مسألة (١)
المكره (٢) مكلف بالفعل الذى أكره عليه خلافًا للمعتزلة. والخلاف يلتفت على أن من أشراط التكليف عندهم الإثابة، والآتى بالفعل المكره عليه لم يأت له على قصد الشرع، بل بداعى الطبع، فلا تكليف وهى تلتفت على أصلين آخرين:
أحدهما: النظر فى تكليف ما لا يطاق، فمن جوزه وقال: إنه واقع لذاته جوز تكليف المكره بطريق الأولى، ومن ثم منع -وهم المعتزلة- منع ههنا.
والثانى: التحسين والتقبيح من جهة العقل.
стр. 142
واعلم أن ابن برهان نقل الخلاف فى هذه المسألة عن الحنفية، قال: ومن نقل عن المعتزلة أنهم قالوا: ليس بمكلف فقد أخطأ عنهم، بل مذهبهم أنه مكلف (١). نعم ذهبوا فى الملجأ أنه غير مكلف.
تنبيه: ظاهر كلام الفقهاء أن المكره غير مكلف ولهذا قالوا: الإكراه يسقط أثر التصرف قولًا وفعلًا إلا فى مسائل (٢) يسيرة، ويجتجون على صحة ذلك بحديث (رفع عن أمتى الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣).
стр. 143
وقد يقال: هذا لا ينافى ما رجحه الأصوليون، لأن كلامهم فى الجواز لا فى الوقوع (١).
* * *
стр. 144
مسألة (١)
الكفار مكلفون بالفروع عندنا خلافًا للحنفية (٢).
والخلاف يلتفت على أن حصول الشرط الشرعى هل هو شرط فى التكليف أو لا؟ وبه عبر ابن الحاجب (٣).
وقال الهندى - فى ترجمتها: به نظر، فإن المحدث مكلف بالصلاة إجماعًا. وبنى الحليمى (٤) -فى شعب الإيمان- الخلاف فى هذه المسألة على الخلاف
стр. 145
الكلامى، وهى أن الطاعات هل هى من الإيمان؟
فإن قلنا: إنها إيمان لزم كون الكفار مخاطبين بها.
وإن قلنا: ليست من الإِيمان وأنه مخصوص بالتصديق القلبى، فليسوا مخاطبين بها.
قال: ومما يتفرع على كون الأعمال من الإِيمان سلب أهلية الشهادات والولايات عن الفاسق؛ لأنه ناقص الدين، فلا يرقى إلى مراتب أهل الفضل والكمال، فإن قضى بشهادته قاض لم يجز قضاؤه، كما لو قضى بشهادة كافر، ومن لم يجعله ناقص الدين ورد شهادته للتهم لزمه أن الحاكم إذا ظن به خيرًا وقبل شهادته كان قضاؤه جائزًا إذ الأصل براءته من الكذب حيث يثبت خلافه. انتهى ملخصًا.
وممن حكى بناء الخلاف على ذلك من الحنفية القاضى أبو زيد الدبوسى (١) فى كتابه "تقويم الأدلة" فقال: ومنهم من جعل هذه فرعًا لمسألة الإِيمان أنه قول وعمل، أو قول بلا عمل، فمن جعله قولًا وعملًا جعل الكل الإِيمان وهو مخاطب بالإيمان، فكذلك العبادات، ومن جعله قولًا بلا عمل لم يخاطبه بها إلا أنه ساقط، لأن سائر المعاملات والعقوبات ليست من الإيمان باللَّه
стр. 146
تعالى. والكافر مخاطب بها ابتداء لا تبعًا للايمان. انتهى (١).
* * *
стр. 147
مسألة (١)
الإتيان (٢) بالمأمور به على الوجه المطلوب يقتضى الإجزاء.
وقال عبد الجبار (٣) وأتباعه: لا يقتضيه (٤)، وإنما يثبت الإجزاء بدليل آخر وراء الأمر، وأصل الخلاف يرجع إِلى الإجزاء (٥).
فمن قال: هو إسقاط القضاء قال: ذلك لا يعرف إلا بدليل خارج.
ومن قال: هو حصول الامتثال بالإتيان بالمأمور به قال: يدل على ذلك بنفسه.
