← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150599

سلاسل الذهب

بدر الدين الزركشي

Полный текст (468 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال إمام الحرمين، وابن برهان، والآمدى وغيرهم: ولا محيص عما ألزمه الكعبى إلا بإنكار ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهو لا يمكن، ولهذا اختار إمام الحرمين وابن برهان أنه يجب الشرط الشرعى دون ما عداه من الشروط العقلية والعادية (١). * * *

стр. 107

مسألة الفرض (١) والواجب (٢) عندنا مترادفان خلافًا للحنفية. قال ابن برهان: والخلاف ملتفت إلى أن الأحكام بأسرها عندنا قطعية (٣). وعندهم أن الأحكام تنقسم إلى ما ثبت بدليل قطعى، وإلى ما ثبت

стр. 108

بظنى، ولك إن منعت هذا الكلام باب (١) يسمى الحكم الثابت فرضًا وواجبًا، وإن لم يكن قطعيًا كما يسمى ما ثبت بالقطعى.

стр. 109

مسألة فرض الكفاية (١) هل يلزم بالشروع؟ فيه كلام لإمام الحرمين والغزالى فى كتبهم الفقهية أوضحته فى غير هذا الموضع (٢). والمشهور كما قاله ابن الرفعة (٣) فى المطلب فى باب الوديعة أنه يلزم، بل أشار فى باب اللقيط إلى أن عدم اللزوم إنما هو بحث للإمام، ويشبه أن يكون الخلاف فيه ملتفتًا على الخلاف فى أن فرض الكفاية يتعلق بكل مكلف أو يتعلق ببعض مبهم؟ فمن قال: يتعلق بالجميع. قال: يلزم بالشروع كفروض الأعيان. ومن قال: يتعلق بالبعض لم يلزم إذ لم يرتق إلى مرتبة العين، وقد يقال:

стр. 110

يلزم (١). * * *

стр. 111

مسألة الصحة (١) والإجزاء فى العبادة عند المتكلمين عبارة عن الخروج عن عهدة الأمر بالإتيان بالمأمور به. وعند الفقهاء الكافية فى إسقاط القضاء. وأصل الخلاف أن القضاء حيث شرع استدراكًا للفائت هل هو من مقتضيات الأمر الأول أو بأمر جديد؟ فالمتكلمون يعتقدون أنه بأمر جديد فحدوا الإجزاء بما ذكروه. والفقهاء يزعمون أنه بالأمر الأول، فأضافوا إلى الإتيان بالمأمور به إسقاط القضاء (٢).

стр. 112

هكذا ذكر بعضهم هذ البناء، وفيه إشكال، لأن الفقهاء على أن القضاء إنما يجب بأمر جديد (١). فإن قيل: يفسد هذا البناء. قول القرافى (٢) وغيره: أن الخلاف فى الصحة لفظى إذ لا خلاف فى وجوب القضاء وعدم الإثم فيمن صلى على ظن أنه متطهر، ثم بان محدثًا. قلنا: ليس كذلك، بل الخلاف فى القضاء ثابت. وممن حكاه ابن الحاجب فى مختصره فى مسألة الإجزاء الامتثال (٣).

стр. 113

مسألة الأمر بواحد مبهم من أمور معينة ككفارة اليمين (١). قال الفقهاء، وأكثر المتكلمين: الواجب أحدها (٢). وقالت المعتزلة: الجميع واجب على طريق البدل، على معنى أنه لا يجب تحصيل الجميع، ولا يجوز الإخلال بالجميع (٣). والقائلون بالأول اختلفوا. فقيل: الواجب مبهم بالنسبة إلى الناس، وأما عند اللَّه تعالى فهو معين (٤).

стр. 114

وقيل: إنما يصير واجبًا عند اختيار العبد. قال السمرقندى (١) -من الحنفية فى كتاب الميزان-: والخلاف فى هذه المسألة يلتفت على أن التكليف يبنى على ماذا؟ فعند المعتزلة يبنى على حقيقة العلم دون السبب الموصول إليه، وإيجاب واحد من الأشياء غير معين تكليف ما لا علم للمكلف به. وعندنا التكليف يبنى على سبب العلم لا على حقيقة العلم، كما يبنى على سبب القدرة لا على حقيقة القدرة (٢).

