← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لا محلّ لها مذكُورة في الحديث الأوّل من الكتاب. وجملة "نهى عن صيامهما": في محلّ صِفَة لـ "يَومَان". والإشارة [إلى] (١) يَوْمَي العِيد وإنْ لم يتقَدّم لهما ذِكْر، إلّا أنّهما معْلُومَان [بالكلام] (٢). (٣) قوله: "يومُ فِطْركم": يجوزُ في "يوم" الجر على البَدَل من الضّمير المخفُوض بالإضافة. ويجوزُ فيه الرّفع، بتقدير مُبتدأ، أي: "هما يوم. . .". ويجوز الرفع على أنّهما بَدَل من "يومان". و"من صيامكم": يتعلّق بـ "فِطْركم"؛ لأنه اسم للمَصْدَر. "واليَومُ الآخَرُ": معْطُوفٌ على " [يَوْم] (٤) ". فإنْ كَانا بَدَلًا من الأوّل - وهو "يَوْمَان"، وهو الظّاهر - كانا مَرفُوعَين. وإنْ كَانَا بَدَلًا مِن الضّمير المجرور فهُما مجروران. و"اليوم" مُبتدأ، و"الآخَر" صِفَته، و"تَأكُلُون" جملة في محلّ خَبر "اليوم". ويحتمل أن يكُون "واليوم الآخَر" مجرورًا، بالعَطْف على "يوم فِطْركم". وتكُون جملة "تأكلون" في محلّ الحَال، والحالُ مُقَدّرَة؛ لأنّها غير مُقَارنة. ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "لتَأكُلوا فيه"، ثُمّ حُذِفَت "لام" "كَي"؛ فارتَفَع، كما قيل في قَوله: أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... . . . . . . . . . . (٥)

стр. 1017

[وقوله] (١): "ولَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَحِدُّ" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: "أنْ تحدّ"، و"أنْ يُريكم". (٣) و"هَذَان": عَلامَةُ الرّفع فيه "الألِف"؛ لأنّ الأسْماءَ [المبهَمَة إذا] (٤) دَخَلتها عَلامة التثنية أُعربت كسَائر الأسْماء المعْرَبة. وقَد جَاءَت في حَالة النّصب على هذه الصيغة في قَوله تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وخَرّجوه على ستة أوْجُه، منها ما هو قريبٌ، ومنها ما هو بَعيد؛ فلينظر هنالك من كُتب الإعراب. (٥)

стр. 1018

الحديث [السّابع] (١): [٢٠٠]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنْ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ". (٢) قوله: "عن صَوم يومين": يتعلّق بـ "نهى". و"نهى" وما بعده في محلّ نصْب بالقَول. قوله: "الفِطْر والنّحر": بَدَل مِن "يَومَين"، والتقدير: "صوْم يَوم الفِطْر، وصَوْم يَوم النحر". قوله: "وعَن الصّمّاء": أي: "عَن اشتمال الصمّاء". وقَد فُسّر بأنّه: "الذي يشتمل بالثوب، يستر به جميع جَسَده، بحيث لا يتركُ فُرجَة يُخرِجُ منها يَده". واللفظُ مُطَابقٌ لهذا. (٣) والعَرَبُ تقُول: "اشتمل الصّمّاء"، وهو "يعْدُو المَرَطَى"، و"يعدُو الجَمَزَى"، عَدّوها مَصَادر لبيان النّوع. (٤) قوله: "وأنْ يحتبي": التقدير: "وعَن أنْ يحتبي الرّجُل"، فيكُون محلّ "أنْ" إمّا نَصْب أو جَرّ، على الخلافِ في ذلك.

стр. 1019

والألِف واللام في "الرّجُل" لبيان الجنس. [قوله] (١): "في الثّوْب الوَاحِد": يحتمل أنْ تكُون "في" هُنا بمَعنى "البَاء"، كَما جَاءَ في قَوْله تَعَالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، أي: "يُكَثّركم به". (٢) ويتَعَلّق حَرْفُ الجرّ بـ "يحتبي". وجَاءَ في بَعْض الرّوَايات: "لَيْسَ على فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٣)؛ فتكُون [الجملة] (٤) في محلّ الحال من "الثّوب"، أو فَاعِل "يحتبي". قوله: "وعَن الصَّلاة بعْد الصُّبح والعَصْر": يعني: "نهى عن الصّلاة بعد الصّبح والعَصْر". والتقدير: "بعد صَلاة الصّبح، وبعْد صَلاة العَصْر". الحديث [الثّامِن] (٥): [٢٠١]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٦). قوله: "مَن صَام": "مَنْ" شَرْطيّة، في موضع رَفْع بالابتداء، خَبرها في فعلها. وقيل: في جوابها. وقيل: فيهما. (٧) وتقَدّم الكَلامُ عَليها في العَاشِر مِن أوّل الكتاب،

стр. 1020

وتقَدّم في الرّابع منه ذِكْر أقسَامها. و"صَام": مِن الأفْعَال اللازِمَة، وأصْله: "صَوم"، تحرّكَت "الواو" وانفَتَح مَا قَبْلها؛ فَانقَلَبَت أَلِفًا. (١) "يَوْمًا": مفعُولٌ على السّعة، العَامِلُ فيه "صَام". وتقَدّم الكَلامُ على "اليوم" في الحديث الثّالث من "الاستطابة". و"في سَبيل الله": يتعلّق بـ "صَام"، أو بصِفَة لـ "يوم". والإضَافةُ في " [سَبيل] (٢) الله" إضَافَة تخصيص. (٣) و"السّبيلُ": "الطريقُ"، يُذَكّر ويُؤَنّث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، فذَكّروا ما هُنا. فـ "سَبيلُ الله": "دِيْنُه". (٤) والظّرْفيّة هُنا مَجَازيّة. وتقَدّم الكَلَامُ على أقْسَام "في" في الحديثِ الرّابع مِن أوّل الكتاب.

стр. 1021

قوله: "بَعّدَ اللهُ وَجْهَه": جَوَابُ الشّرْط. قوله: "عَن النّار": يتعَلّق بـ "بَعّدَ". و"النّار" أصْلُها "نور"، تحرّكَت "الواو" وانفتح ما قَبْلها؛ فقُلبت ألِفًا. وهي مُؤَنّثة. والجمْعُ: "نور" و"أنوار" و"نيران"، انقَلَبَت "الواو" "يَاءً" [لكَسْر] (١) مَا قَبْلها. (٢) قوله: "سَبْعين": ظَرْفُ زَمَان؛ لأنّه عَدَد زَمَان. وظَرْفُ الزّمَان: اسمُ الزّمان أو عَدَده وما أُضيف إليه أو ما قَام مَقَامه. (٣) و"خَريفًا": منصوبٌ على التمييز عَن تمام الاسم. (٤) والأعْدَاد من "العشرين" إلى "التسعين" أسْماءُ جُمُوع، وليست بجَمْع سَلامَة، ولكنّها أُعربت إعراب جمع السّلامة. (٥) والعامِلُ في التمييز اسمُ العَدَد، شُبّه بـ "ضَارِبِين"، ولا يتقَدّم التمييزُ عَليه (٦) إجماعًا، ولا يُفصَل بينهما إلا في ضَرورة (٧)، كقوله:

стр. 1022

على أنَّنِي بَعْدَمَا قَدْ مَضَى ... ثَلاثُونَ للِهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا (١) ولا يتعرّف التمييز، خِلافًا لبعض الكُوفيين وأبي الحسن ابن الطراوة. وما حَكَاه "أبو زيد" من قَول العَرَب: "ما فَعَلَتِ العشرون الدّرهم؟ " من المحمُول على زيادة "ال" (٢)، وتقَدّم الكَلامُ على ذَلك في الأوّل من "باب المرور بين يَديّ المصَلّي". ***

стр. 1023

باب لَيْلَة القَدْر الحديث الأوّل: [٢٠٢]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ؛ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (١). قوله: "أنَّ رِجَالًا": فُتحت "أنّ"؛ لأنها في محلّ مفعُول لم يُسَمّ فاعله لمُتعلّق "عَن"، [وهُو] (٢): "رُوي". وقوله "رِجَالًا": جمعُ تكسير لـ "رَجُل". قال في "الصّحاح": "الرّجُل" خلاف "المرأة". والجمْعُ: "رِجَال" و"رِجَالَات" - مِثْل: "جِمَال" و"جِمَالات" - و"أرَاجِل". وتصْغيرُ "رَجُل": "رُجيل"، و"رُوَيجل" أيضًا على غَير قياس، كأنّه تصْغيرُ "رَاجِل". (٣) قوله: "من أصْحَاب": يتعَلّق بصِفَة لـ "رِجَال". قوله: "أُرُوا": أصْلُه "أريوا"، فاستُثقلت الضمّة على "اليَاء"، وقبلها كَسرة؛ فحُذِفَت الضمّة، وتبعتها "الياء"، ثم ضُمّت "الرّاء" لأجْل "الواو". (٤) وهو مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، ومفْعُوله القَائِم مَقَام الفَاعِل الضّمير، وهو "الواو". والرّؤية هُنا اختُلِف فيها، فقَالَ ابنُ هِشام: الرّؤية مَصْدَر "رأى" الحِلْميّة عند ابن مَالك والحريري. (٥)

стр. 1024

قَالَ: وعِنْدي: لا تختَصّ بها، لقَوله تعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً﴾ [الإسراء: ٦٠]، قَالَ ابنُ عَبّاس: "هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ" (١)؛ فدَلّ ذلك على أنّه مصْدَر الحِلْمية والبَصَريّة. (٢) قال: وقد ألحَقُوا "رأى" الحِلْميّة بـ "رأى" العِلْميّة في التعدّي لاثنين. (٣) قُلتُ: وجَعَلها أبو البقاء وجماعة بَصَريّة؛ فعلى هذا تتعَدّى إلى واحد، وتُنقَل بالهمزة إلى الثّاني، فيكُون الثّاني هُنا: "ليلة القَدْر". وقد انتقل على أصْله من الظرفية إلى المفعُولية؛ لأنّهم لم يروا فيها، إنّما رَأوها نفْسها، بمعنى ألْقَاهَا الله في قُلُوبهم. (٤) وذَهَب ابنُ مالك إلى أنّ الحِلْميّة تتعَدّى إلى مفْعُولين، كالعِلْميّة. قَال ابنُ مَالك في "التسهيل": وأَلحَقُوا بـ "رأى" الحِلْميّة العِلْميّة. (٥) وعلى هذا يكون "أُروا" اتصل به مفعوله الأوّل، و"ليلة القَدْر" المفعول الثاني، والثّالث محذُوفٌ، أي: "أُروا ليلة القَدْر موجُودة"، وفيه نَظَر؛ لأنّ "موجُودة" هي خبر عن "ليلة"؛ فينبغي أنْ يمتنع على ما رَتّبته مُفصّلًا في حَذْف أحَد مفعُولي مَا يتعَدّى إلى ثَلاثَة.

стр. 1025

فقُلتُ في تحصيل ذلك واختصاره: أنّه لا يخلو مِن أنْ تُحذَف الثّلاثة [كُلّها] (١)، أو اثنان منها، أو يحذف واحد ويبقى اثنان. فإنْ حُذفت الثّلاثة: جَاز اختصارًا واقتصارًا. ومعنى الاختصار: أنْ يكُون في الكَلام ما يَدُلّ عَليه، نحو قولك: "أعْلَمْتُ" في جَوابِ مَن قَالَ لك: " [أعْلَمْتَ] (٢) زَيدًا عَمرًا قَائمًا؟ ". [والاقتصارُ] (٣): أنْ تقُول: "أعْلَمْت"، لا تُريد بأنْ يَعْلم المخَاطب أنّه وَقَع منك إلّا علم لا غير. وأمّا حَذْفُ اثنين [منها أو] (٤) واحد: فجَائزٌ على الاختصار. وأمّا على الاقتصار: فغيرُ جَائز. قَالَ ابنُ عصفور (٥): هَذا مَذْهَبُ سيبويه. [وأمّا] (٦) غير سيبويه: فإنّه أجَاز ما لم يُؤَدّ إلى بَقَاء أحَد المفعُولين اللّذين أصلهما المبتدأ والخبر؛ فأجازوا: " [أعْلَمْتُ] (٧) زَيدًا" إذا قَدّرته المفعُول الأوّل. فَإنْ قَدّرته الثّاني [أو] (٨) الثّالث لم يجز؛ لأنّ [أصْلهما] (٩) مُبتَدأ وخَبر، ولا يُحذَفُ المسنَد دون المسنَد إليه، ولا العَكْس.

стр. 1026

وكذلك أجَازوا: "أعْلَمْتُ زَيدًا قَائمًا" إذا كَانا في الأصْل المبتدأ والخبر. فإنْ قَدّرت أحَدهما المفعُول الأوّل، والآخَر أحَد المفعُولين اللّذين أصلهما مبتدأ وخبر [لم يجز] (١). (٢) إذا ثبت ذلك: فإنْ كانت الرّؤية الحِلْميّة كالعِلمية تعَدّت إلى ثَلاثَة، وكان المحذوفُ الثّاني من اللّذين أصلهما المبتدأ والخبر اقتصارًا؛ فيجري فيه الخلاف المتقَدِّم. وإنْ كانت الرّؤية الحِلْمية كالبَصَريّة: جَاز لك حَذْفهما أو أحدهما اختصارًا واقتصارًا، كباب "أعْطى" (٣). وكَانا في الحديث مَذْكُورَين مِن غير حَذْف، فالأوّل ضَمير المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله، والثّاني "ليلة القَدْر"؛ إذ أصْله أنْ يتعَدّى لوَاحِد،

