وعندنا كما كان العام المطلق موجبًا للحكم قطعًا، فدليل الخصوص لم يغير لهذا الحكم، والتفسير إنما يكون موصولًا لا مفصولًا (١).
* * *
стр. 247
مسألة (١)
إذا ورد العام بعد الخاص قضى بالخاص كما لو انعكس الحال. وعن الحنفية أن العام يكون ناسخًا للخاص.
والخلاف يلتفت على أن البيان هل يجوز تقدمه عن المبين؟
فعندهم لا يجوز، وعندنا يجوز، ويلتفت أيضًا على أن العام نص فى أفراده أو ظاهر فيها؟
فالقائل بأن الخاص يقضى على العام ويبنى العام عليه يقول: لأن الخاص نص فى متناوله والعام ظاهر فيه والقطعى مقدم على الظنى فاعلمهما بلا بنا (٢) أحدهما على الآخر، ولا أذهب إلى النسخ لأن من شرطه المكافأة بين الناسخ والمنسوخ ولا مكافأة بين النص والظاهر، والمخالف يعرف النسخ بأنه
стр. 248
منع الحكم بطريق المعارضة فلهذا قال: إن العام المتأخر يكون ناسخًا للخاص المتقدم، لأن كلا منهما نص فى متناوله فانطبق على تعريف النسخ عنده، والمسألة (١) مفروضة فى تأخر العام، فقد وجد شرط النسخ عنده من التاريخ والمعارضة فصار إليه.
* * *
стр. 249
مسألة (١)
الاستثناء إذا تعقب جملا يصرف عندنا إلى جميعها (٢)، ونقل عن مالك (٣)
стр. 250
وعند إلى حنيفة يختص بالأخيرة (١). وقال عبد الجبار: إن سيقت لغرض واحد انصرف إلى جميعها أو لأغراض مختلفة فبالأخير.
وقال أبو الحسين البصرى: إن كانت الثانية إضرابًا عن الأولى اختص بالأخيرة، وإلا انصرف إلى الجميع (٢).
واختاره ابن برهان، وادعى أنه مذهب الشافعى.
وتوقف القاضى (٣).
* * *
стр. 251
مسألة (١)
والخلاف يلتفت على الخلاف النحوى فى العامل فى المستثنى، وفيه أقوال:
أحدها: العامل فى المستثنى منه وهو الفعل المتقدم أو معناه لأن -إلا- عدته وأوصلته إلى الاسم كما توصله الواو، والمثنى بمعنى: مع وهو قول البصريين (٢).
والثانى: أن العامل إلا. واختاره ابن مالك (٣) ونسبه إلى سيبويه.
والثالث: بأستثنى (٤) مضمرًا. ونسبه السيرافى للزجاج والمبرد (٥).
стр. 252
وقيل: غير ذلك، فمن قال بالأول لا يجوز الرجوع إلى الجميع وإلا لزم توارد عاملين على معمول واحد، ولهذا نقل عن أبى على الفارسى -كما قاله الكيا الهراسى- اختصاصه بالجملة الأخيرة كمذهب الحنفية بناء على مذهبه فى النحو أن العامل هو الفعل الذى قبل -إلا-.
ومن قال بالثانى جوز عوده إلى الجميع، وبهذا يترجح مذهب الحنفية.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يعمل عاملان فى معمول واحد لقيام الدليل العقلى والقياس النحوى عليه.
قال الكيا فى تعليقه: قال شيخنا أبو الحسن الأشعرى: لا يجوز أن يجتمع سوادان فى محل واحد؛ لأنهما لو اجتمعا لجاز أن يرتفع أحدهما بضده، وإذا جاز ذلك عقلًا، فلو قدرنا رفع أحد السوادين ببياض لأدى إلى اجتماع السواد والبياض فى محل واحد، وذلك ممتنع عقلًا، وكذلك لا يجوز أن يعمل عاملان فى معمول واحد؛ لأنه يلزم أن يرتفع أحد العاملين بضده، فيكون أحدهما مثلًا يوجب الرفع، والآخر يوجب النصب، ويؤدى إلى أن اللفظ الواحد مرفوع منصوب، وذلك محال (١).