стр. 115

مسألة النهى عن أحد الأمرين أو الأمور (١). بأن قال: لا تفعل هذا أو هذا، قيل: لم تردد به اللغة. حكاه المازرى (٢) فى شرح البرهان، والصحيح وقوعه. وعلى هذا فلا يجب تركهما جميعًا عندنا، بل أحدهما. وقال المعتزلة: يجب عليه تركهما جميعًا (٣). كذا نقله ابن البرهان فى الأوسط، وقال: مأخذ الخلاف أن التحسين والتقبيح عندنا بالشرع، لا بصفات هى عليها، وعندهم إنما وجبت بتلك الصفات، وإيجاب الشرع وتحرب إخبار عن تلك (٤) الصفات.

стр. 116

قلت: ومذهب المعتزلة يوافق المرجح عند النحويين فى النهى الداخل على التحريم، فإنه يمتنع فعل الجميع (١) عندهم، لأن المعنى لا تفعل أحدهما وهو قدر مشترك بين كل منهما. كذا نقل السيرافى (٢) فى شرح سيبويه (٣). ونقله أبو البقاء العكبرى (٤) فى اللباب عن محققى النحويين، فقال: وإن

стр. 117

اتصلت بالنهى وجب اجتناب الأمرين عند محققى النحويين كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١). أى: لا تطع أحدهما، فلو جمع بينهما لفعل المنهى عنه مرتين، لأن كل واحد منهما أحدهما. وقال النحويون: إذا دخل النهى والنفى على ما فيه -أو- كان النهى والنفى عن الجمع فيما كان مباحًا أو تخييرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. أى: أحد هذين. قالوا: وقد تقع الواو فى هذا الباب، وأو بمعنى واحد، وإن افترقا فى الأصل. قال الزجاج (٢): أو، فى الأمر آكد من الواو، لأن الواو إذا قال: لا تطع زيدًا وعمرا، فأطاع أحدهما لم يكن عاصيًا، لأن أمره تناولهما، وفى قوله تعالى: ﴿لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. لو أطاع أحدهما كان عاصيًا، فأو دلت على أن كل واحد فنهما أهل أن لا يطاع، وهما جميعًا أهل أن يعصيا، وإذا دخلت بين إيجابين فإنه يقتضى إيجاب أحدهما كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣). . الآية. فالواجب أحدهما لا كلها. * * *

стр. 118

مسألة الأمر بالشىء المعين نهى عن ضده (١) الوجودى (٢) تصريحًا عند بعضهم هو أحد قولى القاضى، وتضمينًا فى آخر قوليه، وهو رأى الجمهور إذا كان ذا ضد واحد كالإيمان ونحوه، فإن كان ذا أضداد فاختلفوا فيه.

стр. 119

والمنقول عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى وغيره أنه نهى عن جميع أضداده لانتفاء حصول المقصود إلا بانتفاء كل ضد، وأما النهى عن الفعل فهو أمر بضده بلا خلاف، إن كان ذا ضد واحد، واختلفوا فيما إذا كان له أضداد، والصحيح أنه أمر بواحد فها لحصول المقصود بفعل ضدٍّ واحد. وقال أكثر المعتزلة: ليس الأمر نهيًا عن ضده، ولا العكس (١). وأصل الخلاف يلتفت على أمرين: أحدهما: أن الأمر بالشىء هل هو أمر بما لا يتم إلا به أم لا؟ . والثانى: يرجع إلى إثبات الكلام النفسى (٢) هل هو متعدد أم لا؟ . فعند المعتزلة الأمر والنهى حقيقة فى الصيغة، لأنهم ينكرون الكلام النفسى، ومذهبنا إثباته، وأنه كلام واحد (٣) من الصفات الأزلية، وتقسيمه إلى أمر ونهى