стр. 1027

ويُعَدّى بالهمزة إلى اثنين، كما تقَدّم. و"القَدْر": مَصْدَر "قَدَر يَقْدِر قَدرًا". وسُمّيت "ليلة القَدْر"؛ لأنّ الأرْزَاق تُقَدّر فيها وتُقْضَى، كَذا قَالَ "ابنُ الأثير". ويجُوزُ في "دَالِهِ" الفَتْحُ، وهو الأصْلُ. (١) قوله: "في المنام": يتعلّق بـ "أُروا". قوله: "في السبع الأواخر": بَدَل من "في المنام"، وفيه نَظَر؛ لاختلاف المعنى بين البَدَل والمبْدَل منه، إلا أنْ تقُول: إنّه بَدَل اشتمال. وإنما قُلنا: إنّه بَدَلٌ؛ لأنّه لا يصحُّ تعلّقه بـ "أُروا"؛ لأنّ جرًّا في جَرٍّ لمعنى (٢) [لا] (٣) يتعَلّقَان بعَامِلٍ واحِدٍ، ولأنّهم لم يَرَونَها في السّبع، بَل رأوا وجُودها في السّبع. ويحتمل أنْ يتعَلّق بحَال، أي: "أُروا ليلة القَدْر موجودة - أو كائنة - في السَّبْع الأوَاخِر". (٤) و"الأوَاخِر": صفة للسّبع، وإنْ كَان مُفردًا؛ لأنّه اسم جمع، واسمُ الجمع يُوصَف بالجمع؛ لأنّه بمَعْناه. (٥) قوله: "فقال رسُول الله ﷺ : أرَى رُؤياكم": "أرى" من رُؤية العِلم، [تُعَدّى] (٦) إلى مفعُولين، الثّاني: جملة "قد تَوَاطَأت". والهمزة هُنا همزة المضَارعة، لا

стр. 1028

همزة النّقل. (١) و"في السّبع": يتعَلّق بـ "تواطأت". و"تواطأت": من قَولهم: "واطَأتُه على الأمْر مُوَاطَأة". ويُقَال: "آطَأتُه على الأمْر مُواطأة"، إذا "وافَقْتُه عليه". و"فُلانٌ يُواطِئ اسمه اسمي". و"تواطَؤوا عليه": "توافَقُوا عليه". ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، ومثله قوله تعالى: "أَشَدُّ وِطَاءً" (٢) بالمدّ، أي: "مُواطَأَة". (٣) قوله: "في السّبع الأواخر": حَرفُ الجر يتعلّق بـ "تواطَأت". ويحتمل أن يتعلّق بمَحْذُوف، أي: "أرَى رُؤَياكُم توَاطَأت على أنّها في السّبع الأوَاخر". ويحتمل أنْ تكُون "في" بمَعنى "على" (٤)، [في] (٥) قوله تعَالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. و"الأوَاخِر": جمعُ "آخِر"، أي "أخيرًا"، ومُذَكّره: "آخر"، والأنثى: "آخِرة"، والجمْعُ: "أَواخِر". وأمَّا "الآخَر" بالفَتْح فهُو: أحَدُ الشّيئين، وهُو اسمٌ على

стр. 1029

"أفْعَل" (١)، وقَد تقَدّم قريبًا. قوله: "فمَن كَانَ": "مَن" مُبتدأ شرطية. و"كان" في محلّ الخبر. واسمُ "كان": ضَمير "مَن". و"مُتحَرّيها" خبرها، وهو اسمُ فَاعِل مِن "تَحَرّى"، مَنْقُوصٌ، ففي حَالتي الرّفع والجرّ يُقَدّر إعرابه، وفي حَالةِ النّصب يظهَر إعرابه (٢). قوله: "فليَتَحَرّهَا": "اللامُ" لام الأمر، وقَد تقَدّم أنّها تسكن مَع "اللام" و"الفَاء"، وتكسَر مَع "ثم"، وجَاءَ تسكينها مع "ثُم"، وكسرها مَع "الواو" قَليلًا. والفِعْلُ مَع "لام الأَمْر" مجْزُومٌ، وعَلَامَةُ الجزْم هُنَا حَذْفُ "الأَلِف". فإنْ رُوي: "فَلْيَتَحَرَّاهَا" (٣): فهُو يتَخَرّج على قِرَاءَةِ مَن قَرَأَ: "إِنّه مَن يَتَقِي وَيَصْبِر" (٤). (٥) قَوله: "في السّبع": يتَعَلّق بـ "يَتَحَرّهَا". و"الأَوَاخِر": صِفَة للسّبع، كَما تَقَدّم. و"تحَرّى" هُنَا ليْسَت التي عَدّهَا "ابن مَالِك" مِن أخَوَاتِ "عَسَى، واخلولق، وحرى"؛ لأَنّ هَذِه الثّلاثَة مَوضُوعَةٌ للدلَالَة على الرّجَاء، مُلَازِمَة لِصِيغَةِ المَاضِي. (٦)

стр. 1030

الحديث الثّاني: [٢٠٣]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ" (١). تقَدّم الكَلامُ على مُتعلّق حَرف الجر، وعلى [محلّ أنّ] (٢). وجملة "قَالَ. . .": في محل خَبر "أنّ". و"لَيْلَة": مفعُولٌ "بـ "تحرّوا". و"أَلِف" "تحرّوا" مُنقَلبة عن "يَاء"، وأصْلُه: "تحرّيوا"، تحرّكَت " [الياء] (٣) "، وانفَتَح ما قبلها؛ فانقَلبت أَلِفًا، ثم حُذفت لسكُونها وسكون "الواو". (٤) والأمْرُ مما كَان مُتحرّكًا [يأتي] (٥) حرف مُضَارعه على تِلْك الصّوْرَة بتلك الحرَكَة - فـ "يَتَحَرّى" "التاء" [متَحرّكة] (٦) في المضَارع بالفَتْحَة - بخِلافِ [الأمْر. . . صرًا] (٧) منه عَليها، وكَذلك لو كَانت ضَمّة أو كَسْرة، تقُول مِن "يَقُول": "قُلْ"، ومِن " [يَبِع] (٨) ": "بِعْ". (٩)

стр. 1031

فإنْ سكن ثاني حَرف المضَارعة: اجتُلبت له الهمزة، فتقُول في الأمر من "يضْرب": "اضرب"، ومن "يشْرب": "اشرب". (١) وفي الكَلام حَذْفٌ يدُلُّ عَليه السّياق، أي: "قَالَ لأصْحَابه: تحروا ليلة القَدْر في ليالي أيام الوتر"، فتسميتها بـ "ليلة الوتر" حَقيقية، وتسميتها "ليلة القَدْر" مَجَاز. وإنما سُمّيت (٢) بذلك: لأنّ الله تعالى يَقْضِي فيها ويُقَدّر الأشْياء. وهو مَصْدَر "قَدّر الله الشّيء قَدْرًا وقَدَرًا"، كـ "نَهْر ونَهَر" و"الشِّعْر والشَّعَر". وقيل: سُمّيت بذلك لأنّ كُلّ مَن لم يكُن له [قَدْر] (٣) إذا تَدَارَكَها يصير فيها ذا قَدْر وخَطَر. وقيل: لأنّه أنزل فيها الكتاب ذا قَدْر. وقيل: لأنّه قَدّر الرّحمة فيها. وقيل: لأنّ الأرضَ تضيق فيها بالملائكة، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. (٤) قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "فُلانٌ يتَحَرّى الأمر"، أي: "يتَوَخّاه ويقْصِده". وتحرّى فُلَانٌ بالمكان"، أي: "تَمَكَّث". وقَوله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، أي: "تَوَخّوا وعَمَدوا". (٥)

