← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150599

سلاسل الذهب

بدر الدين الزركشي

Полный текст (468 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حد العلة عندك فهذا بمجرده لا يوجب الحكم دون نوع من الإضافة، وإن عنيت به أن الحكم يعرف بمجرد معرفته دون أن تخطر بالبال الإضافة (١) فهذا على هذا التأويل مسلم، وإذا كان اسم العلة مستعارًا فى هذا المقام فطريق الاستعارة متسع (٢) ولا حجر فيه بعد الإحاطة بالمقصود المتعلق بالقضايا الاجتهادية، وتبين بهذا أن منشأ هذا الخصام العظيم أنهم لم يتفقوا على حد واحد معلوم للعلة، ولو وقع الاتفاق عليه وإن عرض الوصف المذكور فى محل النزاع على ذلك المحك (٣). قلت: وحاصله صيرورة الخلاف لفظًا، وإليه أشار ابن (٤) الحاجب أيضًا، وليس الأمر كذلك بل يتفرع عليه مسائل: منها جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين. ومنها هل ينقطع المستدل بالنقض. ومنها انخرام المناسبة بمفسد وغير ذلك. وادعى بعضهم أن هذا الخلاف فى تخصيص العلة يلتفت على الخلاف الكلامى فى أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله. فإن قلنا: قبله جاز تخصيص العلة. وإن قلنا: معه لم يجز، ووقع فى كلام الغزالى رمز إليه (٥) ووجهه أنا إن قلنا: بأن الاستطاعة سابقة على الفعل كقول المعتزلة

стр. 387

فقد وجدنا ما هو علة للفعل ولا فعل، لمانع، وكذلك يجوز أن توجد العلة ولا حكم لمانع. وإن قلنا: إنها مقارنة ويستحيل تقدمها على الفعل فلا يجوز أن تكون العلة موجودة ولا حكم. ومنهم من بناه على مسألة تصويب المجتهدين، ومن قال بتصويب كل مجتهد يحتاج إلى القول بتخصيص العلة، لأن العلة إذا وجدت ولا حكم تكون منقوضة فيكون المعلل مخطئًا ضرورة. * * *

стр. 388

مسألة (١) اختلفوا فى أن الزيادة فى العلة بعد توجيه السؤال عليها هل تقبل (٢)؟ والخلاف يلتفت على تخصيص العلة، فمن جوزه أجازها، ومن منعه منعها. قاله الأستاذ أبو منصور البغدادى فى كتاب معيار النظر. * * *

стр. 389

مسألة (١) مما يقدح فى العلة عدم التأثير وعدم العكس، والأول عند الجدليين أعم من الثانى، فإنهم قالوا: عدم التأثير ينقسم إلى ما يقع فى وصف العلة وإلى ما يقع فى أصلها، وجعلوا الواقع فى الوصف هو عدم الانعكاس. وعرف ابن برهان وصاحب المحصول عدم التأثير بوجود الحكم بدون العلة ولو فى صورة واحدة، وعدم العكس بحصول الحكم فى صورة بعلة أخرى (٢). فأما الخلاف فى كون عدم التأثير قادحًا فمبنى على أنه هل يجوز تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين؟ فإن قلنا: لا يجوز توجه القدح لأنه إذا لم يوجد الوصف المفروض علة مع بقاء الحكم وليس هو ثابتًا بعلة أخرى قطع بأن ذلك الوصف ليس بعلة. وإن قلنا: يجوز، وهو مذهب الجمهور كما سيأتى لم يكن قادحًا، وهو اختيار الأستاذ إلى إسحاق، لأن إثبات علة أخرى لا تمنع إثبات علية هذه العلة (٣).

стр. 390

وأما الخلاف فى كون عدم العكس (١) قادحًا فمبنى على أنه هل يمتنع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين؟ فإن قلنا: يمتنع اتجه القدح، لأن النوع باق فيه.