стр. 120

وخبر واستخبار إنما هو على حسب المتعلقات، فإذا كان كلام اللَّه تعالى واحدًا فليس بين الأمر والنهى تضاد فيصير (١) الأمر نفس النهى من هذه الجهة، والمثبتون للنفسى اتفقوا على تعدد المتعلقات، واختلفوا فى المتعلق، فالأكثرون على توحيده (٢) وهم القائلون: بأن الأمر بالشىء نفس النهى عن ضده، ومنهم من نفاه وجعل لكل متعلق من هذين متعلقًا يتعلق به (٣). وأما إمام الحرمين فإنه نفى التعدد فى المتعلق والمتعلق به (٤)، فصارت المذاهب ثلاثة، ومنهم من جعل الخلاف راجعًا إلى أن إرادة الناهى معتبرة أم لا (٥)؟ ولما اعتبرها

стр. 121

المعتزلة أنكروا كون الأمر بالشىء نهيًا (١) عن ضده (٢) لأنها معتبرة وليست معلومة. وجعل ابن برهان الخلاف فى هذه المسألة يلتفت على أن ما لا يتم المأمور إلا به هل هو مأمور به أم لا؟ واعلم أن فى تحقيق الخلاف فى هذه المسألة بالنسبة إلى الكلام الثانى والنفسانى كلام نفيس ذكرته فى "منتهى الجمع" (٣) يتعين الإحاطة به وهو الكتاب الجليل الذى لا يستغنى عنه، ومما ينبغى أن يكون أصلًا لهذه المسألة. الخلاف فى: أن الإرادة للشىء كراهية لضده أم لا (٤)؟ فذهب الشيخ أبو الحسن، وكثير من أصحابه أن عين إرادة الشىء كراهية لأضداد ذلك الشىء. قال الآمدى: أى حالة علم المريد بالأضداد. وقال الأستاذ: الارادة لا تقتضى كراهة الضد وإلا لكانت من صفات نفسها وصفات النفس لا تزول. وممن حكى هذا الخلاف الآمدى فى الأبكار. * * *

стр. 122

مسألة إذا قلنا: بأن الأمر بالشىء نهى عن ضده. فهل يشترط أن يكون ذلك واجبًا حتى لا يجرى مثل ذلك فى الندب، أولًا فرق بينهما؟ (١) فيه خلاف. حكاه القاضى عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى، وأشار إلى بنائه على أن المندوب مأمور به أم لا (٢)؟ فإن قلنا: ليس بمأمور به لم يحتج إلى اشتراط الوجوب فى ذلك، لأنه لا يكون إلا واجبًا.

стр. 123

مسألة إذا نسخ الوجوب بقى الجواز (١). وقيل: بل يرجع إلى ما كان قبل الوجوب من التحريم أو الإباحة (٢). واختاره الغزالى (٣)، وحكى الخلاف فيه فى الوسط فى باب الحوالة.

стр. 124

وقيل: لا يجوز فعله: واختاره ابن برهان فى الأوسط فى باب الأوامر وهو غريب (١). - والخلاف يلتفت على أمرين: أحدهما: أن الجنس هل يتقوم بالفصل؟ وفيه خلاف للحكماء، ومنه أصل الأصوليون هذه المسألة، ومنهم أخذ الفقهاء قولهم: إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ . والثانى: أن المباح هل هو جنس للواجب أم لا؟ بل هما نوعان داخلان تحت الحكم كالإنسان والفرس تحت الحيوان، وفيه خلاف. فإن قلنا: إنه جنس (٢) له يتضمنه، فإذا نسخ الوجوب بقى الجواز إذ لا يلزم من ارتفاع النوع (٣) ارتفاع جنسه. وإن قلنا: إنه ليس بجنس له فلا يلزم من نسخ الوجوب بقاء الجواز إذ لا ارتباط بينهما. هذا إذا فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل وعن الترك كما هو ظاهر كلام الغزالى (٤)، وغيره.