стр. 1032

قوله: "في الوتْر": يتعَلّق بـ "تحرّوا". والألِف واللام في "الوتر" للجنس "من" أوتار "العَشر الأواخر". وتقَدّم الكَلامُ قبل هذا في "العَشر" ووصفها بـ "الأواخر". و"الوِتْر": بفَتْح واوه وبكَسْرها، وهُو "الفَرْدُ". وفي الحديث: "إنّ اللهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ" (١). وأمّا "الوتر" بمَعْنَى "الذّحْل" (٢) فبالكَسْر لا غير، وحَكَى الأصمعي فيه اللغتين. وقُرئ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] بفتح "الواو" وكسر "التّاء". (٣) و"مِن" في قَوله "مِن العَشر" لبيان الجنس، أو للتبعيض. وتقَدّم الكَلامُ على "مِن" وأقسَامها في العَاشر مِن أوّل الكتاب، وعلى "في" وأقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، وعلى "عَن" وأقسَامها في الثّالث من "باب الصّفوف".

стр. 1033

الحديث [الثّالث] (١): [٢٠٤]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ. فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: "مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ [رأيتُ] (٢) هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ [الْمَسْجِدُ] (٣)، فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعلى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ (٤). قَالَ الشّيخ تقيّ الدّين: "الوسط" بضَم "السين" وفتحها. والأوْلى (٥): "الوُسُط"، بضَم "السين". (٦) قُلتُ: ورَجّح بعضُهم فتح "السين"، تشبيهًا له بـ "أُخَر" جمع "أُخْرَى". (٧) وأمّا "الأوسَط" فكَأنّه أراد انقسام الشّهر إلى ثلاثة أعشار. (٨) قَال "تقيّ الدّين": وإنّما رَجح الأوّل لأنّ "العَشر" اسم لليالي؛ فيكون

стр. 1034

[وضعها] (١) جمعًا لائقًا بها. (٢) قلتُ: أمّا "وسط": فإنهم قَالوا فيما كَان [مُتفرّق الأجزاء] (٣)، كـ "الدّار" و"الرأس": هو بالفَتْح. وقيل: [كُلّ مَا] (٤) يصْلح فيه "بين" فهو بالسّكُون، وما لا يصْلح فيه "بين" فهو بالفَتْح. وقيل: [كُلّ] (٥) منهما يَقَع مَوقع الآخَر. (٦) قوله: "كان يعْتَكِف": جملة "كَان" واسمها وخبرها في محلّ خبر "أنّ". وجملة "يعتكف" في موضع خبر "كَان". و"في العَشر": يتعلّق بـ "يعتكف"، ولم يقُل: "يعتكف العشر"، وعلى هذا لا يلزم [أنّه] (٧) اعتكفها كُلّها إلّا من حديثٍ آخَر. و"من رَمَضان": يحتمل أنه يتعلّق بحَال من "العشر"، أي: "في حال [كونها من] (٨) رمضان"، أي: "متوسطة رَمَضَان". ويحتمَل أنْ يتعلّق بـ "الأوسَط"؛ لأنّ معناها: "المتوسطة".

стр. 1035

قوله: "فاعتكف عَامًا": معطُوفٌ على "اعتكف". و"عامًا": ظرفُ زمان، أي: "في عام"، فهو منصوبٌ بتقدير "في"، مفعولٌ على السّعة. ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "فاعتكفها عَامًا"؛ [فحُذِف] (١) الضّمير العَائد على "العَشْر الأوْسَط"؛ للعِلْم به [ومَا] (٢) دَلّ عليه سياق الكَلام. فيكُون "عَامًا" ظَرف زَمَان مُقَدّر بـ "في". و"اعتكف": يتعَدّى إلى الظّرف والمصْدَر، ولا يتعَدّى إلى مفعول به إلا على السّعة. (٣) و"العَام": مَصْدَر "عَامَ" - إذا "سَبح" - "يعُوم عَومًا وعَامًا"، فالإنسانُ يعُوم في دُنياه على الأرض طُول حَياته حتى يأتيه الموت فيغرق. (٤) قوله: "حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين": "حتى" حرف ابتداء، وليست جَارّة لـ "إذا" ولا لجملة الشّرط والجزاء. (٥) ومعنى الابتداء فيها: أنْ يصلُح وقُوع المبتدأ بعْدَها، لا أنّه يلزَم وقوعه بعدها. ألا تَرَى أنّها في نحو: "ضَربتُ القَوم حتى زيدًا" [حرف] (٦) ابتداء، وإنْ كَان ما

стр. 1036

بعدها منصوبًا. (١) و"حتى" إذا وقع بعدها "إذا" احتمل أن تكون بمعنى "الفاء"، أي: "فإذا كانت"، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]، أي: "فإذا جَاءوها"، أو بمَعنى "إلى [أنْ] (٢) ". (٣) فإذا كانت بمعنى "إلى أنْ" - كما هي هُنا - يكون التقدير: "كان يعتكف في العشر الأوسَط، فاعتكف عامًا، إلى أنْ قَال وقْتَ خُروجه من مُعتكَفه ليلة إحدى وعشرين: مَن اعتكف معي". قالوا: ولا بُدّ من هذا التقدير في استعمال "حتى" بمعنى الغاية؛ لأنّ الغَاية لا تُؤخَذُ إلّا مِن جَوابِ الشّرط. (٤) وقَد تقَدّم ذلك في الحديث الثّاني من "السّهو". وجَوّز "الزمخشري" أنْ تكُون (٥) مع "إذا" الجارّة. [واختاره] (٦) "ابن مالك". (٧)

