← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 150481

الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ط ابن الجوزي

أحمد شاكر

Полный текст (471 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قَالُوا: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحَادِيثِ. كان بشر بن الحارث الحافي يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث (١). وقال عمرو بن قيس الْمُلَائِيِّ: إذا بلغك شيء من الخير (٢) فاعمل به (ولو مرة، تكن من أهله (٣). قال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به (٤).) (٥) قالوا: ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره. قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب (٦). وليُفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك «١». قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] تبليغ العلم واجب ولا يجوز كتمانه، ولكنهم خصصوا ذلك =

стр. 317

قال وكيع: لا ينبُل الرجل (حتى) (١) يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه (٢). قال ابن الصلاح (٣): وليس بموفق من ضيع شيئاً من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد الكثرة وصيتها. قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي (٤): إذا كتبت فَقمِشّ، وإذا حدثت ففتش (٥) «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = بأهله، وأجازوا كتمانه عمن لا يكون مستعدا لأخذه، وعمن يصر على الخطأ بعد إخباره بالصواب. سئُل بعض العلماء عن شيء (من) العلم؟ فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت حديث: (من علِمَ علماً فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)؟ فقال: "اترك اللجام واذهب! فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني به" [١]. وقال بعضهم: "تصفح طلاب علمك، كما تتصفح طلاب حرمك" [٢]. [شاكر] «١» [شاكر] القمش: جمع الشيء من هنا ومن هنا. قال العراقي: "كأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك. فإذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش حينئذ". [شاكر]

стр. 318

قال ابن الصلاح (١): ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه، من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل. ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] ينبغي للطالب أن يقدم الاعتناء بالصحيحين. ثم بالسنن، كسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، والسنن الكبرى للبيهقي وهو أكبر كتاب في أحاديث الأحكام، ولم يصنف في باب مثله، ثم بالمسانيد وأهمها مسند أحمد بن حنبل، ثم بالكتب الجامعة المؤلفة في الأحكام، وأهمها موطأ مالك، ثم كتب ابن جريج، وابن أبي عروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ثم كتب العلل، ثم يشتغل بكتب رجال الحديث وتراجمهم وأحوالهم، ثم يقرأ كثيرا من كتب التاريخ وغيرها [١] [شاكر].

стр. 319

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ (١) وَلَمَّا كَانَ الْإِسْنَادَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ يُمْكِنُهَا أَنْ تُسْنِدَ عَنْ نَبِيِّهَا إِسْنَادًا مُتَّصِلًا غَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ «١» ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] خُصَّت الأمة الإسلامية بالأسانيد والمحافظة عليها، حفظًا للوارد من دينها عن رسول الله ﷺ ، وليست هذه الميزة عند أحدٍ من الأمم السابقة. وقد عقد الإمام الحافظ ابن حزم في "الملل والنحل" (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤) فصلا جيدًا في وجوه النقل عند المسلمين، فذكر المتواتر كالقرآن وما عُلم من الدين بالضرورة، ثم ذكر المشهور، نحو كثير من المعجزات ومناسك الحج ومقادير الزكاة وغير ذلك، مما يخفى على العامة، وإنما يعرفه كواف أهل العلم فقط. ثم قال: "وليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء أصلا، لأنه يقطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي ذكرنا قبل - يعني التواتر- من إطباقهم على الكفر الدهور الطوال، وعدم إيصال الكافة إلى عيسى ﵇". ثم قال: "والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك، حتى يبلغ إلى النبي ﷺ ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف: إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃، وإما إلى الصاحب، وإِما إلى =

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين". "وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين، دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديداً على قديم الدهور، منذ أربعمائة وخمسين عاما - هذا في عصره، والآن (منذ ١٣٧١ سنة) [١]- في المشرق والمغرب، والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريبا منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين. فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل، إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الحمد. وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها، والحمد لله رب العالمين". ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع، وأن المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك، ثم قال: "ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود، بل هو أعلى ما عندهم، إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد ﷺ ، بل يقفون ولا بد، حيث بينهم وبين موسى ﵇ أزيد من ثلاثين عصرا، في أزيد من ألف وخمسمائة عام. وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشمّاني وشمعون ومرعقيبا وأمثالهم. وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم، أخذها عنه مشافهة، في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه". وطلب العلو في الإسناد سنة عن الأئمة السالفين، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، ولهذا حرص العلماء على الرحلة إليه واستحبوها. وأخطأ من زعم أن النزول أفضل، ناظرا إلى أن الإسناد كلما زاد عدد رجاله زاد الاجتهاد والبحث فيه، قال ابن الصلاح (ص ٣١٦) [٢]: "العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله =

стр. 321

فَلِهَذَا كَانَ طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي مُرَغَّبًا فِيهِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْإِسْنَادُ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ (١). وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: "بَيْتٌ خَالِي وَإِسْنَادٌ عَالِي" (٢). وَلِهَذَا تَدَاعَتْ رَغَبَاتُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ وَالْجَهَابِذَةِ الْحُفَّاظِ إِلَى الرِّحْلَةِ إِلَى أَقْطَارِ الْبِلَادِ، طَلَبًا لِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ الرِّحْلَةِ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنَ الْعُبَّادِ، فِيمَا حَكَاهُ الرَّامَهُرْمزِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَاصِلِ (٣). ثُمَّ إِنَّ عُلُوَّ الْإِسْنَادِ أَبَعْدُ مِنَ الْخَطَأِ وَالْعِلَّةِ مِنْ نُزُولِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ كُلَّمَا طَالَ الْإِسْنَادُ كَانَ النَّظَرُ فِي التَّرَاجِمِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ أَكْثَرَ فَيَكُونُ الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ وَهَذَا لَا يُقَابِلُ (٤) مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْعُلُوِّ مَا كَانَ قَرِيبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فأما العلو بقربه إلى إمام حافظ، أو مصنف، أو متقدم (٥) السماع: ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = يحتمل أن يقع الخلل من جهته، سهواً أو عمدًا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلي واضح". [شاكر]

