مسألة (١)
المجتهد إذا كان غير عدل ففى اعتبار قوله فى الإجماع أقوال.
ثالثها (٢): يعتبر فى حق نفسه خاصة.
وأصل الخلاف أن العدالة هل هى ركن فى الاجتهاد كالعلم أو ليست بركن، وإنما نعتبره لأنا نثق بإخباره عن نفسه؟ فيه خلاف.
стр. 352
مسألة (١)
إذا اجتمع أهل العصر على حكم هل لهم أو لبعضهم أن يرجع عنه فيصير مسألة خلاف؟ فيه وجهان مبنيان على اشتراط انقراض العصر فى الإجماع، فمن اعتبره جوز ذلك، ومن لم يعتبره وهو الراجح لم يجوزه.
قال سليم: والخلاف فى انقراض العصر هو فى غير الإجماع السكوتى، وأما إذا وجد القول أو الفعل من بعضهم وسكت الباقون فانقراض العصر معتبر فى ذلك بلا خلاف، ومما يتفزع على الخلاف فى اشتراط انقراض العصر الخلاف فى أن للمجمعين الرجوع فيما أجمعوا عليه إذا ظهر لهم بعد ذلك ما يوجب الرجوع.
فإن قلنا: إنه شرط جاز لهم الرجوع وإلا فلا، ويكون إجماعهم حجة عليهم وعلى غيرهم.
* * *
стр. 353
مسألة (١)
فى الإجماع السكوتى هل هو حجة أم لا؟ خلاف مشهور ينبنى التفاته على الخلاف فى أن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد؟ وذلك لاحتمال أن الساكت إنما ترك الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب (٢).
مسألة (١)
يجوز إحداث دليل للإجماع غير ما استدلوا به إذ لا محذور فيه، وهل يجوز التعليل بعلة غير علتهم؟ فيه قولان مبنيان على أنه يجوز أن يعلل الحكم بأكثر من علة واحدة، فإن منعناه امتنع ها هنا، وإن جوزناه جاز إذ لا يلزم من إظهار علة أخرى نسبة الأولين إلى الغلط نعم إن صرحوا وقالوا: ليس لهذا الحكم إلا علة واحدة، فلا يجوز حينئذ إحداث علة أخرى لإجماعهم على نفيها (٢).
стр. 356
مسألة (١)
هل يعتبر خلاف الأصولى فى الفقه؟
ذهب القاضى إلى اعتباره (٢)، وخالفه معظم الأصوليين (٣).
والخلاف مبنى على الخلاف فى مسألة أخرى وهى أن الاجتهاد هل يتجزأ أم لا؟ فإن قلنا: يتجزأ اعتبر خلافه وإلا فلا.
* * *
стр. 357
الكتاب الرابع فى القياس (١)
مسألة
فى جريان القياس فى اللغات فى الأسماء المشتقة الصادرة عن معان معقولة قولان، أصحهما -كما قال إمام الحرمين، ونقل عن معظم المحققين- المنع (٢).
قلت: والقول بجريانه (٣) فيها رأيت التصريح به فى كتاب التحصيل للأستاذ
стр. 358
أبى منصور (١) البغدادى، ونقله عن أكثر أصحاب الشافعى قال: وقد قال الشافعى فى الشفعة: إن الشريك جار وقاسه على تسمية العرب امرأة الرجل جارة (٢). انتهى.
وأصل الخلاف يلتفت على أن اللغة توقيفية أو اصطلاحية؟ فمن قال: توقيفية منع القياس؛ لأنه إذا كان الأصل لا يعلم ألا بتوقيف فكذا ما فى معناه.
