النَّوْعُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ
مَعْرِفَةُ الْمَزِيدِ فِي الْأَسَانِيدِ (١)
وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ رَاوٍ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابًا حَافِلًا (٢)، قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٣): وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ.
ومثل ابن الصلاح (٤) هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك "عن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن جابر (٥) حدثني (بسر بن) (٦) عبيد الله سمعت) (٧) أبا إدريس يقول سمعت واثلة بن الأسقع سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، (ولا تصلوا إليها) (٨) " (٩). ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان،
стр. 352
وقال أبو حاتم الرازي (١): وهِمَ ابن المبارك في إدخاله أبا (٢) إدريس في الإسناد وهاتان زيادتان «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] هذا النوع مرتبط بالنوع الآتي بعده. وسنبين ذلك في التعليق عليه. [شاكر]
عن عبد الله ابن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة: نهض وكبر قال الإمام أحمد: لم يلق العوام، ابن أبي أوفى (١) «١»، يعني فيكون منقطعاً بينهما، فيضعف الحديث، لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه «٢»
والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الحاء المهملة وإسكان الواو وفتح الشين المعجمة وآخره باء موحدة. [شاكر]
«١» [شاكر] يعنى أن العوام بن حوشب روى عن عبد الله بن أبى أوفى هذا الحديث، مع أن العوام لم يلقَ عبد الله بن أبى أوفى، فكان المسند منقطعاً. [شاكر]
«٢» [شاكر] قد يجئ الحديث الواحد بإسناد واحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راوٍ، وهذا يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد. فتارة تكون الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها، أو بضبطهم وإتقانهم، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وَهِمَ فيها، تبعاً للترجيح والنقد.
فإذا رجحت الزيادة كان النقص من نوع "الإرسال الخفي"، وإذا رَجَح النقص كان الزائد من "المزيد في متصل الأسانيد".
مثال الأول: حديث عبد الرزاق عن الثوري عن أبى إسحاق عن زيد بن يُثَيْع - بضم الياء التحتية المثناة وفتح الثاء المثلثة وإسكان الياء التحتية المثناة، وآخره عين مهملة - عن حذيفة مرفوعاً: "إن وليتموها أبا بكر فقوىٌ أمين" [١]. فهو منقطع في موضعين: لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبى شيبة عن الثوري، ورُوي أيضاً عن الثوري عن شريك عن أبى إسحاق.
ومثال الثاني: حديث ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة
стр. 355
النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ (١)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= يقول: سمعت أبا مَرثْدَ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" [١].
فزيادة "سفيان" و "أبى إدريس" وَهْمٌ.
فالوهم في زيادة "سفيان" من الراوي عن ابن المبارك، فقد رواه ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع.
والوهم في زيادة "أبى إدريس" من ابن المبارك، فقد رواه الثقات عن عبد الرحمن بن يزيد عن بُسْرٍ بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع.
ويُعرف الإرسال الخفي أيضاً بعدم لقاء الراوي لشيخه، وإن عاصره، أو بعدم سماعه منه أصلاً، أو بعدم سماع الخبر الذي رواه، وإن كان سمع من غيره.
وإنما يحكم بهذا، إما بالقرائن القوية، وإما بإخبار الشخص عن نفسه، وإما بمعرفة الأئمة الكبار والنص منهم على ذلك.
وقد يجئ الحديث من طريقين، في أحدهما زيادة راو في الإسناد، ولا توجد قرينة ولا نص على ترجيح أحدهما على الآخر، فيُحمل هذا على أن الراوي سمعه من شيخه، وسمعه من شيخ شيخه، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا. [شاكر]
стр. 356
وَالصَّحَابِيُّ: مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَالِ إِسْلَامِ الرَّائِي، وَإِنْ لَمْ تَطُلْ صُحْبَتُهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، سَلَفًا وَخَلَفًا (١).
وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ كَافٍ فِي إِطْلَاقِ الصُّحْبَةِ: - الْبُخَارِيُّ (٢)
وَأَبُو زُرْعَة، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ مَنْدَة وَأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ "الْغَابَةُ «١» فِي مَعْرِفَةِ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» في "ح": الغاية. [شاكر] "أسد الغابة في معرفة الصحابة" كما هو مذكور على طُرَّة الكتاب المطبوع بمصر، فـ (الغابة) بالباء الموحدة لا بالياء المثناة آخر الحروف. [شاكر]
стр. 357
الصَّحَابَةِ"، وَهُوَ أَجْمَعُهَا وَأَكْثَرُهَا فَوَائِدَ وَأَوْسَعُهَا -أَثَابَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ-.
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَقَدْ شَانَ اِبْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِتَابَهُ "الِاسْتِيعَابُ" بِذِكْرِ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنْ كُتُبِ الْأَخْبَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ «١».
وَقَالَ آخَرُونَ: لَابُدَّ في إِطْلَاقِ الصُّحْبَةِ مَعَ الرُّؤْيَةِ أَنْ يَرْوِيَ عنه حَدِيثًا أَوْ حَدِيثَيْنِ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] أول من جمع أسماء الصحابة وتراجمهم - فيما ذهب إليه السيوطي - البخاري صاحب (الصحيح).
وفي هذا نظر، لأن "كتاب الطبقات الكبير" لمحمد بن سعد كاتب الواقدي جمع تراجم الصحابة ومن بعد هم إلى عصره، وهو أقدم من البخاري، وكتابه مطبوع في ليدن، ثم ألف بعدهما كثيرون في بيان الصحابة.
والمطبوع منها "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر. و "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير الجزري، وهو من أحسنها. ومختصره، واسمه "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي.
و"الإصابة في تمييز الصحابة" للحافظ ابن حجر، وهو أكثرها (جميعاً) [١]، وإن كانت التراجم فيه مختصرة، وهو في ثمانية مجلدات، وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه: أنه مكث في تأليفه نحو الأربعين سنة، وكانت الكتابة فيه بالتراخي، وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات، ﵀ ورضي عنه.
ومجموع التراجم التي في الإصابة (١٢٢٧٩) بما في ذلك المكرر، للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بكنية أو لقب أو نحو ذلك، وبما فيه أيضاً مِنْ ذكره بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم، وغير ذلك.