стр. 322

(فتلك أمور) (١) نسبية. وقد تكلم الشيخ أبو عمرو (٢) هاهنا على: "الموافقة"، وهي: انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم مثلاً. و"البدل" (٣) وهو: إنتهاؤه إلى شيخِ شيخِه أو مِثل شيخه. و"المساواة" وهو: أن تساوي في إسنادك الحديث لمصنف. و"المصافحة" وهي: عبارة عن نزولك عنه بدرجة حتى كأنه صافحك به وسمعته منه. وهذه الفنون توجد كثيراً في كلام الخطيب البغدادي ومن نحا نحوه، قد صنف الحافظ ابن عساكر في ذلك مجلدات. وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] العلو في الإسناد خمسة أقسام: الأول -وهو أعظمها وأجلها-: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف خال من الضعف. بخلاف ما إذا كان مع ضعف فلا التفات إليه، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين. ممن ادعى سماعا من الصحابة. قال الذهبي: "متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء فاعلم أنه عامي". نقله السيوطي في التدريب (ص ١٨٤) [١].

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وقد حرص العلماء على هذا النوع من العلو، حتى غالى فيه بعضهم، كما يفهم من كلام الذهبي، وكما رأيناه كثيرا في كتب التراجم وغيرها. وأعلى ما وقع للحافظ ابن حجر - وهو مسند الدنيا في عصره- أن جاء بينه وبين النبي ﷺ عشرة أنفس، ولذلك قد اختار من هذا النوع عشرة أحاديث في جزء صغير سماه "العشرة العُشارية" وقال في خطبته: "إن هذا العدد هو أعلى ما يقع لعامة مشايخي الذين حملت عنهم، وقد جمعت ذلك فقارب الألف من مسموعاتي منهم. وأما هذه الأحاديث فإنها وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح: فقد تحريت فيها جهدي، وانتقيتها من مجموع ما عندي". وهذا الجزء نقلته بخطي منذ أربعين سنة تقريبا عن نسخة مكتوبة في سنة ١١٨٩ هـ. ثم قابلته على نسخة عتيقة مقروءة على المؤلف وعليها خطه، كتبت في رمضان سنة ٨٥٢، أي قبل وفاة الحافظ بثلاثة أشهر تقريبا، وقد نقل السيوطي في التدريب (ص ١٨٤) [١] الحديث الأول منها من طريق آخر، غير طريق ابن حجر، وقال: "وأعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان -توفي السيوطي سنة ٩١١ - من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع ما بيننا وبين النبي ﷺ فيه اثنا عشر رجلا". [٢] وذلك صحيح، لأن بين السيوطي وبين ابن حجر شيخا واحدًا، فهما اثنان زيادة على العشرة. القسم الثاني: أن يكون الإسناد عالياً للقرب من إمام من أئمة الحديث، كالأعمش، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وغيرهم، مع صحة الإسناد إليه. القسم الثالث: علو الإسناد بالنسبة إلى كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة =

стр. 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = كالكتب الستة، والموطأ، ونحو ذلك. وصورته: أن تأتي لحديث رواه البخاري مثلا، فترويه بإسنادك إلى شيخ البخاري، أو شيخ شيخه: وهكذا، ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عددًا مما لو رويته من طريق البخاري. وهذا القسم جعلوه أنواعا أربعة: الأول: الموافقة. وصورتها: أن يكون "مسلم" -مثلا- روى حديثًا عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فترويه بإسناد آخر عن يحيى، بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسلم عنه. والثاني: البدل أو الإبدال: وصورته في المثال السابق: أن ترويه بإسناد آخر عن مالك أو عن نافع أو عن ابن عمر بعدد أقل أيضاً وقد يسمي هذا "موافقة" بالنسبة إلي الشيخ الذي يجتمع فيه إسنادك بإسناد مسلم، كمالك أو نافع. والثالث: المساواة: وهي كما قال ابن حجر في شرح النخبة [١١٧ - نزهة]: " كأن يروي النسائي مثلا حديثا يقع بينه وبين النبي ﷺ في أحد عشر نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبي ﷺ يقع بيننا فيه وبين النبي ﷺ أحد عشر نفساً، فنساوي النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص " وقال ابن الصلاح (ص ٢١٩) [١]: "أما المساواة فهي في أعصارنا أن يقل العدد في إسنادك لا إلى شيخ مسلم وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، -بل إلى من هو أبعد من ذلك؛ الصحابي أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله ﷺ بحيث يقع بينك وبين الصحابي -مثلاً- من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساوياً لمسلم -مثلاً- في قرب الإسناد وعدد رجاله." والرابع: المصافحة: قال ابن الصلاح [٢] "هي أن تقع هذه المساواة التي وصفناها لشيخك لا لك، فيقع ذلك لك مصافحة، إذ تكون كأنك لقيت مسلماً في ذلك الحديث "وصافحته" به لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم. =

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = فإن كانت المساواة لشيخ شيخك "كانت المصافحة" لشيخك، فتقول: كأن شيخي سمع مسلماً وصافحه" وهكذا. وهذان النوعان - المساواة والمصافحة - لا يمكنان في زماننا هذا - سنة ١٣٥٥، حين طبع الكتاب للمرة الأولي، وسنة ١٣٧١، حين طبعه للمرة الثانية - ولا فيما قاربه من العصور الماضية، لبعد الإسناد بالنسبة إلينا، وهو واضح. ثم إن هذين النوعين أيضا - بالنسبة لمن قبلنا من القرن الرابع فمن بعده إلي التاسع: ليسا في الحقيقة من العلو، بل هما علو نسبي بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في إسناده. قال ابن الصلاح (ص ٠٢٢) [١]: "أعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول، إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعلُ أنت في إسنادك" ثم حكي عن أبي المظَفَّر بن أبي سعد السمعاني أنه روى عن الفراوي حديثاً ادعي فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري، فقال أبو المظفر: "ليس لك بعالٍ، ولكنه للبخاري نازل! ". قال ابن الصلاح [ص ٤٤٥]: "وهذا حسن لطيف، يخدش وجه هذا النوع من العلو ". القسم الرابع من أقسام العلو: تقدم وفاة الشيخ الذي تروي عنه عن وفاة شيخ آخر، وإن تساويا في عدد الإسناد. قال النووي في التقريب [٢]: "فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم: أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم، لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف". وقد يكون العلو بتقدم وفاة شيخ الراوي مطلقًا، لا بالنسبة إلى إسناد آخر، ولا إلى شيخ آخر. وهذا القسم جعل بعضهم حد التقدم فيه: مضي خمسين سنة على وفاة الشيخ، وجعله بعضهم ثلاثين سنة. =