واعلم أن مذهبنا قد يترجح بتقرير آخر يزول به الإشكال وهو: أنا إن قلنا: إن العامل هو -إلا- فلا يتعدى الاستثناء إلى الجمل بعده؛ لأنه يلزم منه تأخير المستثنى منه عن المستثنى، والمنسوب إليه معًا، وهو ممتنع عند الجمهور.
وإن قلنا: العامل فى المستثنى هو ما قبله أو استثنى فليرجع إلى الجميع لأنا حينئذ لم نؤخر المستثنى منه عن المستثنى، بل يقدر استثناء آخر عقب الثانية كما يقدر استثناء عقب ما قبل الأخيرة إذا تأخر الاستثناء عنهما، ويكون حذف من أحدهما لدلالة الآخر عليه، ولا يتضح عود الاستثناء المتأخر للجمل مع القول بأن العامل ما قبلها إلا أن (٢) ذلك وبه يزول الإشكال.
стр. 253
وجعل القاضى أبو زيد الدبوسى فى محعابه تقويم الأدلة: الخلاف بيننا وبينهم فى هذه المسألة يلتفت على أن الواو فى الجمل هل هى للعطف أو للنظم؟
قال: فعندنا واو النظم لا العطف، فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلا يلتحق الاستثناء بالأولى، وعند الشافعى هى واو العطف، وفرق بينهما بأن واو النظم أن يكون فى الكلام جل تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد، فالوصل بينها يسمى واو النظم حسن بها نظم الكلام. وواو العطف أن يكون فى الكلام جملة أو بعضها تم بالواو فيصير بحكم العطف كالأولى كقولك جاء زيد وعمرو. انتهى.
ولا يعرف النحويون هذه التفرقة.
* * *
стр. 254
مسألة (١)
الاستثناء من الإثبات نفى، وعكسه خلافًا للحنفية.
وأصل الخلاف فى الاستثناء من الإثبات يلتفت على الخلاف النحوى فى أنك إذا فلت: قام القوم ألا زيدًا، هل الإخراج من الاسم أو من الحكم، أو منهما؟ فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: قول الكوفيين، والأخفش (٢): أن معناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين ليس منهم زيد، وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بقيام ولا بنفيه فيحتمل أنه قام وأنه لم يقم (٣).
والثانى: قول الفراء (٤) أنه لم يخرج زيد من القوم، وإنما أخرجت إلا وصف
стр. 255
زيد من وصف القوم، لأن القوم موجب لهم القيام، وزيد منفى عنه القيام.
والثالث: مذهب سيبويه وجمهور البصريين أن الأداة أخرجت الاسم الثانى من الاسم الأول وحكمه من حكمه، فإن قلنا بالأول لم يكن الاستثناء من الإثبات محكومًا عليه بالنفى (١)، وأبو حنيفة كوفى، فلهذا وافق نحاة الكوفة.
وإن قلنا: بالثالث. فهو محكوم عليه بالنفى.
* * *
стр. 256
مسألة (١)
يمتنع استثناء الجميع بالإجماع (٢) وهو المستغرق، وحكاية ابن طلحة (٣) شاذة (٤). ويجوز استثناء الأقل بلا نزاع، وفى استثناء المساوى والأكثر خلاف،
стр. 257
والأكثرون على جوازه، وهذا الخلاف يجرى فى العدد وغيره، وجوازه فى العدد ينبنى على جواز الاستثناء من العدد وفيه ثلاثة مذاهب للنحويين.
أحدها: الجواز مطلقًا، واختاره ابن الضائع (١).
والثانى: المنع مطلقًا واختاره ابن عصفور (٢) محتجًا بأنها نصوص، فالإخراج منها يخرجها عن النصية، ألا ترى أنك إذا قلت: ثلاثة إلا واحدًا كنت قد أوقعت الثلاثة على الإثنين، وذلك لا يجوز بخلاف قولك: القوم إلا عشرة، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣) بأن الألف لما كانت تستعمل للتكثير كقولك: اقعد ألف سنة، تريد اقعد زمنًا طويلًا، دخله الاحتمال فجاز أن يبين بالاستثناء، وأنه لم يستعمل للتكثير (٤).