ويحتاج إلى تحرير عدد الصحابة فيه على الحقيقة. وهو سهل إن شاء الله. [شاكر]
стр. 358
وعن سعيد بن المسيب (١): لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين، أو يغزو معه غزوة أو غزوتين. وروى شعبة عن موسى السَّبَلاني «١». وأثنى عليه خيراً، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا. رواه مسلم بحضرة أبي زرعة «٢».
وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة، لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين.
ولهذا (جاء في بعض) (٢) ألفاظ الحديث الصحيح (٣): تغزون
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» في "ط": السيلان، [شاكر] قوله: "السَّبَلاني" قال العراقي في "شرح المقدمة": وقع في النسخ الصحيحة التي قُرئت على المصنف: "السَّبَلاني" بفتح المهملة وفتح الباء الموحدة، والمعروف إنما هو بسكون الباء المثناة من تحت، هكذا ضبطه السمعاني في الأنساب اهـ. فما هنا تبعٌ لابن الصلاح، وما صححه العراقي تبعاً للسمعاني بخلافه. [شاكر]
«٢» [شاكر] قال ابن الصلاح [١]: "وإسناده جيد، حدَّث به مسلم بحضرة أبي زُرعة". [شاكر]
стр. 359
فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ (فيقولون: "نعم، فيفتح لكم ... " حتى ذكر "من رأى [من رأى] (١) رسول الله ﷺ " الحديث) (٢) بتمامه «١».
وقال بعضهم، في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته «٢».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] الحديث مخرج في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً [١]: "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون هل فيكم مِنْ صاحَبَ رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحَبَ أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحَبَ من صاحَبَ أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم" اهـ.
وانفرد أبو الزبير المكي عن جابر عند مسلم بزيادة طبقة رابعة، وحكم الحافظ العسقلاني بشذوذها، كما في "باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عيه وسلم ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين" إلخ، من فتح الباري أول الجزء السابع. [شاكر]
«٢» [شاكر] قال ابن حجر في "الإصابة" (ج ١ ص ٤ - ٥) في تعريف الصحابي: "أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لَقِي النبي صلى الله عيه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام. فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يروِ، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى".
ثم بين أنه يدخل في قوله "مؤمناً به" كل مكلف من الجن والإنس، وأنه
стр. 360
" فرع ": والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= يخرج من التعريف من لقيه كافراً وإن أسلم بعد ذلك، وكذلك من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وكذلك من لقيه مؤمناً ثم ارتد ومات على الردة، والعياذ بالله.
ويدخل في التعريف من لقيه مؤمناً، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، ومات مسلماً، كالأشعث بن قيس، فإنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر، وقد اتفق أهل الحديث على عده في الصحابة.
ثم قال: "وهذا التعريف مبنى على الأصح المختار عند المحققين، كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما".
ثم قال: "وأطلق جماعة أن من رأى النبي صلى الله عيه وسلم فهو صحابي، وهو محمول على من بلغ سن التمييز، إذ من لم يميز لا تصح نسبة الرؤية إليه, نعم، يصدق أن النبي ﷺ رآه، فيكون صحابياً من هذه الحيثية، ومن حيث الرواية يكون تابعياً".
وبذلك اختار ابن حجر عدم اشتراط البلوغ. وأما الملائكة فإنهم لا يدخلون في هذا التعريف، لأنهم غير مكلفين. [١] [شاكر]
стр. 361
والأرواح (١) بين يدي رسول الله ﷺ ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل.
وأما ما شَجَرَ بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صفين.
والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضاً، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين (٢).
وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل علياً -: قول باطل مرذول ومردود (٣).
وقد ثبت في صحيح البخاري (٤) عن رسول الله ﷺ أنه قال - عن ابن ابنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
стр. 362
وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر، بعد موت أبيه علي، فاجتمعت (١) الكلمة على معاوية، وسمي " عام الجماعة " (٢). وذلك سنة أربعين من الهجرة: فسمي الجميع " مسلمين " وقال تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فسماهم "مؤمنين" مع الاقتتال (٣).
وَمَنْ كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ (مَعَ مُعَاوِيَةَ؟ يُقَالُ) (٤): لَمْ يَكُنْ فِي الْفَرِيقِين مائَةٌ مِنْ (٥) الصَّحَابَةِ (وعن أحمد ولا ثلاثون) (٦)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٧)
وَجَمِيعُهُمْ صَحَابَةٌ، فَهُمْ (عُدُولٌ كُلُّهُمْ) (٨).
وَأَمَّا طَوَائِفُ الرَّوَافِضِ وَجَهْلُهُمْ وَقِلَّةُ عَقْلِهِمْ، وَدَعَواِهِمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَفَرُوا إِلَّا سَبْعَةَ (٩) عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَسَمَّوْهُمْ فَهُوَ مِنَ الْهَذَيَانِ بِلَا دَلِيلٍ إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى متبع، وهو أقل
стр. 363
من أن يرد (عليه) (١).
والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنوع القربات، في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن لأمة (٢) من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين، "ولعن الله من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين. آمين يا رب العالمين" (٣).
وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈: أبو بكر عبد الله بن عثمان التيمي، [ابن] [*] أبي قحافة، خليفة رسول الله ﷺ وسمي بالصديق لمبادرته إلى تصديق الرسول ﵊ قبل الناس كلهم، قال رسول الله ﷺ "ما دعوت أحداً إلي الإيمان إلا كانت له كبوة، إلا أبا بكر، فإنه لم يتلعثم" (٤).
وقد ذَكَرتُ سيرته وفضائله و (٥) مسنده والفتاوى عنه، في مجلد على حدة، ولله الحمد.
ثم من بعده: عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب.
стр. 364
هذا رأي المهاجرين والأنصار.
حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، (فانحصر في عثمان وعلي، واجتهد) (١) فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب، فلم يرهم يعدلون بعثمان أحداً، فقدمه على علي، وولاه الأمر قبله، ولهذا قال الدارقطني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
وصدق ﵁ "وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه." (٢)
والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم "علي" على "عثمان".
ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال إنه رجع عنه.
ونقل مثله عن وكيع بن الجراح، ونصره ابن خزيمة والخطابي، وهو ضعيف مردود بما تقدم.
ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
وأما السابقون الأولون، فقيل: هم (٣) من صلى القبلتين، وقيل أهل بدر، وقيل: أهل بيعة الرضوان، وقيل غير ذلك «١» والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] اختلفوا في طبقات الصحابة، فجعلها بعضهم خمس طبقات،
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وعليه عمل ابن سعد في كتابه، ولو كان المطبوع كاملاً لاستخرجناها منه وذكرناها. وجعلها الحاكم اثنتي عشرة طبقة، وزاد بعضهم أكثر من ذلك.
والمشهور ما ذهب إليه الحاكم.
وهذه الطبقات هي:
١ - قوم تقدم إسلامهم بمكة، كالخلفاء الأربعة.
٢ - الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور أهل مكة في دار الندوة.
٣ - مهاجرة الحبشة.
٤ - أصحاب العقبة الأولى.
٥ - أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار.
٦ - أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بقباء قبل أن يدخل المدينة.
٧ - أهل بدر.
٨ - الذين هاجرو بين بدر والحديبية.
٩ - أهل بيعة الرضوان في الحديبية.
١٠ - من هاجر بين الحديبية وفتح مكة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
١١ - مُسلمة الفتح، الذين أسلموا في فتح مكة.
١٢ - صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفى حجة الوداع وغيرهما.
وأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، بإجماع أهل السنة
قال القرطبي: "ولا مبالاة بأقوال أهل التشيع ولا أهل البدع".
ثم عثمان بن عفان، ثم على بن أبي طالب.
وحكى الخطابي عن أهل السنة من الكوفة تقديم علىّ على عثمان، وبه قال ابن خزيمة.
ثم بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم: سعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة عامر بن الجراح. ثم بعدهم أهل بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة =
стр. 366
"فرع": قال الشافعي: رَوَى عن رسول الله ﷺ ورآه من (المسلمين) (١) نحو من ستين ألفاً.
وقال أبو زرعة الرازي: شهد معه حجة الوداع أربعون ألفاً، وكان معه بتبوك سبعون ألفاً، وقُبض ﵊ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= عشر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.
وممن لهم مَزِيَّة فضل على غيرهم-: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. واختلف فى المراد بهم على أربعة أقوال فقيل: هم أهل بيعة الرضوان، وهو قول الشعبي. وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وهو قول سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم. وقيل: هم أهل بدر، وهو قول محمد بن كعب القُرَظِي وعطاء بن يَسَار. وقيل: هم الذين أسلموا قبل فتح مكة، وهو قول الحسن البصري، وتفصيل هذا كله في التدريب (٢٠٧ - ٢٠٨) [١]. [شاكر]
«١» [شاكر] عدد الصحابة كثيرٌ جداً، فقد نقل ابن الصلاح عن أبي زرعة: أنه سئل عن عدة من روى عن النبي ﷺ ، فقال: "ومن يضبط هذا؟ ! شهد مع النبي حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً".
ونقل عنه أيضا أنه قيل له: "أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: ومن قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة! ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ؟ ! قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألفٍ وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا؟ وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفه". [شاكر]
стр. 367
قال أحمد بن حنبل: وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة «١»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] أكثر الصحابة رواية للحديث: أبو هريرة، ثم عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم أنس بن مالك، ثم عبد الله بن عباس حبر الأمة، ثم عبد الله بن عمر، ثم جابر بن عبد الله الأنصاري، ثم أبو سعيد الخدري، ثم عبد الله بن مسعود، ثم عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد ذكر العلماء عدد أحاديث كل واحد منهم، واتَّبعوا في العد ما ذكره بن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر- المطبوع في الهند- (ص ١٨٤).
وقد اعتمد في عده على ما وقع لكل صحابي في مسند أبي عبد الرحمن بقى بن مَخلد، لأنه أجمع الكتب. فذكر أصحاب الألوف، يعني من رُوي عنه أكثر من ألفى حديث، ثم أصحاب الألف، يعني من روي عنه أقل من ألفين، ثم أصحاب المِئِين، يعني من روي عنه أكثر من مائة وأقل من ألف، وهكذا، إلى أن ذكر من روي عنه حديثان، ثم من روي عنه حديث واحد.
ومسند بقى بن مخلد من أهم مصادر السنة، وقد قال فيه بن حزم: "مسند بقى روى فيه عن ألف وثلاثمائة صحاب ونيف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، وما أعلم هذه الرتبة لأحدٍ قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث".
انظر نفح الطيب (ج ١ ص ٥٨١ وج ٢ ص ١٣١). ولكن هذا الكتاب الجليل لم نسمع بوجوده في مكتبة من مكاتب الإسلام، وما ندرى: أفقد كله؟ ولعله يوجد في بعض البقايا التى نجت من التدمير في الأندلس، وأكثر الكتب التي بين أيدينا جمعاً للأحاديث: مسند الإمام أحمد بن حنبل، وقد يكون الفرق كبيراً جداً بين ما ذكره ابن الجوزي عن مسند بقى، وبين ما فى مسند أحمد - كما سترى في أحاديث أبي هريرة - ولا يمكن أن يكون كل هذا الفرق أحاديث فاتت الإمام أحمد، بل هو في اعتقادي ناشئ عن كثرة الطرق والرويات للحديث الواحد.
فقد قال الإمام أحمد في شأن مسنده: "هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفاً، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة" =
стр. 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وقال أيضاً: "علمتُ هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله رُجِعَ إليه".
وقال الحافظ الذهبي: "هذا القول منه على غالب الأمر، وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند".
وقال بن الجزري: "يريد أصول الأحاديث، وهو صحيح، فإنه ما من حديث - غالباً - إلا وله أصل في هذا المسند".
انظر خصائص المسند للحافظ أبي موسى المديني، والمصعد الأحمد لابن الجزري، المطبوعين في مقدمة المسند بتحقيقنا (ج ١ ص ٢١ - ٢٢ ص ٣١).
نعم إن مسند أحمد فاتته أحاديث كثيرة، ولكنها ليست بالكثرة التي تصل إلى الفرق بينه وبين مسند بقيّ في مثل أحاديث أبي هريرة. والمتتبع لكتب السنة يجد ذلك واضحاً مستبيناً، ومع هذا فإن في مسند أحمد أحاديث مكررة مراراً، ولم يسبق للمتقدمين أن ذكروا عدد ما فيه بالضبط، إلا أنهم قدروه بنحو ثلاثين ألف حديث إلى أربعين ألفاً.
