ، فَيَجْعَلُ "عَبْدُ" في آخِرَ سَطْرٍ وَالْجَلَالَةَ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ، بَلْ يَكْتُبُهُما فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَلْيُحَافِظْ عَلَى (الثَّنَاءِ) (٦) عَلَى اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِهِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ فَلَا يَسْأَمُ، فَإِنَّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَ (٧): وَمَا وُجِدَ مِنْ خَطِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الرِّوَايَةَ. قَالَ الْخَطِيبُ (٨): وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ نُطْقًا لَا خَطًّا «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] ذهب أحمد بن حنبل إلى أن الناسخ يتبع الأصل الذي ينسخ =

стр. 282

قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَلْيَكْتُبْ الصَّلَاةَ وَالتَّسْلِيمَ مُجَلَّسَةً «١» لَا رَمْزًا قَالَ (٢): وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى قَوْلِهِ "﵇"، يَعْنِي وَلْيَكْتُبْ صلي الله عليه وسلم وَاضِحَةً كَامِلَةً. قَالَ: وَلْيُقَابِلْ أَصْلَهُ بِأَصْلٍ مُعْتَمَد مَعَ نَفْسِهِ ومع غَيْرِهِ مِنْ مَوْثُوقٍ بِهِ ضَابِطٍ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ شَدَّدَ، وَقَالَ لَا يُقَابِلُ إِلَّا مَعَ نَفْسِهِ قَالَ وَهَذَا مَرْفُوضٌ مَرْدُودٌ (٣) «٢». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = منه، فإن كان فيه ذلك كتبه، وإلا لم يكتبه، وفي كل الأحوال يتلفظ الكاتب بذلك حين الكتابة: فيصلي نطقًا وخطا، إذا كانت في الأصل صلاة. ونطقا فقط إذا لم تكن. وهذا هو المختار عندي، محافظة على الأصول الصحيحة لكتب السنة وغيرها، وكذلك اختاره في طبع آثار المتقدمين، وبه أعمل إن شاء الله. [شاكر] «١» [شاكر] ضُبطت في الأصل مشددة اللام مفتوحة، ومعناها تامة من غير نقص أو رمز. [شاكر] «٢» [شاكر] بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه، أو على أصل آخر مقابل، أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة. وهذا لتصحيح المنسوخ، خشية سقوط شيء منه أو وقوع خطأ في النقل. قال عروة بن الزبير لابنه هشام: (كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضتَ كتابك؟ قال: لا. قال: لم تكتب) [١]. =

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وقال الأخفش: (إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض: خرج أعجميًّا) [١]. ويقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب، إن أمكن، وهو أحسن، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: (أصدق المعارضة مع نفسك) [٢]. بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، فقال: (لا تصح مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره) [٣]. وأرى أن هذا يختلف باختلاف الظروف والأشخاص، وكثير من الناس يتقنون المقابلة وحدهم، ويطمئنون إليها أكثر من المقابلة مع غيرهم. وإذا لم يتمكن الكاتب من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره ممن يثق به. ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها، فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في نسخته. وذهب ابن معين إلى اشتراط ذلك، فقد سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: (أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم) [٤]. قال النووي: (والصواب، الذي قاله الجمهور، أنه لا يشترط) [٥]. أما إذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل: فذهب القاضي عياض [٦] وغيره =

стр. 284

(وَقَدْ تَكَلَّمَ) (١) الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّخْرِيجِ وَالتَّضْبِيبِ وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمُطَّرِدَةِ وَالْخَاصَّةِ مَا أَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ جِدًّا (٢) «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = إلى أنه لا يجوز له الرواية منه عند عدم المقابلة، والصواب الجواز، إذا كان ناقل الكتاب ضابطا صحيح النقل قليل السقط. وينبغي أن يبين حين الرواية أنه لم يقابل على الأصل المنقول منه، كما كان يفعل أبو بكر البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: (أخبرنا فلان ولم أعارض بالأصل) [١]. ثم إن الشروط التي سبقت في تصحيح نسخة الراوي ومقابلتها بأصلها إلخ: تعتبر أيضًا في الأصل المنقول عنه، لئلا يقابل نسخته على أصل غير موثوق به، ولا مقابل على ما نقل منه [شاكر]. «١» [شاكر] إذا سقط من الناسخ بعض الكلمات: وأراد أن يكتبها في نسخته، فالأصوب أن يضع في موضع السقط - بين الكلمتين- خطا رأسيا، ثم يعطفه بين السطرين، بخط أفقي صغير، إلى الجهة التي سيكتب فيها ما سقط منه، فيكون بشكل زاوية قائمة هكذا -| إلى اليمين، أو هكذا |- إلى اليسار، واختار بعضهم أن يطيل الخط الأفقي حتى يصل إلى ما يكتبه، وهو رأي غير جيد، لأن فيه تشويها لشكل الكتاب، ويزداد هذا التشويه إذا كثرت التصحيحات. ثم يكتب ما سقط منه، ويكتب بجواره كلمة (صح) أو كلمة (رجع). والاكتفاء بالأولى أحسن وأولى. وذهب بعضهم إلى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب الكتاب،