стр. 326

فأما من قال: إن العالي من الإسناد ما صح سنده، وإن كثرت رجاله -: فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان، لكن أقرب رجالاً؟ وهذا القول محكي عن الوزير نظام المُلك (١)، وعن الحافظ السِّلفي. وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو. اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجل من رجال العالي، وإن كان الجميع ثقات. كما قال وكيع لأصحابه: أيما أحب إليكم: "الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ القسم الخامس: العلو بتقدم السماع. فمن سمع من الشيخ قديما كان أعلى ممن سمع منه أخيرًا كأن يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة مثلاً، والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني. قال في التدريب (ص ١٨٧) [١]: "ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف"، يعني أن سماع من سمع قديما أرجح وأصح من سماع الآخر. ثم إن النزول يقابل العلو، فكل إسناد عال فالإسناد الآخر المقابل له إسناد نازل، وبذلك يكون النزول خمسة أقسام أيضاً، كما هو ظاهر [شاكر].

стр. 327

ابن مسعود؟ فقالوا: الأول، فقال: الأعمش عن أبي وائل: شيخ عن شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: فقيه عن فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا مما يتداوله الشيوخ" «١» (١). ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] قلنا فيما مضى (ص ٢٦٣) إن الإسناد العالي أفضل من غيره، ولكن هذا ليس على إطلاقه؛ لأنه إن كان في الإسناد النازل فائدة تميزه، فهو أفضل، كما إذا كان رجاله أوثق من رجال العالي، أو أحفظ، أو أفقه، أو كان متصلاً بالسماع وفي العالي إجازة أو تساهل من بعض رواته في الحمل أو نحو ذلك. قال في التدريب (ص ١٨٨) [١]: "قال ابن المبارك: ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السِّلَفي: الأصل الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق. قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث وإنما هو علو من حيث المعنى. قال شيخ الإسلام: ولابن حبان تفصيل حسن، وهو: أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء". وقد تغالى كثير من طلاب الحديث وعلمائه في طلب علو الإسناد. وجعلوه مقصدًا من أهم المقاصد لديهم، حتى كاد ينسيهم الحرص على الأصل المطلوب في الأحاديث: وهو صحة نسبتها إلى رسول الله سلى الله عليه وسلم. وتأمل في كلمتي ابن المبارك والسِّلَفي - اللتين نقلنا آنفاً- واجعلهما دستورًا لك في طلب السنة. والتوفيق من الله سبحانه. [شاكر]

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = قال الدكتور حمزة المليباري (عبقرية مسلم ص ٢٢"): "ذكر الخليلي في كتابه الإرشاد ١/ ١٧٧ - ١٨١ كلاماً نفيساً فيما يخص مسألة العلو وها أنا أنقله بحروفه، قال: "واعلموا أن عوالي الأسانيد مما ينبغي أن يحتشد طالب هذا الشأن لتحصيله، ولا يعرفه إلا خواص الناس، والعوام يظنون أنه بقرب الإسناد وببعده وبقلة العدد وكثرتهم، وأن الإسنادين يتساويان في العدد وأحدهما أعلى، بأن يكون رواته علماء وحفاظاً. روي لنا أن وكيع بن الجراح قال لتلامذته: أيهما أحب إليكم أن أحدثكم عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ؟ أو أحدثكم عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود؟ قالوا: نحب الأعمش، فإنه أقرب إسناداً، قال: ويحكم، الأعمش شيخ عالم وأبو وائل شيخ، ولكن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه. وقد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم موت راويه، وإن كانا متساويين في العدد، مثاله: أن علي بن أحمد بن صالح حدثنا عن محمد بن مسعود الأسدي، عن سهل بن زنجلة، عن وكيع، وحدثنا محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن علي بن حرب، عن وكيع. فسهل أعلى من علي بن حرب؛ لأنه مات قبل علي بن حرب بعشرين سنة، ومن ذلك أن رجلين يرويان عن أحد الأئمة، ثم يكون أحدهما أعلى، فإن قتيبة بن سعيد يروي عن مالك، ومات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، ويروي عن مالك عبد الله بن وهب، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة فهما سواء في مالك، لكن ابن وهب لقدم موته وجلالته لا يوازيه قتيبة مع توثيقه وصلاحه" ا. هـ كلام الخليلي. ففي العلو ما ظاهر جلي، وما هو غامض خفي، وليس بمقدور الجميع إدراكه، وأجمع أهل النقل على طلبهم العلو، وتفضيله على النزول. ومن الجدير بالذكر أن العلو يختلف باختلاف الرواة، وإنه أمر نسبي وإن كان الحديث الذي رواه شخص عالياً فلا يلزم أن يكون ذلك بالنسبة إلى شخص آخر. =

стр. 329

النَّوْعُ الثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْمَشْهُور (١) وَالشُّهْرَةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ، فَقَدْ يَشْتَهِرُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْ يَتَوَاتَرُ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمَشْهُورُ مُتَوَاتِرًا أَوْ مُسْتَفِيضًا، وَهُوَ مَا زَادَ نَقَلَتَهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. وَعَنْ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيِّ (٢) أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ أَقْوَى مِنَ الْمُتَوَاتِرِ وَهَذَا اِصْطِلَاحٌ مِنْهُ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُورُ صَحِيحًا -كَحَدِيثِ "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ- وَحَسَنًا.