وأنا أظن أنه لا يقل عن خمسة وثلاثين ألفاً، ولا يزيد على الأربعين. وسيَتَبيّن عدده بالضبط عندما أُكملُ الفهارس التي أعملها له، إن شاء الله تعالى.
وسأذكر هنا عدد الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي لهؤلاء التسعة المكثرين من الصحابة، وأذكر عدد أحاديثهم في مسند أحمد ما عدا عائشة، فإني لم أبدأ في مسندها بعد:
-أبو هريرة ذكر ابن الجوزي أن عدد أحاديثه ٥٣٧٤ وفي مسند أحمد ٣٨٤٨ حديثاً (ج ٢ ص ٢٢٨ - ٥٤١)
-عائشه ذكر ابن الجوزي أن عدد أحاديثها ٢٢١٠ وحديثها في المسند (ج ٦ ص ٢٩ - ٢٨٢)
-أنس بن مالك عند ابن الجوزي ٢٢٨٦ حديث وفي مسند أحمد ٢١٧٨ حديث (ج ٣ ص ٩٨ - ٢٩٢)
-عبد الله بن عباس عند ابن الجوزي ١٦٦٠ حديثاً وفي مسند أحمد ١٦٩٦ =
стр. 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= حديثاً (ج ١ ص ٢١٤ - ٣٧٤) من طبعة الحلبي و (ج ٣ ص ٢٥٢ - ج ٥ ص ١٨٣) من طبعتنا بشرحنا.
-عبد الله بن عُمر عند بن الجوزي ٢٦٣٠ حديثاً وفى مسند أحمد ٢٠١٩ حديثاً (ج ٢ ص ٢ - ١٥٨ من طبعة الحلبي) و (ج ٦ ص ٢٠٩ ج ٩ ص ٢٢٩ من طبعتنا).
-جابر بن عبد الله عند بن الجوزي ١٥٤٠ حديثاً وفى مسند أحمد ١٢٠٦ (ج ٣ ص ٢٩٢ - ٤٠٠).
-أبو سعيد الخدري عند بن الجوزي ١١٧٠ حديثاً وفي مسند أحمد ٩٥٨ حديثاً (ج ٣ ص ٢ - ٩٨)
- عبد الله بن مسعود عند بن الجوزي ٨٤٨ حديثاً وفى مسند أحمد ٨٩٢ حديثاً (ج ١ ص ٣٧٤ - ٤٦٦) من طبعة الحلبي و (ج ٥ ص ١٨٤ - ج ٦ ص ٢٠٥ من طبعتنا)
- عبد الله بن عمرو بن العاص عند بن الجوزي ٧٠٠ حديثاً وفى مسند أحمد ٧٢٢ حديثاً (ج ٢ ص ١٥٨ - ٢٢٦)
واعلم أن هذه الأعداد في مسند أحمد يدخل فيها المكرر أي أن الحديث الواحد يُعد أحاديثَ بعدد طرقه التي رواه بها.
ومن المهم معرفة العدد الحقيقي بحذف المكرر واعتبار كل الطرق للحديث حديثاً واحد ولم أتمكن من ذلك إلا في مسند أبي هريرة فظهر لي أن عدد أحاديثه في مسند أحمد بعد حذف المكرر منها هو ١٥٧٩ حديثاً فقط.
فأين هذا من العدد الضخم [الذي رواه أبي هريرة] [١] الذي ذكره بن الجوزي وهو ٥٣٧٤؟ ! . وهل فات أحمد هذا كله؟ ! ما أظن ذلك.
وإنما الذي أرجحه أن ابن الجوزي عد ما رواه بقي لأبى هريرة مطلقاً وأدخل فيه المكرر، فتعدد الحديث الواحد مراراً بتعدد طرقه وقد يكون بقي أيضا يروي الحديث الواحد مقطعاً أجزاء باعتبار الأبواب والمعاني كما يفعل البخاري ويؤيده أن ابن حزم يصفه بأنه رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه
وأيضا فإن في مسند أحمد أحاديث كثيرة يذكرها استطراداً في غير مسند =
стр. 370
"قلت": وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد، وابن مسعود، ولكنه توفي قديماً، ولهذا لم يعده أحمد بن حنبل في العبادلة (١)،
بل قال: العبادلة أربعة: عبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص «١».
" فرع ": وأول من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر الصديق،
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الصحابي الذي رواها وبعضها يكون مروياً عن اثنين أو أكثر من الصحابة فتارة يذكر الحديث في مسند كل واحد منهما وتارة يذكره في مسند أحدهما دون الآخر.
وقد وجدت فيه أحاديث لبعض الصحابة ذكرها أثناء مسند لغير راويها ولم يذكرها في مسند راويها أصلاً.
ولكن هذا كله لا ينتج منه هذا الفرق الكبير بين العددين في مثل مسند أبي هريرة ولعلنا نُوَفَق لتحقيق عدد الأحاديث التي رواها عن كل صحابي كما صنعنا في رواية أبي هريرة إن شاء الله.
وقد جمعت عدد الأحاديث التي نسبها ابن الجوزي للصحابة في مسند بقي فكانت ٣١٠٦٤ حديثاً وهذا يقل عن مسند أحمد أو يقاربه. [شاكر]
«١» [شاكر] قال البيهقي: "هؤلاء عاشوا حتى اُحتيج إلى علمهم فإذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة.
وابن مسعود ليس منهم لأنه تقدم موته عنهم، واقتصر الجوهري في الصحاح على ثلاثة منهم فحذف ابن الزبير
وذكر الرافعي والزمخشري أن العبادلة هم ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وهذا غلطٌ من حيث الاصطلاح.
وذكر بن الصلاح أن من يسمى (عبد الله) من الصحابة نحو (٢٢٠) نفساً وقال العراقي (ص ٢٦٢) "يجتمع من المجموع نحو ٣٠٠ رجل". [شاكر]
стр. 371
وقيل: إنه أول من أسلم مطلقاً. و (١) من الولدان: علي، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقاً، ولا دليل عليه من وجه يصح «١».
ومن الموالي: زيد بن حارثة. ومن الأرقاء: بلال.
ومن النساء: خديجة، وقيل: إنها أول من أسلم مطلقاً، وهو ظاهر السياقات في أول البعثة، وهو محكيٌ عن ابن عباس والزهري وقتادة ومحمد بن إسحق بن يسار صاحب المغازي وجماعة.
وادعى الثعلبي المفسر على ذلك الإجماع، قال: وإنما الخلاف فيمن أسلم بعدها.