والثانى: أنه يمتنع استثناء العقد نحو: عشرون إلا عشرة، ويجوز استثناء ما دونه نحو: عشرة إلا ثلاثة (٥).
стр. 258
مسألة (١)
الصفة إذا تعقبت جملًا. فعندنا أنها كالاستثناء ترجع إلى الجميع خلافًا لهم (٢). وينبغى تقييد هذا الخلاف بما إذا كان العامل فى الموصوف واحدًا، فأما إذا اختلف فإنه لا يعود إلى الجميع بالوفاق بين القائلين به عند الاتحاد، ولهذا لم يجعل الدخول قيدًا فى الجملة الأولى من قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ. . . .﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٣).
فإن أم الزوجة لا تحرم بالعقد، ولا يتوقف على الدخول بالبنت عند الجمهور (٤).
وأصل الخلاف ورجع إلى الخلاف النحرى وهو أنه إذا اختلف العامل فى باب النعت بأن كان أحدهما فعلًا والآخر منصوبًا أو حرفًا نحو: زيد منطلق، وانطلق عمرو، وإن زيدًا منطلق، وضربت عمرًا، فالجمهور على
стр. 259
منع الصفة فيه، وحكاه (١) ابن فلاح النحوى (٢) فى كتاب الكافى له عن الخليل (٣) وجوزه بعضهم.
فإن قلنا: يشترط فى جواز النعت عدم اختلاف العامل منع كون هذه الصفة للجمعين فلم يشترط الدخول بالبنت فى تحريم الأم، كما يشترط الدخول بالأم فى تحريم البنت، ومن لم يشترطه جعله صفة للجمعين فشرط الدخول فيهما.
* * *
стр. 260
مسألة (١)
ذكر الأصوليون أن مخصصات العموم أربعة: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، واستدرك ابن الحاجب علهم فزاد بدل البعض من الكل (٢). نحو: أكلت الرغيف ثلثه، ومنهم من رده ولم يعده.
وهذا الخلاف يلتفت على أن المبدل منه هل هو فى نية الطرح أم لا؟
فإن قلنا: أنه فى نية الطرح لم يحسن عده من المخصصات وإلا عد. وفى المسألة مذاهب جمعتها وهى متفرقة فى كلام النحويين:
أحدها: أنه ليس فى نية الطرح. وهو قول السيرافى والفارسى والزمخشرى.
وقال السيرافى: النحويون يزعمون أن البدل فى حكم تنحية الأول وهو المبدل منه، ووضع الثانى وهو البدل مكانه وليس يريدون بتنحية الأول إلغاءه، وإنما مرادهم أن البدل قام بنفسه وليس تبيينه للأول كتبيين النعت الذى هو تمام المنعوت وهو معه كالشىء الواحد، والدليل على أنه ليس فى حكم المطرح أنك تقول: ضربنى الذى ضربته زيدًا، فلو كانت الهاء فى نية الطرح لكان التقدير ضربنى الذى ضربت زيدًا، فتحل الصلة عن العائد إلى الموصول.
والثانى: أنه فى نية الطرح، لأن الثانى إنما سمى بدلًا، لأنه قام مقام الأول،
стр. 261
لأنا نبدل الشىء من جميعه، والمعرفة من النكرة، والعكس، وهذا المذهب حكاه ابن (١) الخباز فى شرح الدرة عن جماعة منهم ابن (٢) معط، واحتجوا بأن عامله تكرر كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ (٣). وبأنه سمى بدلًا، فهذا يؤذن بأن الأول مطرح تقديرًا.
وقال ابن عصفور فى المقرب: ينوى بالأول الطرح معنى لا لفظًا؛ لأنه على نية استئناف العامل.