وقد أشار إلى هذا البناء وحكاه امام الحرمين فى كتاب التلخيص، وفيه نظر، وحكاه ابن (٣) التلمسانى فيما علقه على المنتخب عن بعضهم، ثم قال: والحق
стр. 359
أن البحث فيها لا يتوتف على ذلك فإنه يمكن أن يقال: إن الخمر إنما سميت خمرًا لمخامرتها العقول بأى طريق كان توقيفيًا أو اصطلاحيًا ووجدنا الاسم دار مع الخامرة وجودًا وعدمًا، ثم وجدنا النبيذ كذلك فهل يسمى خمرًا أو لا؟ قال: وأما فائدته أن الاصطلاح الخاص إذا استعمل فهل يترتب عليه الأحكام الشرعية أم لا؟
وقال ابن برهان: هذا الخلاف مبنى على حرف وهو أن المعنى إذا فهم من الاسم كان ذلك إذنًا من العرب فى القياس ولم يحتج فى ذلك إلى إذن مستأنف، وعند المنكرين فهم المعنى من الاسم لا يكون إذنًا منهم فى القياس، بل لابد من استئناف إذن.
قلت: وهذا يشبه مسألة أن النص على العلة لا يكون أمرًا بالقياس وسيأتى.
* * *
стр. 360
مسألة (١)
فى جريان القياس فى الأسباب مذهبان. أصحهما: الجواز (٢)، كقياس اللواط على الزنا فى إيجاب الحد بجامع كونه إيلاجًا فى فرج محرم شرعًا مشتهى طبعًا.
والخلاف يلتفت على أن الحكم الشرعى هل نجز مسببًا كما نجز سببًا (٣)، وفيه
стр. 361
خلاف مشهور، وحكاه فى المنهاج فى أول الكتاب (١).
فإن قلنا: نعم جاز القياس فيها، فإنه حينئذ شمله دلائل العمل بالقياس فى الأحكام.
وإن قلنا: بالمنع، ففيه احتمال.
* * *
стр. 362
مسألة (١)
التنصيص على العلة ليس أمرًا بالقياس (٢)، وقيل: أمر به (٣)، وقال أبو عبد اللَّه البصرى: إن كان فى الفعل المحرم فأمر به أو فى الطلب فليس أمرًا به (٤).
وحكاه القاضى أبو بكر عن بعض القدرية (٥) قال: وإنما حملهم على هذا
стр. 363
التفصيل أصلهم فى التوبة، وهو من فروع التعديل والتجويز، وذلك أنهم قالوا: أمر بالقبائح ولا يتخصص، ولهذا لا تصح التوبة عندهم عن قبيح من الإصرار على آخر، ويصح التلبس بعبادة مع ترك أخرى، وهذا الأصل الذى قالوه لا طائل تحته.
واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة يلتفت على أن النص على التعليل هل هو نص على التعميم أم لا؟ فمن قال: إنه نص على التعميم فليس الحكم عنده مأخوذًا من القياس، بل هو مأخوذ من النص فى جميع الصور، ولهذا قال به النظام (١) مع إنكاره القياس.
ومن قال بأنه ليس نصًا على التعميم كان الحكم عنده مأخوذًا بالقياس.
* * *
стр. 364
مسألة (١)
من أنواع الإيماء (٢) إلى العلة أن يذكر الشارع وصفًا مناسبًا مع الحكم مثل "لا يقضى القاضى وهو غضبان" (٣) فإن ذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبطًا مثل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) أو بالعكس (٥). فأقوال
стр. 365
أحدهما: كلاهما إيماء.
والثانى: ليسا بإيماء.
والثالث: أن الأول -وهو ذكر الوصف- إيماء دون الثانى، وهو ذكر الحكم.
وقد حكى هذا الخلاف ابن الحاجب فى المختصر ولم يرجح شيئًا (١) ورجع فى الكبير (٢) الثالث، وهذ الخلاف كما قال: (مبنى على تفسير الإيماء، فالأول مبنى على أن الإيماء اقتران الحكم والوصف سواء كانا مذكورين أو أحدهما مذكورًا والآخر مقدرًا، والثانى على أنه لابد من ذكرهما.
والثالث: على أن إثبات مستلزم الشىء يقتضى إثباته، والعلة كالحل، مثلًا يستلزم المعلوم كالصحة فيكون بمثابة المذكور فيتحقق الأمران واللازم ليس إثباته إثباتًا للملزوم) (٣).