стр. 330

وَقَدْ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ أَحَادِيثُ لَا أَصْلَ لَهَا، أَوْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ «١» وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ لِأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ عَرَفَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ (١): أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ تَدُورُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَسْوَاقِ لَا أَصْلَ لَهَا. "مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ «٢» بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ". وَ "مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" «٣». وَ "نَحْرُكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ" «٤». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] وجمع الحافظ السخاوي كتابا في ذلك سماه: "المقاصد المحسنة، في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" واختصره الشيخ عبد الرحمن بن الدَّيْبَع الزَّبيدي- صاحب تيسير الوصول- في كتاب سماه "تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث"، واستدرك عليه وهذبه الشيخ الحُوت البيروتي في رسالة تسمى: "أسنى المطالب، في أحاديث مختلفة المراتب"، وللعجلوني: "كشف الخفا ومزيل الإلباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس". وكلها مطبوعة. [شاكر] «٢» [شاكر] "آذار" شهر معروف [شاكر]. «٣» [شاكر] هو بهذا اللفظ لا أصل له كما قال الإمام أحمد، ولكن ورد معناه بأسانيد لا بأس بها، انظر الكلام عليه في كشف الخفا (ج ٢ ص ٢١٨ برقم ٢٣٤١) [شاكر]. قلنا: قال الخطيب [٩/ ٣٤٢ - تاريخ بغداد] "هذا حديث منكر بهذا الإسناد والحمل فيه عندي على المُذِّكر فإنه كان غير ثقة". «٤» [شاكر] لفظه المعروف: "يوم صومكم يوم نحركم". وهو لا أصل له =

стр. 331

وَ"لِلسَّائِلِ حَقٌّ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ" «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = انظر كشف الخفا (ج ٢ ص ٣٩٨ برقم ٣٢٦٤) [شاكر]. «١» [شاكر] هذا الحديث له أصل، فقد رواه أحمد في المسند (ج ١ ص ٢٠١ برقم ١٧٣٠). من حديث الحسين بن علي، ورواه أبو داود [١] من حديثه أيضًا، ومن حديث الحسن عن أبيه علي بن أبي طالب. وانظر الكلام عليه في "ذيل القول المسدد في الذب عن المسند"، (ص ٦٨ - ٧٠)، وفي تعليقات الأستاذ العلامة الشيخ محمد حامد الفقي على منتقى الأخبار (ج ٢ ص ١٤٤ برقم ٢٠٤٣) [شاكر].

стр. 332

النَّوْعُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْغَرِيبِ والْعَزِيزِ (١) أَمَّا الْغَرَابَةُ فَقَدْ تَكُونُ فِي الْمَتْنِ بِأَنْ يَتَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ رَاوٍ وَاحِدٌ أَوْ فِي بَعْضِهِ كَمَا إِذَا زَادَ فِيهِ وَاحِدٌ (٢) زِيَادَةً لَمْ يَقُلْهَا (٣) غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ (الْكَلَامُ فِي زِيَادَةِ الثِّقَة (٤). وَقَدْ تَكُونُ الْغَرَابَةُ فِي الْإِسْنَادِ) (٥) كَمَا إِذَا كَانَ أَصْلُ الْحَدِيثِ مَحْفُوظًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ وُجُوهٍ وَلَكِنَّهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَرِيبٌ. فَالْغَرِيبُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ ثِقَةً وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا وَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (٦).

стр. 333

فَإِنْ اِشْتَرَكَ اِثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الشَّيْخِ سُمِّيَ "عَزِيزًا" فَإِنْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ سُمِّيَ "مَشْهُورًا" كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 334

النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ غَرِيبِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ (١) وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِلفظ (٢) الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا بِمَعْرِفَةِ صِنَاعَةِ الْإِسْنَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ (٣): أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى. وَأَحْسَنُ شَيْءٍ وُضِعَ فِي ذَلِكَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ وَقَدْ اِسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ اِبْنُ قُتَيْبَةَ أَشْيَاءَ وَتَعَقَّبَهُمَا الْخَطَّابِيُّ (٤) فَأَوْرَدَ زِيَادَاتٍ. وقد صنف ابن الأنباري المقدم (٥)، وسليم الرازي (٦)، وغير واحد [في ذلك كتباً] (٧).

стр. 335

وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك: كتاب "الصحاح" للجوهري. وكتاب "النهاية" لابن الأثير، رحمهما الله تعالي «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] هذا الفن من أهم فنون الحديث واللغة، ويجب على طالب الحديث إتقانه. والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ النبوية واجب، فلا يقدمن عليه أحد برأيه. وقد سُئل الإمام أحمد عن حرفٍ من الغريب، فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في حديث رسول الله ﷺ بالظن". [١] وأجود التفسير: ما جاء في روايةٍ أخرى، أي عن الصحابي، أو عن أحد الرواة الأئمة. وأولُ من صنف فيه أبو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المثنى التيمي المتوفى سنة ٢١٠ وقد قارب عمره ١٠٠ سنة، وأبو الحسن النضر بن شُمَيْل المازني النحوي المتوفى سنة ٢٠٤ عن نحو ٨٠ سنة، والأصمعي، واسمه عبد الملك بن قُريب، المتوفى سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة، وهؤلاء متعاصرون متقاربون، ويصعب الجزم بأيهم صنف أولاً، والراجح أنه أبو عبيدة. ثم جاء الإمام أبو عُبِيد القاسم بن سلاَّم المتوفى سنة ٢٢٤ عن ٦٧ سنة، فجمع كتابه فيه، فصار هو القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: "إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها، فكان خلاصة عمري". ثم كثر بعد ذلك التأليف فيه، وانظر "كشف الظنون" (ج ٢ ص ١٥٥ - ١٥٧)، وانظر أيضاً مقدمة النهاية لابن الأثير. ومن أهم الكتب المؤلفة في هذا الشأن "الفائق" للزمخشري، وهو مطبوع في حيدر آباد، ثم طُبع في مصر بتحقيق الأستاذ العلامة محمد أبي الفضل إبراهيم. و "النهاية" لأبي السعادات مبارك بن أبى الكرم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦، وهو أوسع كتاب في هذا وأجمعه وقد طبع في مصر مرتين، =

