← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الحديث الثَّامن: [١٩٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ [عَنْهَا] (١)؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ [ذَلِكَ] (٣) يُؤَدِّي عَنْهَا"؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (٤). قوله: "جَاءَ رَجُل": جملة مِن فِعل وفَاعِل، في مَوضع مفْعُول القَول. وأصلُ "جاء": "جيأ" تحرّكَت "اليَاء"، وانفتح ما قبلها؛ فانقلبت ألِفًا. ومصدر "جاء": "جَيْئَة"، وهُو مِن [بِنَاء] (٥) المرّة الوَاحِدة، إلّا أنّه وضع مَوضع المصْدَر، مثْل: "الرّجفَة" و"الرّحمة". [والاسمُ] (٦): "الجِيْئَة" - على "فِعْلة" - بكسر "الجيم". ويُقال: "جئتُ مجيئًا حَسَنًا"، وهو شَاذٌّ؛ لأنّ المصْدَر من "فَعَل [يفْعِل": "مفْعَلٌ"] (٧) بفَتح "العَين"، وقد شَذّت منه حُروفٌ، فجَاءَت على "مفْعِل"،

стр. 982

كـ "المجيء" و"المحيض" و"المكيل" و"المصير". و"أجأتُه": أي: "جئتُ به". وتقُول: "الحمدُ لله الذي جَاءَ بك"، أي: "الحمْدُ لله إذ جئت". ولا تقُل: "الحمدُ لله الذي جئت". (١) قلتُ: قوله "على مفْعِل في المحيض ومَا بعْده"؛ لأنّ "المحيض" و"المكيل" على وزْن "مَفعِل"، ثم أُعِلّ؛ فنُقِلَت حَرَكَة "اليَاء" إلى "الحاء" وإلى "الكَاف". وإنما امتنع "الذي جئت"؛ لأنّه لا عَائِدَ على الموصُول. (٢) قوله: "فقَالَ": مَعْطُوفٌ على "جَاء". [و"يَا] (٣) رَسُولَ الله": تقَدّم الكَلامُ على حَرْفِ النّداء في الرّابع من "الجنابة"، والسّابع من "الإمامة". قوله: "إنّ أُمِّي مَاتَت": كُسرت "إنّ" لأنّها وقَعَت بعد القَول. (٤) وقد تقَدّم ذكرُ المواضع التي تُكسَر فيها "إنّ" وتفتَح في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "فقَالَ": معطُوفٌ على "جَاءَ". وجملة النّداء معمُولة للقَول. وكُسرت "إنّ" في ابتداء الكَلام.

стр. 983

و"أُمي": اسم "إنّ"، وعلامةُ النّصب فتحة مُقَدّرة؛ لأنه مما إضافة المتكلّم إلى نفسه (١). وجملة "ماتت" في محلّ الخبر. قوله: "وعَليها صَوْم شَهْر": في محلّ الحال من فَاعِل "ماتت". قوله: "أفأقضيه؟ ": "الفَاءُ" عاطفة، و"الهمزة" للاستفهام، على هذا أكثر المعربين (٢)، واختَاره الزّمخشري (٣) في كُلّ مَوضِع وَقَعَت "الفَاء" فيه بعد همزة الاستفهام. وقَالَ ابنُ جني: "الفَاء" بعْدها زَائِدة. (٤) قال ابنُ مالك: جَاءَ في بعْض روايات البخاري: "فَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ " (٥)، بحَذفِ هَمزة الاستفهام. (٦) وله نَظَائر كثيرة قَد تقَدّمَت. قوله: "عَنْها": مُتعَلّق بـ "أَصُوم". قوله: "فقَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ": فيه حَذْفٌ، تقديره: "أرأيت لَو كَان على أُمّك دَينٌ". فـ "رأيت" هنا العِلْميّة. والرّواية الأخيرة تدلُّ على

стр. 984

هذا الحذْف. وجَوابُ "لو" يُحَال على جَوابِ السّائل مِن نفْي أو إثبات؛ فإنْ اختار الإثبات كان (١): "لو كَان دَينٌ عليها لقَضَيته"، وإنْ اختار النّفي كَان: "مَا أقضيه"؛ فخَرَجَ الكَلامُ مخرَج [الحضّ] (٢) والحثّ، وفي ضِمْنِه الجوَاب. قوله: أكُنْت تَقْضيه؟ ": هُو في محلّ المفعُول الثّاني لـ "رأيت" العِلْمية المقَدَّرَة. [ويجُوزُ أنْ يكُون] (٣) جَواب "لَو" هُنا مفْهُومٌ مِن استخباره ﷺ ؛ لأنّ مَعْنَاه [الحضّ] (٤) على القَضَاء والنّدْب إليه، [كَأنّه] (٥) قَالَ: "لَو كَان على أُمّك دَيْنٌ لقَضَيتَه"، فاستَغْنى عنه بدلَالة السّياق عَليه، وبيّنه الجوَاب في قَوْله: "نَعَم". وإذَا ثَبَتَ ذَلك: فجُمْلة "أكُنْت. . .؟ " في محلّ المفْعُول المقَدّر؛ لأنّ شَرْطَه أنْ يكُون مَفْعُوله الثّانِي جُمْلَة استِفْهَاميّة، وبذَلِك جَاءَ القُرآن الكَريم، قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ (٦) [الواقعة: ٥٨، ٥٩]، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٥] (٧) وقَد تقَدّم الكَلامُ على ذلك مُسْتَوفى في الحديث الأوّل مِن "باب صِفَة صَلاة النبي ﷺ ". ومفْعُول الأول في الموضعين كليهما: ضَمير المخاطَب. [والتقدير] (٨) في "أرأيت" الأوّل - المقَدّر - "أرأيتَكَ" بفتح "الكَاف"، والثّاني - الموجُود - "أرأيتَكِ"

стр. 985

بكَسر "الكَاف". وقد وَقَع [مِثْل] (١) هَذا التركيب مَع "إنْ" الشّرْطيّة في قوله تعَالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ﴾ [يونس: ٥٠]، فاختار أبو حيّان أن يكُون جَوابُ الشرط محذوفًا [يدلُّ] (٢) عليه "أرأيتم إن أتاكم عذاب الله فأخبروني عنه". ونظيره: "أنتَ ظالمٌ إن فَعَلت فأنت ظَالم". (٣) و"نَعَم": قد تقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "الجنابة". قوله: "فدَيْنُ الله أحَقّ": مُبتدأ وخبر، معْمُول للقَول. و"أحَقّ" هُنا يحتمَل أنْ تكُون "أفْعَل التفْضيل"، أي: "أحَقّ مِن غَيره". ويحتمَل أنْ تكُون بمَعنى "حَقِيق"، كَما قِيل في قَوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ﴾ [يونس: ٣٥] (٤)، وهَذَا أَوْلى؛ لأنّ قَضَاءَ دَيْن الوَالِدَين يجب على الوَارِث (٥). قولُه: "أنْ يُقْضَى": يحتمل وَجْهَين، أحدُهما: أنْ يكُون بَدَلًا مِن المبتدأ -[وهُو] (٦) "دَينُ الله" - بَدَل اشتمال (٧)، . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 986