واعلم أن عبد الجبار صرح فى المعتمد بأن محل الخلاف فى الإجزاء بمعنى أنه
стр. 148
مسقط للقضاء، وأما بمعنى الامتثال -وهو سقوط التعبد- فلا خلاف أنه يقتضى الإجزاء (١).
وجرى عليه القاضى والغزالى والآمدى (٢) وغيرهم.
وقيل الخلاف يجرى فيه بهذا المعنى أيضًا وهو ظاهر كلام الإمامين الجوينى والرازى (٣).
وقال ابن برهان: جرت المسألة أن الإجزاء عندنا عبارة عن الامتثال، وعنده عبارة عن عدم إيجاب الإعادة.
قال الماوردى: وهذه المسألة مقلوب المسألة الأخرى (٤) وهى كون النهى دالًا على الفساد (٥)، والخلاف ثم كالخلاف ههنا على الجملة (٦).
مسألة (١)
القضاء يجب بأمر جديد عند الأكثرين (٢).
وقال آخرون (٣): لا يفتقر إلى أمر ثان، بل هو من مقتضيات الأمر، واستنبطه الفقيه ابن الرفعة من نص الشافعى ذكر ذلك فى كتاب الظهار من المطلب (٤).
وسبب الخلاف أن ذلك هل يستفاد ضمنًا من صيغة الأمر كما قلنا فى الأمر بالشىء نهى عن ضد. أم لا دلالة له عليه أصلًا (٥)؟ .
الكتاب الأول فى مباحث الكتاب (١)
مسألة
اختلفوا فى الكلام هل هو حقيقة فى اللفظ أو فى المعنى القائم بالنفس أو مشترك؟ أقول (٢) عن الأشعرى والأصح الثانى.
وأصل الخلاف يرجع إلى أن الكلام صفة ذاتية أو فعلية (٣)؟ ولعله أيضًا منشأ
مسألة
إذا فرعنا على قدم الكلام -وهو المختار- فهل يحد أم لا؟ فيه خلاف.
فذهب القاضى أبو بكر إلى أنه لا يحد، بل يفصل ويقسم إلى الأمر، والنهى، والخبر، والاستخبار، وخالفه الأكثرون، ثم اختلفوا.
فقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائينى: هو القول القائم بالنفس الذى تدل عليه العبارات وما عداها (١) من الأمارات.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعرى: الكلام ما أوجب لمحله كونه متكلمًا.
قال إمام الحرمين: والأولى حد إلى إسحاق (٢).
وذكر المقترح (٣) أن سبب الخلاف فى حده: أن من لم يتعقل اشتراك الخبر والطلب فى جنس أعم قال: هو اسم لصفتين لا لنوعين فلا يمكن تحديده، ومن
стр. 155
نظر إلى لفظ القول والكامل الشامل اعتقد أنه اسم لمعقول يعمهما (١) فشرع فى الحد.
* * *
стр. 156
مسألة (١)
الخلاف فى أن اللغات توقيفية، أو اصطلاحية.
جعله بعضهم مفرعًا على الخلاف فى خلق الأفعال. ولهذا كان مذهب الأشعرى هنا التوقيف (٢) عملًا بأعله فى مسألة الكلام.
وقال ابن الحاجب فى أماليه: يتفرع عليه ما إذا ثبت فى لغة العرب لفظ يطلقونه على البارى تعالى.
فإن قلنا: أن الواضع اللَّه لم يحتج إلى إذن من الشرع لثبوت أن اللَّه تعالى هو الواضع.
وإن قلنا: أن الواضع العرب واحد أو جماعة لم يكفنا إطلاق اللفظ لجواز أن يطلقوا على البارى تعالى ما يمنع الشرع بعد وروده إطلاقه. انتهى.
وهذا مردود إذ لا يلزم من وضع اللغة الأذن فى استعمالها ألا ترى أن كلمة كفر موضوعة قطعًا، ولا يتعلق بها إثم ولا عقاب كسائر ما يكون لغوًا ولا مهملًا.
стр. 157
مسألة
اللفظ الدال على معنى إما أن يدل على ما وضع اللفظ له من حيث هو كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، أو على جزء ما وضع اللفظ له كدلالة الإنسان على الحيوان، أو على خارج مما وضع اللفظ له كدلالة الإنسان على الضاحك. فالأولى تسمى المطابقة، والثانية تسمى التضمن، والثالثة الالتزام (١).