стр. 336

النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْمُسَلْسَلِ (١) وَقَدْ يَكُونُ فِي صِفَةِ الرِّوَايَة كَمَا إِذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ "سَمِعْتُ" أَوْ "حَدَّثَنَا" [أو أخبرنا] (٢) وَنَحْوَ ذَلِكَ أَوْ فِي صِفَةِ الرَّاوِي بِأَنْ يَقُولَ حَالَةَ الرِّوَايَةِ قَوْلًا قَدْ قَالَهُ شَيْخُهُ لَهُ أَوْ يَفْعَلُ فِعْلًا فَعَلَ شَيْخُهُ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَدْ يَتَسَلْسَلُ الْحَدِيثُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِه وَقَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ (٣) آخِرِهِ. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = أو أكثر، ولخصه السيوطي، وقال إنه زاد عليه أشياء. وملخصه مطبوع بهامش النهاية. ثم إن من أهم ما يُلحق بهذا النوع: البحث في المجازات التي جاءت في الأحاديث، إذ هي عن أفصح العرب ﷺ ، ولا يتحقق بمعناها إلا أئمة البلاغة. ومن خير ما أُلِّفَ فيها كتاب "المجازات النبوية" تأليف الإمام العالم الشاعر الشريف الرضي - محمد بن الحسين - المتوفى سنة ٤٠٦ ﵁، وهو مطبوع في بغداد سنة ١٣٢٨، ثم طبع في مصر بعد ذلك. [شاكر]

стр. 337

وَفَائِدَةُ التَّسَلْسُلِ: بُعْدُهُ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالِانْقِطَاعِ وَمَعَ هَذَا قَلَّمَا يَصِحُّ حَدِيثٌ بِطَرِيقٍ مُسَلْسَلٍ «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] أي يكون الضعف في وصف التسلسل لا في أصل المتن لأنه قد صحت متون أحاديث كثيره ولم تصح روايتها بالتسلسل. [شاكر]

стр. 338

النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ نَاسِخِ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخِهِ (١) وَهَذَا الْفَنُّ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْكِتَابِ، بَلْ هُوَ بِأُصُول الْفِقْهِ أَشْبَهُ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً مُفِيدَةً، مِنْ أَجَلِّهَا وأنفعها كِتَابُ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ (الْحَازِمِيِّ) (٢) ﵀. (وَقَدْ كَانَتْ لِلشَّافِعِيِّ ﵀) (٣) فِي ذَلِكَ الْيَدُ الطُولى، كَمَا وَصَفَهُ بِهِ الإمام أحمد بن حنبل «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث فن من أهم فنونه وأدقها وأصعبها قال الزهري "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه". والإمام الشافعي ﵁ كان له يد طولي في هذا الفن قال أحمد بن حنبل لابن وارةَ وقد قدم من مصر "كتبت كتب الشافعي؟ ! " قال "لا" قال "فرطت" ما علمنا المجمل من المفسر ولا ناسخ الحديث من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي" وقد ألف الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي المتوفى سنة (٥٨٤) كتابا =

стр. 339

ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله ﷺ ، كقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " «١»، ونحو ذلك. وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: " أفطر الحاجم والمحجوم " «٢» وذلك في زمن الفتح، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة، قبل الفتح «٣» (بأشهر، وقول ابن عباس: " احتجم وهو صائم محرم " «٤»، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح «٥»). (١) ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = نفيساً في هذا الفن سماه "الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار" طبع في حيدر آباد وحلب ومصر. [شاكر] «١» [شاكر] رواه مسلم [١] من حديث بريده، وتمامُه "وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم" [شاكر]. «٢» [شاكر] رواه أبو داود [٢] والنسائي [٣] [٤] [شاكر] «٣» [شاكر] أي سنة ثمان من الهجرة وفي "الأصل" وذلك في زمن الفتح وهو خطأ واضح [شاكر] «٤» [شاكر] رواه مسلم [٥]. [شاكر] «٥» [شاكر] وأيضا فإن ابن عباس إنما صحب النبي ﷺ في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة. [شاكر]

стр. 340

فأما قول الصحابي: " هذا ناسخ هذا (١)، فلم يقبله كثير من الأصوليين، لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه، وقبلوا قوله: " هذا كان قبل هذا "، لأنه ناقل. وهو ثقة مقبول الرواية «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] كحديث جابر "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" [١] رواه أبو داود [٢] والنسائي [٣]. وكحديث أُبي بن كعب "كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم أمر بالغسل" [٤] رواه أبو داود [٥] والترمذي [٦] وصححه. [شاكر]

стр. 341

النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ ضَبْطِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا وَالِاحْتِرَازُ مِنْ التَّصْحِيفِ فِيهَما (١) (٢) فَقَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ تَرَسَّمَ بِصِنَاعَةِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَقَدْ صَنَّفَ الْعَسْكَرِيُّ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا «١» (٣) كَبِيرًا. وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ لِمَنْ أَخَذَ مِنْ الصُّحُفِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْخٌ حَافِظٌ يُوقِفُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَمَا يَنْقُلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَحِّفُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَغَرِيبٌ جِدًّا; لِأَنَّ لَهُ كِتَابًا فِي التَّفْسِيرِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أشياء لا ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] في نسخة: (كتاباً) [شاكر]