إلا أنّ [فيه] (١) الفَصْل بين البَدَل والمبْدَل مِنْه، وهُو "أحَقّ". ويحتمل أنْ يكُون "أنْ يُقْضَى" في محلّ رَفْع بالابتداء، و"أحَقّ" خَبره، والجُمْلة خَبَر "دَيْنُ الله"، وقد أوْجَبُوا تقْديم الخبر في مِثْل: "عِنْدي أنّك قَائِم" (٢)، وهي (٣) مَصْدَريّة كـ "أنْ" الخفيفة. و"يُقْضَى": مَبني للمَفْعُول. ويحتمل أنْ يكُون "أنْ يُقْضَى" في محلّ جَرّ أو نَصْب، بتَقْدير حَرْف الجر، أي: "أحَقّ بأنْ يُقْضَى"، إذا قَدَّرْت "أحَقّ" بمَعْنى "حَقيق". قوله: "وفي رِوَايةٍ": أي: "وَجَاءَ في رِوَايةٍ"؛ فيتَعَلّق حَرْف الجرّ [بالفِعْل. والجمْلة] (٤) بعْده الفَاعِل على الحكاية. و"جَاء": تقَدّم الكَلامُ عليها في أوّل هذا الحديث. قوله: "فقَالَت": معطُوفٌ [على] (٥) " [جَاءَت] (٦) ". وجملة "مَاتَت": في محلّ خَبر "إنّ". "وعليها صَوْمُ نَذْر": مُبتدأ، وخَبر. والجمْلة في محلّ الحال من فَاعِل "ماتت". [و"صَوْمُ] (٧) نَذْر": بالإضافة، مِن باب إضَافة الموصُوف إلى صفته (٨)، ويتخَرّج على

стр. 987

أنّ "النّذر" بمَعنى "المنذُور" (١). وإنْ رُوي: " [صَوْم] (٢) نَذْر" كَانَ بَدَلًا. قوله: "أفَأصُوم عَنْها؟ ": "الهمْزَةُ" للاستفهام، و"الفَاءُ" عَاطِفَة، كما تقَدّم قَبْل. قوله: "فقَال" النبي ﷺ : "أَرَأَيْتِ. . .؟ ". ودَلّ ذِكْرها هُنا على حَذْفها في الحديثِ الذي قَبْل. [الحديث التاسع] (٣): [١٩١]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" (٤). قوله: "أنّ رسُولَ الله ﷺ ": جملة في محلّ المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله لمتعلّق "عَن". وجملة "قَالَ" في محلّ خبر "أنَّ". وجملة "لا يزالُ النّاسُ بخَير": في محلّ معمُول القَول. و"يزال" هُنا أصلُها "زَول"، بكسر "الوَاو" في الماضي، من باب "خَاف يخَاف". وهي مِن أخَوَات "كَان"، ترفَع الاسم وتنْصب الخبر.

стр. 988

بخِلافِ "زال" التي أصْلها "زَوَل" بفَتْح "الوَاو"، فإنّ مُضَارعها "يزول"، فهَذه لا عَمَلَ لها إلا كَسَائِر الأفْعَال. (١) والتي مِن أخَوَات "كَان" لا تأتي إلّا بَعْد نَفْي أو نَهي. (٢) فالنّفي: كما تقَدّم. والنّهي: كقَوْل الشّاعر: صَاحِ شَمِّرْ وَلَا تَزَلْ ذاكِرَ الْمَوْ ... تِ فَنِسْيَانُهُ ضلَالٌ مُبِينُ (٣) واسم "زال": "النّاس"، والخبر في "بخَير". و"الخير": هنا، واحدُ "الخيور"، وليس "أفْعَل التفضيل" (٤). ويحتمل أنْ يكُون المراد: "بخَير مَا أتى به غَيرهم من [الأمَم] (٥) ". وقَد تقَدّم الكَلامُ على "خَير" في الثّامِن من "باب الجنابة". وتقَدّم ذِكْر "النّاس" في السّابع من "الإمامة". ويجُوز أنْ [يكُون] (٦) "لا يزالُ" جَوَابًا لقَسَم مُقَدّر، أي: "والله لا يزال".

стр. 989

قوله: "مَا عَجّلوا": "مَا" هُنا ظَرْفيّة مَصْدَريّة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. واختُلف فيها، فقيل: إنّها اسم مُقَدّر بالمدّة. وقيل: حَرْف. وهي مَوْضُوعَة لما لَا يَعْقِل. (١) و"عَجّلوا": في محلّ جَرّ، إذا قُدّرَت "مَا" بالمدّة. الحديث [العاشر] (٢): [١٩٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا: فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٣). قال الشّيخُ "تقيّ الدّين": الإقبالُ والإدْبار مُتلازِمَان - أعني: إقبال [الليل] (٤) وإدبار النّهار - وقد يكُون أحدهما أظْهَر للعَين في بعْض المواضع؛ فيُستدلّ بالظّاهر [على الخفي] (٥). (٦) قوله: "إذا أقْبَل الليل": فِعْل، وفَاعِل. و"الليل": واحد بمعنى الجَمْع، واحده: "لَيْلَة"، مثل: "تمْرة وتمْر". وقَد جُمِع (٧)

стр. 990

على " [ليالي] (١) "، فزادوا فيها "الياء" على غير قياس. ونظيره: "أهْل، [وأهَالي] (٢) ". (٣) قال في "الصّحاح": يُقَال: كَان الأصْلُ فيها: "ليلاة"، فحُذفَت؛ لأنّ تصغيرها هنا "لُيَيْلَيَة". و"لَيْلٌ ألْيَل": شَدِيدُ الظُّلْمَة، و"لائل" أيضًا، مثل قولك: "شِعْرٌ شَاعِر" في التّأكيد. قال الكسائي: ويُقال: "عاملته مُلايَلَةً"، كما تقُول: "مُياوَمَة". (٤) قوله: "مِن ههنا": "مِن" لابتداء الغَاية. (٥) و"هُنا": ظرْفُ مكان، يُشَار به للقريب، و"هَنّا" بفتح "الهاء" وتشديد "النون"، و"هِنَّا" بكسر "الهاء" وتشديد "النون"، لُغَات. و"ههنا": [زِيدَ] (٦) فيه "هاء" التنبيه. ويُقَال: "هنالك". (٧)

стр. 991

قال ابنُ عطية في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]: إنّها ظرفُ زَمان. (١) ولم يتعَقّب عليه أبو حيّان (٢)؛ لأنّه المرَاد، وعليه المعنى. قوله: "وأدْبر النهار": فعْل، وفَاعِل. قال صاحبُ "الصّحاح": "النّهار" ضدّ "الليل"، ولا يُجمَع، كما [لا] (٣) يُجمَع "العَذاب" و"السّراب"، فإنْ جمعته قُلت في قليله: "أنْهُر"، وفي الكثير: "نُهُر"، مثل "سَحَاب وسُحُب". (٤) و"دَبَرَ" و"أدْبَر"، بمَعنى. وقد قُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ (٥) [المدثر: ٣٣]. (٦) وقد تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"الفَاءُ" في قوله "فقد أفْطَر الصّائم" جَواب الشّرط. والألف واللام في "الصّائم" للجنس.