"فرع": وآخر الصحابة على الإطلاق موتاً أنس بن مالك «٢» ثم أبو الطفيل عامر ابن واثلة الليثي، قال علي بن المديني: وكانت وفاته بمكة؛ فعلى هذا هو آخر من مات بها (من الصحابة) (٢) «٣».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] وقال الحاكم "لا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أن على بن أبي طالب أولهم إسلاماً" واستنكر ابن الصلاح دعوى الحاكم الإجماع ثم قال (ص ٢٢٦) والأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان أو الأحداث على ومن النساء خديجة ومن الموالى زيد بن حارثة ومن العبيد بلال" [شاكر]
«٢» [شاكر] الذي جزم به ابن الصلاح وصوبه شارحه العراقي ونقله عن مسلم بن الحجاج ومصعب بن عبد الله وأبى زكريا بن مَنْدَهَ وغيرهم أن آخر الصحابة موتاً على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة [شاكر]
«٣» [شاكر] مات عامر سنه ١٠٠ وقيل سنة ١٠٢ وقيل سنة ١٠٧ وقيل سنة ١١٠ والأخير صححه الذهبي. [شاكر]
стр. 372
ويقال: آخر من مات بمكة ابن عمر. وقيل: جابر. والصحيح أن جابراً مات بالمدينة، وكان آخر من مات بها.
وقيل: سهل ابن سعد.
وقيل: السائب بن يزيد.
وبالبصرة: أنس.
وبالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى.
وبالشام: عبد الله بن بسر «١» بحمص.
وبدمشق: واثلة بن الأسقع «٢».
وبمصر: عبد الله بن الحارث بن جَزء (الزُّبَيْدِيِّ) (١) «٣».
وباليمامة: الهِرْماس بن زياد «٤».
وبالجزيرة: العُرس بن عَمِيرة «٥».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] واثلة بالثاء المثلثلة و "الأسْقَع" بإسكان السين المهملة وفتح القاف [شاكر]
«٢» ساقط من "ح"، "ب"، "غراس".
«٣» [شاكر] جَزْء بفتح الجيم وإسكان الزاي [شاكر]
«٤» [شاكر] الهِرْماس بكسر الهاء وإسكان الراء وآخره سين مهمله [شاكر]
«٥» [شاكر] "الجزيرة" هي ما بين دجله والفرات من العراق و "العُرس" بضم العين المهملة وإسكان الراء وآخره سين مهمله و "عَميره" بفتح العين المهملة وإسكان الميم. [شاكر]
стр. 373
وبأفريقية: رويفع بن ثابت «١».
وبالبادية: سلمة ابن الأكوع. ﵃.
"فرع": وتُعرف صحبة الصحابي (١) تارة بالتواتر، وتارة بأخبار مستفيضة، وتارة بشهادة غيره من الصحابة له، وتارة بروايته عن النبي ﷺ سماعاً أو مشاهدة مع المعاصرة «٢».
فأما إذا قال المعاصر العدل: "أنا صحابي": فقد قال ابن الحاجب في مختصره: احتمل الخلاف (٢)، "يعني لأنه يخبر عن حكم شرعي، كما لو قال في الناسخ: "هذا ناسخٌ لهذا" لاحتمال خطأه في ذلك" (٣).
أما لو قال "سمعت رسول الله ﷺ قال كذا" أو: "رأيته فعل كذا"، أو "كنا عند رسول الله ﷺ "، ونحو هذا -: فهذا مقبول لا محالة، إذا صح السند إليه، وهو ممن عاصره ﵇ «٣».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] "رويفع" تصغير "رافع". [شاكر]
«٢» [شاكر] قوله "المعاصر" أي للنبي ﷺ ، بأن كان موجوداً قبل السنة العاشرة من الهجرة. [شاكر]
«٣» [شاكر] تُعرف الصحبة بالتواتر، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من الصحابة المعروفين، أو بالاستفاضة، كضمام بن ثعلبة وعُكَّاشَة بن مِحْصَن, أو بقول صحابي: ما يدل على أن فلاناً مثلاً - له صحبة، كما شهد أبو موسى لِحُممة بن أبي حمُمة الدوسي، بذلك وبقول تابعي، بناء على قبول التزكية من واحد، وهو
стр. 374
النَّوْعُ الْمُوفِي أَرْبَعِينَ
مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ (١)
قَالَ الْخَطِيبُ البغدادي (٢): التَّابِعِيُّ: مَنْ صَحِبَ الصَّحَابِيَّ.
وَفِي كَلَامِ الْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّابِعِيِّ عَلَى مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ وَرَوَى عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ.
(قُلْتُ): و (٣) لم يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ الصَّحَابِيَّ، (كَمَا اِكْتَفَوْا فِي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الراجح، أو بقوله هو إنه صحابي، إذا كان معروف العدالة وثابت المعاصرة للنبي ﷺ .
أما شرط العدالة فواضح، لأنه لم تثبت له الصحبة من طريق غيره حتى يكون عدلاً بذلك فلابد من ثبوت عدالته أولاً.
وأما شرط المعاصرة فقد قال ابن حجر في الإصابة (ج ١ ص ٦") فيعتبر بمضي مائة سنة وعشر سنين من هجرة النبي ﷺ , لقوله ﷺ في آخر عمره لأصحابه: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ ، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، زاد مسلم من حديث جابر: أن ذلك كان قبل موته ﷺ بشهر [شاكر].
стр. 375
إِطْلَاقِ اِسْمِ الصَّحَابِيِّ عَلَى) (١) مَنْ رَآهُ ﵇ وَالْفَرْقُ عَظَمَةُ شَرَف رُؤْيَتِهِ ﵇.
وَقَدْ قَسَّمَ الْحَاكِمُ طَبَقَاتِ التَّابِعِينَ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ طَبَقَةً فَذَكَرَ أَنَّ أعلاهم من روى عن العشرة، وذكر منهم: سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل، وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حُضَين (٢) بن المنذر «١»، وغيرهم.
وعليه في هذا الكلام دخل كثير، فقد قيل: إنه لم يرو عن العشرة [من التابعين] (٣) سوى قيس بن أبي حازم. قاله ابن خراش. وقال أبو بكر ابن أبي داود: لم يسمع «٢» من عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم.
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصّديق، -قولاً واحداً- لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا- أو بقيتا، ولهذا اختُلف في سماعه من عمر، قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل: إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاة «٣». والله أعلم.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] حضين بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة [شاكر].