стр. 125

وقال الصفى الهندى (١): لا يتصور فى هذه المسألة خلاف بعد تحقيق معنى الجواز، فإنه إن عنى به رفع الحرج عن الفعل فهو جزؤه قطعًا، وإن عنى به رفع الحرج عنه أو الترك فهو غير داخل فيه، بل مناف له قطعًا، وحيئنذ فيبعد بناؤه على الخلاف المذكور إلا أن ابن الحاجب اقتصر على ذكر مسألة كونه جنسًا للواجب أم (٢)؟ ولم يتعرض لنسخ الوجوب فكأنه تعرض للأصل. وصاحب (٣) المنهاج عكس، على أن فى تحقيق هذا الخلاف إشكالًا أوضحته فى "مطلع النيرين" (٨). واعلم أن هذه المسألة كمسألة الخلاف فى أن الأمر هل يتناول المكروه، والأصح عندنا أنه لا يتناوله على خلاف المرجح ههنا.

стр. 126

مسألة (١) يجوز الحكم على المعدوم، ويتعلق به الأمر تعلقًا عقليًا عند أصحابنا خلافًا لطوائف فهم المعتزلة، وأصلها إثبات الكلام النفسى، وأنه هل يسمى فى الأزل أمرًا ونهيًا قبل وجود المخلوقين واستجماع شرائطهم للأوامر والنواهى أو لا؟ فذهب عبد اللَّه (٢) بن سعيد بن كلاب، وأبو العباس (٣) القلانسى (٤) من أئمة السنة إلى أنه لا يتصف بذلك حتى يوجد المأمور. وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أنه لم يتصف بكونه أمرًا ونهيًا، وخبرًا، والمعدوم على أصله مأمور بالأمر الأزلى على تقدير الوجود (٥).

стр. 127

وذكر الغزالى فى الاقتصاد أن الخلاف فى هذه المسألة لفظى (١) يرجع إلى اللغة من حيث جواز الإطلاق، وليس كما قال، بل هى متفرعة على هذا الأصل العظيم، ومن هذه المسألة قالت المعتزلة بخلق القرآن، كما قاله المازرى، لأنهم لما أحالوا وجود أمر ولا مأمور، ولم يكن مع اللَّه سبحانه فى الأزل أحد فيأمره وينهاه فيستحيل حصول الأمر لانتفاء المأمور فيستحيل حصول الكلام، وهذه عمدة عظيمة عندهم اقتضت القول بخلق القرآن، ودهش لها بعض أئمتنا المتقدمين كالقلانسى وغيره حتى ركب مركبًا صعبًا، فأنكر كون كلام اللَّه فى الأزل أمرًا أو نهيًا أو وعدًا أو وعيدًا فتخلص بهذا من إلزام المعتزلة، لأنه إذا بقى الأمر فى الأزل لم تجد المعتزلة سبيلًا من الطعن على مذهبه فى قدم القرآن بهذه الشهة، إذ لا تردد فى أن الحوادث مستأنفة الوجود، ولكنه وقع فى ما هو أبعد (٢) منه، لأنه أثبت كلامًا قديمًا فى الأزل ليس بأمر ولا نهى ولا خبر، ولا يوصف بشىء من متعلقات الكلام، وهذا بعيد من العقول، فكأنه لم يثبت كلامًا، ولكنه أثبت صفة أخرى سماها كلامًا عاريًا من حقائقها النفسية ولوازمها (٣) العقلية. ولما ذكر الشيخ أبو الحسن أن مذهب المعتزلة ينفى قدم الكلام، ومذهب القلانسى يؤدى إلى إثبات كلام قديم عار عن حقائق الكلام لم يستبعد إثبات أمر فى الأزل ولا مأمور (وقدر ذلك تقدير أمر بالغائب عيًا) (٤)، فإنا نجد من أنفسنا أمرًا أو إيماء يتوجه عند حضوره، وهذا أولى من ارتكاب واحد من ذينك