стр. 992

و"أفْطَر": بمَعْنى: "دَخَلّ في الفِطْر". (١) قال الشّيخُ "تَقِيّ الدّين": وتكُون الفَائدة على الأوّل: أنّ الليلَ غير قابل للصوم، وأنه بنفس دخوله خرج الصائم [من الصّوم] (٢) الحسي، فلو أمْسَك حِسًّا فهو مُفطِر شَرْعًا. وفائدته: إبطالُ الوصال. وتكُون الفائدة على الثّاني: ذكرُ العَلامة التي [بها] (٣) يحصل جواز الإفطار، وإسنادُ الإقبال والإدبار إلى الليل والنهار مَجَاز. (٤) الحديث [الحادي عشر] (٥): [١٩٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ. قَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: "إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى" (٦). وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ؛ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ" (٧). قوله: "عن الوصال": تقَدّم الكَلامُ على "عن" في الحديث الثّالث من "باب الصفوف"، وفي الحادي عشر من "صفة الصّلاة". ويتعَلّق هُنا بـ "نَهْى". قال في "الصّحاح": يُقَال: "وَاصَله، مُواصَلةً، ووصَالًا"، ومنه: "المواصَلَة في الصّوم وغيره". (٨)

стр. 993

قوله: "إنَّك تُواصل": "إنّك": "إنّ"، واسمها، وخبرها. وكُسرت "إنّ" لأنّها بعد القَول (١). قوله: "قَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "إني لَسْتُ كهيئتكم": "لستُ" في محلّ خبر "إنّ". و"كهيئتكم" تتعلّق بخَبر "ليس"، أي: "كائنًا كهيئتكم". وإنْ جَعَلت "الكَاف" اسمًا؛ كان مَا بعدها مجرورًا بالإضافة، والمراد: "مثلكم"، كما جَاء مُبينًا في رواية "مُسْلم": "إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي" (٢). (٣) و"الهيئة": بفتح "الهاء" وكسرها. (٤) قيل: إنّه ﷺ أُكْرِم بذَلك. والكَلامُ على ظاهره، يُطْعَم ويُسْقَى. وقال "مُحيي الدّين النّووي": لو كان حقيقة لم يكن مُواصِلًا. ويُقوِّي ذلك: قوله في الرّواية الأخْرَى: "إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" (٥)، ولفظ "ظَلّ" لا يكُونُ إلّا في النّهار بلا شَكّ. قال القَاضي: يحتمل أنْ يكُون كِنَاية عن القُوّة التي جَعَلها الله تعالى له، حتى يكُون كمَن فُعِلَ مَعه ذَلك. (٦)

стр. 994

والجمْلة من "ليس" واسمها وخبرها في محلّ خبر "إنّ". وجملة "أُطْعَم" في محل خَبر "إنّ", "وأُسْقَى" معطُوفٌ عليه، وهُما مَبينان لما لم يُسَمّ فَاعِله. قوله: "ولمسْلِم": أي: "ويُروَى لمسْلم" أو "جَاء لمسْلم"، فيتعلّق حَرف الجر بالمقَدّر. وتكُون جملة: "عَن أَبِي سَعيد الخُدري. . . إلى آخر الحديث" في محلّ رَفْع بالمتعَلّق به حَرْف [الجر] (١). قوله: "فأيّكُم": مُبتدأ، وخَبره جملة "أراد". والمبتدأ واجبُ التقديم؛ لأنّه من أسْماء الاستفهام. وقد تقَدّم ذكرُ المواضع التي يجب فيها تقْديم المبتدأ (٢) في السّابع من "كتاب الصّيام". قوله: "أنْ يُوَاصِل": [في محلّ] (٣) مفعُول" أرَاد"، أي: "أرَاد الوصَال". ول "أَيّ" أقْسَام مَذْكُورة في الثّالث مِن "التيمّم". و"إلى السَّحَر": يتعَلّق [بـ "يُوَاصِل"] (٤). ***

стр. 995

بَاب أفْضَل الصّيَام وغَيره الحديث الأوَّل: [١٩٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. (١) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ: "فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ". قُلْتُ: أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا؛ فَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ دَاوُد، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ". فَقُلْتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. [قَالَ: "لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ] (٢) ". (٣) وَفي رِوَايَةٍ: "لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ (٤) دَاوُد، شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا" (٥). [قوله] (٦): "قال: أُخبر": الفِعلُ مبني لما لم يُسَمّ فاعله. و"رَسُول الله" [مفعوله] (٧) القائم مَقَام الفَاعِل. وتقَدّم الكَلامُ على "أخْبر" و"خَبّر" في الخامس من

стр. 996

"فضْل الجماعة". وهي إحْدى الأفعَال المتعَدّية إلى ثَلاثة: وهي "أعْلَم" و ["أرَى"] (١) و"أنْبَأ" و"نَبّأ" و"حَدّثَ". (٢) وهُنا سَدّت "أنّ" المفتُوحَة مَسَدّ المفعُول الثّاني. أو يكُون "أُخبر" مُتعدّيًا بـ "الباء"، أي: "أُخبر بأنَّ"، ثُم حُذِف حَرْف الجر. وجملة "أقُول" في محلّ خَبر "أنّ". قوله: "والله لأصُومَنَّ": جملةُ القَسَم وجوابه معْمُولة القَول. وتقَدّم ذكرُ حروف القَسَم في العاشر من "الصّلاة". وتقَدّم جَواب القَسَم في العاشر من "كتاب الصّلاة"، وفي الثّاني من "باب الصّفوف". و"النَّهار" و"الليل": منْصُوبان على السّعَة، أي: "في النّهار" و"في الليل"؛ لأنّ الفِعْلين لا يتعَدّيان إلى مفْعُول به. قوله: "مَا عِشْتُ": "مَا" مَصْدَريّة ظَرْفيّة (٣). وقد تقَدّمت قريبًا في الحديث التَّاسع (٤).