«٢» [شاكر] يعنى قيساً [شاكر].
«٣» [شاكر] الكلام كله في شأن سعيد بن المسيب، هل أدرك عُمَرَ أو لا؟ ، ففاعل "أدرك عمر"، وفاعل "لم يسمع من أحد من العشرة" إلخ يعود على سعيد بن المسيب، واسم "كان آخرهم وفاة" يعود على سعد بن أبي وقاص [شاكر].
стр. 376
قال الحاكم: ويلي هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ من أبناء الصحابة، كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبي إدريس الخولاني.
" قلت ": وأما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأُمه أنس بن مالك إلى رسول الله ﷺ ، فحنكه وبرك عليه، وسماه "عبد الله"، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة، لمجرد الرؤية وقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة «١» وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته ﷺ إلا نحواً من مائة يوم ولم يذكر أنه أُحْضِر عند النبي ﷺ ولا رآه، (فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر) (١) والله أعلم (٢).
وقد ذكر الحاكم: النعمان؛ وسويداً، ابني مقرن «٢» في التابعين، وهما صحابيان.
وأما المُخَضْرَمون (٣)، وهم: الذين أسلموا في حياة رسول الله ﷺ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] يعني التي بذي الحليفة ميقات أهل المدينة للحج والعمرة، وتسمى الآن "أبيار علي" ويسميها أهل المدينة "الأحسا" [شاكر].
«٢» [شاكر] "سويّد" بالتصغير و "مُقَرِّن" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة [شاكر].
стр. 377
ولم يروه (١).
و" الخضرمة ": القطع، فكأنهم قُطعوا عن نُظرائهم من الصحابة.
وقد عد منهم مسلم نحواً من عشرين نفساً، منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غَفَلَة «١» وعمرو بن ميمون (٢)، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال (٣) العَتَكي «٢»، وعبد خير بن يزيد الخَيْوانى «٣»، وربيعة بن زرارة «٤».
وقال ابن الصلاح (٤): وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخَوْلاني عبد الله بن ثُوَبْ «٥».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] "غَفَلَة" بغين مُعجمة وفاءٍ ولامٍ مفتوحات [شاكر].
«٢» [شاكر] "الحَلال" بفتح الحاء المهملة وتخفيف اللام، و "العَتَكي" بعين مهملة وتاء مثناة مفتوحتين [شاكر]
«٣» [شاكر] "الخَيْواني" بفتح الخاء المعجمة وإسكان الياء [شاكر].
«٤» [شاكر] "زُرارة" بضم الزاي في أوله.
وربيعة هذا هو "أبو الحلال العَتكي" السابق ذكره، كما نص عليه الدولابي في الكُنى (ج ١ ص ١٥٦)، والذهبي في "المشتبه" (ص ١٩٢) وقد ظن المؤلف أن الاسم والكُنية لشخصين مختلفين، وهو وَهْمٌ منه! [شاكر].
«٥» [شاكر] "ثُوَب": بضم الثاء المثلثة وفتح الواو، كما نص علية الذهبي في "المشتبه" (ص ٨٠)، وابن حجر في التقريب (ص: ٩٩) [شاكر].
стр. 378
"قلت": وعبد الله بن عُكَيم «١»، والأحنف بن قيس «٢».
وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟
فالمشهور: أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أهل البصرة: الحسن.
وقال أهل الكوفة: علقمة، والأسود، وقال بعضهم: أويس القرني (١). وقال بعض أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
وسيدات النساء من التابعين: حفصة بنت سيرين. وعَمْرَةُ بنت عبد الرحمن، وأُمّ الدرداء الصغرى. ﵃ أجمعين.
ومن سادات التابعين: الفقهاء السبعة بالحجاز، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والسابع: سالم بن عبد الله بن عُمر، وقيل: أبو سَلَمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] " عُكَيم" بالعين المهملة والتصغير [شاكر].
«٢» [شاكر] وقد سرد العراقي في شرح مقدمة ابن الصلاح تكملة ما ذكره مسلم، وزاد عليه مما لم يذكره مسلم ولا ابن الصلاح نحو عشرين شخصاً، وللحافظ برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم ابن محمد بن خليل سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة سماها. "تذكرة الطالب المُعَلَّم بمن يقال: إنه مُخَضرَم". وهى مطبوعة بحلب [شاكر].
стр. 379
وقد [أدخل بعضهم] «١» في التابعين من ليس منهم، كما أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم.
وكذلك ذكروا [في الصحابة من ليس صحابياً] «٢» كما عدوا جماعة من الصحابة فيمن ظنوه تابعياً «٣».
وذلك بحسب مبلغهم من العلم. والله الموفق للصواب) (١)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» كذا في جميع النسخ وفي طبعة السنة [وقد عد علي بن المديني] ثم علق قائلا:
[شاكر] كلمة "المديني" بعد "على بن" هي من زيادتنا، وهى مطموسة في الأصل، فزدناها مما ذكره المؤلف في أول الباب الموفي خمسين أن لعلى بن المديني كتاباً في الأسماء والكُنى [شاكر].
«٢» و «٣» [شاكر] ما بين القوسين منطمس في الأصل، فزدناه مما يدل عليه فحوى الكلام، ومما تخيله من الناسخ من ظهور حروف بعض كلمات الأصل، ثم وقفنا على ما نقله صديق حسن خان في كتابه "منهج الأصول" نقلاً عن كتاب الحافظ ابن كثير هذا، فوجدناه موافقا لما صححناه هنا [شاكر].
стр. 380
النَّوْعُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ (١)
مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنْ الْأَصَاغِرِ (٢)
قَدْ يَرْوِي الْكَبِيرُ الْقَدْرِ أَوْ السِّنِّ- أَوْ هُمَا- عَمَّنْ (هو) (٣) دُونَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ فِيهِمَا.
وَمِنْ أَجَلِّ مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ما أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ رُؤْيَته الدَّجَّالِ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الَّتِي فِي الْبَحْرِ وَالْحَدِيثُ [فِي] "الصَّحِيحِ" «١».
وَكَذَلِكَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" (٤) رِوَايَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ (٥) أَبِي سُفْيَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ «٢» عَنْ مُعَاذٍ، " .. وَهُمْ بِالشَّامِ"، فِي حَدِيثِ: "لَا تَزَالُ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] يعني: صحيح مسلم [٢٩٤٢]، فإن الحديث فيه، ولم يروه البخاري [شاكر].