стр. 342

تصدر عن صبيان المكاتب «١». وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم: أنه جمع طرق حديث: "يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر" «٢»، "ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] فن "التصحيف والتحريف" فن جليل عظيم لا يتقنه إلا الحفاظ الحاذقون وفيه حكمٌ علي كثير من العلماء بالخطأ ولذلك كان من الخطر أن يقدم عليه من ليس له بأهل. وقد حكي العلماء كثيراً من الأخطاء التي وقعت للرواة في الأحاديث وغيرها. ولم نسمع بكتاب خاص مؤلف في ذلك غير كتابين: أحدهما: للحافظ الدارقطني -علي بن عمر- المتوفى في ٨ ذي القعدة سنة ٣٨٥ وهذا الكتاب لم نعلم بوجود نسخ منه وإنما ذكره ابن الصلاح والنووي وابن حجر والسيوطي ولم يذكره صاحب "كشف الظنون" ولم أجده في تراجم الدارقطني التي رأيتها ويظهر أن السيوطي رآه لأنه نقل منه في التدريب (ص ١٩٧). الكتاب الثاني: "التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه" للإمام اللغوي الحجة أبي أحمد العسكري -الحسن بن عبد الله بن سعيد المتوفى في صفر سنه ٣٨٣ كما ذكر ذلك تلميذه الحافظ أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (ج ١ ص ٢٧٢) وهذا الكتاب موجود بدار الكتب المصرية في نسخة مكتوبة سنه ٦٢١ وأوراقها ١٥٦ ورقه وقد طبع نصفه بمصر في سنة ١٣٢٦ [١] طبعاً غير جيد وليتنا نوفق إلى إعادة طبعه كله طبعا جيداً متقنا. وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة. [شاكر] انظر أمثلة ذلك "تصحيفات المحدثين" (ص ٢٦، ١٤٥، ١٤٦). «٢» [شاكر] (النُّغَيْر) بالنون والغين المعجمة: تصغير "نُغَر" طائر صغير يُشبه العصفور أحمر المنقار. صحفه المصحف إلي "بعير" بالباء والعين المهملة! ! [شاكر] قلنا: انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١٤٦.والحديث أخرجه البخاري (٦١٢٩، ٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠).

стр. 343

فجعل يقول: "يا أبا عمير ما فعل البعير"! (١) فافتضح عندهم، وأرَّخوها عنه! ! وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية (٢) ببغداد: أنه أول يوم إجلاسه أورد حديث "صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين"، فقال: "كنار في غلس" (٣) " (٤)! فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه تصحف عليه [من] (٥) "كتاب في عليين"! ! وهذا كثير جداً. وقد أورد ابن الصلاح أشياء كثيرة هاهنا (٦) «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] هذا النوع يسمي عندهم "التصحيف والتحريف". وقد قسمه الحافظ ابن حجر إلي قسمين: فجعل ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط: تصحيفاً وما كان فيه ذلك في الشكل: تحريفاً وهو اصطلاح جديد. وأما المتقدمون فإن عباراتهم يفهم منها أن الكل يسمي بالاسمين وأن التصحيف مأخوذ من النقل عن الصحف وهو نفسه تحريف قال العسكري في أول كتابه (ص ٣) "شرحت في كتابي هذا الألفاظ والأسماء المُشْكِلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريفُ" وقال أيضا (ص ٩). =

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = " فأما قولهم: الصحفي والتصحيف فقد قال الخليل: إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف باشتباه الحروف وقال غيره أصل هذا أن قوماً كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يَلْقَوْا فيه العلماء فكان يقع فيما يروونه التغيير فيقال عنده: قد صحفوا أي رَوَوْه عن الصحف وهم مصحفون والمصدر التصحيف) وهذا التصحيف والتحريف قد يكون في الإسناد أو في المتن من القراءة في الصحف وقد يكون أيضا من السماع لاشتباه الكلمتين علي السامع. وقد يكون أيضا في المعني ولكنه ليس من التصحيف علي الحقيقة بل هو من باب الخطأ في الفهم. فمن ذلك: العوام بن مرُاجِم -بالراء والجيم- القيسي يروي عن أبي عثمان النهدي روى عنه شعبة صحف يحيي بن معين في أسم أبيه فقال "مزاحم" بالزاي والحاء المهملة [١] ومنه حديث روي عن معاوية قال "لعن رسول الله ﷺ الذين يُشَقِّقُون الخُطَب تشقيق الشِّعْر) [٢] صحفه وكيع فقال "الحَطَب" بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء المعجمة المضمومة [٣]. ونقل ابن الصلاح [٤]: أن ابن شاهين صحف هذا الحرف مرة في جامع المنصور فقال بعض الملاحين: "يا قوم فكيف نعمل والحاجة ماسه؟ ! " ومنه أيضا فيما ذكره المؤلفون هنا "خالد بن علقمة" فقالوا: إن شعبة صحفه إلي "مالك بن عرفطة" [٥] وهو يسمى عندهم: (تصحيف السماع). =

стр. 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وهذا المثال فيه نظر كثير عندي فإن خالد بن علقمة الهمداني الوادعي يروي عن عبد خير عن علي في الوضوء وروى عنه أبو حنيفة والثوري وشريك وغيرهم وروى شعبة الحديث نفسه عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي فذهب النقاد إلي أنه أخطأ فيه وأن صوابه: خالد بن علقمة. وقد يكون هذا أي أن شعبه أخطأ ولكن كيف يكون تصحيف سماع وهذا الشيخُ شيخٌ لشعبة نفسه! فهل سمع اسم شيخه من غير الشيخ! ما أظن ذلك فإن الراوي يسمع من الشيخ بعد أن يكون عرف اسمه, وقد ينسَى فيخطئ فيه. والذي يظهر لي أنهما شيخان روى شعبة عن أحدهما, وروى غيره عن الآخر. والإسنادان في المسند بتحقيقنا رقم (٩٢٨ - ٩٨٩). وقد فصلنا القول في ذلك في "شرحنا على الترمذي" (ج ١ ص ٦٧ - ٧٠). والمثال الجيد لتصحيف السماع: اسمُ "عاصم الأحْوَل" رواه بعضُهم: فقال "عن واصل الأحدب". قال ابن الصلاح (ص ٢٤٣): "فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع, لا من تصحيف البصر. كأنه ذهب- والله أعلم- إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سَمْعُ من رواه". ومنه أيضا "ما رواه ابن لهيعة عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد" [١]، وهذا تصحيف، وإنما هو (احْتَجَرَ) بالراء، أي اتخذ حجرة من حصير أو نحوه للصلاة [٢]. ومنه أيضا حديث: "أن النبي ﷺ صلَّى إلى عَنَزَةٍ" [٣] بفتح العين والنون، =