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = ولكن هذا غير مقبول، لئلا يظن القارئ أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفي الصلب مكررة في الأصل، وهو إيهام قبيح. وأما إذا أراد أن يكتب شيئًا بحاشية الكتاب، على سبيل الشرح أو نحوه، ولا يكون إتمامًا لسقط من الأصل، فيحسن أن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها، فتكون العلامة فوقها، ليفرق بين التصحيح وبين الحاشية. واختار القاضي عياض [١] أن يضبب فوق الكلمة. وفي عصورنا هذه نضع الأرقام للحواشي، كما ترى في هذا الكتاب. ومن شأن المتقنين في النسخ والكتابة أن يضعوا علامات توضح ما يخشى إبهامه. فإذا وجد كلاما صحيحا معنى ورواية، وهو عرضة للشك في صحته أو الخلاف فيه كتب فوقه (صح) وإذا وجد ما صح نقله وكان معناه خطأ وضع فوقه علامة التضبيب، وتسمى أيضًا (التمريض) وهي صاد ممدودة هكذا (صـ). ولكن لا يلصقها بالكلام، لئلا يظن أنه إلغاء له وضرب عليه. وكذلك توضع هذه العلامة على موضع الإرسال أو القطع في الإسناد، وكذلك فوق أسماء الرواة المعطوفة، نحو (فلان وفلان)، لئلا يتوهم الناظر أن العطف خطأ، وأن الأصل (فلان عن فلان). والأحسن في الإرسال والقطع والعطف ونحوها -: وضع علامة التصحيح، كما هو ظاهر. وفيما كان خطأ في المعنى: أن يكتب فوقه أو بجواره كلمة (كذا). وهو المستعمل كثيرا في هذه العصور. وإذا غلط الكاتب فزاد في كتابته شيئًا: فإما أن يمحوه، إن كان قابلا للمحو، أو يكشطه بالسكين ونحوها: وهذا عمل غير جيد. والأصوب أن يضرب عليه بخط يخطه عليه، مختلطًا بأوائل كلماته، =

стр. 286

وَتَكَلَّمَ عَلَى كِتَابَةِ "ح" بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ، وَأَنَّهَا "ح" مُهْمَلَةٌ، مِنْ التَّحْوِيلِ أَوْ الْحَائِلُ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ، أَوْ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِهِ "الْحَدِيثَ". (قُلْتُ): وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا "خَاءٌ" مُعْجَمَةٌ، أَيْ إِسْنَادٌ آخَرُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْه (١). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = ولا يطمسها. وبعضهم يخط فوقه خطا منعطفًا عليه من جانبه، هكذا، أو يضع الزيادة بين صفرين مجوفين o ... o أو بين نصفي دائرة، وكل هذا موهم. وإذا كان الزائد كثيرا فالأحسن أن يكتب فوقه في أول كلمة (لا) أو (من) أو (زائد) وفي آخره فوقه أيضًا كلمة (إلى)، ليعرف القارئ الزيادة بالضبط من غير أن يشتبه فيها. وتجد هذا كثيرا في الكتب المخطوطة القديمة، التي عني أصحابها بصحتها ومقابلتها. وإذا كانت الزيادة بتكرار كلمة واحدة مرتين، فقيل: يضرب على الثانية مطلقًا، وقيل بالتفصيل، فيضرب عليها إن كانتا في أول السطر أو وسطه، ويضرب على الأولى إن كانتا في آخر السطر، أو كانت الأولى في آخره والثانية في أول السطر التالي، مع ملاحظة أن لا يفصل بين الوصف والموصوف، ولا بين المضاف والمضاف إليه، وإن كانتا في وسط السطر أبقى أحسنهما صورة وأوضحهما [شاكر].

стр. 287

النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ في صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ (١) قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٢): شَدَّدَ قَوْمٌ فِي الرِّوَايَةِ، فَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ مِنْ حِفْظِ الرَّاوِي أَوْ تَذَكُّرِهِ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ (٣)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٤)، وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيِّ المَرْوَزِيِّ (٥). وَاكْتَفَى آخَرُونَ، وَهُمْ الْجُمْهُورُ، بِثُبُوتِ سَمَاعِ الرَّاوِي لِذَلِكَ الَّذِي يَسْمَعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِخَطِّ غَيْرِهِ، وَإِنْ غَابَتْ عَنْهُ النُّسْخَةُ، إِذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتَهَا مِنْ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ (٦). وَتَسَاهَلَ آخَرُونَ (٧) فِي الرِّوَايَةِ مِنْ نُسَخٍ لَمْ تُقَابَلْ، وبِمُجَرَّدِ قَوْلِ

стр. 288

الطَّالِبِ "هَذَا مِنْ رِوَايَتِكَ" مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ، وَلَا نَظَرٍ (١) فِي النُّسْخَةِ، وَلَا تَفَقُّدِ طَبَقَةِ سَمَاعِهِ. قَالَ (٢): وَقَدْ عَدَّهُمْ الْحَاكِمُ فِي طَبَقَاتِ الْمَجْرُوحِينَ. (فَرْعٌ) قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ (٣): وَالسَّمَاعُ عَلَى الضَّرِيرِ أَوْ (٤) الْبَصِيرِ الْأُمِّيِّ، إِذَا كَانَ مُثْبَتًا بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْ قَوْلِهِ؛ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ فمن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها (٥). " فرع آخر ": إذا روى كتاباً، كالبخاري مثلاً، عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل (سماعه) (٦) فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها - فحكى الخطيب (٧) عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه، و (حكى) (٨) (عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك (٩). " قلت ": وإلى هذا أجنح «١» .. والله أعلم. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وهو الصواب، لأن العبرة في الرواية بالثقة واطمئنان النفس إلى صحة ما يروى [شاكر].