стр. 391

وإن قلنا: يجوز -وهو الصحيح، ونقل الآمدى (١) وغيره الاتفاق فيه- لم يكن قادحًا. هكذا ذكر هذا البناء فى الموضعين البيضاوى فى منهاجه (٢) وهو يقتضى أن هذا غير قادح على الصحيح، ولابن الحاجب طريقة أخرى (٣) فى ذلك بيّنا ما عليها فى - مطلع النيرين (٤). * * *

стр. 392

مسألة (١) يجوز تعليل الحكم الواحد (٢) بالنوع المختلف بالشخص بعلل مختلفة بالاتفاق، حكاه الآمدى (٣) وغيره، وفى كلام بعضهم خلاف فيه وهو ظاهر عبارة المنهاج (٤).

стр. 393

وأما تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلل كتحريم وطء المعتدة المحرم الحائض بهذه الجهات ففيه مذاهب: أحدها: المنع منه مطلقًا. ونقله ابن برهان عن إمام الحرمين وغيره (١). والثانى: جوازه مطلقًا. وهو قول الجمهور. وقال ابن الرفعة فى المطلب: وكلام الشافعى فى كتاب الإجارة عند الكلام على (٢) قفيز الطحان مصرح بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، قال: وهو الذى يقتضيه قول عمر (٣) -رضى اللَّه عنه-: (نعم العبد صهيب (٤) لو لم يخف اللَّه لم يعصه) (٥) إذ تقديره: أنه لو لم يخف اللَّه لم يعصه لإجلاله لذاته وتعظيمه، فكيف وهو يخاف! وإِذا كان كذلك كان عدم عصيانه معللًا بالخوف والإجلال والإعظام. والثالث: يجوز فى المنصوصة دون المستنبطة (٦). . . . . .

стр. 394

وهو اختيار ابن فورك (١) وغيره. والرابع: عكسه (٢). والخامس: أنه جائز غير واقع، واختاره إمام الحرمين، واختلف كلام الغزالى فى الوسيط والمستصفى. وقال فى شفاء الغليل: هذا الخلاف ينبنى على تفسير العلة. فإن قلنا: إنها بمعنى الباعث والداعى إلى الفعل جاز تعدد العلل، وكذلك إن قلنا: بمعنى العلامة، وإن قلنا: إنها بمعنى الموثر الموجب للشىء أو راعينا النظر امتنع، إذ لا يجوز إثبات الحكم الواحد فى محل واحد بعلتين كالعالمية الحاصلة للذات بشىء واحد، لا يجوز أن تكون بعلمين، فكما لا يجوز أن يحدث شىء واحد من جهة محدثين لا يجوز أن يقع المعلول الواحد بعلتين، لأن من ضرورة إضافة الحادث إلى محدث قطعه عن الآخر، قال: واللائق بمسلك الأستاذ أبى إسحاق فى مصيره إلى استحالة تخصيص العلة جريانها على العلل العقلية أن يمنع اجتماع العلتين (٣).

стр. 395

وقال فى المستصفى: الصحيح عندنا جواز تعليل الحكم بعلتين، لأن العلة الشرعية علامة ولا يمتنع نصب علامتين على شىء واحد، وإنما منع هذا فى العلل العقلية (١). وبنحو هذا ذكر البناء ابن برهان، وخالف الآمدى فى بعضه فقال فى مصنفه فى الجدل: إن كانت العلة بمعنى الباعث امتنع أن يكون للحكم الواحد فى المحل الواحد من جهة واحدة باعثان، وإن أضيف الحكم إلى أحدهما فالآخر ليس بباعث. * * *

стр. 396

مسألة (١) من القوادح فى العلة الفرق (٢) عند جماهير الفقهاء (٣) خلافًا لطوائف من الأصوليين، وفصل إمام الحرمين بين أن يلحق الجامع بالطرد ولولاه لكان الجمع فقهيًا (٤) فيقبل وإلا فإن تعارضا تبع المخيل فالأخيل، فإن استويا فهل هما كالعلتين المتناقضتين أو يقدم الجمع لوقوع الفرق بعده فيه احتمالان. واعلم أن الفرق ضربان:

стр. 397

أحدهما: أن يجعل المعترض بغير أصل القياس علة لحكمه كقولنا: النية فى الوضوء واجبة لأنها طهارة عن حدث فوجب، كالتيمم، والجامع أنهما طهارتان، فأنى يفترقان؟ فيقول الخصم: الفرق ثابت بين الأصل والفرع، فإن العلة فى الأصل خصوصيته التى لا تعدوه، وهو كونه ترابًا. قال الجمهور: وكون هذا القسم من القوادح مبنى على منع تعليل الحكم الواحد بعلتين فإن جوزناه لم يك قادحًا إذ لا امتناع فى إبداء معنى آخر فيقول المستدل: الحكم فى الأصل معلل بعلتين إحداهما الفرق والأخرى المشترك، فإن اجتمعا ترتب الحكم على الأول، وإن انفردت إحداهما ترتب الحكم عليها، فعدم إحداهما مع وجود الأخرى لا يضره. ونازع القرافى فى هذا البناء وقال: السؤال لازم على المذهبين فى الجملة (١). وقال فى البرهان: القائل بأن الحكم يعلل بعلتين لا يلزم منه أن يكون ذلك جوابه عن الفرق بل عليه أن يبين عدم إشعاره بإثارة الفرق وترجيح مسلك الجامع من طريق الفقه (٢). قلت: وينبغى أن يكون قبول هذا القسم مبنيًا على الخلاف فى جواز التعليل بالمحل أو بالعلة القاصرة وفيه دقة (٣). الضرب الثانى: أن يجعل تعيين الفرع مانعًا من ثبوت الحكم فى الأصل فيه كقولهم: يقاد المسلم بالذمى قياسًا على غير المسلم بجامع القتل العمد العدوان

стр. 398

فنقول: الفرق أن تعيين الفرع وهو الإسلام مانع من وجوب القصاص عليه، وقبول هذا الضرب أيضًا مبنى على أدق النقض مع المانع هل يقدح؟ فإن قلنا: يقدح. قبلناه وإلا لم نقبله (١). * * *

стр. 399

مسألة (١) إذا كان الفارق معنى من الفرع يضاد الجامع هل يشترط رده إلى أصل يشهد له بناء على قبول الفارق؟ اختلف الجدليون فى اشتراطه على قولين (٢). وحكاهما الإمام أيضًا فى البرهان قال: ومنشأ الخلاف الاعتماد على أن القول بالاستدلال صحيح، وهذا هو قد استدل بعدم العلة على عدم الحكم فلا يلزمه إبداء أصل، ولا يحتاج لذلك فى الأصل، فإن الخصم مسلم صحة الاستدلال بما فى الأصل، ومن منع الاستدلال وجعله معارضة اشترط فيه ذلك، ثم القائلون بالاشتراط ذهب فريق منهم إلى أن الفارق الذى يبديه المعترض فى الأصل لابد له من رده إلى أصل أيضًا فيحتاج الفرع والأصل أصلين.

стр. 400

وهذا قول من ينكر الاستدلال ولا يراه حجة، وقيل: يشترط فى الفرع دون الأصل، وقيل: لا يشترط مطلقًا بناء على أن الغرض مضادة الجامع هذا إذا أبدى معنى فى الاْصل وعكسه فى الفرع، فإن أبدى فى الفرع، فاختلف الجدليون فيه بناء على أن الفرق هل هو معارضة أم لا؟ وفيه قولان: أحدهما: قول الأستاذ أبى إسحاق، وابن سريج إنه ليس بمعارضة العلة بعلة أخرى مستقلة، والمعارضة عندهما مقبولة، وأصحهما ونقله الإمام عن المحققين: أنه وإن اشتمل على المعارضة لكنها غير مقصودة. فإن قلنا: إنها معارضة لم يمنع الزيادة. وإن قلنا: إنه معنى يضاد الزيادة اكتفى بإثباته فى الأصل ونفيه فى الفرع، وهذه الزيادة فى الفرع ليس لها فى جانب الأصل ثبوت فلا حاجة إليها. * * *

стр. 401

مسألة (١) الفرق بضرب من ضروب الشبه فى صحته وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق فى الملخص قال: وهما مبنيان على جواز قياس الشبه، فإن لم نجوزه لم يفرق بذلك، وإن جوزناه جاز الفرق بذلك. * * *