واختلفوا فى الدلالات الثلاث على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنها كلها وضعية (٢). واختاره الأثير الأبهرى (٣)، وابن واصل (٤).
стр. 158
والثانى: أن المطابقة وضعية فقط، والأخريان عقليتان (١).
واختاره صاحب (٢) التلخيص البيانى.
والثالث: المطابقة والتضمن لفظيتان دون الالتزام (٣). واختاره الآمدى (٤)، وابن الحاجب (٥)، وصاحب (٦). . . . .
стр. 159
البديع (١)، لأن الجزء داخل فى المسمى، واللازم خارج عنه.
ومنشأ الخلاف يرجع إلى تفسير الدلالة الوضعية هل هى عبارة عن إفادة المعنى بغير وسط، فتختص بالمطابقة، أو إفادة المعنى كيف كان، بوسط أو بغيره؟ فتعم الثلاثة، لأن اللفظ يفيد الجزء واللازم بواسطة إفادته للمسمى.
* * *
стр. 160
مسألة
كل علم (١) لابد له من معلوم.
وقال أبو (٢) هاشم: من العلوم ما لا معلوم لها، كالعلم باستحالة اجتماع الضدين، وجميع المحالات. فقال: هذه علوم لا معلوم لها حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى (٣) عنه فى كتاب الحدود قال: منشأ الخلاف أن أبا هاشم يعتقد أن
стр. 161
المعدوم (١) شىء وهو معلوم، فلو أثبت لهذه العلوم معلومات لأثبها أشياء، وذلك كفر فهرب منه ووقع فيما هو أعظم منه؛ لأنه يستحيل وجود علم لا معلوم له كما يستحيل وجود قدرة لا مقدور لها، وإرادة لا مراد لها، وضرب لا مضروب له، وأكل لا مأكول له.
* * *
стр. 162
مسألة
قال الجمهور: شرط المشتق (١) صدق أصله، فلا يصدق بدون المشتق منه، فلا يصدق قائم على ذات إلا إذا صدق القيام على تلك الذات لامتناع وجود الكل بدون الجزء، وخالف فى ذلك أبو على الجبائى (٢)، وابنه أبو هاشم، وابن (٣) سيناء.
стр. 163
وغيرهم (١) من المعتزلة.
وأصل هذا الخلاف اللغوى نشأ من البحث الكلامى فى إثبات الصفات الحقيقية الزائدة على الذات كالعلم والقدرة والحياة.
فالأشاعرة أثبتوها وقالوا: إن اللَّه عالم بالعلم قادر بالقدرة حى بالحياة.
والمعتزلة أنكروها وقالوا: إنه تعالى عالم بالذات لا بالعلم، ونفو الصفات فرارًا من أن تكون الذات قائلًا وفاعلًا. فقالوا: عالم بلا علم، وهو اسم للمعنى لا للعالمية الثابتة له تعالى، ويقولون: عالمية اللَّه غير معللة بالعلم، لأن العالمية له واجبة كالواجب لا يعلل بالغير، بخلاف الحوادث، فقد جوزوا صدق المشتق الذى هو العالم بدون صدق المشتق منه وهو العلم (٢).
واعلم أنهم لم يصرحوا بالخلاف فى هذه المسألة الأصولية، وإنما أخذها الأصوليون من كلامهم فى المسألة الكلامية بالألتزام لا بالتصريح وفى ذلك نظر ظاهر لاسيما إذا قلنا بالصحيح: إن لازم المذهب ليس بمذهب.
стр. 164
مسألة
لا يشتق اسم الفاعل لشىء والفعل قائم بغيره (١). خلافًا للمعتزلة وهذا الخلاف لم يصرحوا به، وإنما نشأ من البحث الكلامى فى إثبات كلام النفس، فلما أثبته الأشاعرة منعوا هذه المسألة تحقيقًا لقاعدة الاشتقاق، ولما منعته المعتزلة وقالوا: إن اللَّه تعالى متكلم بكلام يخلقه فى جسم ويمتنع وصفه به، فكأنهم جوزوا صدق اسم الفاعل على ذات والفعل لم يقم بتلك الذات.