стр. 289

وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح فقال (١): إن كانت له من شيخه إجازة جازت) (٢) روايته والحالة هذه «١». " فرع آخر ": إذا اختلف حفظ الحافظ وكتابه: فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه (٣). وحَسُنَ أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة (٤). وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ، فلينبه على ذلك عند روايته كما فعل سفيان الثوري (٥). والله أعلم. " فرع آخر ": لو وجد طبقة سماعه في كتاب، إما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك -: فقد حُكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية: أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية (٦)، والجادة من مذهب الشافعي - وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف - الجواز، اعتماداً على ما غلب على ظنه، وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه (٧). (قلت): هذا يشبه ما إذا نسي الراوي سماعه فإنه يجوز روايته عنه ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] لأنه إذا كانت في النسخة الأخرى زيادات فقد رواها عن شيخه بالإجازة [شاكر].

стр. 290

لمن سمعه ولا يضر نسيانه، والله أعلم) (١). " فرع آخر": وأما روايته الحديث بالمعنى: فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى: فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة. وأما إذا كان عالماً بذلك، بصيراً بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك -: فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفاً وخلفاً وعليه العمل، كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة، من وجوه مختلفة متباينة. (٢) ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث (٣)، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد (٤) التشديد. وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك. والله أعلم. وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس (٥) ﵃ يقولون - إذا رووا الحديث -: " أو نحو هذا "، أو "شبهه"، أو قريباً منه " «١» ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالما بالألفاظ =

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = ومدلولاتها ومقاصدها، ولا خبيرا بما يحيل معانيها، ولا بصيرا بمقادير التفاوت بينها- لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه. هكذا نقل ابن الصلاح [١] والنووي وغيرهما الاتفاق عليه. ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم: فمنعها أيضًا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول. وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبي ﷺ المرفوعة، وأجازها فيما سواه. وهو قول مالك، رواه عنه البيهقي في المدخل، وروي عنه أيضًا أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله ﷺ [٢]. وبه قال الخليل بن أحمد. واستدل له بحديث: "رب مبلغ أوعى من سامع". [٣] فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه. وذهب بعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط. وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقادًا وإلى منعها إن أوجب عملا. وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى، لأنه وجب عليه التبليغ، وتحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما، فيلزمه أداء الآخر. وعكس بعضهم: فأجازها لمن حفظ اللفظ، ليتمكن من التصرف فيه، دون من نسيه، والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري. وجزم القاضي أبو بكر بن العربي بأنه إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم. قال في أحكام القرآن (ج ١ ص ١٠): (إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم. وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى فإنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجا =

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = من الأخبار بالجملة. والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة. الثاني: أنهم شاهدوا قول النبي ﷺ وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله. وليس من أُخْبِرَ كمن عاينَ. ألا تراهم يقولون في كل حديث: (أمر رسول الله ﷺ بكذا) و (نهى رسول الله ﷺ عن كذا)، ولا يذكرون لفظه؟ وكان ذلك خبرًا صحيحًا، ونقلا لازماً. وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه). وقال ابن الصلاح [١] (ص ١٨٩): (ومنعه بعضهم في حديث رسول الله ﷺ وأجازه في غيره. والأصح جواز ذلك في الجميع، إذا كان عالما بما وصفناه قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين. وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة. وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس - فيما نعلم- فيما تضمنته بطون الكتب. فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظًا آخر بمعناه فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحَرجِ والنَّصَبِ، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب؛ ولأنه إن ملك تغيير اللفظ، فليس يملك تغيير تصنيف غيره). واقرأ في هذا الموضوع بحثاً نفيسًا للإمام الحافظ ابن حزم، في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام). (ج ٢ ص ٨٦ - ٩٠). وقد استوفى الأقوال وأدلتها شيخنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري، ﵀ في كتابه (توجيه النظر). (ص ٢٩٨ ص ٣١٤) وبعد: فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملا، وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرا. =

стр. 293

"فرع آخر": وهل يجوز اختصار الحديث، فيحذف بعضه، إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمذكور؟ على قولين: فالذي عليه صنيع (أبي عبد الله) (١) البخاري: اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن (٢). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = قال القاضي عياض: (ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن، ممن يَظُن أنه يحسن، كما وقع للرواة قديماً وحديثاً). والمتتبع للأحاديث يجد أن الصحابة - أو أكثرهم- كانوا يروون بالمعنى، ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيرا منهم حرص على اللفظ النبوي، خصوصا فيما يتعبد بلفظه، كالتشهد، والصلاة، وجوامع الكلم الرائعة، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك. وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وإن اختلفت ألفاظهم، فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه. ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي ﷺ وسمع ألفاظه وأما من بعدهم، فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع، ولذلك ذهب بن مالك -النحوي الكبير- إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو واتخذها شواهد كشواهد الشعر، وإن أبى ذلك أبو حيان ﵀. والحق ما اختاره ابن مالك. وأما الآن، فلن ترى عالما يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى. إلا على وجه التحدث في المجالس. وأما الاحتجاج وإيراد الأحاديث رواية فلا. ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث: (أو كما قال) أو كلمة تؤدي هذا المعنى، احتياطًا في الرواية. خشية أن يكون الحديث مرويًّا بالمعنى. وكذلك ينبغي له هذا إذا وقع في نفسه شك في لفظ ما يرويه؛ ليبرأ من عهدته [شاكر]

стр. 294

وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه (١). وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديماً وحديثاً «١». قال ابن الحاجب في مختصره: " مسألة ": حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ، كان مالك ﵀ يفعل ذلك كثيراً، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: انقِص الحديث ولا تَزد فيه (٢). "فرع آخر": ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية. قال الأصمعي: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار "، فإن النبي ﷺ لم يكن ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] أي على جواز اختصار الحديث، وعليه عمل الأئمة. والمفهوم أن هذا إذا كان الخبر واردا بروايات أخرى تاما، وأما إذا لم يرد تامًّا من طريق أخرى فلا يجوز، لأنه كتمان لما وجب إبلاغه. وإذا كان الراوي موضحا للتهمة في روايته فينبغي له أن يحذر اختصار الحديث بعد أن يرويه تاما، لئلا يتهم بأنه زاد في الأول ما لم يسمع. أو أخطأ بنسيان ما سمع. وكذلك إذا رواه مختصرًا وخشي التهمة: فينبغي له أن لا يرويه تاما بعد ذلك [شاكر].