стр. 997

قوله: "فقُلتُ له: قد قُلتُه": في الكَلام اقتضَابٌ يدُلّ عليه السّياق، أي: "فقيل للنبي ﷺ ذلك، فقال لي: أنت قُلته؟ فقال عبد الله: قد قُلته". (١) قوله: "بأبي أنت وأمّي": حرفُ الجر يتعلّق بمحْذُوف، تقديره: "أفديك بأبي" (٢)، وتكُون "أنت" [تأكيدًا] (٣) للكَاف في "أفديك". و"أمّي" معطوفٌ على "أبي". وتأكيدُ الضّمير المنصُوب بالضّمير المرفُوع جَائزٌ، منه قَوله تعَالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (٤). (٥) ويجوز أن تكون "أنت" مُبتدأ، والخبرُ في جُملة "أفْديك" مُتقَدّم محذُوف، أي: "أنتَ أفْديك بأَبي". وهَذا مِن كَمال حُسْن الأدَب عِنْد خِطَاب النبي ﷺ . وقَدّم الأب على الأُم؛ لأنّ تعَلّق الوَلَد بوَالِده وتوَقّعه لنُصْرَته لا يُوجَد في الأُم. والعَرَبُ تقَدّم عند الخطاب هَذَا ومثله؛ استعطافًا واستجلابًا وتَوْطِئَةً. فإنْ قُلْت: فقَد قَدّم قُبيل هَذا "قد قُلتُه يَا رَسُولَ الله"، ولم يَذكُر "بأبي أنْتَ وأُمّي". فالجوَاب: أنّه آثَرَ سُرعَة [إجابة] (٦) النبي ﷺ فيما سَأَل عنْه، [ثُم] (٧) أتَى بما

стр. 998

هُو في نيته مُقَدّمًا، وهُو نَوْعٌ آخَر مِن الأَدَب. قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "فإنّك لا تسْتَطيعُ ذَلك": الجمْلة معمُولة للقَول. وجملة "لا تستطيع" خبر "إنّ"، و"ذلك" مفعُول بـ "تستطيع". وتقَدّم الكَلامُ على "إنّ" ومَواضِع كَسْرها في الرّابع من الأوّل. وتقدّم الكَلامُ على "لا" في الثّاني من "باب الاستطابة". وتقَدّم الكَلامُ على اسم الإشَارة في الثّالث من "باب استقبال القبلة". قوله: "فصُم وأفْطِر، وقُم ونَم": "فصُم": "الفَاءُ" سَبَبيّة. هذه الأفعَال الأرْبعة كُلّها لازِمَة، غير مُتعَدّية إلى مفْعُول به؛ لأنّها أوْصَافٌ غير ثابتة. وقَد تقَدّم المتعَدّي وغير المتعَدّي مِن الأفْعَال في الخامس من "باب فَضْل الجماعة". قوله: "من الشّهر": يتعلّق بـ "صُمْ" الآخرة. وإنما أعاد ذِكْر الصّيام؛ لبُعْدِه من مُتعلّقه؛ فيُحمَل الأمر الأوّل على النّدب على ما ينبغي له ولغيره في أحْواله [وحالاته] (١) مُدّة حَيَاته، ثم ذَكَر مَا يختصّ بعَبد الله بن عَمرو ﵁، فقال: "صُم من كُلّ شَهْر ثلاثة"، [أنّث] (٢) العَدَدَ؛ لأنّ الأيّام مُذَكّرة. وتقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الحديثِ الثّالث مِن "الاستطابة". وتقَدّم الكَلامُ على العَدَد في الثّالِث من "التيَمّم". قوله: "فإنّ الحسَنة بعَشْر أمثَالها": أنَّثَ "عَشْرًا" رَعْيًا للمَوصُوف المحذُوف،

стр. 999

أي: "فله عشر حَسَنات". (١) ونظيره في التذْكير: "مَرَرتُ بثَلاثة نَسّابات"؛ رَاعَى الموصُوفَ المحذُوف، أي: "بثَلاثةِ رجَال نسّابات". (٢) وقَال "أبو عَليّ" وغَيره: أُنّث؛ لإضَافَة "الأَمْثَال" إلى مُؤَنّث، وهُو ضَمير "الحسَنَات"؛ فيَكُون كقَوله: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠]. (٣) وزَاد "أَبُو البَقَاء" في الآيَة (٤): لأَنّ "الأمْثَال" في المعْنَى مُؤَنّثة؛ لأنّ مِثلَ الحسَنَة حَسَنَة. (٥) وقُرِئ في الآيَة: "عَشْرٌ أَمْثَالُهَا" (٦)؛ رُفِع على الصّفَة لـ "عَشْر". (٧)

стр. 1000

قوله: "وذَلِك مِثْل صِيَام الدّهْر": تقَدّم الكَلامُ على "مِثْل" في الحديث الرّابع مِن "بَاب الأذَان". قوله: "قُلتُ: [إنّي] (١) أطيق أفْضَل مِن ذَلك": ضَميرُ "قُلتُ" لـ: "عبد الله بن عَمرو". و"أفْضَل": أفْعَل تفْضيل. و"مِن": مُتَعَلّقة به، ومَعْنَاها: التبْعِيض، وقيل: لابتِدَاءِ الغَايَة (٢). و"أفْضَل": صِفَة لموصُوف محْذُوف، أي: "أطيقُ صِيامًا أفْضَل". قوله: " [إنّي] (٣) أُطِيقُ أفْضَل": جملةٌ محْكيّة بالقَوْل. وجملةُ "أُطيق. . ." في محلّ خَبر "إنّ". قوله: "قَالَ: فصُم يَوْمًا": أي: "قَالَ النبي ﷺ ". "صُمْ يَوْمًا": "صَام" يتعَدّى إلى ظَرْفه وإلى مَصْدَره، ولا يتعَدّى إلى مفْعُول به. [فـ] (٤) "يَومًا": ظَرْفُ زَمَان، مَعْمُول لـ "صُم". قوله: "وأفْطِر يَوْمَين": مثله، ظَرْفٌ مُثّنى. قوله: "قُلتُ: [أُطِيق] (٥) أَفْضَل مِن ذَلك": مِثْل مَا تقَدّم. قوله: "فَذَلك صِيَام دَاود": التقديرُ: "فذَلك مثلُ صِيام دَاود". (٦) و"داود": لا ينصرفُ؛ للعَلَمية والعُجْمَة (٧).