والحاصل أنه لا خلاف فى أن اللَّه تعالى يطلق عليه اسم المتكلم، ولكن اختلفوا فى معناه، فعندنا لأنه قائم بنفسه الكلام، وعند المعتزلة لأنه قام (٢) بالغير الكلام. هكذا ذكر المسألة الأصوليون وفيه نظر.
فإن إمام الحرمين فى الرسالة النظامية قال ما نصه: ظن من لم يحصل علم هذا الباب أن القدرية (٣) وصفوا الرب بكونه متكلمًا، وزعموا أن كلامه مخلوق، وليس هذا مذهب القدرية، بل حقيقة معتقدهم أن الكلام فعل من أفعال اللَّه تعالى كخلقه الجواهر وأعراضها، ولا يرجع إلى حقيقة وجوده حكم
стр. 165
من الكلام، قال: فمحصول أصلهم أنه ليس للَّه كلام وليس آمرًا ناهيًا، وإنما يخلق أصواتًا فى جسم من الأجسام دالة على إرادته (١). انتهى كلامه.
ولهذا لم يتعرض لهذه المسألة فى البرهان فى مباحث اللغات، وعلى هذا فتنسلخ من علم أصول الفقه، لأنهم لا يطلقون اسم المتكلم على اللَّه تعالى، وتبطل دعوى الرازى والآمدى وغيرهما (٢) الإجماع على أنه تعالى يسمى متكلمًا، وإنما الخلاف فى معناه.
وقال القرافى فى شرح المحصول: لم أجد الخلاف بيننا وبين المعتزلة فى هذه المسألة إلا فى موضع وهو مسألة: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) هو كلمه بكلام قائم بذاته أو خلق له كلامًا فى الشجرة؟ وأما ما عدا هذه الصورة فلا يخالف فيه المعتزلة، فإذا قام البياض بثوب فلا تقول المعتزلة أنه لا يسمى أبيض ويُسمى ثوبًا آخر غيره -لم يقم به البياض- أبيض لا يقول هذا عاقل (٤). وهذا وجه آخر على تقرير ثبوت ما سبق عنهم فإنما ذلك فى موضع خاص لا فى كل المواضع حتى يجعل قاعدة عامة.
* * *
стр. 166
مسألة
فى اشتراط النقل فى آحاد صور المجاز (١) قولان (٢) أصلهما الخلاف فى القياس فى اللغات فمن جوزه لم يشترط النقل عنهم فى كل سورة، ومن منعه كالقاضى أبى بكر وإمام الحرمين قال: لابد من النقل فى صحة الإطلاق.
стр. 167
وقد أشار إلى هذا البناء إمام الحرمين فى التلخيص (١).
لكن ابن الحاجب صحح عدم اشتراط النقل مع تصحيح منع القياس (٢).
* * *
стр. 168
مسألة
يجوز حمل المشترك (١) على معنييه إذا أمكن الجمع، وهو قول القاضى والجبائى وعبد الجبار وأوجبه الشافعى وغيره (٢) عند عدم القرينة كالعام، ومنعه أبو هاشم وأبو عبد اللَّه البصرى (٣)، واختاره الرازى.
стр. 169
وقال الغزالى: يجوز بالإرادة لا باللغة، ثم بعض من منع فى المفرد سلم فى الجمع، لأن الأقراء بمثابة قرء، وإذا حمل كل واحد على معنى حصل الجمع، وهذا الخلاف مبنى على جواز جمع المشترك وتثنيته باعتبار معانيه أو معنييه، وفيه خلاف بين النحويين.
فقيل: يجوز مطلقًا.
وقيل.: يمنع مطلقًا.
وقيل: إن اتحد المعنى الموجب للتسمية جاز وإلا فلا، والأكثرون على المنع وشرطوا الاتفاق فى المعنى كاللفظ. ولحّنوا الحريرى فى قوله:
جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينّه فانثنى بلا عينين (١)
أراد بالأول المال، وبالثانى العضو الباصر (٢).
وجوزه ابن الأنبارى (٣).
стр. 170
وابن (١) مالك، مستدلين بقوله -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "الأيدى ثلاث" (٢). وبقول الشاعر (٣):
يداك كفت إحداهما كل بائس ... وأخراهما كفت أذى كل معتد
أراد يد النعمة والجارحة.