стр. 402

مسألة (١) المعارضة (٢) فى الأصل بما هو مستقل بالتعليل كمعارضة الكيل بالطعم فى الربا، أو غير مستقلة على أنه جزء العلة، كزيادة الجارح إلى القتل العمد العدوان فى مسألة القتل بالمثقل، اختلف الجدليون فى قبوله على قولين (٣) مبنيين على جواز التعليل بعلتين فمن منع منعه، ومن جوزه جوزه. * * *

стр. 403

مسألة (١) المعارضة فى الفرع بما يقتضى نقيض حكم المستدل بنص أو إجماع أو مانع أو عدم شرط. اختلفوا فى قبوله بناء على أن شأن المعترض أن يكون هادمًا لا بانيًا وقبله الأكثرون، لأنه طريق إلى الهدم، والخلاف فى قبوله مبنى على مسألة أخرى وهى أنه هل يجب على المعترض (٢) نفى ما أبداه معارضًا فى الأصل عن الفرع وفيه مذاهب: أحدها: لا يجب لأنه إن كان فى الفرع افتقر المستدل إلى بيانه فيه ليصح الإلحاق وإلا بطل الجمع. والثانى: لابد من نفيه عن الفرع، لأن الفرق لا يتم إلا بذلك. والثالث: وهو المختار (٣) أنه إن قصد الفرق فلابد من نفيه وإلا فلا، لأنه يقول: إن لم يكن موجودًا فيه فهو فرق وإلا فالمستدل لم يذكر إلا بعض العلة (٤). فإن قلنا بالثانى، اتجه سؤال المعارضة فى الفرع. * * *

стр. 404

مسألة (١) اختلف فى جواز التعليل بالمحل أو جزئه (٢) على ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز فيهما. والثانى: المنع فيهما. والثالث: واختاره الآمدى المنع فى المحل والجواز فى جزئه (٣). والخلاف كما قاله الهندى يلتفت على الخلاف فى جواز التعليل بالقاصرة بل هو هو، فإن جوز ذلك جاز هذا وإلا فلا، ولها التفات آخر على تفسير العلة (٤). * * *

стр. 405

مسألة (١) ذهب أصحابنا كما قاله ابن برهان إلى جواز (٢) القياس على الحكم الثابت بالقياس خلافًا (٣) لأبى بكر الصيرفى منا والحنفية، كما إذا نص الشارع على منع بيع البر بالبر، فعللناه بعلة وهى الطعم، وألحقنا به الأرز فهل يجوز أن يستنبط من الأرز علة، ويلحق به غيره، قاله ابن برهان. والمسألة مبنية على تعليل الحكم بعلتين. فعندنا يجوز، وعند المخالف لا يجوز. انتهى، وفيه نظر ظاهر (٤).

стр. 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 407

مسألة (١) التعليل بالوصف المنفى عندنا جائز (٢) خلافًا لبعض المتكلمين (٣) وهى مبنية على أن العلل الشرعية عندنا أمارات، وعندهم موجبات، فإن قلنا: أمارات فلا امتناع فى جعل العدم أمارة، وإن قلنا: موجبات امتنع لأن العدم لا يؤثر فى الموجود (٤). * * *

стр. 408

مسألة (١) يجوز أن يجعل الاسم علة للحكم كما قاله سليم فى التقريب، ونقله عن أكثر العلماء قال: وسواء فى ذلك المشتق كقولك: قاتل وسارق، والاسم الذى هو لقب كقولك: حمار وفرس (٢). قال الشافعى فى بول ما يؤكل لحمه: لأنه بول يشابه بول الآدمى، ومن الناس من قال: لا يجوز أن نجعل الاسم علة مطلقًا (٣)، ومنهم من جوزه فى المشتق دون اللقب (٤). وممن حكى الخلاف كذلك الشيخ أبو إسحاق فى اللمع (٥) أيضًا. والخلاف يلتفت على أن العلل الشرعية أمارات أو موجبات. فإن قلنا: أمارات فلا امتناع فى جعل الاسم علمًا على الحكم كالصفة.