стр. 1001

قوله: "وهو أفْضَلُ الصّيام": "وهو" مُبتدأ، و "أفْضَل" خبره، و"الصّيام" مُضَافٌ إليه. واستُعْمِل "أفْعَل" بالإضَافة إلى مَعْرفَة. وقَد تقَدّم أنّه إذا أُضيف إلى مَعْرفة: فإنّ أُوّل "أفْعَل" بما لا تفضيل فيه وَجَبَت المطَابَقَة، كقَولهم: "النّاقِص والأشَجّ أعْدَلا بني مَروان". وإنْ كَان على أصْله في إفَادَة المفَاضَلَة: جَازَت المطَابقَة، كقَوله تعَالَى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، و ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، وتَرْك المطَابَقَة، كقَوْله تعَالَى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. (١) وتَقَدّم الكَلامُ على "أفْعَل التفضيل" في الحديثِ الأوّل مِن "الصّلَاة". قوله: "النّاقِص والأشَجّ": "النّاقِصُ": مُعَاوية بن يَزيد (٢)، وكَان مِن الوَرَع

стр. 1002

والعَدْل نهَايَة. و"الأشَجّ": [عُمَر] (١) بن عَبْد العَزيز، ولا تخفَى مَكَانته مِن العَدْل والخيْر. وسَبَبُ تسْميتهما بذَلك مَذْكُورة عنْد المؤَرّخين. قَالَ ابنُ قُتَيبة: سُمّي "أشَجّ بني مَروان"؛ لأنّه ضربته دَابّة في وَجْهه (٢). وكان عُمر بن الخطّاب يقُول: "إنّ مِنْ وَلَدِي رَجُلٌ بوَجْهِهِ شَيْنٌ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلًا" (٣). وإنّما قَال عُمر: "مِن وَلَدي"؛ لأنّ أمّ عُمَر بن عبد العَزيز مِن وَلَد عُمر بن الخطاب. (٤) قوله: "فقُلتُ: إنّي أُطِيقُ أفْضَل مِن ذَلك": مَصْدَر "أطَقتُ الشّيءَ": "إطَاقَة". ويُقَالُ: "هُو في طَوْقِي" أي: "في وسْعِي". (٥) قوله: "وفي رواية: لا صَوْمَ فَوق صَوْم دَاود، شَطْرَ الدّهْر": حَرفُ الجر يتعلّق بمُقَدّر، أي: "وجَاء في روايةٍ"، أو: "رُوي. . .". ومحلّ "لا صَوْم. . . إلى آخره" رَفْعٌ، بأَيّهما قَدّرت، إلا أنّ "رُوي" يطلُب مَفْعُولا لم يُسَمّ فَاعِله. و"لا صَوْم": مثل "لا حَوْلَ" و"لا إله [إلا الله] (٦) ". وقَد تقَدّم في أوّل حَديثٍ مِن "باب التيمم".

стр. 1003

و"فوق": ظَرْفُ مَكَان. وهي هُنا مَجَاز؛ لأنّ حَقيقة المكَان [غير] (١) مَوجُودة هُنا. وهَذا كقَوله تعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، أي: "في المكَانة والمنْزِلَة". (٢) وكذلك "الفَوْقيّة" هُنا بمَعْنى "رَفْع الدّرَجَات" و"الثّوَاب"؛ لأنّ طَلَبَ عَبْد الله بن عَمرو بن العَاص بزيادة العَمَل الزّيادة [في] (٣) الثّواب، فأخْبَرَه النّبي ﷺ بأنّه لا فَوقَ هذا الثّواب على هَذا العَمَل الخَفِيف. قوله: "شَطْر الدّهْر": يجُوز فيه الجرّ على البَدَل مِن "صَوْم داود". ويحتمل الرّفْع، أي: "هُو شَطْرُ الدّهْر". ويحتمل [النّصب] (٤)، بتقدير: "أعْني". أو يكُون ظَرْفًا على بَابه، والعَامِلُ فيه: "صَوْم دَاود"، أي: " [صَام] (٥) شَطْر الدّهْر"، أو التقدير: "كَان يَصُوم شَطْر الدّهْر"، فيكُون ظَرْفًا. (٦) و"الشّطْر": يُطْلَق على الجِهَة، وعلى النّصف، وعلى الجُزْء. ويُقَال [منه] (٧): "شَطَرَ، شُطُورًا"، أي: "بَعُد"، و"شَطَر إليه": ["أقْبَل"] (٨). و"الشّاطِرُ" مِن الشّباب:

стр. 1004

"البَعيدُ مِن الخير، الذي أعْيَا أهْلَه خُبْثًا". و"الشّاطرُ": "الغَائِبُ عن مَنْزله". (١) الحديث الثّاني: [١٩٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُد، وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالى صَلَاةُ دَاوُد، [وكَانَ] (٢) يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفطِرُ يَوْمًا" (٣). قوله: "أحَبَّ الصّيام": "أحَبَّ" اسم "إنّ"، و"صيام" خبرها. وقد تقَدّم الكَلامُ على أفعَل التفضيل إذا أُضيف إلى مَعرفة. و"أحَبّ": مبني من "حبب" مُضَاعفًا. و"الحُبّ": "المحبّة"، وكذلك "الحِبّ" بالكسر. و"الحِبّ": أيضًا "الحبيب"، مثل: "خِدْن، وخَدِين". ويُقَال: "أحبّه"، فهو "مُحَبّ"، و"حَبّه"، "يَحِبُّه" بالكسر، فهو "محبوبٌ". (٤) قَالَ في "الصّحاح": ومنه: أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أجْلِ تَمْرِهِ ... وأعْلَمُ أَنَّ الرِّفْقَ بالمرْءِ أرْفَقُ ووَالله لَوْلا تَمْرُهُ مَا حَبِبْتُه ... وَلَا كَانَ أدْنَى مِنْ عُبَيدٍ ومُشْرِقِ (٥)

стр. 1005

قال: وهذا شَاذّ؛ لأنّه لا يأتي في المضاعَف "يفعِل" بالكسر إلا ويَشركه "يفعُل" بالضَمّ، إذا كَان مُتعدّيًا، ما خَلا هذا الحرف. (١) قوله: "إلى الله": تقَدّم الكَلامُ على "إلى" في الحديث الثّاني من "باب الوتر". ويتعلّق حَرف الجر بـ "أَحَبّ". قوله: "وكَانَ ينَام نصْف الليل": "ينَام" في محلّ خبر "كان"، واسمها "ضَميرُ داود". و"نصْف": ظَرفٌ؛ لأنّه مُضَافٌ إلى "الليل"، وهو مفعُولٌ به على السّعة. و"ثُلثه" مثله؛ لأنّه أُضيف إلى ضَميره، وكذلك "سُدسه". والعَامِلُ فيها كُلّها: الأفْعَالُ قبلها. و"ثُلثه" و"سُدسه" مع العَامِل فيها معْطُوفان على "ينام"، من باب عَطْف الأفعَال بعضها على بعْض. قالوا في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢]: منصوبٌ على الظّرْف، عند البصريين، وإن استغرقه الفِعْل. ومفعُولٌ به، عند الكوفيين؛ لاستغراق الفعل له. (٢) ويجري هذا الخلاف هُنا في الحديث؛ لأنّ قوله: "ينام نصْف الليل" مُستغرق للنّصف، وكذلك قيامه. قوله: "وكَان يصُوم يومًا": جملة "يَصُوم" في محلّ خَبر "كَان"، واسمها: ضميرُ "النبي ﷺ ". و"يومًا": ظرفٌ، وهو مفعُولٌ به على السّعة. والعَامِلُ فيه: "يصُوم". "ويُفطر