стр. 1037

قوله: "ليلة إحدى": فاعلُ "كان"؛ لأنّها التامّة، بمعنى "حدث" أو "وقع". وتقَدّمت أقسَام "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأقسام "حتى" في الثّاني منه أيضًا. وتمييزُ العَدَد هنا محذوفٌ، أي: "كانت ليلة إحدى وعشرين"، ومع المذكّر "أحد وعشرون". وتقَدّم العَدَد في الثّالث من "التيمم". قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صَبيحتها": الضّمير في "وهي" يعُود على "الليلة" المضَافَة إلى "إحدى"، ولا يعُودُ على "الليلة" [المميزة] (١)؛ لأنها لبيان جنس العَدَد. وهذه المضَافَة من الظروف المختصّة، فزَادَهَا تأكيدًا وبَيَانًا بقوله: "وهي الليلة التي يخرُج من صَبيحتها"؛ فـ "هي" مُبتدأ، و"الليلة" خَبره، و"التي" وصلتها، وعائدها صِفَة لليلة، وفَاعِلُ "يخرُج": "ضَميرُ النبي ﷺ "، والضّمير في "صَبيحتها" هو العَائدُ على "النبي". قوله: "من صَبيحتها": يتعلّق بـ "يخرج"، و"من" بمعنى "في"، كما تقَدّم، أو تكُون التي لابتداء الغاية في الزّمان. (٢) وقد اختلف في ذلك، فمنع أكثر النحويين من البصريين مجيئها لابتداء الغاية في الزمان، وقال به الكُوفيون ومَن وافقهم من البصريين، واختاره ابن مالك، واستدل على ذلك بظواهر من الكتاب والسنة. (٣)

стр. 1038

قال ابنُ مالك: مما خَفي على أكثر النحويين - فمنعوه تقليدًا - في قولهم: إنّ "من" لابتداء الغَاية في الأماكن، و"مُذ" لابتداء الغاية في الزمان والأحيان. ومن الشّواهد على وقوعها للزّمان قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ومِن ذلك في الحديث: " [أَرَأَيْتُمْ] (١) لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا. . ." (٢)، وفي حديث عائشة: "فَجَلَسَ عِنْدِي، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ [فِيَّ مَا قِيلَ] (٣) " (٤). ومنه: "فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ" (٥)، [وقَوله] (٦): "فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ" (٧). (٨) ويحتمل أنْ يكُون "مِن اعتكافه" بَدَل من قوله "صَبيحته"، ويكون التقدير: "من زَمَن اعتكافه".

стр. 1039

وإن قدّرت "من اعتكافه" [بمَعنى] (١) "مكان اعتكافه"، فتكون "من" للابتداء في المكان؛ فيختلف معنى حَرفي الجر، ويصحّ تعلّقهما [بـ "يخرج"] (٢). وإنْ قدّرت "مِن" بمَعنى "في"، كما تقَدّم، حتّى يكُون التقدير: "يخرج من صَبيحتها من مَكان اعتكافه"؛ صَحّ تعلّقها بالفِعْل أيضًا. ولك أنْ تُقَدّر "مِن" الثّانية مُتعَلّقة بحَال، أي: "الليلة التي يخرج من صبيحتها". قوله: "قال": أي: "النبي ﷺ "، هو جَوابُ الشّرط. وهل هو (٣) العَامِلُ في "إذا"، أو العامل فيها فعلها؟ وقد تقَدّم الخلافُ في ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. والجملة التي بين "إذا" وجَوابها مُعترضة، لا محلّ لها من الإعراب، والجملُ التي لا محلّ لها من الإعراب مذكُورة في أوّل حَديثٍ من هذا الكتاب. قوله: "مَن اعتكف معي": "مَن" في موضع مبتدأ، شَرْطيّة، وخبرها فعلها. قوله: "مَعي": ظرفٌ، ومخفوضٌ به، يتعلّق بـ "اعتكف". وتقَدّم الكَلامُ على "مع" ومواضعها في الأوّل من "المسح على الخفّين". قوله: "فلَيْعْتَكِف" في "العَشر الأوَاخِر": "الفَاءُ" سَببية، و"اللام" لام الأمر، و"يعتكف" مجزوم بها. والمراد: "مَن كان اعتكف معي". ولا يصح أن يعمَل فيه " [فليعتكف] (٤) "؛ لأنّ "الفَاء" تمنَع مِن ذلك.

стр. 1040

قوله: في "العَشر الأوَاخِر": يتعَلّق [بـ "مُعْتَكِف"] (١). وتقَدّم الكَلامُ على "العشر الأواخر" قريبًا من هذا الحديث. قوله: "وقَد رَأيتُ هَذِه الليلَة": "رأيتُ" هي الحِلْمية العِلْمية (٢)، وقَد تقَدّمَت. و"هَذه" مفْعُول أوّل، والثّاني محذُوف، أي: "مُصَوّرَة أو ممثّلَة". و"الليلة" صِفَة لـ "هذه". و"الليلة" تقع على "الليل إلى زَوال الشّمس". فإذا قُلت: "فَعَلتُ الليلة" جَاز وقُوع الفِعْل من طُلوع الفَجر إلى زَوَال الشّمس. فإذا زالت (٣) قيل: "فعلنا البارحة". ووقُوعُ الرؤية بها صَيّرها مفعُولًا به، وإلا كانت ظَرفًا زَمَانيًا مُقَدّرَةً بـ "في"، كقَولك: "خَرَجْتُ هَذه الليلة" ونحوها. (٤) ومَن قَال: إنّ الرّؤية الحِلْمية بَصَريّة؛ لم يحتَج إلى تقْدير مفعُول ثان. (٥) قوله: "ثُمّ أُنسيتها": معطُوفٌ على "رأيتُ". والفِعلُ رُباعي، من "أُنْسِيَ يُنَسّى" (٦). قوله: "وقد رأيتني": تقَدّم أنها حِلْميّة، فهي فِعْل وفَاعِل و"نون" الوقاية

стр. 1041

ومفعُول؛ فيُعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمير الفَاعِل والمفعُول، كما هو في سائر أفعال القُلوب (١). وعلى قَول مَن يقُول: إنّ الحِلْميّة بَصَريّة؛ يكُون إجرائها مجرَى العِلْميّة في تعدّيها إلى الفَاعِل والمفعُول. (٢) وجملة "أَسْجُدُ": في محلّ مفعُوله الثّاني. قوله: "في مَاءٍ وطين": مُتعلّق بـ "أسجُد". و"من صَبيحتها": يحتمل أنْ تكُون "مِن" فيه بمعنى "في"، كما تقَدّم؛ فيتعلّق بـ "أسجُد". ويحتمل أنْ يتعلّق "من صَبيحتها" بصفة لـ "مَاء وطين"، أي: "كائنين في صبيحتها"، وتكُون "صبيحتها" [اسمًا] (٣) لـ "صَلاة الصّبح"، وقَد وَرَدَ "أنّه سَجَدَ في صَلَاةِ الصّبْح في مَاءٍ وطِينٍ" (٤). (٥) قوله: "فالتمسُوها في العَشْر الأواخر": تقَدّم إعرابه. "والتمسوها في كُلّ وِتر": يعني: "منها"، أي: "من العشر"؛ فتكون صِفَة مُقدّرَة. قوله: "فَمَطَرَتِ السّماء". قَالَ الجوهري: "مَطَرَتِ السّماء"، "تمطر" "مَطَرًا"، و"أمطَرَهَا الله"، و"قد [أُمْطرنا"] (٦). قَال: وناسٌ يقُولون: "مَطَرَت السّماء"