стр. 128

المذهبين (١). * * *

стр. 129

مسألة (١) التكليف بالمحال جائز عند الأشعرى وأكثر الأصحاب وهو واقع أيضًا، ونقل عن الشيخ أنه لم يقع، وغلَّط إمام الحرمين (٢) ناقله. وقالت المعتزلة: التكليف بالمحال محال (٣). واختاره جماعة من محققى أصحابنا (٤). قلت: وهو ظاهر نص الشافعى فى الأم، فإنه قال -ما نصه- "يحتمل قول النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "فأتوا منه ما استطعتم" (٥) أن عليكم إتيان الأمر مما استطعتم، لأن الناس إنما كلفوا بما

стр. 130

استطاعوا من الفعل استطاعة شىء لأنه متكلف، وأما النهى فالتارك لكل ما أراد تركه يستطيع، لأنه ليس بتكليف شىء يحدث إنما هو شىء متكلف عنه (١) ". انتهى هذا النص بحروفه. وأصل الخلاف يلتفت على أمرين: أحدهما: أن الأمر هل يشترط فيه الإرادة أم لا؟ فالمعتزلة يشترطونها، ونحن لا نشترطها، فلما اشترطوا كون الآمر مريدًا لوقوع ما أمر به استحال عندهم تكليف المستحيل، لأن اللَّه تعالى إذا أمر بإيقاع أمر مستحيل فلا شك أنه سبحانه عالم بأنه لا يقع، ومن أصلهم أن الآمر يريد وقوع ما أمر به، والجمع بين العلم بعدم وقوعه وإرادته بأن يقع متناف ونحن لم نشترط ذلك فجوزنا، فإن قيل: فإن إمام الحرمين قد وافق المعتزلة على وقوعه (٢) مع أنه يقول بالأصل المذكور. قلنا: بنوا مذهبهم على هذا الأصل (٣)، وأما الإمام فمدركه غير ذلك

стр. 131

وهو أن الطلب فى نفسه لا يتحقق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره مستحيل (١). فحاصل المسألة أن طلب المستحيل من عالم باستحالته هل يتحقق أم لا؟ الثانى: أن القدرة مع الفعل، وعندهم قبله، واعلم أن الشيخ لم يصرح بالجواز فى هذه المسألة إلا أن له أصلين (٢) يقتضيان تجويزه: أحدهما: أن القدرة مع الفعل لا قبله والتكليف يتوجه قطعًا (٣) والتكليف بغير المقدور تكليف بما لا يطاق. والثانى: أن أفعال العباد بقدرة اللَّه تعالى، فالعبد مطلوب بإيقاع فعل غيره، وفعل الغير لا نطيق اختراعه (٤)، واعلم أن هذه المسألة تكلم عليها أهل العلمين

стр. 132

علم الكلام، وعلم أصول الفقه، أما المتكلمون فلتعلقها بأحكام القدر، وخلق الأفعال، وأما الأصوليون فلتعلقها بأحكام التكليف وما يصح الأمر إلا به وما لا يصح. * * *

стр. 133

مسألة (١) لا يحوز تكليف الغافل كالنائم والناسى، ومنهم من جوزه، والخلاف ينبنى على التكليف بالمحال، فمن أحاله منع تكليف الغافل، ومن جوزه اختلف قوله فيه. فمنهم من جوزه طردًا لحقيقة البناء. ومنهم من منعه وهو المختار إذ لا فائدة فيه خلاف التكليف بالمحال (٢).