стр. 409

وإن قلنا: موجبات فلا، إذ لا يستفاد منها المعنى. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادى فى كتاب "معيار النظر": التعليل بالاسم مبنى على الخلاف فى التعليل بالحكم (١). وقد منع منه المتأخرون وأجازه أكثر القائسين، ونقله عن الشافعى قال: فمن منع التعليل بالحكم منع التعليل بالاسم، ومن أجاز ذلك أجاز هذا، ولهذا قلنا: إن بيع الكلب المعلم فاسد، لأنه كلب كغير المعلم، وقال مالك فى زكاة العوامل: إنها نعم كالسوائم، وقال أهل الرأى: لا تكرار فى مسح الرأس لأنه مسح كالتيمم. * * *

стр. 410

مسألة (١) التعليل بالوصف المركب (٢) جائز عند الجمهور (٣)، وقيل بالمنع (٤) وحكاه فى المحصل (٥) عن أصحابنا، وأصل المسألة أن الأشاعرة لا يقولون بعلية العلم بالمقدمات للعلم بالنتيجة على سبيل إجراء العادة، والمعتزلة يوجبون ذلك على طريق التوليد (٦). فإن قلنا بالأول جاز التعليل بالمركب، وإن قلنا بالثانى امتنع لامتناع التوليد عن مركب كذا قيل وفيه نظر.

стр. 411

مسألة (١) هل يجوز تعليل الشىء بجميع أوصافه (٢)؟ فيه خلاف حكاه القاضى عبد الوهاب فى الملخص وقال: الخلاف فيه يلتفت على الخلاف فى أن شرط العلة التعدى. فإن قلنا: إنه شرط فيها وأن العلة المقصورة لا تكون. امتنع التعليل بجميع الأوصاف ضرورة قصر الحكم على تلك الأوصاف المختصة. وإن قلنا: إن التعدى ليس بشرط، فاختلفوا. فقيل: لا يصح لأن حق العلة أن تكون مؤثرًا، ولابد أن يكون المؤثر بعض الأوصاف دون بعض، ولو اتفق أن يكون حميعها مؤثرًا لجاز ذلك، وقيل: يصح ذلك لأن أكثرها (٣) فيه أن لا يتعدى وذلك لا يمنع صحتها. * * *

стр. 412

مسألة (١) إذا كان الحكم فى الفرع منصوصًا فهل يستعمل فيه القياس؟ فيه خلاف. والأكثرون كما قاله فى المحصول (٢) على جوازه لجواز توارد الأدلة على مدلول واحد. وأصل الخلاف أن النظر (٣) هل يضاد العلم (٤) بالمنظور فيه؟ فقالت المعتزلة: لا يجامعه ولا يضاده. وقال أصحابنا: يضاده إذ من المستحيل طلب العلم بما هو عالم به، فعلى هذا إذا استدل على شىء بدليل ثم أريد الدلالة عليه بآخر فلا يصح النظر

стр. 413

فى الدليل الثانى إلا بعد الذهول عن الدليل الأول إن منعنا اجتماع نظرين فى حالة واحدة سواء كانا مثلين أو خلافين، وإن جوزناه وهو الأصح فالنظر فى الثانى ليس استدلالًا على صحة المدلول بل نظر فى نفس الدليل هل هو صحيح يفضى إلى العلم أم لا؟ فالنظر إنما هو فى وجه دلالة الدليل الثانى وهذا ليس بحاصل (١). * * *

стр. 414

مسألة (١) هل يلزم المسئول تعميم الجواب إذا كان السؤال عامًا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه (٢). لأنه قد يكون له غرض فى الاقتصار على البعض لأن جوابه فيه أظهر، أو لأنه لا يعلم حكم ما أمسك عنه فيجيب بقدر ما علم. والثانى: يلزمه ذلك. وحكاه الجدليون عن الأستاذ أبى بكر بن فورك. والخلاف ينبنى على مسألة أخرى وهى جواز الفرض (٣) للمجيب، فى جوازه قولان (٤). وصورة الفرض أن السؤال فى مسألة تقع فى فصول