стр. 1006

يَومًا": معْطُوفٌ عليه. ويجري فيها مَا تقَدّم من مَذْهب الكوفيين، وهو النّصب على المفعُوليّة. الحديث الثّالث: [١٩٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "أوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ" (١). قوله: "قَالَ: أوْصَانِي": جُملة "أوْصَاني" في محلّ نَصْب بالقَول. و"قَالَ" وما عَمِلَت فيه: في محلّ معمُول مُتعلّق حَرف الجر. و"خَليلي": مَرفُوعٌ بالفِعْل، وعَلامةُ الرّفع ضَمّة مُقَدّرة؛ لأنّه [مما] (٢) أضَافه المتكلِّم إلى نفسه؛ فإعرابه مُقَدّر في الأحوال الثّلاث، عند جمهُورهم. وقيل: هو مَبني مُطلقًا؛ لأنّه أُضيف إلى مَبني. وقيل: في حَالة الجر مَبني، وفي حالتي الرّفع والنّصب مُقَدّر. (٣) و"خَليلٌ": "فَعِيلٌ" مِن "الخُلّة" بضَمّ "الخَاء"، وهي "الصّدَاقة". ويكُون "الخليلُ" بمعنى "الفَقير"، مِن "الخَلّة" بالفَتْح، وهي "الحَاجَة". (٤) ومِن ذلك قَول زُهَير:

стр. 1007

وإنْ أتَاهُ خَليلٌ يومَ مَسْألَةٍ ... يَقولُ لَا غائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ (١) ويجمَع "خَليل" على "أخِلّاء". قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وفي جمعه على "أخِلّاء" دَليلٌ على أنّه "فعيل" بمعنى "فَاعِل" (٢)، لكن "فعيل" بمعنى "فَاعِل" يُجمَع على "أفعلاء"، كـ "أشداء". (٣) قوله: "بثَلَاثٍ": "البَاءُ" للتَّعْدية (٤). و"ثَلاث": عَدَدٌ مُؤَنّث؛ لأنّه أرَادَ "الخِصَال". وتقَدّم الكَلامُ على العَدَد في الحديث الثّالث من "التيمّم". قوله: "صيام ثَلاثَة أيّام": يجوز فيه الجرّ على البَدَل، والرّفْع على القَطْع، والنّصب بتَقْدير "أعني".

стр. 1008

وتقَدّم الكَلامُ على "أيام" -[وإنّها] (١) جمعُ "يَوم"، جمْع قِلّة - في "باب الاستطابة" في الحديث الثّالث. وأصْله (٢): "أيْوَام"، اجتمعت "اليَاء" و"الواو"، وسَبَقَت "اليَاء" بالسّكُون؛ [فقُلبت] (٣) "الواو" "ياءً"، ثم أُدغِمَت في "اليَاء". (٤) قوله: "مِن كُلّ شَهْر": تقَدّم في الحديث الأوّل من الكتاب الكَلام على "كُلّ". وأُضيف "كُلّ" ههنا إلى نَكِرة، ومتى أُضيفت إلى نَكِرة كَانَ تابِعَها جَارٍ على ما أُضيفَ إليه، قَال تعَالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. (٥) وحَرْفُ الجر يتعَلّق بصفة لـ "أيّام"، أيْ: "كَائنًا مِن كُلّ شَهْر". وتقَدّم الكَلامُ على "شَهْر" في الحديثِ الثّالث مِن "الصّوم في السّفر". قوله: "ورَكعتي الضُّحى": أي: "وصَلاة ركعتي". وهو معطوفٌ على "صيام"، يجري معه في جَرّه ونَصْبه، ويُمنَع فيه الرّفع؛ لأنّ الرّوَايَة يجب اتباعها، وهذا يُضعِف تقْدير الرّفع في المعطُوف عليه. وفي الكَلام حَذف مُضَاف، أي: "وصَلاة رَكعتي الضّحَى". قال في "الصّحاح": "ضَحْوَةُ النّهار": بعد طُلوع الشّمس. ثم بعده "الضُّحَى" حين تُشرق الشّمس، مَقْصُور، يُؤنّث ويُذَكّر. فمَن أنّث:

стр. 1009

ذَهَب إلى أنّها جمعُ "ضَحْوة". ومَن ذَكّر ذَهَب إلى أنه اسم على "فُعَل"، مثل: "صُرد" و"تُغر". وهُو ظَرْفٌ غَير مُتَمَكّن، مثل: "سَحَر"، تَقُول: "لَقِيتُه ضُحًى"، إذَا أرَدْت به "ضُحَى يَوْمِك"؛ فتمنعه الصّرف. ثم بعْدَه: "الضّحَاء"، ممدُود، مُذَكّر، مفتُوح، عنْد ارتفَاع النّهار الأعلى. (١) قوله: "وأَنْ أُوتِر": مَعْطُوفٌ على "صيام". وأَتَى فيه بـ "أنْ" المصْدَريّة؛ ليُصَحّح عَطْفَ الفِعْل على الاسم. (٢) قوله: "قَبْل أنْ أنام": "قبْل" و"بعْد" تقَدّم الكَلامُ عليهما وعلى ما يجري مجراهما من الأسماء التي لا تُصغّر في الرّابع من "باب تسْوية الصّفوف"، والثّالث من "باب التيمم". و"أنْ": حَرفُ نَصْب. و"أنام": فِعْلٌ منصوبٌ بـ "أنْ". والجملةُ مخفُوضَة بالإضَافة. [الحديث الرّابع] (٣): [١٩٧]: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، "أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: "وَرَبِّ الْكَعْبَةِ" (٤). قوله: "سَألْتُ [جَابر] (٥) ": جملَة معْمُولة للقَول، والقَول معْمُول لمتعلّق

стр. 1010

حَرْف الجر. قوله: "جَابر بن عبد الله": مفعُول "سَألتُ". وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة صَلاة النبي ﷺ ". وهي هُنا مُعَلّقة عن العَمَل بهَمْزة الاستفهام. والتقديرُ: "سَألتُ جَابرًا عن نَهْي رسُول الله". وعُلّقت "سألتُ" وإن لم تكُن من أفْعَال القُلوب؛ لأنّها سَبَب العِلْم، فأُجري السَّبب مجرى المسبّب. (١) قوله: "صَوْم يَوم": أضَاف "الصّيام" إلى "اليوم"، وهو ظَرْفه، أي: "عن الصوم في يوم". و"عن": تقَدّم الكَلامُ عَليها في الثّالث مِن "باب الصفوف". و"يَوم" تَقَدّم الكَلامُ عَليها في الثّالث مِن "باب الاستطابة". و"الجمْعَة": تَقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الثّاني مِن "باب الجمْعَة". قوله: "قَالَ: نَعَم": تقَدّم الكَلامُ على "نَعَم" في الرّابع من "الجنَابة". وهي هُنَا معْمُولة للقَول. وتَأتي مُقَرّرة لما سَبَقَهَا نفْيًا وإثباتًا، وتكُون في جَواب الاستخبار للثّبوت. فَإذا قُلت: "هَل قَام زَيد؟ "، فجَوابه في الإثبات: "نَعَم". ولو قَالَ قَائِل: "مَا خَرَج زَيد؟ "، ولم يكُن خَرَج؛ قُلْت في جَوابه: "نَعَم"، أي: "نَعَم، ما خَرَج"؛ فصَدّقت الكَلام في نَفْيه وإثباته. (٢)