فإذا قلنا: قام زيد أخوك: فالتقدير: قام أخوك فتركك الأول، وأخذك فى استئناف كلام آخر طرح منك له واعتماد على الثانى، قال: والدليل على أنه لا ينوى به الطرح من جهة اللفظ إعادة الضمير عليه فى مثل قولك: ضربت زيدًا يده (٤).
والثالث: التفصيل بين بدل الغلط فهو فى نية طرح المبدل منه وبين ما عداه فلا طرح فيه. قاله ابن برهان النحوى (٥) فى شرح لمع. . . . . .
مسألة (١)
العام الوارد على سبب خاص يعتبر عموم لفظه ولا يخصه بالقصر على سببه. وبه قال الشافعى والأكثر خلافًا لمالك وأبى ثور، والمزنى (٢) والقفال، والدقاق (٣).
стр. 264
ونقل عن الشافعى، وممن نقله عنه إمام الحرمين، والغزالى (١) فى المنخول، وذكر الرازى فى المناقب: أنه وهم ممن نقله، وأن سببه أنه قال -فى قوله: (الولد للفراش) (٢) ردًا على الحنفية فى قولهم: إن الأمة لا تصير فراشًا بالوطء-: كيف والأمة محل السبب؟ ففهموا منه أنه يقصر اللفظ العام على سببه، وليس كذلك، بل مراده أن محل السبب لا يجوز إخراجه فكيف أخرجتموه؟ وما نقل عنه فى قوله -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "لا قطع فى ثمر ولا كثر" (٣) أنه خرج على عادة أهل المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محوطة.
قال الأصحاب: إنما قال الشافعى ذلك لأدلة دلت عليه وعلى ما قاله فى نظائره.
ونحن نقول: إذا دل دليل على إرادة خصوص السبب فهو المعتبر.
وتوسط شيخ الإسلام ابن (٤) دقيق العيد فى العنوان والإلمام فقال: وينبغى أن
стр. 265
يفرق بين سبب لا يقتضى السياق والقرائن التخصيص به وبين سبب يقتضى السياق والقرائن التخصيص به، فإن كان من الثانى فالواجب اعتبار ما يدل عليه السياق والقرائن، لأن بذلك يتبين مقصود الكلام. انتهى.
قال الإمام المازرى: ولو خرجت هذه المسألة على الاختلاف فى الألف واللام هل يقتضى الصيغ التى دخلت عليها العموم، ويكون المراد الإشارة إلى الجنس، أو تكون محمولة على العهد لكان لائقًا، فمن يقصر اللفظ على سببه يجعلها للعهد، ومن يعمه لا يفعل (١).
стр. 266
البيان (١) والمبين
مسألة
ما استأنف الرسول -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- بيانه من الأحكام التى ليست فى كتاب اللَّه تعالى (كالقضاء بالشفعة للجار) (٢)، و (بالدية على العاقلة) (٣)، و (إعطاء السلب. . . . . .
стр. 267
للقاتل) (١)، و (أن لا ميراث لقاتل) (٢)، ونحوه.
قال الماوردى والرويانى فى كتاب القضاء من الحاوى والبحر: يلزم الرسول -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- بيانه فى حقوق العباد؛ لأنه لا طريق لهم إلى العلم بها إلا منه، وفى لزوم بيانها فى حق اللَّه تعالى وجهان مبنيان على الخلاف فى أنه هل يجوز للرسول أن يحكم فها بالاجتهاد؟
فإن قلنا: له ذلك. لزم الرسول -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- بيانه فى حق اللَّه تعالى.
وإن قلنا: ليس له الاجتهاد لم يلزم (٣).
* * *
стр. 268
مسألة (١)
إذا عثر الفقيه على عموم القرآن، ثم عثر على خبر واحد يرفع بعض ذلك العموم، وعلم بتاريخ نزول الآية وأنها متقدمة على الخبر. فهل يكون الخبر نسخًا لها أو تخصيصًا؟ فيه خلاف منشؤه (٢) الخلاف فى تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
فإن قلنا: إنه ممتنع كان الخبر نسخًا، فلا يجوز الأخذ به، لأن خبر الواحد لا ينسخ القرآن.