стр. 415

متعددة فتعين منها مثل القتل بالمثقل فتفرض فى الضربة الواحدة بالعصا الصغيرة، أو عن قتل المسلم بالذمى فيفرض فى المستأمن، والمانعون قالوا: الخاص فاسد، لأن الجواب تجب مطابقته للسؤال إذ الخاص لا ينتصب دليلًا على العام فيتصدق القول بالفرض، ثم اختلفوا فى أنه يفرض فى الجواب أو الدليل. فقيل: يفرض فى الدليل ويعمم فى الجواب لجواز أن يكون فى صورة دليل على حدة والمحل لا يحتمل ذكر الكل، وهذا إذا وقع الفرض فى التوبة (١) الأولى، فأما إذا تكلما توبة (٢) ثم رام المجيب الفرض هل له ذلك؟ فيه تفصيل، وهو إن كان دليله يجرى فى كل صورة فلا يمكن، وإن كان لا يتأتى فيه (٣) صورة واحدة فهو يذكره لكونه فرض الكلام فى تلك الصورة. * * *

стр. 416

الكتاب الخامس فى دلائل اختلف فيها مسألة (١) اختلف أصحابنا كما قاله الماوردى والرويانى فى أن أصول الأشياء، أهى على الحظر أم الإِباحة، وفرع عليها حكم الشعر المشكوك فى طهارته ونجاسته. ونازعه الشيخ ابن الرفعة وقال: هذا الخلاف يتفرع على القول بالتحسين والتقبيح، ونحن لا نقول به، أى: فلا يحسن التفريع عليه، وهذا عجيب منه، لأن الخلاف أن الأصل فى المنافع الإباحة، إنما هو فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، وتلك المسألة فيما قبل الشرع، وكأن ابن الرفعة توهم اتحادهما وليس كذلك، والترجيح أيضًا مختلف فيهما، ففيما قبل الشرع الراجح التوقف، وفى هذه الراجح الإباحة، وهو قول أصحابنا (٢).

стр. 417

قلت: ويتجه أن يبنى على هذه المسألة خلاف آخر حكاه الماوردى أيضًا فى كتاب الصيد فقال: إذا تعارض ما يوجب الحظر والإباحة اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من سوى بينهما واعتبر ترجيح أحدهما بدليل آخر، ومنهم من غلب الحظر، وهو قول الأكثرين. انتهى. ولك أن تقول: مما يرجح قول الأكثر أن الدليل المحرم فيه كررت المفسدة وعناية الشارع والعقلاء بدرء المفاسد أكثر من اعتنائهم بجلب المصالح. * * *

стр. 418

مسألة (١) استصحاب الحال لأمر وجودى أو عدمى. عقلى أو شرعى حجة عند أكثر أصحابنا، منهم المزنى، والصيرفى، والغزالى (٢). خلافًا لأكثر الحنفية والمتكلمين كالبصرى (٣) وغيره، ومنهم من جوز الترجيح (٤) به فقط. وبنى بعضهم الخلاف فيه على الكلام فى بقاء الأعراض، وفى كلام الأستاذ أبى

стр. 419

منصور بناه على الخلاف فى حكم الأشياء فى العقل قبل ورود الشرع. فمن قال إنها على الإباحة استصحب الحال فى كل ما يراه مباحًا، فلا يحظره إلا بدلالة ومن زعم أنها على الحظر استصحب الحال فى المحظورات، فلم يبح شيئًا إلا بدلالة، ومن توقف لم يستصحب فى شىء حالًا بحال، ولم يثبت فى شىء حظرًا ولا إباحة ولا وجوبًا إلا بدليل شرعى. ونقل سليم الرازى أنه لا خلاف فى أن الاستصحاب العقلى يجب القول فيه مثل أن يدل الدليل على أن الأشياء كانت على الحظر أو على الإباحة قبل ورود الشرع بذلك، فيستصحب هذا الأصل حتى يدل الدليل الشرعى على خلافه، واختلفوا فى الشرعى مثل أن يثبت الحكم بإجماع ثم يقع الخلاف فى استدامته كالمتيمم إذا رأى الماء فى حال الصلاة، والحائض إذا جاوزها عشرة أيام. فذهب شيوخ أصحابنا إلى استصحاب (١) حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه. وذهب الحنفية والظاهرية ومتكلمو الأشعرية والمعتزلة إلى أنه غير جائز والحكم يزول بالاختلاف حتى يدل الدليل على بقائه. * * *