стр. 346

وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي، تغمده الله برحمته، من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أداءً للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض - فيما نعلم - مثله في هذا الشأن أيضاً. وكان إذا تغرب عليه أحد برواية مما يذكره بعض شراح الحديث على خلاف المشهور عنده، يقول: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وهي رمح صغير له سنان كان يغرز بين يدي النبي ﷺ إذا صلى في الفضاء سُترةً له. فاشتبه على الحافظ أبي موسي محمد بن المثنى العنزي، من قبيلة "عنزة". معنى الكلمة، فظنها القبيلة التي هو منها، فقال: "نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي ﷺ إلينا" [١] قال السيوطي في "التدريب" (ص ١٩٧) [٢]: "وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم [٣] عن أعرابي: أنه زعم أن النبي ﷺ صلى إلى شاة! صحفها عنْزة، بسكون النون، ثم رواها بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين! ! ". وهذا الذي استغربه الحافظ السيوطي ﵀ قد وقع مثله معه، فيما استدركناه عليه سابقاً في تعليقنا على "النوع الثامن عشر" فإنه نقل حديثاً عن أبي شهاب، وهو الحناط,,فتصحف عليه وظنه "ابن شهاب"، ثم نقله بالمعنى، فقال "كحديث الزهري" [شاكر].

стр. 347

النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ (١) وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ (فَصْلًا) (٢) طَوِيلًا مِنْ كِتَابِهِ "الْأُمِّ" نَحْوًا من مجلد «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر]: قال النووي في "التقريب" [١] (هذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلي معرفته جميع العلماء من الطوائف وهو: أن يأتي حديثان متضادان في المعني ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون علي المعاني. وصنف فيه الشافعي ﵀ تعالي ولم يقصد استيفاءه بل ذكر جمله منه ينبه بها علي طريقه. وزعم السيوطي في التدريب [٢] أن الشافعي لم يقصد إفراده بالتأليف وإنما تكلم عليه في كتاب الأم. ولكن هذا غير جيد فإن الشافعي كتب في الأم كثيراً من أبحاث اختلاف الحديث وألف فيه كتابا خاصا بهذا الاسم وهو مطبوع بهامش الجزء السابع من الأم وذكره محمد ابن إسحق النديم في كتاب (الفهرست) ضمن مؤلفات الشافعي (ص ٢٩٥).

стр. 348

وكذلك ابن قتيبة، له فيه مجلد مفيد. وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم «١». والتعارض بين الحديثين: قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه (١)، كالناسخ والمنسوخ، فيصار إلى الناسخ ويترك المنسوخ. وقد يكون بحيث يمكن الجمع، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيح بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، وبهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن الصحابة. وقد كان الإمام أبو بكر بن خزيمة يقول: ليس ثَمَّ حديثان ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ وابن النديم من أقدم المؤرخين الذين ذكروا العلوم والمؤلفين، فإنه ألف كتاب (الفهرست) حول سنة ٣٧٧ وقد ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الشافعي التي سماها (توالى التأسيس بمعالي ابن إدريس) ضمن مؤلفاته التي سردها نقلا عن البيهقي (ص ٧٨). والبيهقي من أعلم الناس بالشافعي وكتبه وذكره ابن حجر أيضا في شرح النخبة. [شاكر] «١» [شاكر]: كتاب ابن قتيبة طبع في مصر سنة ١٣٢٦ باسم" تأويل مختلف الحديث". وقد أنصفه الحافظ ابن كثير، وكذلك أنصفه ابن الصلاح فقال نحو ذلك (ص ٢٤٤) قال: "وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة في هذا المعنى إن يكن قد أحسن فيه من وجه فقد أساء في أشياء منه قصر باعُهُ فيها وأتى بما غيره أولى وأقوى". [شاكر]

стр. 349

متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئاً من ذلك فليأتي لأؤلف له بينهما «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر]: إذا تعارض حديثان ظاهراً فإن أمكن الجمع بينهما فلا يُعدل عنه إلى غيره بحال، ويجب العمل بهما معاً. وقد مثل السيوطي لذلك بحديث "لا عدوى" مع حديث "فر من المجذوم فرارك من الأسد" وهما حديثان صحيحان: قال في التدريب "ص ١٩٨" [١]: "وقد سلك الناس في الجمع مسالك: أحدهما: أن هذه الأمراض لا تُعْدِي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض للصحيح سبباً لأعدائه مرضه وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح. الثاني: أن نفي العدوى باقٍ على عمومه والأمر بالفرار من باب سد الذرائع، لئلا يتفق للذي يخالطه شيء بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسماً للمادة وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام. الثالث: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون معنى قوله "لا عدوى": أي: إلا من الجذام ونحوه فكأنه قال: لا يعدي شيء إلا فيما تقدم تبييني له أنه يعدي قاله القاضي أبو بكر الباقلاني. الرابع: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته وتزداد حسرته ويؤيده حديث "لا تديموا النظر إلى المجذومين" فإنه محمولٌ على هذا المعنى. وفيه مسالك أخر. وأضعفها المسلك الرابع كما هو ظاهر لأن الأمر بالفرار ظاهر في تنفير الصحيح من القرب من المجذوم فهو ينظر فيه لمصلحة الصحيح أولاً، مع قوة التشبيه بالفرار من الأسد لأنه لا يفر الإنسان من الأسد رعاية لخاطر الأسد أيضا! ! =