стр. 1011

قوله: "وزَادَ مُسلم: ورَبّ الكَعْبة": أيْ: "زَادَ بعْد قَوْله: نَعَم". وهَذا الموضع من المواضع التي تُحذَف الجمْلة (١) فيها [استغناء] (٢) بـ "نَعَم" في الجواب؛ فكَان التقدير: "نَعَم، نَهى ورَبّ الكَعبة". ويُحذَف الجوابُ في مَوضعين آخرين: - ١ - أحدهما: إذا تقَدّم على القَسَم مَا يطلُب خبرًا أو مَا يطلُب صِلة، فتقُول: "زيد [والله] (٣) يقُوم"، فتَبْنِي على المبتدأ، وتحذف جَواب القَسَم؛ لدلالة الخبر عليه. ولك أنْ تبني على القَسَم؛ فتقول: "زيد [والله] (٤) ليقومنّ". وتقُول في الصّلة: "يُعجبني الذي والله يقُوم"، فتَحذف جَواب القَسَم. ولك أن تقُول: "يُعجبني الذي والله ليقُومَنّ". وعلى الأوّل: يكونُ الخبرُ في القَسَم وجَوابِه. ٢ - وكذلك يجوز حَذفُ الجوَاب [إذا] (٥) جَاءَ [عقيب] (٦) كَلام يدلّ على الجوَاب، كما جَاء هُنا في قَوله: "نَعَم ورَبّ الكَعبة". ومثله قولك: "زَيد قَام والله"، [تَحْذِف] (٧) جَوَابَ "والله"؛ لدلَالَة "زَيد قَام" عَليه. (٨) و"الواو" في قوله "ورَبّ" "واو" القَسَم، ومَا بعدَها مخفوضٌ بها. وتقَدّمَت حُروف القَسَم في الحديث العَاشِر مِن "الصّلاة".

стр. 1012

وجَوابُ القَسَم هُنا في الحديثِ مُقَدّرٌ، تقديره: "نَعَم، قَد نَهَى عَن صيامه". واعلم أنّه لا بُدّ من تَقْدير [فِعْل] (١) القَسَم حتّى [تتعلّق به معرفته] (٢)، والتقْديرُ هُنا: "أُقْسِم ورَبّ الكَعْبَة". ولا يجُوزُ إظْهَارُ فِعْل القَسَم مع جميع حُروفه، إلّا مَع "البَاء"؛ فإنّهم قَالُوا: "أُقسِم برَبّ الكَعبة"، و"أُقسِم بالله". (٣) وأجَاز "ابن كيسان" ظُهور الفِعْل مَع "الواو"، كقَوله: "أُقسِم ورَبّ الكَعبة"، و"أُقسِم والله لأفعَلَنّ كذا"، وهذا لا يُحفَظ عَن أحَدٍ من البصريين، فإنْ وَرَدَ منه شَيء يُؤَوّل على أنْ يكُون "أُقسِم" كَلامًا تامًّا، ثُم أتَى بَعْد ذلك بالقَسَم. (٤) الحديث [الخَامِس] (٥): [١٩٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" (٦). تقَدّم الكَلامُ على "سَمع" في الحديث الأوّل من الكتاب.

стр. 1013

ومُقتضاه أنّها إنْ تعَلّقت بالأصْوات تعَدّى إلى مفْعُول واحِد، نحو: "سَمِعتُ كَلَام زَيد". وإنْ تعلّق بالذّوات - كما وَقَع هُنا - تعَدّى إلى مفعُولين، ثانيهما جملة فِعْلية صَدْرها مُضَارع، مِن الأفعَال الصّوتية، تقُول: "سَمِعتُ النّاس يقُولون كذا". (١) ومختارُ ابن مالك وأبو حيّان ومَن وافقهما أنْ تكُون "يقُول" في محلّ الحال إنْ كَان المتقَدِّم مَعْرِفَة، أو صِفَة إن كَان المتقَدّم نَكِرَة. (٢) [فعلى] (٣) هَذا: يكُون (٤) في محلّ المفعُول الثّاني لـ "سَمِع". (٥) قوله: "لا يصُومَنّ": "لا" ناهية، والفِعْلُ مُؤكّد بنون التأكيد المشَدّدة، [ومتى] (٦) بُني لاتصال إحدَى النّونات الثّلاث (٧) به لم يظْهر فيه إعراب؛ ولذلك لم تظْهَر عَلامَة الجزْم هُنا في الفِعْل. (٨)

стр. 1014

وتقَدّم الكَلامُ على "نُون التأكيد" في الخامس من أوّل الكتاب. وتقَدّم الكَلامُ على "لا" وأقْسَامها في الثّاني من "باب الاستطابة". وتختصّ "نون التأكيد" بالنّهي والأمر والاستفهام والتمني والعرض والقَسَم. ولا تدخُلُ مع النفي، إلا فيما قَلّ مِن الكَلام. ويكثر دخُولها في الفِعْل الواقِع بعْد "إمّا"، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦]. (١) قوله: "يَوْم": مفْعُولٌ على السّعَة؛ لأنّ التقْدير: "لا يَصُومَنّ أحَدٌ يَوْم الجُمعَة"، فحذف حَرْف الجرّ؛ فانتَصَب بالفِعْل على السّعَة. وتقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الثّالث مِن "الاستطابة"، وعلى "الجُمعَة" في الثّاني من "الجُمعَة". واتصل به ذِكْر الأيام. قوله: "يَوْم الجمعَة": ظَرْف، وإن وَقَع الصّوم [بجُملة] (٢) اليوم، خِلافًا للكُوفيين (٣)، وقَد تقَدّم قَريبًا. قوله: "إلّا أنْ يصُوم يَوْمًا قَبْله": يحتمل أنْ يَكُون الاستثناءُ هُنا مُتّصلًا (٤)؛ لأنّ مَا قَبْل "أنْ" مِن جنْس مَا بَعْدها. ويحتمل الاستثناءُ أنْ يكُون مُنقَطِعًا، أي: "لا