стр. 1042

و"أَمْطَرت" بمَعنى. (١) فقوله: "فمَطَرت السّماء": فِعلٌ وفَاعِل. و"تلك": ظَرْفُ زَمَان؛ لأنّه وُصف بالظّرف، وما وُصف بالظّرف ظَرف (٢). والتقدير: "في تلك الليلة". والألفُ واللام في "الليلة" للعَهْد، أي: "لَيْلَة القَدْر". قوله: "وكَانَ المسْجِد على عَريش": جملة مُعترضة، لا محلّ لها. ويحتمل أنْ تكُون في محلّ الحال، [أي] (٣): "وقَد كَان المسْجدُ على عَريش". و"عَريش": فَعيلٌ، بمعنى "معْروش". ومنه: "العَرْش". وجمعُ "العَريش": "عُرُش". وعَن ابن عُمَر "أنّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا نَظَرَ إِلَى عُرُوشِ مَكَّةَ" (٤)، أي: "بيوتها"، وسُمّيت عُروشًا؛ لأنّها كَانت عيدانًا تُنْصَب وتُظلَّل. (٥) قوله: "فوَكَف المسجد": "وَكَف": "قَطَر". يُقَال: "وَكَفَ [الماء] (٦)، يَكِفُ، وَكْفًا، ووكوفًا"، و"وَكَفَ الدّمعُ، وكيفًا، ووَكَفَانًا، ووكفًا"، بمعنى "قَطَر". (٧)

стр. 1043

وفَاعِلُ "وَكَفَ": ضَميرٌ يعُود على مُضَاف محذُوف، أي: "فوَكَف سقفُ المسجد أو عَريشه". قوله: "فأبْصَرَت عَيْنَاي": "تاءُ" التأنيث تَلْحَق الفِعْلَ عَلامةً لتأنيث الفَاعِل المثنّى، كَما تَلْحَق المفْرَد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]. والفَاعِلُ مُضَافٌ إلى "يَاء" المتكَلّم، وعَلَامَة رَفْعِه "الألف". (١) قوله: "وعلى جَبْهَتِه": الجملة في محلّ الحال. و"أَثَرُ": مُبتدأ، والخبر في المجرور. فإنْ قُلتَ: ما فائدةُ ذِكْر الماء، والطّينُ لا يكُونُ إلا ومعه الماء؟ قلتُ: يحتمل أن يُفارِق الماءُ الطّين، والطّينُ الماء، فلما صَدَق الله رُؤيا النبي ﷺ في عَلامة لَيْلة القَدْر بالسّجود في الماء والطين اختلط الماء بالطين في المسجد، وسجد فيه ﷺ ، وظهر أثرهما مجتمعين على وجهه ﷺ ، وثَبَت عند أصحابه ﵃ أنّها الليلة؛ لوجُود تلك العَلامَة ولخبره ﷺ عنها بذلك. قوله: "مِن صُبح إحْدى وعشرين": إنْ جَعَلنا "مِن" بمعنى "في" - كَما تقَدّم - ظَهَر المعْنى، وتكُون "صَلاة الصّبح". ويحتمل أن تكُون على بابها، وتتعلّق [بحَال] (٢) من قوله: "أَثَرُ الماء"، أي: "مَوجُودًا من صُبح"؛ فتكُون "مِن" لابتداء الغَاية في الزّمان. ***

стр. 1044

باب الاعتكاف الحديث الأوّل: [٢٠٥]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ . ثُمَّ اعْتكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ" (١). وَفي لَفْظٍ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ" (٢). قوله: "أنّ رسُولَ الله ﷺ ": جملة "أنّ" معمُولة لمتعلّق حَرف الجر، على ما تقَدّم. وجملة "كَانَ. . .": في محلّ خَبر "كَان". وحَرفُ الجر يتعلّق بـ "يعتَكِف". وتقَدّم الكَلامُ على "العَشر الأواخر". و"من رَمَضَان": يتعلّق به. و"مِن" يجُوز أنْ تتعلّق بحَال من "العَشر"، أي: "في حَال كَونها من رَمَضان"؛ و"مِن" لبيان الجنس، ويَصحّ فيها التبعيض. و"رَمَضَان": لا ينصرف (٣)، وتقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الثّالِث من "باب الصّوم في السّفر". والتقدير: "في زمن العَشر". ولولا هذا التقدير لكان ظاهره [أنّه] (٤) لا يعمّها بالاعتكاف؛ لأنّ "في" تقتضي الظّرفية، ولو اعتكف يومًا من العَشر الأَوَاخِر صَدَق عليه أنّه اعتَكَف فيها، وليس هو المرادُ؛ لأنّه كان يعتَكِفها بكَامِلها.

стр. 1045

قوله: "حتّى توَفّاه الله": "حتّى" هُنا بمَعنى "إلى أَنْ"، حَرْفُ ابتداء. ولا يصحّ هنا تقديرها بـ "كَي" ولا بـ " [إلّا] (١) أنْ". وجَاءَ إبدالُ "الحاء" عَينًا، وهي لُغَة هُذيل، وسُمِع فيها الإمَالَة. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. قوله: "ثم اعتكف أزْوَاجه بعده": يعني: "في العَشر الأَوَاخر وغيرها"؛ فالمعْمُولُ محذُوفٌ. و"بعْده" العَامِلُ فيه: "اعتكف". قوله: "وفي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ الله": أي: "وَجَاء في لَفْظٍ" أو "رُوي"؛ فيتعَلّق حَرْف الجر بالمقَدّر، وتكُون "كَان" ومَا بعْدَها في محلّ رَفْع، إمّا فَاعِل ["جَاء"، أو] (٣) مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله، ويكُون الإسْنادُ إلى اللفظ (٤) لا إلى مَدْلُوله. وجُملة "يعْتَكِف": في محلّ خَبر "كَان". قوله: "في كُلّ رَمَضَان": أي: "في كُلّ شَهْر رَمَضَان". و"رَمَضَان" هُنا

стр. 1046

مَصرُوف؛ لأنّه لم يُرد "رَمَضَانَ" [سَنَةٍ بعَينها] (١). قوله: "فَإذَا صَلّى الغَدَاة": أي: "صَلَاة الغَدَاة" أو "صَلَاة وَقْتِ الغَدَاة". وإنْ كَان "الغَدَاة" مِن أسْماء "صَلَاة الصّبح" (٢) فلا يحتَاجُ إلى تَقْدير، وإلا فهُو مَصْدرٌ مُضَافٌ إلى ظَرْفه. قوله: "جَاءَ مَكَانه": "جَاء" يتعَدّى إلى مفعُول [به] (٣)، تقُول: "جئتُ زيدًا" أو "جئتُ المكَان" (٤)؛ فيكُون "مَكَانه" مفعُول به، وأصله: "إلى مَكَانه". وكذلك كَان ﷺ يقُول (٥) في سَائر الصّلَوات، وإنّما خَصّت "الصّبح" بالذِّكْر؛ لأنّها مُفتتح صَلاة النّهار، وقبلها قيام الليل. وقوله: "الذي اعتَكَف فيه": الصّلة والموصُول في محلّ صفة لـ "مَكَانه". و"فيه": يتعلّق بـ "اعتَكَف".