* * *
стр. 366
مسألة (١)
إذا كان الحكم عدميًا والعلة ثبوتية كتعليل عدم وجوب الصلاة بوجود الحيض هل يتوقف على بيان ثبوت المقتضى (٢) لذلك الحكم أم لا؟
فيه خلاف أطلقه فى المحصول فى موضع واختار فى المسألة الرابعة عشرة (٤) القول بأنه لا يتوقف على بيان ثبوت المقتضى للحكم (٤). وأشار إلى أن الخلاف يلتفت على الخلاف فى تخصيص العلة، فإن منعناه امتنع الجمع بين المانع والمقتضى، وإن جوزناه جاز (٥).
стр. 367
مسألة (١)
العلة المناسبة هل تنخرم بمفسدة راجحة أو مساوية؟
فيه قولان.
رجح الرازى وأتباعه أنها لا تنخرم (٢).
والمختار عند الآمدى وابن الحاجب وغيرهما انخرامها (٣).
стр. 368
والخلاف يلتفت على أن النقض فى العلة هل يقدح أم لا؟
فإن قلنا: يقدح، انخرمت وإلا فلا.
* * *
стр. 369
مسألة (١)
العلة القاصرة بنص أو إجماع صحيحة بالاتفاق (٢). واختلفوا فى القاصرة بغيرهما كتعليل الربا فى النقدين بجوهرية الثمن.
فذهب الشافعى إلى صحتها (٣)، وأبو حنيفة إلى بطلانها (٤).
واختاره من أصحابنا القفال الشاشى، كما حكاه الماوردى.
والخلاف يلتفت على أن الحكم فى محل النص هل هو ثابت بالعلة أو بالنص (٥)؟
стр. 370
والأول قول الشافعية، والثانى قول الحنفية.
أما حكم الفرع فمضاف إلى العلة باتفاق.
فإن قلنا: إنه ثابت بالعلة صح جعل القاصر علة لإضافة الحكم إليها.
وإن قلنا: إنه ثابت بالنص فلا يصح التعليل بها إذ لا فائدة لها إذ النص أقوى لأنه مقطوع به.
* * *
стр. 371
مسألة (١)
وهذا الخلاف فى أن العلة إذا كانت متعدية هل الحكم فى محل النص ثابت بالعلة أو بالنص؟ يلتفت على تفسير العلة كما قاله الغزالى فى شفاء الغليل، فإن أريد بها السبب الموجب للحكم الذى يقتضى إضافة عقلية كما فى العلل العقلية، فهذا يقتضى أن يقال: إن كانت منصوصة كالسرقة مثلًا جاز إضافة الحكم إليها سواء (٢) المتعدية والقاصرة وإن كانت مستنبطة بالظن فلا، لأن المضاف وهو الحكم مقطوع به، ويستحيل أن يكون المضاف إليه مظنونًا، وإن أريد بها الباعث على الحكم والداعى له فالحكم ثابت بالنص ما بنى على الحاجة كالإجارات لا خلاف فى جريان قياس الجزء منه على الجزء، وأما اعتبار غير ذلك الأصل بذلك الأصل مع جامع الحاجة (٣) فاختلفوا فيه.
فنقل فى البرهان عن معظم القائسين الامتناع منه (٤).
стр. 372
قال المقترح فى شرحه: لأنه قياس فى الأسباب ولا يجوز لغيرهم مخالفتهم.
قال: وهذا الخلاف انبنى على الخلاف فى أنه هل يشترط تحقيق المناط فى الفرع قطعًا إلى يكتفى بالظن؟ فهؤلاء يشترطون القطع ولا يكتفون بغلبة الظن، فحصل من هذا الخلاف فى جواز قياس عن هذا الضرب عليه بناء على أنه قياس فى الأسباب.