стр. 1015

يصُومنّ يوم الجمعة مُنفردًا، لكن صيامه مع يوم قبله أو بعده". ويحتمل أن يكُون التقدير: "إلا بأنْ يَصُوم يَوْمًا قبْله"؛ فتكُون "الباء" سَببية. (١) وتقَدّم الكَلامُ على "قَبْل" و"بَعْد" في الحديث الرّابع من "باب تسوية الصفوف". وعلى كُلّ مَا قَدّرْناه: يكُون محلّ "أنْ" نصبًا، إمّا بالاستثناء المنْقَطِع أو المتّصل. (٢) الحديث [السّادِس] (٣): [١٩٩]: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ - وَاسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ - قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: "هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ" (٤). قوله: "شَهِدتُ": بمعنى "حَضَرتُ"، ومنه قوله تعَالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. (٥) و"العيد": مفعُولٌ به، بتقدير مُضَاف، أي: "صَلاة العيد". قوله: "مع عُمر": تقَدّم [الكَلامُ على] (٦) "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين". و"عُمر" تقَدّم أنّه لا ينصرف ولا يجمَع، في أوّل حديثٍ من الكتاب. وتقَدّم أنّ جملتي ( ﷺ ) و (﵁) مُعترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب، والجملُ التي

стр. 1016

لا محلّ لها مذكُورة في الحديث الأوّل من الكتاب. وجملة "نهى عن صيامهما": في محلّ صِفَة لـ "يَومَان". والإشارة [إلى] (١) يَوْمَي العِيد وإنْ لم يتقَدّم لهما ذِكْر، إلّا أنّهما معْلُومَان [بالكلام] (٢). (٣) قوله: "يومُ فِطْركم": يجوزُ في "يوم" الجر على البَدَل من الضّمير المخفُوض بالإضافة. ويجوزُ فيه الرّفع، بتقدير مُبتدأ، أي: "هما يوم. . .". ويجوز الرفع على أنّهما بَدَل من "يومان". و"من صيامكم": يتعلّق بـ "فِطْركم"؛ لأنه اسم للمَصْدَر. "واليَومُ الآخَرُ": معْطُوفٌ على " [يَوْم] (٤) ". فإنْ كَانا بَدَلًا من الأوّل - وهو "يَوْمَان"، وهو الظّاهر - كانا مَرفُوعَين. وإنْ كَانَا بَدَلًا مِن الضّمير المجرور فهُما مجروران. و"اليوم" مُبتدأ، و"الآخَر" صِفَته، و"تَأكُلُون" جملة في محلّ خَبر "اليوم". ويحتمل أن يكُون "واليوم الآخَر" مجرورًا، بالعَطْف على "يوم فِطْركم". وتكُون جملة "تأكلون" في محلّ الحَال، والحالُ مُقَدّرَة؛ لأنّها غير مُقَارنة. ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "لتَأكُلوا فيه"، ثُمّ حُذِفَت "لام" "كَي"؛ فارتَفَع، كما قيل في قَوله: أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... . . . . . . . . . . (٥)

стр. 1017

[وقوله] (١): "ولَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَحِدُّ" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: "أنْ تحدّ"، و"أنْ يُريكم". (٣) و"هَذَان": عَلامَةُ الرّفع فيه "الألِف"؛ لأنّ الأسْماءَ [المبهَمَة إذا] (٤) دَخَلتها عَلامة التثنية أُعربت كسَائر الأسْماء المعْرَبة. وقَد جَاءَت في حَالة النّصب على هذه الصيغة في قَوله تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، وخَرّجوه على ستة أوْجُه، منها ما هو قريبٌ، ومنها ما هو بَعيد؛ فلينظر هنالك من كُتب الإعراب. (٥)

стр. 1018

الحديث [السّابع] (١): [٢٠٠]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنْ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ". (٢) قوله: "عن صَوم يومين": يتعلّق بـ "نهى". و"نهى" وما بعده في محلّ نصْب بالقَول. قوله: "الفِطْر والنّحر": بَدَل مِن "يَومَين"، والتقدير: "صوْم يَوم الفِطْر، وصَوْم يَوم النحر". قوله: "وعَن الصّمّاء": أي: "عَن اشتمال الصمّاء". وقَد فُسّر بأنّه: "الذي يشتمل بالثوب، يستر به جميع جَسَده، بحيث لا يتركُ فُرجَة يُخرِجُ منها يَده". واللفظُ مُطَابقٌ لهذا. (٣) والعَرَبُ تقُول: "اشتمل الصّمّاء"، وهو "يعْدُو المَرَطَى"، و"يعدُو الجَمَزَى"، عَدّوها مَصَادر لبيان النّوع. (٤) قوله: "وأنْ يحتبي": التقدير: "وعَن أنْ يحتبي الرّجُل"، فيكُون محلّ "أنْ" إمّا نَصْب أو جَرّ، على الخلافِ في ذلك.

стр. 1019

والألِف واللام في "الرّجُل" لبيان الجنس. [قوله] (١): "في الثّوْب الوَاحِد": يحتمل أنْ تكُون "في" هُنا بمَعنى "البَاء"، كَما جَاءَ في قَوْله تَعَالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، أي: "يُكَثّركم به". (٢) ويتَعَلّق حَرْفُ الجرّ بـ "يحتبي". وجَاءَ في بَعْض الرّوَايات: "لَيْسَ على فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٣)؛ فتكُون [الجملة] (٤) في محلّ الحال من "الثّوب"، أو فَاعِل "يحتبي". قوله: "وعَن الصَّلاة بعْد الصُّبح والعَصْر": يعني: "نهى عن الصّلاة بعد الصّبح والعَصْر". والتقدير: "بعد صَلاة الصّبح، وبعْد صَلاة العَصْر". الحديث [الثّامِن] (٥): [٢٠١]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٦). قوله: "مَن صَام": "مَنْ" شَرْطيّة، في موضع رَفْع بالابتداء، خَبرها في فعلها. وقيل: في جوابها. وقيل: فيهما. (٧) وتقَدّم الكَلامُ عَليها في العَاشِر مِن أوّل الكتاب،

стр. 1020

وتقَدّم في الرّابع منه ذِكْر أقسَامها. و"صَام": مِن الأفْعَال اللازِمَة، وأصْله: "صَوم"، تحرّكَت "الواو" وانفَتَح مَا قَبْلها؛ فَانقَلَبَت أَلِفًا. (١) "يَوْمًا": مفعُولٌ على السّعة، العَامِلُ فيه "صَام". وتقَدّم الكَلامُ على "اليوم" في الحديث الثّالث من "الاستطابة". و"في سَبيل الله": يتعلّق بـ "صَام"، أو بصِفَة لـ "يوم". والإضَافةُ في " [سَبيل] (٢) الله" إضَافَة تخصيص. (٣) و"السّبيلُ": "الطريقُ"، يُذَكّر ويُؤَنّث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، فذَكّروا ما هُنا. فـ "سَبيلُ الله": "دِيْنُه". (٤) والظّرْفيّة هُنا مَجَازيّة. وتقَدّم الكَلَامُ على أقْسَام "في" في الحديثِ الرّابع مِن أوّل الكتاب.
следующие страницы →