стр. 295

يلحن" (١) (٢). وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين. والله الموفق (٣). وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور (٤). وحكى عن محمد ابن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة «١» أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحوناً (٥). قال ابن الصلاح (٦): وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] بفتح السين المهملة وإسكان الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة [شاكر].

стр. 296

وعن القاضي عياض (١): أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ: أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها «١»، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه. قال (٢): وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه. قال (٣): "والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع". وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل (٤). " قلت ": ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشيخ ترك روايته، لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي ﷺ لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه كذلك. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] في الأصل: (واصطلاحها) وهو خطأ [شاكر].

стр. 297

" فرع ": وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب. وقد قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] إذا وجد الراوي في الأصل حديثا فيه لحن أو تحريف، فالأولى أن يتركه على حاله، ولا يمحوه، وإنما يضبب عليه، ويكتب الصواب في الهامش. وعند الرواية يروي الصواب من غير خطأ، ثم يبين ما في أصل كتابه. وإنما رجحوا إبقاء الأصل، لأنه قد يكون صوابا وله وجه لم يدركه الراوي، ففهم أنه خطأ، لا سيما فيما يعدونه خطأ من جهة العربية. لكثرة لغات العرب وتشعبها. قال ابن الصلاح: [١] (ص ١٩٢): (والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وهو أسلم مع التبيين). ثم قال: (وأصلح ما يعتمد عليه في الإصلاح: أن يكون ما يُصْلَح به الفاسد قد ورد في أحاديث أخر، فإن ذاكره آمن من أن يكون مُتَقَوِّلاً على رسول الله ﷺ ما لم يَقُلْ). وإذا كان في الكتاب سقط لا يتغير المعنى به، كلفظ (ابن)، أو حرف من الحروف، فلا بأس من إتمامه، من غير بيان أصله. وكذا إذا كان يغير المعنى، ولكن تيقن أن السقط سهو من شيخه، وأن من فوقه من الرواة أتى به، وإنما يجب أن يزيد كلم (يعني)، كما فعل الحافظ الخطيب: إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن القاضي المحاملي بإسناده عن عروة عن عمرة (تعني عن عائشة) أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه فأرجله)، قال الخطيب: (كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يدني إلي رأسه)، فألحقنا فيه ذكر عائشة، إذا لم يكن منه بد، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا أبي عمر، وقلنا فيه: تعني عن عائشة ﵂، لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك) [٢]. - وإذا درس من كتابه - أي ذهب بتقطع أو بلل أو نحوه- بعض الكلام، أو شك في شيء مما فيه، أو مما حفظ، وثبته فيه غيره من الثقات، واطمأن قلبه إلى الصواب: جاز له إلحاقه بالأصل، ويحسن أن يبين ذلك، ليبرأ من عهدته. =

стр. 298

(فَرْعٌ آخَرُ) (١): وَإِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ عَنْ شَيْخَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَبَيْنَ أَلْفَاظِهِمْ تَبَايُنٌ فَإِنْ رَكَّبَ السِّيَاقَ مِنَ الْجَمِيعِ، (كَمَا فَعَلَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ (٢)، حِينَ رَوَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ " وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ، فَدَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ" وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ، فَهَذَا سَائِغٌ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ قَدْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ، وَخَرَّجُوهُ فِي كُتُبِهِمْ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا. وَلِلرَّاوِي أَنْ يُميز رواية كُلَّ وَاحِدَ مِنْهَا عَنْ الْأُخْرَى، وَيَذْكُرَ مَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَحْدِيثٍ) (٣) وَإِخْبَارٍ وَإِنْبَاءٍ وَهَذَا مِمَّا يَعتني بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَيُبَالِغُ فِيهِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَلَا يُعَرِّجُ غالبا عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا تَعَاطَاهُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَهُوَ نَادِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ آخَرُ) وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي نَسَبِ الرَّاوِي، إِذَا بَيَّنَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ عِنْدِهِ وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ = ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = هذا الذي رآه علماء الفن. والذي أراه في كل هذه الصور، وأعمل به في كتاباتي وأبحاثي -: أن الواجب المحافظة على الأصل، مع بيان التصحيح بحاشية الكتاب، إلا إذا كان الخطأ واضحًا، ليس هناك شبهة في أنه خطأ. فيذكر الصواب ويبين في الحاشية نص ما كان في الأصل، أداء للأمانة الواجبة في النقل [شاكر].