قال ابن مالك: ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٤). فإن الواو إما عائدة على المعطوف والمعطوف عليه، أو على المعطوف وحده مستغنى بخبره عن خبر المعطوف عليه، وهذا ممتنع لأنه من الاستدلال بالثانى على الأول كقول الشاعر: (٥)
نحن بما عندنا ... وأنت بما عندك راض. . . . . .
стр. 171
وهو ضعيف. وأما الجيد: الاستدلال بالأول كقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (١).
وصون القرآن العزيز عن الأوجه الضعيفة واجب، ولو سلم أستعماله لهذا الوجه مع ضعفه منع من استعماله هنا خلاف المستدل به والمستدل عليه فى المعنى، وذلك لا يجوز بالإجماع فتعين عود الواو على المعطوف والمعطوف عليه وكون الصلاة معبرًا بها عن حقيقتين مختلفتين وهو المطلوب (٢). انتهى كلام ابن مالك.
وقد ذكر ابن الحاجب: أن الأكثر على أن جمع المختلف المعنى مبنى على صحة إطلاق ذلك اللفظ على حقائقه المختلفة دفعة (٣)، ولكن ذلك الإطلاق مجاز لا حقيقة فليكن ما انبنى عليه مجازًا (٤) أيضًا، فخرج منه أن تثنية المختلف وجمعه إن ورد منه شىء قبل. وأما تجويزه قياسًا فعلى المجاز، لأن الصناعة النحوية تقتضيه.
وقال الشريشى (٥) فى شرح المقامات: هذا النوع يكثر فى كلام المولدين،
стр. 172
ويقل فى كلام العرب، ولا أحفظ منه غير قول النابغة الجعدى (١):
وقد أبقى صروف الدهر منى ... كمن أبقى من السيف اليمانى
يصمم وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمة اليدان
فسره أبو عبيد البكرى (٢) وغيره أنه أراد بذلك الجارحة، والأيدى الذى هو القوة فجمع على الأخف.
стр. 173
قلت: أنشد ثعلب: (١)
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل
وأنشد غيره للفرزدق (٢):
ان الأحامرة الثلاثة أهلكت ... ما لى وكنت بهن قدمًا مولعًا
الراح واللحم السمين وأطلى ... بالزعفران فلا أزال مودعًا
وفى أهلكهم الأحمران يعنى الذهب والزعفران، ويقال: الأحمران: اللحم والشراب (٣). والأصفران: الذهب والزعفران. وقالوا: ما عندنا إلا الأسودان
стр. 174
يعنى: التمر والماء، وهو كثير، وقد جمع فيه أبو الطيب عبد الواحد اللغوى (١) مصنفًا حافلًا.
* * *
стр. 175
مسألة
الحقيقة (١) الشرعية واقعة خلافًا للقاضى، فإنها عنده حقائق لغوية لم يستعملها الشارع إلا بها، والزيادات شروط، وتبعه أبو نصر بن القشيرى (٢) من أصحابنا.
стр. 176
قلت: ونقله الإمام أبو المظفر بن طاهر بن محمد الأسفرائينى (١) فى كتابه "الأوسط" عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى.
وقالت المعتزلة: بل نقل الشرع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية إلى هذه المفهومات الشرعية، واستعملها حقائق فيه باعتبار الوضع.
فالمعتزلة يقولون: إن الشارع اخترعها وليس للعرب فيها (٢) تصرف.
والقاضى يقول: العرب اخترعتها وليس للشارع فيها تصرف إلا بزيادة شرط أو نحوه.
وقال الإمام فخر الدين الرازى: لم يستعملها فى مفهوماتها اللغوية، ولم ينقلها بل استعملها مجازات فى المفهومات الشرعية من باب التعبير بالجزء عن الكل، لأن الصلاة جزؤها الدعاء (٣).
وسمى المعتزلة ما أجرى على الفاعل كالمؤمن دينية، وما أجرى على الفعل كالصلاة فشرعية.
ثم هل وقعا أو وقعت الشرعية لا الدينية؟ خلاف.
صحح إمام الحرمين، والشيخ أبو إسحاق الثانى (٤).
стр. 177
وأصل الخلاف فى هذه المسألة يلتفت على تفسير الإيمان. هل هو التصديق، أو الطاعات (١)؟ .