* * *
стр. 373
مسألة (١)
جمهور الأصوليين على أن من المسالك التى تثبت بها العلة المناسبة (٢) بين الوصف وبين الحكم.
وخالف أبو زيد الدبوسى فقال: لا تكفى المناسبة فى إثبات كون الوصف علة.
стр. 374
وهذا الخلاف كما قاله الغزالى (١) يرجع إلى تفسير المناسب.
فأبو زيد يقول: هو ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول.
ونحن نقول: هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتيب الحكم ما يصلح أن يكون مقصودًا بحيث ينسب الخصم فى جحده بعد الإظهار لطريقة الجحد والعناد.
وفرع أبو زيد على تفسيره المناسب بما تقدم تعذر إثبات العلة على الخصم وقال: المناسبة تفيد الناظر أن لا يكابر نفسه دون المناظر إذ قد يكابر ولا يظهر حتى لا يخرج عن أهليته.
* * *
стр. 375
مسألة (١)
اختلفوا فى أن قياس الشبه (٢) إذا عدم قياس العلة هل هو من مسالك العلة أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: بطلانه. وهو قول إلى بكر القاضى والصيرفى وأبى إسحاق المروزى والشيرازى.
والثانى: اعتباره. ونقل عن الشافعى وأنكره القاضى وقال: لا يكاد يصح عنه، ولذلك قال الشيخ أبو إسحاق فى شرح اللمع:
стр. 376
قلت: قد رأيت نصه فى الأم على اعتباره وقد نقله الماوردى والرويانى فى كتاب القضاء وتكلما عليه. وعلى هذا فبماذا يعتبر؟ مذاهب:
أحدها: الشبه فى الأحكام دون الصورة، ونقل عن الشافعى.
والثانى: اعتباره فى الحكم ثم فى الصورة.
والثالث: اعتباره فيهما على حد سواء حكاهما القاضى.
والرابع: اعتباره فى الصورة فقط، ونقل عن ابن علية (١)، وأبى حنيفة.
والخامس: فيما يظن استلزامه للعلة. وبه قال الإمام فخر الدين الرازى (٢).
والسادس: اعتبار غلبة الأشباه (٣) دون غيره.
إذا عرفت هذا فقد بنى القاضى فى قياس الشبه على الخلاف فى أن المصيب واحد من المجتهدين أو كل مجتهد مصيب، وقال: إن كنت تذب عن القول بأن
стр. 377
المصيب واحد فالأولى به إبطال قياس الشبه، وإن قلنا بتصويبهم فلو غلب على ظن المجتهد حكم فى قضية اعتبار الأشباه (١) فهو مأمور به قطعًا عند اللَّه تعالى.
* * *
стр. 378
مسألة (١)
القياس المرسل (٢) ليس بحجة عندنا خلافًا للحنفية.
قال صاحب (٣) الكبريت الأحمر: وهذا الخلاف مبنى على أصل وهو أن المعتبر فى كون الإخالة حجة عند الشافعى المشابهة بين الأصل والفرع فى الأحكام؛ لأنها دليل
стр. 379
على الشبه فى المعانى التى لأجلها تثبت الأحكام والمشابهة تستدعى أصلًا وفرعًا، وعندنا المعتبر فى ذلك اختصاص الفرع بالمعنى المناسب الذى لأجله ثبت حكم الأصل لا لأجله أنه ثبت الحكم لأجله فى الأصل، بل لأجل مناسبته، فإن وجد الأصل فهو القياس المطلق، وهو قياس الإخالة، وإلا فهو القياس المرسل وهو الاجتهاد (١).
* * *
стр. 380
مسألة (١)
اختلفوا فى التعليل بالدوران وهو المسمى بالطرد والعكس.
وحقيقته: أن توجد أمارة غير مناسبة للحكم ولكن يدور معها وجودًا وعدمًا فهل يكون الاطراد والانعكاس تنبيهًا من الشارع على كونه ضابطًا أم لا؟
فقال الأكثرون -كما قاله الكيا الهراسى وابن برهان- ومنهم إمام الحرمين والقاضى أبو الطيب الطبرى: يفيد العلية ظنًا (٢).