«٢» [شاكر] يعني: ومعاوية صحابي، ومالك بن يُخامر تابعي كبير، وقد عده بعضهم في الصحابة. ولم يثبت له ذلك، كما في الخلاصة [شاكر].
стр. 381
طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حتى ... " «١».
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (١): وَقَدْ رَوَى الْعَبَادِلَةُ «٢» عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ.
(قُلْتُ): وَقَدْ حَكَى عَنْهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وأبو هريرة، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ «٣».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] رواية الصحابي عن تابعي عن صحابي آخر نوع طريف، ادعى بعضهم عدم وجوده، وزعم أن الصحابة إنما رووا عن التابعين الإسرائيليات والموقوفات فقط وهو زعم غير صواب، فقد وُجِدَ هذا النوع، وألف فيه الحافظ الخطيب البغدادي، وجمع الحافظ العراقي من ذلك نحو عشرين حديثاً.
منها: حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبد الرحمن [بن] عبد القاري التابعي عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين
صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل" رواه مسلم في صحيحه (ج ١ ص ٢٠٧).
ومنها: حديث سهل بن سعد الساعدي الصحابي عن مروان بن الحكم التابعي عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ أملى عليه "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علىّ، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى. فأنزل الله على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت علىّ، حتى خفت أن تُرض فخذي، ثم سُري عنه، فأنزل الله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ). رواه البخاري (ج ٦ ص ٤٧ - ٤٨) [شاكر].
«٢» [شاكر] يعني عبد الله بن عباس وابن عُمر وابن عمرو بن العاص [١] [شاكر].
«٣» [شاكر] يعني: روايتهم عن كعب الأحبار [شاكر].
стр. 382
قد روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وهما من شيوخه.
وكذا روى عن عمرو بن شعيب جماعة (١) من التابعين، قيل إنهم نيف وعشرون «١»، ويقال: بضع وسبعون. فالله أعلم.
ولو سردنا جميع ما وقع من ذلك لطال الفصل جداً.
قال ابن الصلاح: وفى التنبيه على ذلك من الفائدة معرفة قدر الراوي على المروي عنه.
قال (٢): وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" «٢»
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] كلمة "عشرون" مندرسة في الأصل. ولكنا أخذناها من عبارة ابن الصلاح [شاكر].
«٢» [شاكر] جزم ابن الصلاح [ص ٥٢٠] بصحته تبعاً للحاكم في علوم الحديث في النوع السادس عشر منه [ص ٤٨].
وفيه نظر، فقد ذكره مسلم في مقدمة صحيحة [١/ ٦] بغير إسنادٍ بصيغة التمريض، فقال: "وقد ذُكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ ... "، فذكره.
ورواه أبو داود في سننه [٤٨٤٢] في أفراده من رواية ميمون بن أبى شَبيب عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "أنزلوا الناس منازلهم" ثم قال أبو داود بعد إخراجه: "ميمون ابن أبي شَبيب لم يدرك عائشة"، فأعلَّه بالانقطاع: وقال البزار في مسنده بعد أن أخرجه من طريق ميمون هذا عن عائشة: "لا يُعلم عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه". =
стр. 383
النَّوْعُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ
مَعْرِفَةُ الْمُدَبَّجِ (١) «١»
وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ سِنًّا وَسَنَدًا وَاكْتَفَى الْحَاكِمُ بِالْمُقَاربةِ (٢) فِي
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= وتُعُقِّبَ البزار بما لا ينهض أهـ مُلخصا من كلام العراقي في شرحه لعلوم الحديث [١] [شاكر].
«١» [شاكر] بضم الميم وفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة المفتوحة، وآخره جيم [شاكر].
стр. 384
السَنَدِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ الْأَسْنَانُ فَمَتَى رَوَى كُلٌّ مِنْهُمْا عَنْ الْآخَرِ سُمِّيَ "مُدَبَّجًا" كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَالزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، فَمَا لَمْ يَرْوِ كل عَنْ الْآخَرِ لَا يُسَمَّى "مُدَبَّجًا" «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال في التدريب (ص ٢١٨) [١]: "لطيفة: قد يجتمع جماعة من الأقران في حديث كما روى أحمد بن حنبل عن أبى خيثمة زهير بن حرب عن يحيى ابن معين عن علي بن المديني عن عبيد الله بن معاذ عن ابيه عن سعيد عن أبي بكر بن حفص عن أبى سلمة عن عائشة قالت "كان أزواج النبي ﷺ يأخذن من شُعُورهن حتى يكون كالوفرة". فأحمد والأربعة فوقه خمستهم أقران".
ومن المدبج أيضا نوع مقلوب في تدبيجه، وإن كان مستوياً في الأمور المتعلقة بالرواية، أي: ليس فيه شيء من الضعف الذي في نوع "المقلوب" الماضي في أنواع الضعيف.
ومثال هذا النوع عجيب مستطرف وهو: رواية مالك بن أنس عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن جريج [٢]، وروى أيضا ابن جريح عن الثوري عن مالك [٣].فهذا إسناد كان على صورة ثم جاء في رواية أخرى مقلوباً. كما ترى [شاكر].
стр. 385
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ
مَعْرِفَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرُّوَاةِ (١)
وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ.
فَمِنْ أَمْثِلَةِ الْأَخَوَيْنِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَخُوهُ عُتْبَةُ، عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَخُوهُ: هِشَامٌ; وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَخُوهُ: يَزِيدُ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ: عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة وأخوه: أرقم، (كلاهما من أصحاب ابن مسعود، ومن أصحابه أيضاً: هُزيل بن شرحبيل، وأخوه: (أرقم) (٢)) (٣).
ثلاثة إخوة: سهل وعباد وعثمان (٤): بنو حنيف.
стр. 386
عمرو (بن شعيب) وأخواه: (عُمر) (١)، (و) (٢) شعيب.
وعبد الرحمن [بن] (٣) زيد بن أسلم وأخواه: أسامة، وعبد الله.
أربعة إخوة: سُهيل بن أبي صالح وإخوته: عبد الله - الذي يقال له عباد - ومحمد، وصالح.