стр. 299

وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). (فَرْعٌ آخَرُ) جَرَتْ عَادَةُ الْمُحَدِّثِينَ إِذَا قَرَءُوا يَقُولُونَ أَخْبَرَك فُلَانٌ، قَالَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، قَالَ أنبأنا (٢) فُلَانٌ"، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُ لَفْظَةَ "قَالَ"، وَهُوَ سَائِغٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَمَا كَانَ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، كَنُسْخَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ معمر عن همام عن أبي هريرة «١»، (ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك -: (فله إعادة الإسناد) (٣) عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: " وبالإسناد ". أو: " وبه إلى رسول الله ﷺ قال كذا وكذا "، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد (٤). "قلت": والأمر في هذا قريب) (٥) سهل يسير. والله أعلم. وأما إذا قدَّم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: " قال ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] فائدة: صحيفة همام بن منبه: صحيفة جيدة. صحيحة الإسناد. رواها عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وقد اتفق الشيخان - البخاري ومسلم- على كثير من أحاديثها. وانفرد كل واحد منهما ببعض ما فيها، وإسنادها واحد، ودرجة أحاديثها في الصحة درجة واحدة. وهذا حجة لمن ذهب إلى أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح، ولم يلتزما إخراج كل ما صح عندهما. وقد رواها أحمد في مسنده عن عبد الرزاق (رقم ٨١٠٠ - ٨٢٣٥ ج ٢ ص ٣١٢ - ٣١٩)، وروى منها ثلاثة أحاديث في مواضع متفرقة [شاكر].

стр. 300

رسول الله ﷺ كذا وكذا " ثم قال: " أخبرنا به "، وأسنده: فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولاً ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف، ذكره الخطيب وابن الصلاح (١)، والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم. ولهذا يعيد (٢) محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الجزء (٣)، لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء، من تقديم إسناده وتأخيره «١». والله أعلم. " فرع ": إذا روى حديثاً بسنده، ثم أتبعه بإسناد له آخر، وقال في آخره: " مثله " أو " نحوه "، وهو ضابط محرر: فهل يجوز رواية لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم (٤)، حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله "مثله"، ولا يجوز في "نحوه" (٥). قال الخطيب (٦): إذا قيل بالرواية على هذا المعنى ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] نقل السيوطي في التدريب [١] (ص ١٦٨) عن ابن حجر أنه قال: (تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدئ به، ثم بعد الفراغ يذكر السند. وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حل منه: فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى) [شاكر].

стр. 301

فلا فرق بين قوله " مثله " أو " نحوه "، ومع هذا أختار قول ابن معين «١». والله أعلم. أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: "الحديث"، أو " الحديث بتمامه "، أو " بطوله " أو " إلى آخره "، كما جرت به عادة كثير من الرواة: فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني الفقيه الأصولي (١)، وسأل أبو بكر البرقاني شيخه أبا بكر الإسماعيلي (٢) عن ذلك؟ فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى. قال ابن الصلاح (٣): " قلت ": وإذا جوَّزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية. (قلت) (٤): وينبغي أن يُفصَّل (٥)، فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وقال الحاكم: (إن مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان: أن يفرق بين أن يقول (مثله) أو يقول (نحوه)، فلا يحل له أن يقول (مثله) إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل له أن يقول (نحوه) إذا كان على مثل معانيه) [شاكر].

стр. 302

الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه (وتحقق سماعه. والله أعلم) (١). فرع: إبدال لفظ " الرسول " "بالنبي "أو " النبي " " بالرسول ". قال ابن الصلاح (٢): الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني (لاختلاف) (٣) معنييهما، ونقل عن عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك. فإذا كان في الكتاب " النبي " فكتب المحدث " رسول الله ﷺ " ضرب على " رسول " وكتب " النبي " (٤). قال الخطيب (٥): وهذا منه استحباب، فإن مذهبه الترخيص في ذلك. قال صالح «١»: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به (٦). وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبَهْزاً «٢» كانا يفعلان ذلك ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] صالح يعني ابن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ له مسائل عن أبيه [شاكر]. «٢» [شاكر] بفتح الباء وسكون الهاء وبالزاي [شاكر].

стр. 303

بين يديه «١»، فقال لهما: أمَّا أنتما فلا تفقهان أبداً! ! «٢» (١)! ! " فرع: الرواية في حال المذاكرة ": هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح (٢) عن ابن مهدي، وابن المبارك، وأبي زرعة، المنع من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خوَّان «٣». (قال ابن الصلاح (٣): "ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه) (٤) إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] بين يديه: أي بين يدي حماد بن سلمة [شاكر]. «٢» [شاكر] استدل للمنع من ذلك بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم، وفيه: (ونبيك الذي أرسلت)، فإعاده البراء على النبي ﷺ ليحفظه، فقال فيه: (ورسولك الذي أرسلت)، فقال (لا، ونبيك الذي أرسلت) [١] وأجاب عنه العراقي: بأنه لا دليل فيه، لأن ألفاظ الذكر توقيفية. والراجح عندي اتباع ما سمعه الراوي من شيخه، وأولى بالمنع تغيير ذلك في الكتب المؤلفة [شاكر]. «٣» [شاكر] حال المذاكرة: هي أن يتذاكر أهل العلم فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث فإنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية، لتيقنهم أنها لم يقصد بها السماع منهم، ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة [شاكر].