стр. 1047

[الحديث الثّاني] (١): [٢٠٦]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ [أخْرَى] (٣): "وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ" (٥). قوله: "أنَّها كَانَت": لا بُدّ هُنا من تقدير قَول، أي: "أنها قالت: كنت أُرَجّله"، ثُم أتى بحكاية خبرها عن نفْسها على طَريق الخبر عن فِعْلها؛ لأنّها هي الحاكية للحديث، فانتقل الكَلامُ من المتكلّم إلى الغَيبة بحَسب حِكَاية الرّاوي. ويحتمل أن يكُون الرّاوي عنها غيرها ممن شَاهَد فِعْلها (٦)، ولم يُذكَر، والواجبُ ذِكْره إنْ كَان. وجملة "تُرجّل" في محلّ خَبر "كَان". وجملة "وهي حائض" في محلّ الحال من فاعل "تُرجّل". وجملة "وهو مُعتكِف" في محلّ الحال من "رسول الله ﷺ ". و"الواو" فيهما "واو" الحال.

стр. 1048

ويجوز الحال من المضَاف إليه، ويكون العامِلُ في الحال العاملَ في المضاف إليه، وقيل: معنى الإضافة. (١) وهل يجوز في "مُعتكف" النّصب على الحال؟ ويكُون خَبر "هو" في المجرور، أي: "وهُو كَائنٌ في المسْجد مُعتكفًا"، فينصب الحَال [مِن] (٢) الضّمير في "كَائن" المقَدّر في المجرور. قُلتُ: أمّا على مَذْهَب البصريين فلا يجوزُ؛ لأنّ العَامِل ليس بفِعْل ولا مُشبه [للفِعْل، و] (٣) الحَالُ لا يتقَدّم إلا على العَامِل الفِعْلي أو مَا أشْبَه الفِعْل. (٤) وأمّا على مَذْهَب الكُوفيين: فيتقَدّم الحالُ على العَامِل، مِن مَعْنويٍّ أو غيره. ومنه قَول الشّاعر: إِذَا الْمَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا ... فمَطْلَبها كَهْلًا عليه شَديد (٥)

стр. 1049

فـ "كهلًا" حَالٌ من الضّمير في "عَليه" المجرور، والعَامِلُ فيه مَعْنَوي. (١) وتحريرُ هذه المسأَلة - أعْني: مَسْأَلَة تَقَدّم الحَال على عَامِلها - أتْقَنَ ضَبْطها الشّيخ "جمال الدّين ابن هِشَام"، فقَال: للحَال مَع عَامِلها ثَلاث حَالات: - أحدها، وهي الأصْل: جوازُ التقديم على عاملها والتأخير، وذلك إذا كان العاملُ فعلًا مُتصرّفًا، نحو: "جَاء زَيد رَاكبًا"، يجوز: "رَاكبًا جَاء زيد"؛ لقُوّة العَامِل. ومنه قوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: ٧]، فـ["خُشّعًا"] (٢) حَالٌ من الضّمير في "يخرجون"، وقد تقَدّم على عَامِله. وقد يكُون العاملُ صفة تُشبه الفِعْل المتصرّف، نحو: "زيد مُنطلق مُسرعًا"، يجوز: "زيد مُسرعًا مُنطلقٌ"، فـ "مُسرعًا" حَالٌ من ضَمير "مُنطلق"، و"مُنطَلِق" صِفَة مُشبهة للفِعْل. الحالة الثانية: أنْ تتقَدّم [الحالُ على] (٣) عَامِلها وجُوبًا، كما إذا كَان لها صَدْر الكَلام، نحو: "كيف جَاء زيد؟ ". الحالة الثالثة: أن تتأخّر عنه وجُوبًا، وذلك إذا كَان العَامِلُ فِعْلًا جَامدًا، نحو:

стр. 1050

"ما أحسنه مُقبلًا"، أو صفة تُشبه الفِعْل الجامِد، وهو اسمُ التفضيل، نحو: "هو أفصَحُ النّاس خَطيبًا"، أو مَصْدَرًا، نحو: "أعجَبني اعتكافُ أخيك صَائمًا"، أو اسم فِعْل، نحو: "نِزال مُسرعًا"، أو لفظًا مُضَمّنًا معنى الفِعْل دون حُروفه، نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، أو يكون العَامِل عَرَضَ له مانعٌ، نحو: "لأصبر مُحتَسبًا" و"لأعتكفنّ صَائمًا"؛ فإنّ مَا كَان في حيز "لام الابتداء" أو "لام القَسَم" لا يتقَدّم [عليها] (١). ويُستثنى من "أفعَل التفضيل": مَا كَان عَامِلًا في حَالين أحدهما [مُفَضّلة] (٢) عن الأخْرى؛ فإنه يجب تقديم الحال الفَاضِلة، كـ "هذا بُسرًا أطيب منه رُطبًا"، وقولك: "زيد مفردًا أنفع من عمرو مُعَانًا". ويُستثنى مِن المضَمّن معنى الفِعْل دون حُروفه: أنْ يكُون ظَرفًا أو مجرورًا مخبرًا بهما؛ فيجُوز بقِلَّة توسُّط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، [كقراءة] (٣) الحسَن: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ" (٤)، وهو قولُ الأخْفَش. (٥) إذا ثبت ذلك: فمَسْألتنا من هَذا القِسْم الجائِز بقِلّة؛ لأنّ "هُو" مُبتدأ، و"في المسْجد" خَبره، و"مُعْتكفًا" حَالٌ مِن ضَمير مُتعَلّق بحَرْف الجرّ، فتقَدّمه في قَولك: "هُو مُعتَكِفًا في المسْجِد"، كقَوله تَعَالى: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْويَّاتٍ بِيَمِينِهِ" على قراءَة

стр. 1051

"الحَسَن". وهذا التقديرُ إنّما ذَكَرتُه تقريبًا للمُبتَدي وتمرينًا للمُنتهي؛ [لأنّ الرّواية] (١): "وهو مُعتكِفٌ في المسجد"، إلا أنْ يثبت غير ذلك. قوله: "وهي في حُجرتها": جملة أخْرى حَاليّة [من] (٢) الضّمير في "تُرَجّل"، حَال بعْد حَال، وجَارٍ على قَول مَن أجاز تعَدّد الحال، وهُم الجمهور. (٣) و"الْحُجْرَة": "الموضع المتحجّر - المنفرد - بحَائط أو غيره"، وجمعه "حُجَر" و"حُجرَات" بضَم "الجيم" [وفتحها] (٤)، كـ "غُرْفة وغُرَف غُرفَات". وأمّا "حَجْرة القَوم" فبفتح "الحاء" [أي: "ناحية دارهم"] (٥)، والجمع "حَجرات" كـ "جمرات"، ويجوز "حَجْر" كـ "جمر". (٦) وجملة "يُناوِلها رَأسَه" في محلّ الحال في ضَمير "يعتكف"، أو جملة مُستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. و"المناوَلة" مجازيّة، من مجاز التشبيه. و"الرّأس" مُذكّر بلا خِلاف. قوله: "وفي رواية": يتعلّق حرف الجر بفِعل محذُوف، أي: "وجاء في رواية". وتكون جملة "أنّ عائشة. . . إلى آخره" مُبتدأ، والخبرُ في المجرور، أي: "في رواية: قول