خمسة أخوة: سفيان بن عُيينة وإخوته الأربعة: إبراهيم، وآدم، وعمران، ومحمد. قال الحاكم: سمعت الحافظ أبا علي الحسين بن علي - يعني النيسابوري - يقول: كلهم حدثوا.
ستة إخوة: وهم محمد بن سيرين وإخوته: أنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة. كذا ذكرهم النسائي ويحيى بن معين أيضاً، ولم يذكر الحافظ أبو علي النيسابوري فيهم، "كريمة" فعلى هذا يكونون من القسم الذي قبله، وكان معبد أكبرهم، وحفصة أصغرهم.، وقد روى محمد بن سيرين "عن أخيه يحيى" (٤) عن أخيه أنس عن مولاهم أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً" «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] رواه الدارقطني في [رواه أبي داوود الطيالسي برقم (٢٣١) بلفظ لبيك حقا حقا ورواه البزار برقم (٦٨٠٣) لبيك حجا حقا] العلل [١]، كما ذكره السيوطي في التدريب (ص ٢١٩) [٢] [شاكر].
стр. 387
ومثال سبعة إخوة: النعمان بن مقرن وإخوته: سنان، وسويد، وعبد الرحمن، وعقيل، ومعقل، ولم يسم السابع، هاجروا وصحبوا النبي ﷺ ، ويقال: إنهم شهدوا الخندق كلهم، قال ابن عبد البر وغير واحد: لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة.
"قلت": وثمَّ سبعة أخوة صحابة، شهدوا كلهم بدراً، لكنهم لأم، وهي عفراء بنت عبيد، تزوجت أولاً بالحارث بن رفاعة الأنصاري، فأولدها معاذاً ومُعَوِّذاً، ثم تزوجت بعد طلاقه لها بالبُكَيْرِ بن عبد ياليل ابن ناشب فأولدها إياساً وخالداً وعاقلاً وعامراً، ثم عادت إلى الحارث، فأولدها عوفاً. فأربعة منهم أشقاء، وهم بنو البكير، وثلاثة أشقاء، وهم بنو الحارث، وسبعتهم شهدوا بدراً مع رسول الله ﷺ ، ومعاذ ومعوذ، ابنا عفراء هما اللذان أثبتا (١) أبا جهل عمرو بن هشام المخزومى ثم احتز رأسه وهو طريح عبد الله بن مسعود الهذلي ﵃ «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] ومن الإخوة الصحابة تسعة مهاجرون، وهم أولاد الحارث بن قيس بن عدى السهمي،
وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس.
هكذا ذكرهم السيوطي في التدريب (ص ٢١٩) [١] وهو الموافق لما في الإصابة وذكر ابن سعد في الطبقات سبعة فقط، على خلاف في الأسماء (ج ٤ ص ١٤٣ - ١٤٤) [شاكر].
стр. 388
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ
مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الْآبَاءِ عَنْ الْأَبْنَاءِ (١)
وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ الْخَطِيبُ البغدادي كِتَابًا.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَوَى عَنِ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ وَرَوَتْ عَنْهَا أُمُّهَا أَمُّ رُومَانٍ أَيْضًا.
قَالَ رَوَى الْعَبَّاسُ عَنِ ابْنَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْفَضْلِ.
قَالَ وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ عَنِ ابْنِهِ (٢) الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي دَاوُدَ.
وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرو بْنُ الصَّلَاحِ (٣): وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أخروا الأحمال (٤)، فإن اليد مغلقة (٥)،
стр. 389
والرجل موثقة" «١»
قال الخطيب: لا يعرف إلا من هذا الوجه.
قال: وروى أبو عمر حفص بن عمر الدوري "المقرئ" (١) عن ابنه أبي جعفر محمد ستة عشر حديثاً أو نحوها، وذلك أكثر ما وقع من رواية أب عن ابنه.
ثم روى الشيخ أبو عمرو عن أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عن أبيه عن ابنه أبي المظفر بسنده «٢» عن أبي أُمامة مرفوعاً:
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير (رقم ٢٩٢) ونسبه لأبي داود في مراسيله عن الزهري، ولأبي يعلى والطبراني في الأوسط "عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، نحوه" [١].
"الأحمال" جمع حمل: ما يُحمَلُ على الدابة.
والمعني: توسيط الحمل على ظهر البعير، ونحوه
فإن يده مُغلَقَةُ بثقل الحمل، ورجله موثقة كذلك، فارحموه بتوسيط الحمل على ظهره، حتى لا يؤذيه الحمل.
وإنما أُمِرَ بالتأخير والمراد التوسيط: لأنه رأى بعيرًا متقدماً حِملُه إلى جهة الأمام. أهـ. أفاده المِناوي في شرح الجامع الصغير [شاكر].
«٢» [شاكر] ذكر العراقي سنده نقلاً عن السمعاني في الذيل من رواية العلاء بن مسلمة الرواس عن إسماعيل بن مغر [٢] الكرماني، عن ابن عياش، وهو إسماعيل، عن برد عن مكحول عن أبي أُمامة. =
стр. 390
"أحضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان مع التسمية". سكت عليه الشيخ أبو عمرو، ! ! وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأخلق (١) به أن يكون كذلك «١».
ثم قال ابن الصلاح (٢): وأما الحديث الذي رويناه عن أبي بكر الصديق عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال "في الحبة (٣) السوداء شفاء من كل داء"، فهو غلط، إنما رواه أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عائشة «٢»
قال: ولا نعرف أربعة من الصحابة على نسق سوى هؤلاء: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، ﵃. وكذا قال ابن الجوزي وغير واحد من الأئمة.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= قال العراقي: وهو حديث موضوع، ذكر غير واحد من الحفاظ أنه موضوع، رواه أبو حاتم بن حبان في تاريخ الضعفاء في ترجمة "العلاء بن مسلمة الرواس" بهذا الإسناد، وقال فيه _ أي العلاء المذكور _ "يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به بحال".
ونقل نحو ذلك عن أبي الفتح الأزدي وابن طاهر وابن الجوزي أ. هـ ملخصا من شرحه على ابن الصلاح [شاكر].
«١» [شاكر] أي جديرٌ به وحقيقٌ أن يكون موضوعاً [شاكر].
«٢» [شاكر] قال العراقي: هكذا رواه البخاري في صحيحه [٥٦٨٧]. فيكون أبو بكر الراوي هنا عن عائشة: هو حفيد أخيها عبد الرحمن، وهي عمة أبيه [شاكر].