стр. 304

قال: فإذا حدث بها فليقل: " حدثنا فلان مذاكرة "، أو " في المذاكرة "، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس والله أعلم". [فرع] (١): وإذا كان الحديث عن اثنين، جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط الآخر ثقة كان أو ضعيفاً. وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالباً (٢). وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره «١». والله أعلم (٣). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] إذا كان الحديث واردًا عن رجلين ثقتين، أو عن ثقة وضعيف، فالأولى أن يذكرهما معا، لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر. فإن اقتصر على أحدهما جاز، لأن الظاهر اتفاق الروايتين، والاحتمال المذكور نادر. وأما إذا كان الحديث بعضه عن رجل، وبعضه عن رجل آخر من غير أن تميز رواية كل واحد منهما، فلا يجوز حذف أحدهما، سواء كان ثقة أو مجروحا، لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه قطعا. ويكون الحديث كله ضعيفاً إذا كان أحدهما مجروحًا، لأن كل جزء من الحديث يتحمل أن يكون من رواية المجروح. وأما إذا كانا ثقتين، فإنه حجة، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة. ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري قال: "حدثني عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة"، قال: "وكل قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأَنَا أَوْعَى لحديث بعضهم من بعض) ثم ذكر الحديث [شاكر].

стр. 305

(النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ) (١) في (آدَابِ) (٢) الْمُحَدِّثِ «١» (٣) وَقَدْ أَلَّفَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّاهُ "الْجَامِعُ لِآدَابِ الراوي وَالسَّامِعِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ مُهِمَّاتٌ فِي غضونِ (٤) الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ اِبْنُ خَلَّادٍ وَغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْحَدِيثِ إِلَّا بَعْدَ اِسْتِكْمَالِ خَمْسِينَ سَنَةً (٥)، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعِينَ سَنَةً (٦)، وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وقع بياض بالأصل يسع كلمة "آداب" فأضفناها من السياق ومن عنوان هذا الباب في مقدمة ابن الصلاح [شاكر]

стр. 306

عِيَاضٌ ذَلِكَ (١) بِأَنَّ أَقْوَامًا حَدَّثُوا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ بَلْ قَبْلَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُمْ: "مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ" ازدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِهِ أَحْيَاءٌ. قَالَ اِبْنُ خَلَّادٍ (٢): فَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اِخْتَلَطَ. وَقَدْ اِسْتَدْرَكُوا عَلَيْهِ بِأَنْ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ حَدَّثُوا بَعْدَ هَذَا السِّنِّ مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وخَلْقٌ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ (٣). وَقَدْ حَدَّثَ آخَرُونَ بَعْدَ اِسْتِكْمَالِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهُمْ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الهُجَيْمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ -أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (٤) - [قلت] (٥): وَجَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ.

стр. 307

لَكِنْ إِذَا كَانَ الِاعْتِمَادِ عَلَى حِفْظِ الشَّيْخِ الرَّاوِي فَيَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنْ اِخْتِلَاطِهِ إِذَا طَعَنَ فِي السِّنِّ. و(أما) (١) إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه، فهاهنا كلما كان السن عالياً كان الناس أرغب في السماع عليه. كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار (٢)، فإنه جاوز المائة محققاً، سمع على الزبيدي (٣) سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، واسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان شيخاً كبيراً عامياً، لا يضبط شيئاً ولا يتعقل كثيراً من المعاني الظاهرة، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون «١». قالوا: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق، حسن الطريقة، صحيح النية، (فإن عزبت نيته عن الخير «٢» فليسمع، فإن العلم يرشد ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وأنا أرى أن مثل هذا السماع لا قيمة له، بل هو تكلف وغلو في طلب علو السند، من غير وجهه الصحيح، فما قيمة السماع من رجل يوصف بأنه "عامي"، لا يضبط شيئًا، ولا يتعقل كثيرًا من المعاني الظاهرة؟ ! [شاكر]. «٢» [شاكر] في الأصل" في الخير" وهو خطأ. [شاكر]

стр. 308

إليه) (١)، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله (٢). وقالوا (٣): ولا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى (٤) سناً أو سماعاً. بل كره (٥) بعضهم التحديث، لمن في البلد أحق منه. (وينبغي له أن يدل عليه ويرشد إليه فإن الدين.) (٦) النصيحة «١». قالوا: وينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمِع على أكمل ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وذهب ابن دقيق العيد [١] إلى أنه لا يرشد إلى صاحب الإسناد العالي إذا كان جاهلاً بالعلم، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب خللاً، وهذا قيد صحيح [شاكر].

стр. 309

الهيئات، كما كان مالك ﵀: إذا حضر مجلس التحديث، توضأ، وربما اغتسل، وتطيب، ولبس (١) أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزَبرَ (٢) من يرفع صوته «١» (٣). وينبغي افتتاح ذلك بقراءة شيء من القرآن (٤)، تبركاً وتيمناً بتلاوته، ثم بعده التحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله ﷺ . وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء، فصيح العبارة، وكلما مر بذكر النبي ﷺ ؛ صلى عليه وسلم. (قال الخطيب (٥): ويرفع صوته بذلك، وإذا مر بصحابي ترضى عنه. وحسن أن يثني على شيخه، كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر (٦) (٧) البحر ابن عباس. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] كان مالك ﵀ إذا رفع أحدٌ صوته في مجلس الحديث انتهره وزجره، ويقول: "قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات الآية ٢]، فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته" [شاكر].