فإن قلنا: هو التصديق. امتنع النقل، وإلا فلا ومن هذا تنشأ مسألة الفاسق (٢) هل يخرج عن الإيمان؟ وهل تثبت منزلته بين المنزلتين؟ وهى الفسق بين الإيمان والكفر.
قال الشيخ أبو إسحاق فى شرح اللمع (٣): هذا أول مسألة نشأت فى الاعتزال، وذلك أن عثمان (٤) -رضى اللَّه عنه- لما قتل ظهرت البدعة،
стр. 178
وكثرت الشرور، وقال أهل الشام: نحن دم عثمان، وجرت بينهم من الحروب ما لا يخفى فجاءت المعتزلة بعدهم فقالوا: ننزلهم منزلة بين المنزلتين، فلا نسميهم كفارًا، ولا مؤمنين، ونسميهم فسقة حتى أطلقوا هذا الاسم على أكابر الصحابة كطلحة (١) والزبير (٢) -رضى اللَّه عنهما-.
ووجه بناء هذا الأصل أن المعتزلة قالوا: إن الأسماء المستعملة فى أصول الديانات حقائق شرعية بمعنى أن الشرع اخترعها، وكان الإيمان فى الشرع عبارة عن التصديق مع العمل، فهؤلاء ليسوا مؤمنين؛ لأنه وإن وجد فيهم التصديق لكن لم يوجد منهم العمل، وليسوا بكافرين لقيام الإجماع عليه، فتثبت الواسطة (٣).
стр. 179
ولما كان القاضى يرى أنها حقائق لغوية وأن الشرع استعملها على موضعها أطلق عليها اسم الإيمان حقيقة، لأن الإيمان فى اللغة التصديق، وشرط معه الشرع شرطًا آخر، وبانتفاء الشرط لا ينتفى المشروط.
قال الشيخ أبو إسحاق: سمعت القاضى أبا الطيب الطبرى يقول: سمعت أبا بكر يقول: ذهبت ناشئة المعتزلة القدرية إلى أن فى الأسماء شيئًا منقولًا، وتابعهم على ذلك جماعة من المتفقهة، ولم يعلموا ما فى ذلك من الكفر والطغيان، وقال: هذا قول عظيم فى السلف.
قال الشيخ: ويمكن أن يقال: إن الأسماء منقولة إلا فى هذه المسألة. كما نقول فى الأمر: يقتضى الوجوب، وإن كان منها ما لا يقتضيه، وقال فى موضع آخر: وأما إثبات الاسم من جهة عرف الشرع وهو أن يكون اللفظ موضوعًا فى اللغة لمعنى وورد الشرع به فى غيره وكثرة استعماله فيه كالأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع كالوضوء، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فذهبت المعتزلة إلى أنها منقولة من اللغة إلى الشرع.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الأسماء كلها مبقاة على موضوعاتها فى اللغة لم ينقل شىء منها (١).
قال: وهو قول أهل الحق، ومذهب أهل السنة.
وقد ذكرنا أن ذلك أول بدعة ظهرت فى الإسلام، وأصله مسألة الإيمان.
قال: وقد نصرت فى التبصرة أن الأسماء منقولة.
قال: ويمكننا نصرة ذلك من غير أن نشارك المعتزلة فى مذهبهم فنقول: هذه الألفاظ منقولة من اللغة إلى الشرع، فأما الإيمان فهو مبقى على موضوعه فى اللغة غير منقول إلى الشرع (٢). انتهى.
стр. 180
وبنحو ذلك قال ابن برهان فى رد شبهة أن نقل الأسامى من اللغة إلى الشرع يفضى إلى إخراج الفاسق من الإيمان. فقال: هذا إذا قلنا: إن جميع الأسامى منقولة وليس كذلك، بل مذهبنا أن بعضها منقولة، وبعضها مبقى على حقائقها اللغوية، ومنه اسم الإيمان، فلا جرم إذا وجد التصديق حكمنا بإيمان الشخص، وإن تخلف بعض الأركان.
وقال القاضى مجلى (١) فى الذخائر:
فائدة: الخلاف فى هذه المسألة أنه إذا ورد فى الشرع أمر بصلاة أو زكاة أو صيام أو حج، فإنه يحمل على ما يقتضيه اللفظ فى الشرع دون اللغة، وسيأتى فى باب البيان مسألة مفرعة على هذا الأصل أيضًا.
* * *