وإن قلنا: يجوز كان تخصيصًا فيلزم الأخذ به، و (٣) إن كان ممن يرى جواز التخصيص بخبر الواحد مثاله: استدلالنا على أن السلب للقاتل بقوله -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "من قتل قتيلًا فله سلبه". قال هذا لما كان فى غزوة حنين.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤). كانت فى غزوة بدر.
стр. 269
فيكون الخبر ناسخًا على القول بإحالة تأخير البيان ومخصصًا على القول بجوازه (١).
مسألة (١)
الأسماء الشرعية الواقعة فى القرآن كالصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، حيث أمر بها هل هى مجملة لا يعقل معناها إلا بالبيان أو هى ظاهرة معقولة المعنى قبل البيان؟
فيه وجهان لأصحابنا حكاهما الماوردى فى الحاوى، وكذلك الشيخ أبو إسحاق فى اللمع (٢). وصحح منهما الأول وجعلا مدرك الخلاف أن الاسم هل اخترعه الشارع كما اخترع الحكم، أو كان الاسم معروفًا عند أهل البيان، والشرع مختص ببيان الأحكام؟
فإن قلنا: إنها ليست منقولة، كانت عامة.
وإن قلنا: إنها منقولة، كانت مجملة (٣).
المطلق والمقيد (١)
مسألة
ذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود (٢)، بل لابد من دليل، ومنهم من جوزوه بلا دليل (٣).
стр. 274
قال ابن برهان: والخلاف يلتفت على أن كلام اللَّه تعالى المنزل على رسوله -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- أى: اللفظى عندنا ليس بمتحد، وعندهم متحد، وأن القرآن كالكلمة الواحدة. فالمذكور بقيد فى موضع مقيد بذلك القيد فيما لا ذكر لذلك القيد فيه، وهذه الطريقة يستعملها صاحب الكشاف (١) كثيرًا.
وقال الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد بدليل أيضًا (٢).
стр. 275
والخلاف يلتفت على أن التقييد هل ينزل منزلة النسخ أم لا؟
فعندهم ينزل منزلته، وعندنا لا.
وإذا قلنا: لا يتنزل منزلة النسخ، التفت ذلك أيضًا على أن الزيادة على النص هل تكون نسخًا؟
فعندهم أنها نسخ، ولهذا لم يردوا المطلق إلى المقيد، لأن الرد إنما وجب عند المحققين لأجل قياس معنوى، والنسخ لا يكون بالقياس، ومن لم ير الزيادة على النص نسخًا قال: هى بيان وتخصيص حسن عنده رد المطلق إلى المقيد، لأن التخصيص يجوز بذلك.
وقال صاحب (١) الواضح من المعتزلة: الخلاف فى أن تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان هل يقتضى زيادة أم تخصيصًا؟ ينبنى عليه الحمل بالقياس فمن قال: زيادة (٢) منع الحمل بالقياس لأن عنده الزيادة نسخ، والنسخ بالقياس لا يجوز، ومن قال: تخصيص جوزه بالقياس وخبر الواحد.
стр. 276
المفهوم
مسألة
إذا خص المفهوم (١). أعنى مفهوم المخالفة هل يبقى حجة فيما بقى عن التخصيص؟
فيه مذهبان حكاهما الأبيارى (٢) فى شرح البرهان، وجعل أصل الخلاف أن مفهوم المخالفة عند القائلين به هل نفى الحكم فيه عما عدا المنطوق به من قبيل اللفظ، أو من قبيل المعنى، كعدم وجوب الزكاة فى المعلوفة هل هو ملفوظ به حتى
стр. 277
يقدر أن العربى إذا قال: "فى سائمة الغنم الزكاة" (١). أن هذا الكلام قام مقام كلامين، أحدهما وجوبها فى السائمة، والآخر نفيها عن المعلوفة، أم نقول: إن هذا ليس من قبيل اللفظ، بل من قبيل المعنى؟
قلت: وهذا الخلاف غريب، ونقل أن مذهب الشافعى أنه من قبيل اللفظ، ووجه التخريج أنا إن قلنا: إنه من قبيل اللفظ كان الباقى بعد التخصيص حجة، وإن قلنا: من قبيل المعنى فلا.