стр. 310

وكان وكيع يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وينبغي أن لا يذكر أحداً بلقب يكرهه، فأما لقب يتميز به فلا بأس «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] لا بأس أن يذكر الشيخ من يروي عنه بلقب، مثل "غُنْدَر"، أو وصف، نحو "الأعمش"، أو حرفة، مثل "الحناط"، أو بنسبتهِ إلى أمه، مثل "ابن عُلية"، إذا عرف الراوي بذلك، ولم يقصد أن يعيبه به، وإن كَرِهَ الملقب بهِ ذلك. (فائدة): كان الحفاظ من العلماء المتقدمين، ﵃، يعقدون مجالس لإملاء الحديث. وهي مجالس عامة، فيها علم جم، وخيرٌ كثير، ومن آدابها أنه يجب على الشيخ أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة، وفيها من لا يفقه كثيراً من العلم، فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوِها. وليجتنب [١] أحاديث الصفات، لأنه لا يُؤْمَنُ عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم، ويجتنب أيضُا الرخص والإسرائيليات، وما شَجَرَ بين الصحابة من الخلاف، لئلا يكون ذلك فتنة للناس. ثم يختم مجلس الإملاء بشيء من طُرَف الأشعار والنوادر. كعادة الأئمة السالفين- ﵃. وإذا كان الشيخ المُملي غير متمكن من تخريج أحاديثه التي يمليها، إما لضعفهِ في التخريج، وإما لاشتغاله بأعمال تهمه، كالإفتاء أو التأليف، استعان على ذلك بمن يثق بهِ من العلماء الحفاظ. وهذا الإملاء سنة جيدة، اتبعها السلف الصالح رضوان الله عليهم، ثم انقطع بعد الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣. قال السيوطي في التدريب: (ص ١٧٦) [٢]: "وقد كان الإملاء دَرَس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة ٧٥٦، فأملى أربعمائة مجلس وبضعة عشر مجلسا إلى سنة موته، سنة ٨٠٦ ثم أملى ولده إلى أن مات، سنة ٨٢٦ ستمائة مجلس وكسراً. ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى =

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = أن مات سنة ٨٥٢، أكثر من ألف مجلس. ثم دَرَس تسعة عشر سنة، فَافْتَتَحْتُهُ أول سنة ٨٧٨، فأمليتُ ثمانين مجلساً، ثم خمسين أخرى". وقد انقطع الإملاء بعد ذلك، إلا فيما نَدَر؛ لندرة العلماء الحفاظ، وندرة الطالبين الحريصين على العلم والرواية. وقد رأيت بعض أمالي الحافظ ابن حجر، مخطوطة في بعض المكاتب، وياليتنا نجد من يطبعها وينشرها على الناس. واعلم أنه قد أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث: فأعلاها: "أمير المؤمنين في الحديث"، وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة هذا الِشأن، والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والدارقطني، وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني، ﵃ جميعا. ثم يليه: "الحافظ" [١]، وقد بين الحافظ المزي الحدَ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يُطلق عليه "الحافظ"، فقال: "أقل ما يكون أن تكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبُلدانهم: أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب". فقال له التقي السبكي: "هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحداً كذلك؟ "، فقال: "ما رأينا مثل الشيخ الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثُّرَيَّا من الثّرى؟ ! " فقال السبكي: "كان يصل إلى =

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = هذا الحد؟ "، قال: "ما هو إلا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، لأجل الفقه والأصول" [١]. وقال أبو الفتح بن سيد الناس: "أما المحدث في عصرنا، فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواته، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك، حتى عُرِفَ فيه خطُهُ، واشتهر ضبطُهُ، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه، طَبَقةً بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله- فهذا هو الحافظ". وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخَه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال: "ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظًا؟ وهل يُتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك، لنقص زمانه أم لا؟ " فأجاب: "الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقتٍ ببلوغ بعضهم للحفظ، وغلبتهُ في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك" [٢]. وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي. وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق. ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين: فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان. فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى، فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره، من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم =

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن. بخلاف ما ذَكَرَ من جميع ما ذُكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر، وانتفاء الموانع. وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة [١]. فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه. نقل ذلك كله السيوطي في التدريب (ص ٧ - ٨) [٢]. وأدنى من "الحافظ" درجة يسمى "المحدث" قال التاج السبكي في كتابه: "معيد النعم" فيما نقله في التدريب: "ص ٦" [٣]: "من الناس فرقة ادعت الحديث، فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فإن ترفعت فإلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين! وما ذلك إلا بجهلها بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضم إليهما من المتون مثليهما: لم يكن محدثا، ولا يصير بذلك محدثاً، حتى يلج الجملُ في سم الخياط! فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث -على زعمها- اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، أو مختصره المسمى بالتقريب للنووي، ونحو ذلك، وحينئذ ينادى من انتهى إلى هذا المقام: محدث المحدثين، وبخاري العصر! وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة فإن ما ذكرناه لا يعد محدثًا بهذا =

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = القدر. إنما المحدث: من عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية، هذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه، وَكَتَبَ الطِّبَاقَ، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والوفيات والأسانيد: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء". ودون هذين من يسمى "المسنِد" - بكسر النون- وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها، من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها، وهو الرَّاوية فقط. وقد وصف التاج السبكي هؤلاء الرواة فقال: "ومن أهل العلم طائفة طلبت الحديث، وجعلت دأبها السماع على المشايخ، ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة، إلا أن كثيرا منهم يجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون، وكثرة السماع، من غير فهم لما يقرؤونه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أني حَصَّلْتُ جزء ابن عرفة عن سبعين شيخا. وجزء الأنصاري عن كذا كذا شيخا. وجزء البطاقة، ونسخة ابن مُسْهِر، وأنحاء ذلك! ! وإنما كان: السلف يسمعون فيقرؤون، فيرحلون، فيفسرون، ويحفظون فيعلمون ". وأما عصرنا هذا فقد ترك الناس فيه الرواية جملة، ثم تركوا الاشتغال بالأحاديث إلا نادرًا وقليل أن ترى منهم من هو أهل لأن يكون طالبا لعلوم السنة، وهيهات أن تجد من يصح أن يكون محدثا. وأما الحفظ فإنه انقطع أثره، وختم بالحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحدٌ. ومن يدري؟ فلعل الأمم الإسلامية تستعيد مجدها، وترجع إلى دينها وعلومها، ولا يعلم الغيب إلا الله. وصدق رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ ... ) [١] [شاكر].