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 135

مسألة ذكر الإمام الرازى وأتباعه أن التكليف يتوجه حالة مباشرة الفعل (١). لا قبله، وأن الأمر قبله إعلام بالإيقاع فى ثانى الحال لا إلزام. وقالت المعتزلة: إنما يكلف قبله لا حالة مباشرته (٢). واختاره إمام الحرمين، والغزالى (٣). والمحررون للنقل فى هذه المسألة قالوا: الفعل له ثلاثة أحوال: ماض، واستقبال، وحال، فأما بعد وجوده فلا خلاف أنه غير مأمور به إلا على المجاز باعتبار ما كان، وأما حال وقوعه ففيه الخلاف بيننا وبين المعتزلة، فنحن نثبته،

стр. 136

وهم يمنعونه، وأما قبل وجوده ففيه خلاف عندنا، فقيل: هو كحال وقوعه لا فرق بينهما. وقيل: أما حال وقوعه فتعلق إلزام، وقبل الوقوع تعلق إعلام. وهذا مذهب الرازى (١) وأتباعه. قال المازرى: وحذاقنا على الأول. قلت: وهو الذى نقله القاضى أبو بكر عن المحققين من أصحابنا، ونقل مذهب الرازى عن بعض من ينتمى إلى الحق وأفسده، وعلى ذلك جرى إمام الحرمين فى مختصر كتاب القاضى الذى سماه "التلخيص" (٢) وأملاه بمكة شرفها اللَّه تعالى، وهو أجل كتاب فى أصول الفقه نقلًا وحجاجًا. إذا علمت ذلك فاعلم أن الخلاف فى هذه المسألة إنما (٣) يلتفت إلى الاستطاعة مع الفعل أو قبله؟ . ومذهب الشيخ وأصحابه أنها مع الفعل، لأنها لو كانت قبله لكان الفعل موجودًا بقدرة معدمة، وعند المعتزلة أنها سابقة عليه. فإن قلنا: إنها سابقة. فالتكليف قبل الفعل. وإن قلنا: معه توجه التكليف حينئذ هذا قضية البناء. وقال صاحب (٤) الفائق: قول المعتزلة، والإمام هو قياس أصل الشيخ فى أن

стр. 137

الاستطاعة مع الفعل لكن أصله الآخر وهو تجويز تكليف ما لا يطاق (١) ينفيه فلعله لم يفرع عليه أو لم يقل بوقوعه. واعلم أن إمام الحرمين كما وافق المعتزلة فى نفى التكليف حالة الإيقاع وافقهم على أصلها، وتقدم القدرة على الفعل. وأما الغزالى فإنه وافقهم فى الفرع وخالفهم فى الأصل تعويلًا على أن حقيقة الأمر الطب، والحاصل لا يطلب (٢). ونظر هذا قول المتكلمين أن النظر يضاد العلم بالمنظور فيه، لأن النظر طلب العلم، والحاصل لا يطلب (٣). واعلم أن هذه المسألة وهى القدرة مع الفعل أو قبله مبنية على أصلين فى علم الكلام. أحدهما: أن العرض (٤) لا يبقى زمانين، ومن ثم منع أصحابنا تقدم القدرة

стр. 138

على الفعل فإنها عرض، والعرض لا يبقى زمانين لأنا لو فرضناها متقدمة وانعدمت فى الثانى من حال وجودها قبل إيقاع المقدور بها فلا تأثير لها، وإن فرضناها باقية إلى وقت إيقاع الفعل أبطلنا الأصل فى أن الأعراض لا تبقى. الثانى: أن القدرة المحدثة هل هى قدرة على الشىء وضده (١)؟ . فنحن نمنع ذلك، وهم يثبتونه، فالمأمور بالقيام وهو جالس إلى الصلاة قيامه حال قعوده غير مقدور عندنا لكون القيام غير موجود، ونحن نقول: قدرتنا لا بتقدم مقدورنا، فقد صار القيام إلى الصلاة أمر القاعد وهو لا يقدر عليه ولا يطيقه فى حال ورود الأمر.