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = وأقواها عندي المسلك الأول الذي اختاره ابن الصلاح لأنه قد ثبت من العلوم الطبية الحديثة أن الأمراض المعدية تنتقل بواسطة المكروبات ويحملها الهواء أو البصاق أو غير ذلك على اختلاف أنواعها وأن تأثيرها في الصحيح إنما يكون تبعاً لقوته وضعفه بالنسبة لكل نوع من الأنواع وأن كثيرا من الناس لديهم وقاية خلقية تمنع قبولهم لبعض الأمراض المعينة ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال فاختلاط الصحيح بالمريض سبب لنقل المرض وقد يتخلف هذا السبب كما قال ابن الصلاح ﵀. وإذا كان الحديثان المتعارضان لا يمكن الجمع بينهما فإن علمنا أن أحدهما ناسخ للآخر أخذنا بالناسخ وإن لم يثبت النسخ أخذنا بالراجح منهما. وأوجه الترجيح كثيرة مذكورة في كتب الأصول وغيرها وقد ذكر الحازمي منها في "الاعتبار" (ص ٨ - ٢٢) خمسين وجهاً ونقلها العراقي في "شرحهِ علي ابن الصلاح وزاد عليها حتى أوصلها إلي مائة وعشرة (ص ٢٤٥ - ٢٥٠)، ولخصها السيوطي في التدريب (ص ١٩٨ - ٢٠٠) [١] وإذا لم يمكن ترجيح أحد الحديثين وجب التوقف فيهما [٢]. [شاكر]

стр. 351

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْمَزِيدِ فِي الْأَسَانِيدِ (١) وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ رَاوٍ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابًا حَافِلًا (٢)، قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٣): وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ. ومثل ابن الصلاح (٤) هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك "عن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن جابر (٥) حدثني (بسر بن) (٦) عبيد الله سمعت) (٧) أبا إدريس يقول سمعت واثلة بن الأسقع سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، (ولا تصلوا إليها) (٨) " (٩). ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان،

стр. 352

وقال أبو حاتم الرازي (١): وهِمَ ابن المبارك في إدخاله أبا (٢) إدريس في الإسناد وهاتان زيادتان «١». ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] هذا النوع مرتبط بالنوع الآتي بعده. وسنبين ذلك في التعليق عليه. [شاكر]

стр. 353

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْخَفِيِّ مِنَ الْمَرَاسِيلِ (١) وَهُوَ يَعُمُّ الْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضَلَ أَيْضًا وَقَدْ صَنَّفَ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِـ (التَّفْصِيلِ لِمُبْهَمِ الْمَرَاسِيلِ) (٢) وَهَذَا النَّوْعُ إِنَّمَا يُدْرِكُهُ نُقَّادُ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتُهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ إِمَامًا فِي ذَلِكَ، وَعَجَبًا مِنَ الْعَجَبِ,-فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَبَلَّ بِالْمَغْفِرَةِ ثَرَاهُ-. فَإِنَّ الْإِسْنَادَ إِذَا عُرِضَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ ثِقَاتِ الرِّجَالِ وَضُعَفَاءَهُمْ، قَدْ يَغْتَرُّ بِظَاهِرِهِ، وَيَرَى رِجَالَهُ ثِقَاتٍ، فَيَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَهْتَدِي لِمَا فِيهِ مِنْ الِانْقِطَاعِ، أَوْ الْإِعْضَالِ، أَوْ الْإِرْسَالِ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمَيِّزُ الصَّحَابِيَّ مِنْ التَّابِعِيِّ. وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ لِلصَّوَابِ. ومثَّل هذا النوع ابن الصلاح (٣) بما روى "العَوَّام بن حَوْشَب" «١» ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ «١» [شاكر] "العَوّام": بفتح العين المهملة وتشديد الواو، و "حَوْشَب": بفتح =

стр. 354

عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة: نهض وكبر قال الإمام أحمد: لم يلق العوام، ابن أبي أوفى (١) «١»، يعني فيكون منقطعاً بينهما، فيضعف الحديث، لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه «٢» والله أعلم. ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = الحاء المهملة وإسكان الواو وفتح الشين المعجمة وآخره باء موحدة. [شاكر] «١» [شاكر] يعنى أن العوام بن حوشب روى عن عبد الله بن أبى أوفى هذا الحديث، مع أن العوام لم يلقَ عبد الله بن أبى أوفى، فكان المسند منقطعاً. [شاكر] «٢» [شاكر] قد يجئ الحديث الواحد بإسناد واحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راوٍ، وهذا يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد. فتارة تكون الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها، أو بضبطهم وإتقانهم، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وَهِمَ فيها، تبعاً للترجيح والنقد. فإذا رجحت الزيادة كان النقص من نوع "الإرسال الخفي"، وإذا رَجَح النقص كان الزائد من "المزيد في متصل الأسانيد". مثال الأول: حديث عبد الرزاق عن الثوري عن أبى إسحاق عن زيد بن يُثَيْع - بضم الياء التحتية المثناة وفتح الثاء المثلثة وإسكان الياء التحتية المثناة، وآخره عين مهملة - عن حذيفة مرفوعاً: "إن وليتموها أبا بكر فقوىٌ أمين" [١]. فهو منقطع في موضعين: لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبى شيبة عن الثوري، ورُوي أيضاً عن الثوري عن شريك عن أبى إسحاق. ومثال الثاني: حديث ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة

стр. 355

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ (١) ______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______ = يقول: سمعت أبا مَرثْدَ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" [١]. فزيادة "سفيان" و "أبى إدريس" وَهْمٌ. فالوهم في زيادة "سفيان" من الراوي عن ابن المبارك، فقد رواه ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع. والوهم في زيادة "أبى إدريس" من ابن المبارك، فقد رواه الثقات عن عبد الرحمن بن يزيد عن بُسْرٍ بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع. ويُعرف الإرسال الخفي أيضاً بعدم لقاء الراوي لشيخه، وإن عاصره، أو بعدم سماعه منه أصلاً، أو بعدم سماع الخبر الذي رواه، وإن كان سمع من غيره. وإنما يحكم بهذا، إما بالقرائن القوية، وإما بإخبار الشخص عن نفسه، وإما بمعرفة الأئمة الكبار والنص منهم على ذلك. وقد يجئ الحديث من طريقين، في أحدهما زيادة راو في الإسناد، ولا توجد قرينة ولا نص على ترجيح أحدهما على الآخر، فيُحمل هذا على أن الراوي سمعه من شيخه، وسمعه من شيخ شيخه، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا. [شاكر]
следующие страницы →