стр. 1052

عائشة". و"أخْرَى": صِفَة لـ "رواية"، وهي تأنيثُ "آخَر"، وعَلامة الجرّ فيه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه لا ينصَرف؛ لأَلِف التأنيث المقْصُورة. (١) وقَد تقَدّم في الحديث الثّالث من "باب العيدين" مِن الكَلام على "أخْرى" طَرَف، فليُنظر هُنالك. وليست لَفْظَة "أخْرَى" في كُلّ نُسَخ "العُمْدة"، ووَجَدتها في نُسْخَة قُرِئَت على "الشّيخ". قوله: "وكَان لا يَدخُلُ البيت": فاعلُ "يدخُل": "ضَمير النبي ﷺ ". والجملة مُستأنَفَة. وتَقَدّم الكَلامُ على تعَدّي "دَخَل" في الأوّل من "باب الاستطابة". قوله: "إلا لحاجة الإنسان": الاستثناءُ مُفرغ، يعمَل ما قبل "إلّا" فيما بعدها (٢)؛ فتتعَلّق "لحاجَة" بـ "يدْخُل". قوله: "وفي رِوَايةٍ": تقَدّم قَريبًا تعَلّق حَرف الجرّ به. و"قَالَت": في محلّ خَبر "أنّ". قوله: "إنْ كُنتُ": "إنْ" هُنا المخفّفة من الثقيلة، أي: "إنّي كُنت". و"كان" واسمها وخبرها في محلّ خَبر "إن". و"اللام" في "لأدخُل" هي "اللام" الفَارِقَة بين المخفّفة والنافية. ودَخَلت "اللام" على خَبر "كان"؛ لأنّ "كَان" واسمها وخبرها أحَد جزأي خَبر "إن". وذَهَب الكُوفيون إلى أنّ "إنْ" في مِثْل هَذا نافية، و"اللام" بمَعنى "إلّا". (٣) وتقَدّم الكَلامُ على

стр. 1053

"إنْ" المخفّفة في الثّالث من "الصّوم"، ويأتي في الخامس مِن "الأطْعِمَة". قوله: "والمريض فيه": "الواو" واو الحال مِن ضَمير عَائشة، وهو فَاعِلُ "أدخُل". و"فيه" يتعلّق بالخبر. قوله: "فما أسأل عنه": "الفاءُ" عَاطِفَة، لا سَببَ فيه (١)، عَطَفَت جملة على جملة، و"مَا" نافية، و"أسأل" فِعْل مُضَارع. ونَفَت بـ "ما"؛ لأنها [أرَادَت] (٢) حَالة دُخُولها. قوله: "وَأنَا مَارّة": جملة في محلّ الحال من فَاعِل "أسْأَل"؛ فالاستثناءُ مُفرغ؛ لأنّ العَامِل في الحال مُتَقَدّم على "إلّا" (٣). الحديث [الثّالث] (٤): [٢٠٧]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ: يَوْمًا، ولا لَيْلَةً. (٥) قوله: "قُلْتُ": معمُولُ "قَالَ". و"قَالَ": مَعمُول مُتعلّق حرف الجر. و"يا

стр. 1054

رسُولَ الله" مَعمُولُ "قُلتُ". و"إنِّي": "إنّ" واسمها. وكسر "إنّ" بعد القَول (١)، وقد تقَدّم مَواضِع كسرها وفتْحها [في] (٢) الحديث الرّابع من أوّل الكتاب. وجملة "كُنتُ. . ." في محلّ خَبر "إنّ"، وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في أوّل حَديثٍ مِن الكِتَاب. و"في الجَاهِلية" يتعَلّق بـ "نَذَر"، ولا يصحّ أنْ يتعلّق بصِفَة لـ "يَوْم"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحال، ويكُون التقديرُ: "إنّي نَذَرْت أنْ أعتَكِف لَيْلةً أو يومًا كائنًا في الجاهِلية"؛ لأنّ ما بَعْد "أنْ" مِن صِلتها، والصّلة لا تتقَدّم على الموصُول (٣)؛ لأنّه لم يَشْترط أنّ اليوم في الجاهلية. قوله: " [أنْ] (٤) أعْتَكِف": في محلّ مفعُول "نَذَرْتُ". و"أنْ": المصدَريّة النّاصبة، وقد تقَدّمَت في الرّابع من أوّل الكتاب. و"لَيْلَة": مفعُولٌ على السّعة، أي: "زَمَن لَيْلَة"، ويُحتَاج إلى هَذا؛ لأنّه لم يُرِد أنْ يعتكف في لَيْلة، إنّما أراد: جُملة زمنها؛ فلذلك قُدِّر المضَاف. قوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في روايةٍ" "يومًا في المسجد"؛ فيكُون التقدير: "وجَاء في روايةٍ: أعتَكِف يومًا في المسجد"؛ فتكُون الجملة في محلّ فَاعِل بـ "جاء"، و"في المسجد" يتعلّق بـ "أعتكف" المقَدّر. و"الحَرَام" صِفَة للمَسْجِد. ويحتمَل أنْ يكُون

стр. 1055

"في المسجد" مُتعلّقًا بصِفَة لـ "يوم"، والمعنى لا يُسَاعده إلّا بتكَلّف. قوله: "قَال": فاعِلُه: "ضَميرُ النبي ﷺ ". وفاعِلُ "أوْف": ضَمير "عُمر ﵁". و"وَفّى" و"أَوْفَى" بمعنى واحد، ويُقال: " [أوفى] (١) على الشيء" أي: "أشْرَف عَليه". و"وَفّاه حَقّه" و"أوْفَاه" بمعنى، أي: "أعطاه وافيًا" (٢). وجُملة "أوْف. . ." مفْعُول [بالقَوْل] (٣). و"البَاء" في قَوْله "بنَذْرك" "بَاءُ" التّعدية (٤). وعَلامَةُ بناء فِعْل الأمر: حَذْفُ "اليَاء". (٥) قوله: "ولم يذكُر بعضُ الرّواة: يَوْمًا": "يَوْمًا" هُنا مفْعُول بـ "يَذكُر". و"يذكُر" مجزُوم بـ "لم"، وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثّالث من "باب المذي". و"بعْض" مِن الأسْماء التي لا تُثنّى (٦)، وقَد تقَدّم ذِكْرها في الحادِي عَشر من "الجنائز". قوله: "ولا": نَافية مُؤَكّدة لنَفْي "لم". والله أعلم.
следующие страницы →