стр. 139

وعند المعتزلة: إنه قادر عليه بناء على تقدم القدرة على المقدور، وكونها قدرة على الضدين. واعلم أن ابن برهان ذكر فى الأوسط بناء هذه المسألة على أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله، ثم قال: إلا أن علماءنا قالوا: بناء هذه المسألة على هذا الأصل فاسد، فإنه يفضى إلى أمر شنيع لا يرتضيه محصل لنفسه وهو أنه يؤدى إلى أن لا نكون مأمورين بالصوم والصلاة والحج قبل فعلها، ومن قال ذلك فقد انسل عن الدين. فالأولى أن تبنى هذه المسألة على أصل آخر وهو أن الفعل حالة الحدوث طاعة لإجماع الأمة على أن من شرع فى الصوم والصلاة يسمى طائعًا ويسمى فعله طاعة، وحينئذ فيجب أن يكون مأمورًا به فى هذه الحالة، لأن الطاعة موافقة الأمر كما أن المعصية موافقة النهى (١).

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 141

مسألة (١) المكره (٢) مكلف بالفعل الذى أكره عليه خلافًا للمعتزلة. والخلاف يلتفت على أن من أشراط التكليف عندهم الإثابة، والآتى بالفعل المكره عليه لم يأت له على قصد الشرع، بل بداعى الطبع، فلا تكليف وهى تلتفت على أصلين آخرين: أحدهما: النظر فى تكليف ما لا يطاق، فمن جوزه وقال: إنه واقع لذاته جوز تكليف المكره بطريق الأولى، ومن ثم منع -وهم المعتزلة- منع ههنا. والثانى: التحسين والتقبيح من جهة العقل.

стр. 142

واعلم أن ابن برهان نقل الخلاف فى هذه المسألة عن الحنفية، قال: ومن نقل عن المعتزلة أنهم قالوا: ليس بمكلف فقد أخطأ عنهم، بل مذهبهم أنه مكلف (١). نعم ذهبوا فى الملجأ أنه غير مكلف. تنبيه: ظاهر كلام الفقهاء أن المكره غير مكلف ولهذا قالوا: الإكراه يسقط أثر التصرف قولًا وفعلًا إلا فى مسائل (٢) يسيرة، ويجتجون على صحة ذلك بحديث (رفع عن أمتى الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣).

стр. 143

وقد يقال: هذا لا ينافى ما رجحه الأصوليون، لأن كلامهم فى الجواز لا فى الوقوع (١). * * *

стр. 144

مسألة (١) الكفار مكلفون بالفروع عندنا خلافًا للحنفية (٢). والخلاف يلتفت على أن حصول الشرط الشرعى هل هو شرط فى التكليف أو لا؟ وبه عبر ابن الحاجب (٣). وقال الهندى - فى ترجمتها: به نظر، فإن المحدث مكلف بالصلاة إجماعًا. وبنى الحليمى (٤) -فى شعب الإيمان- الخلاف فى هذه المسألة على الخلاف

стр. 145

الكلامى، وهى أن الطاعات هل هى من الإيمان؟ فإن قلنا: إنها إيمان لزم كون الكفار مخاطبين بها. وإن قلنا: ليست من الإِيمان وأنه مخصوص بالتصديق القلبى، فليسوا مخاطبين بها. قال: ومما يتفرع على كون الأعمال من الإِيمان سلب أهلية الشهادات والولايات عن الفاسق؛ لأنه ناقص الدين، فلا يرقى إلى مراتب أهل الفضل والكمال، فإن قضى بشهادته قاض لم يجز قضاؤه، كما لو قضى بشهادة كافر، ومن لم يجعله ناقص الدين ورد شهادته للتهم لزمه أن الحاكم إذا ظن به خيرًا وقبل شهادته كان قضاؤه جائزًا إذ الأصل براءته من الكذب حيث يثبت خلافه. انتهى ملخصًا. وممن حكى بناء الخلاف على ذلك من الحنفية القاضى أبو زيد الدبوسى (١) فى كتابه "تقويم الأدلة" فقال: ومنهم من جعل هذه فرعًا لمسألة الإِيمان أنه قول وعمل، أو قول بلا عمل، فمن جعله قولًا وعملًا جعل الكل الإِيمان وهو مخاطب بالإيمان، فكذلك العبادات، ومن جعله قولًا بلا عمل لم يخاطبه بها إلا أنه ساقط، لأن سائر المعاملات والعقوبات ليست من الإيمان باللَّه
следующие страницы →