стр. 315

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ في آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ (١) يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْه إِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِيمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُنْ قَصْدُهُ عَرَضًا (٢) مِنَ الدُّنْيَا فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُقدماتِ (٣) الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ الْأَكِيدِ عَلَى ذَلِكَ. وَلْيُبَادِرْ إِلَى سَمَاعِ الْعَالِي فِي بَلَدِه فَإِذَا اِسْتَوْعَبَ ذَلِكَ اِنْتَقَلَ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْه أَوْ إِلَى أَعْلَى مَا يُوجَدُ فِي الْبُلْدَان وَهُوَ الرِّحْلَةُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُقدمات (٤) مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ-: إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ (٥).

стр. 316

قَالُوا: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحَادِيثِ. كان بشر بن الحارث الحافي يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث (١). وقال عمرو بن قيس الْمُلَائِيِّ: إذا بلغك شيء من الخير (٢) فاعمل به (ولو مرة، تكن من أهله (٣). قال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به (٤).) (٥) قالوا: ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره. قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب (٦). وليُفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك «١». قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] تبليغ العلم واجب ولا يجوز كتمانه، ولكنهم خصصوا ذلك =

стр. 317

قال وكيع: لا ينبُل الرجل (حتى) (١) يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه (٢). قال ابن الصلاح (٣): وليس بموفق من ضيع شيئاً من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد الكثرة وصيتها. قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي (٤): إذا كتبت فَقمِشّ، وإذا حدثت ففتش (٥) «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = بأهله، وأجازوا كتمانه عمن لا يكون مستعدا لأخذه، وعمن يصر على الخطأ بعد إخباره بالصواب. سئُل بعض العلماء عن شيء (من) العلم؟ فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت حديث: (من علِمَ علماً فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)؟ فقال: "اترك اللجام واذهب! فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني به" [١]. وقال بعضهم: "تصفح طلاب علمك، كما تتصفح طلاب حرمك" [٢]. [شاكر] «١» [شاكر] القمش: جمع الشيء من هنا ومن هنا. قال العراقي: "كأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك. فإذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش حينئذ". [شاكر]

стр. 318

قال ابن الصلاح (١): ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه، من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل. ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] ينبغي للطالب أن يقدم الاعتناء بالصحيحين. ثم بالسنن، كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، والسنن الكبرى للبيهقي وهو أكبر كتاب في أحاديث الأحكام، ولم يصنف في باب مثله، ثم بالمسانيد وأهمها مسند أحمد بن حنبل، ثم بالكتب الجامعة المؤلفة في الأحكام، وأهمها موطأ مالك، ثم كتب ابن جريج، وابن أبي عروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ثم كتب العلل، ثم يشتغل بكتب رجال الحديث وتراجمهم وأحوالهم، ثم يقرأ كثيرا من كتب التاريخ وغيرها [١] [شاكر].

стр. 319

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ (١) وَلَمَّا كَانَ الْإِسْنَادَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ يُمْكِنُهَا أَنْ تُسْنِدَ عَنْ نَبِيِّهَا إِسْنَادًا مُتَّصِلًا غَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ «١» ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] خُصَّت الأمة الإسلامية بالأسانيد والمحافظة عليها، حفظًا للوارد من دينها عن رسول الله ﷺ ، وليست هذه الميزة عند أحدٍ من الأمم السابقة. وقد عقد الإمام الحافظ ابن حزم في "الملل والنحل" (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤) فصلا جيدًا في وجوه النقل عند المسلمين، فذكر المتواتر كالقرآن وما عُلم من الدين بالضرورة، ثم ذكر المشهور، نحو كثير من المعجزات ومناسك الحج ومقادير الزكاة وغير ذلك، مما يخفى على العامة، وإنما يعرفه كواف أهل العلم فقط. ثم قال: "وليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء أصلا، لأنه يقطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي ذكرنا قبل - يعني التواتر- من إطباقهم على الكفر الدهور الطوال، وعدم إيصال الكافة إلى عيسى ﵇". ثم قال: "والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف: إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃، وإما إلى الصاحب، وإِما إلى =

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين". "وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين، دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديداً على قديم الدهور، منذ أربعمائة وخمسين عاما - هذا في عصره، والآن (منذ ١٣٧١ سنة) [١]- في المشرق والمغرب، والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريبا منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين. فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل، إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الحمد. وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها، والحمد لله رب العالمين". ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع، وأن المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك، ثم قال: "ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود، بل هو أعلى ما عندهم، إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد ﷺ ، بل يقفون ولا بد، حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرا، في أزيد من ألف وخمسمائة عام. وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشمّاني وشمعون ومرعقيبا وأمثالهم. وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم، أخذها عنه مشافهة، في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه". وطلب العلو في الإسناد سنة عن الأئمة السالفين، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، ولهذا حرص العلماء على الرحلة إليه واستحبوها. وأخطأ من زعم أن النزول أفضل، ناظرا إلى أن الإسناد كلما زاد عدد رجاله زاد الاجتهاد والبحث فيه، قال ابن الصلاح (ص ٣١٦) [٢]: "العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله =
следующие страницы →