قلت: وهذا التخريج فيه نظر، بل ينبغى التفات ذلك على جواز تخصيص العلة، فإن جوزناه كان الباقى حجة وإلا فلا، فهو بناء خلاف على خلاف، وله التفات أيضًا على أن المفهوم عموم أم لا؟ لأن التخصيص فرع التعميم، ونظر هذا اختلاف قول الشافعى فى آية (٢) البيع هل هى عامة خصصها الكتاب
стр. 278
أو السنة أو مجملة بينها (١) الكتاب والسنة، وهل عمومها من حيث اللفظ أو من حيث المعنى؟ فإن كان من حيث اللفظ صلح الاستدلال بها على كل بيع قال بصحته قائل، وإن خصص، وإن كان من حيث المعنى لم يصلح الاستدلال بها على كل بيع إلا إذا لم يخصص، فإن خصصت بالنسبة إلى بيع بطل الاستدلال بها فى الجميع إلا إذا قيل بتخصيص العلة (٢).
стр. 279
مسألة (١)
إذا قلنا: إن إنما تفيد الحصر فهل هو بطريق المنطوق أو المفهوم؟ فيه خلاف (٢) منشؤه أن إنما هل هى مركبة من إن المثبتة وما النافية (٣)، أو هى كلمة مفردة موضوعة لهذا الحكم (٤). أو هى بمعنى ما، وإلا (٥)؟
مسألة (١)
اختلفوا فى تقديم الوصف على الموصوف الخاص خبرًا له هل يدل على الحصر فى نحو: العالم زيد، وصديقى زيد؟
فالمحققون أنه يفيد الحصر (٢) لأن العدول عن الترتيب الطبيعى يقتضى قصد النفى عن غيره بخلاف العكس، وهذه المسألة تلتفت على مسألة نحوية وهى أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ، بل يكون مساويًا له أو أعم منه، فلا نقول: الحيوان إنسان، ولا اللون سواد على إرادة الجمع، ونقول: الإنسان حيوان، لأن معناه: الإنسان موصوف بأنه حيوان لأن الجنس صفة فى المعنى، ولا كذلك العكس (٣).
إذا عرفت هذا فإذا قلت: صديقى زيد، وجعلت زيدًا مبتدأ وصديقى الخبر جاز أن تكون الصداقة أعم من زيد وزيد أخص من الصداقة، لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر فلا يلزم انحصار الصداقة فى زيد فى هذه الصورة، ولو قلت: صديقى زيد، وجعلت صديقى مبتدأ وزيدًا الخبر أفاد الحصر، فإنا
стр. 282
لا يمكننا أن نجعل الذى هو زيد أعم مما بقى، إلا أن نجعله مساويًا وإلا لزم أن يكون الخبر أخص من المبتدأ، وإذا كان مساويًا لزم الانحصار ضرورة وصدق (أن كلا من صديقى زيد) (١).
* * * * **
стр. 283
النسخ (١)
مسألة
اختلفوا فى أن النسخ هل هو تخصيص (٢) اللفظ بالزمن أم لا؟
стр. 284
ينبنى على أن الأمر يقتضى تكرار الفعل أم لا؟
فإن قلنا: يقتضيه، كان تخصيصًا.
وإن قلنا: لا لم يصح أن يكون تخصيصًا، لأن اللفظ لا إشعار له بالزمن، فلا يصح فيه التخصيص بخلاف تخصيص بعض المسميات من اللفظ العام. فإن اللفظ مشعر بحكم الوضع لجميع المسميات.
* * *
стр. 285
مسألة
اختلفوا فى أن النسخ رفع (١) أو بيان (٢)؟
قال فى المحصول: وهو ينبنى على مسألة بقاء الأعراض.
فمن قال: بأن العرض يقبل البقاء والدوام قال: المنسوخ باق.
ومن قال: العرض لا يبقى زمنين قال: الحكم ينتهى بذاته كما ينتهى العرض (٣).