وقال بعض المعتزلة: يفيدها قطعًا.
وقيل: لا يفيدها لا قطعًا ولا ظنًا، واختاره القاضى والآمدى وابن الحاجب (٣).
وأصل الخلاف كما قال الكيا مبنى على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين،
стр. 381
ووجهه أنه من جوز ذلك لا يشترط العكس لجواز أن تخلف العلة السببية على علة أخرى، ومن منع اشتراطه؛ لأنه لا يجوز أن تخلف العلة السببية علة أخرى، فلابد إذن من التفاء الحكم.
وقال ابن برهان: هو مبنى على أن التلازم عندنا يجوز أن يستدل به على صحة العلة وعند القاضى لا يجوز.
* * *
стр. 382
مسألة (١)
اختلفوا فى اشتراط العكس فى العلة. وهو: انتفاء الحكم عند انتفاء العلة على مذاهب:
أحدها: أنه لا يجب سواء العقلية والشرعية. وبه قالت المعتزلة، والإمام الرازى (٢)، ونقله الماوردى والرويانى عن أبى على بن أبى هريرة، لكن القاضى نقل الاتفاق على اشتراطه فى العقلية.
والثانى: يجب. وهو قول جمهور أصحابنا (٣).
والثالث: يجب فى المستنبطة دون المنصوصة (٤).
والخلاف يلتفت على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، فإن منعناه واشترطنا الاتحاد فالعكس لازم، لأن الحكم لابد له من علة، وإن جوزناه وكانت له علل فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعضها بل عند انتفاء جميعها.
стр. 383
وقد ذكر الغزالى هذا التفصيل (١) وجعله مذهبًا له فى المسألة.
وقال صاحب الفائق: لا ينبغى أن يقع فيما ذكر خلاف (٢).
* * *
стр. 384
مسألة (١)
مما يقدح فى العلية النقض (٢). وهو: تخلف الحكم عن العلة، ويقال: وجود العلة بدون الحكم.
وقال الحنفية: لا يقدح (٣)، وقيل: يقدح فى المستنبطة (٤) دون المنصوصة، وقيل عكسه (٥)، وقيل غير ذلك (٦).
وورود النقض عليها مبنى على تخصيص العلة، ومذهبنا -كما قال سليم الرازى
стр. 385
فى التقريب - أنه لا يجوز تخصيصها وجوزه الحنفية، فمن منع تخصيصها قبل سؤال النقض، ومن أجازه لم يقبله.
ونقل ابن برهان عن نص الشافعى أن تخصيص العلة باطل.
وهذا الخلاف فى تخصيص العلة يلتفت على تفسير العلة. فإن قلنا: هى الموجب للحكم المؤثر فيه كالعلل العقلية لم يجز تخصيصها، لأن العلة توجب الحكم بمجردها.
قال الغزالى: ولما كثر ممارسة الأستاذ أبى إسحاق للبحث عن العلل والمعلولات العقلية ولم يثبت عنده للعلل الشرعية استعارة (١) إلا منها أثبتها على مثالها وقال بموجبها فلا يتصور الخصوص عنده سواء المستنبطة والمنصوصة (٢).
وإن قلنا: هى الباعث على الفعل جاز التخصيص، لأن جنس البواعث العادية يحتمل الخصوص ولا يعد مناقضًا، فعلى هذا هى علة بعد التخصيص.