стр. 420

مسألة (١) اختلفوا فى أنه هل يجوز أن يفوض اللَّه تعالى حكم حادثة إلى رأى نبى من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- أو عالم فيقول له: احكم بما شئت فهو صواب، ويصير إذ ذاك قوله من جملة المدارك الشرعية؟ فذهب جمهور المعتزلة إلى استحالته (٢). وقال ابن برهان -فى الأوسط-: مذهبنا جوازه (٣). وقيل: يجوز ذلك للنبى دون العالم (٤). واختاره ابن السمعانى، وذكر أن كلام الشافعى فى الرسالة يدل له (٥). ونقل فى المحصول عن الشافعى أنه توقف (٦). أى: فى الوقوع.

стр. 421

وقال الآمدى: نقل عن الشافعى فى كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع (١)، ولكن الثانى أثبت نقلًا وعليه جرى الأصوليون من الشافعية. وقال أبو الخطاب الحنبلى (٢) -فى التمهيد (٣) -: المنقول عن الشافعى فى الرسالة أنه لما علم اللَّه تعالى من نبيه ﵇ أن الصواب يتفق منه جعل ذلك إليه ولم يقطع، بل جوزه وجوزه غيره. وقال بعض المحققين من أصحابنا: لا يصح عن الشافعى وكلامه فى الرسالة مؤول بجواز الاجتهاد لا بهذه المسألة. إذا عرف هذا. فالخلاف فى هذه المسألة يلتفت على أنه ﵇ هل كان له أن يجهد أم لا؟ فإن قلنا: له ذلك، وهو الأصح جاز أن يختار ما خطر بباله ويكون صوابًا، لأن اللَّه تعالى أخبره بذلك (٤).

стр. 422

جعل ابن برهان الخلاف يلتفت فى هذه المسألة على أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى أو لأنفسهم ولم يتضح لى وجهه. * * *

стр. 423

مسألة (١) نقل عن الشافعى الأخذ بأقل ما قيل إذا لم يجد الدليل على غيره كدية (٢) اليهودى، والأخذ به مبنى على أصلين. أحدهما: التمسك بالإجماع على الأقل. والثانى: بالبراءة الأصلية على نفى الزائد، ومن ثم ينبغى لمن وافق على التمسك بكل من الأصلين أن لا يخالف فى الأخذ (٣) بأقل ما قيل.

стр. 424

الكتاب السادس فى التعادل والترجيح (١) مسألة (٢) إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلًا آخر فقيل: يتوقف، وقال القاضى: مخير، وقيل: يتساقطان، وقيل: يؤخذ بالأغلظ.

стр. 425

والخلاف يلتفت على أنه يجوز تكافؤ الأدلة. أى: هل يصح أن يعتدل عند الجمهور الرأيان ويتعارض المعنيان حتى لا مزية لأحدهما؟ فذهب الكرخى إلى أنه لابد وأن يكون أحد المعنيين أرجح ولا يجوز تقدير اعتدالهما. وهو الظاهر من مذاهب عامة الفقهاء (١). وبه قال العنبرى (٢). وقيل: إن ذلك جائز وهو مذهب أبى على، وأبى هاشم، ونقل عن الشافعى (٣). هكذا نقل الكيا الهراسى فى كتاب التلويح الخلاف، ثم اختار قول الكرخى. وقال ابن برهان: الدليلان عنده لا يتعارضان، بل لابد من الترجيح. وذهب أبو على، وأبو هاشم الجبائيان إلى القول بتكافؤ الأدلة وتعادلها فى المحل الواحد، ويكون حكم اللَّه تعالى التخيير، قال: ومنشأ الخلاف أن الحق عندنا فى جهة واحدة، وعندهم المطالب متعددة.
следующие страницы →