قال الغزالى: فهذا منشأ الخلاف (٣). إنما اشتد إنكار فريق على فريق من حيث إنكارهم للتسمية مأخذًا سوى ما اعتقدوه فمنكر خصوص العلة (٤) مستمد من فن الكلام، والقائل بتخصيصها (٥) ملتفت إلى العادات وعليه جرى (٦) نظر الفقه، ومن طريق الكلام أبعد، فلذلك قيل: إن القائل بالتخصيص فقيه محض؛ لأنه يجرد نظره إلى العادات والمعتقدات الظاهرة فنقول لمن (٧) سماه علة: ما الذى عنيت به؟ إن عنيت به وجوب الحكم بمجرده وهذا
стр. 386
حد العلة عندك فهذا بمجرده لا يوجب الحكم دون نوع من الإضافة، وإن عنيت به أن الحكم يعرف بمجرد معرفته دون أن تخطر بالبال الإضافة (١) فهذا على هذا التأويل مسلم، وإذا كان اسم العلة مستعارًا فى هذا المقام فطريق الاستعارة متسع (٢) ولا حجر فيه بعد الإحاطة بالمقصود المتعلق بالقضايا الاجتهادية، وتبين بهذا أن منشأ هذا الخصام العظيم أنهم لم يتفقوا على حد واحد معلوم للعلة، ولو وقع الاتفاق عليه وإن عرض الوصف المذكور فى محل النزاع على ذلك المحك (٣).
قلت: وحاصله صيرورة الخلاف لفظًا، وإليه أشار ابن (٤) الحاجب أيضًا، وليس الأمر كذلك بل يتفرع عليه مسائل:
منها جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين.
ومنها هل ينقطع المستدل بالنقض.
ومنها انخرام المناسبة بمفسد وغير ذلك.
وادعى بعضهم أن هذا الخلاف فى تخصيص العلة يلتفت على الخلاف الكلامى فى أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله.
فإن قلنا: قبله جاز تخصيص العلة. وإن قلنا: معه لم يجز، ووقع فى كلام الغزالى رمز إليه (٥) ووجهه أنا إن قلنا: بأن الاستطاعة سابقة على الفعل كقول المعتزلة
стр. 387
فقد وجدنا ما هو علة للفعل ولا فعل، لمانع، وكذلك يجوز أن توجد العلة ولا حكم لمانع.
وإن قلنا: إنها مقارنة ويستحيل تقدمها على الفعل فلا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم.
ومنهم من بناه على مسألة تصويب المجتهدين، ومن قال بتصويب كل مجتهد يحتاج إلى القول بتخصيص العلة، لأن العلة إذا وجدت ولا حكم تكون منقوضة فيكون المعلل مخطئًا ضرورة.
* * *
стр. 388
مسألة (١)
اختلفوا فى أن الزيادة فى العلة بعد توجيه السؤال عليها هل تقبل (٢)؟
والخلاف يلتفت على تخصيص العلة، فمن جوزه أجازها، ومن منعه منعها. قاله الأستاذ أبو منصور البغدادى فى كتاب معيار النظر.
* * *
стр. 389
مسألة (١)
مما يقدح فى العلة عدم التأثير وعدم العكس، والأول عند الجدليين أعم من الثانى، فإنهم قالوا: عدم التأثير ينقسم إلى ما يقع فى وصف العلة وإلى ما يقع فى أصلها، وجعلوا الواقع فى الوصف هو عدم الانعكاس.
وعرف ابن برهان وصاحب المحصول عدم التأثير بوجود الحكم بدون العلة ولو فى صورة واحدة، وعدم العكس بحصول الحكم فى صورة بعلة أخرى (٢).
فأما الخلاف فى كون عدم التأثير قادحًا فمبنى على أنه هل يجوز تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين؟
فإن قلنا: لا يجوز توجه القدح لأنه إذا لم يوجد الوصف المفروض علة مع بقاء الحكم وليس هو ثابتًا بعلة أخرى قطع بأن ذلك الوصف ليس بعلة.
وإن قلنا: يجوز، وهو مذهب الجمهور كما سيأتى لم يكن قادحًا، وهو اختيار الأستاذ إلى إسحاق، لأن إثبات علة أخرى لا تمنع إثبات علية هذه العلة (٣).
стр. 390
وأما الخلاف فى كون عدم العكس (١) قادحًا فمبنى على أنه هل يمتنع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين؟
فإن قلنا: يمتنع اتجه القدح، لأن النوع باق فيه.