← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

"الحَسَن". وهذا التقديرُ إنّما ذَكَرتُه تقريبًا للمُبتَدي وتمرينًا للمُنتهي؛ [لأنّ الرّواية] (١): "وهو مُعتكِفٌ في المسجد"، إلا أنْ يثبت غير ذلك. قوله: "وهي في حُجرتها": جملة أخْرى حَاليّة [من] (٢) الضّمير في "تُرَجّل"، حَال بعْد حَال، وجَارٍ على قَول مَن أجاز تعَدّد الحال، وهُم الجمهور. (٣) و"الْحُجْرَة": "الموضع المتحجّر - المنفرد - بحَائط أو غيره"، وجمعه "حُجَر" و"حُجرَات" بضَم "الجيم" [وفتحها] (٤)، كـ "غُرْفة وغُرَف غُرفَات". وأمّا "حَجْرة القَوم" فبفتح "الحاء" [أي: "ناحية دارهم"] (٥)، والجمع "حَجرات" كـ "جمرات"، ويجوز "حَجْر" كـ "جمر". (٦) وجملة "يُناوِلها رَأسَه" في محلّ الحال في ضَمير "يعتكف"، أو جملة مُستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. و"المناوَلة" مجازيّة، من مجاز التشبيه. و"الرّأس" مُذكّر بلا خِلاف. قوله: "وفي رواية": يتعلّق حرف الجر بفِعل محذُوف، أي: "وجاء في رواية". وتكون جملة "أنّ عائشة. . . إلى آخره" مُبتدأ، والخبرُ في المجرور، أي: "في رواية: قول

стр. 1052

عائشة". و"أخْرَى": صِفَة لـ "رواية"، وهي تأنيثُ "آخَر"، وعَلامة الجرّ فيه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه لا ينصَرف؛ لأَلِف التأنيث المقْصُورة. (١) وقَد تقَدّم في الحديث الثّالث من "باب العيدين" مِن الكَلام على "أخْرى" طَرَف، فليُنظر هُنالك. وليست لَفْظَة "أخْرَى" في كُلّ نُسَخ "العُمْدة"، ووَجَدتها في نُسْخَة قُرِئَت على "الشّيخ". قوله: "وكَان لا يَدخُلُ البيت": فاعلُ "يدخُل": "ضَمير النبي ﷺ ". والجملة مُستأنَفَة. وتَقَدّم الكَلامُ على تعَدّي "دَخَل" في الأوّل من "باب الاستطابة". قوله: "إلا لحاجة الإنسان": الاستثناءُ مُفرغ، يعمَل ما قبل "إلّا" فيما بعدها (٢)؛ فتتعَلّق "لحاجَة" بـ "يدْخُل". قوله: "وفي رِوَايةٍ": تقَدّم قَريبًا تعَلّق حَرف الجرّ به. و"قَالَت": في محلّ خَبر "أنّ". قوله: "إنْ كُنتُ": "إنْ" هُنا المخفّفة من الثقيلة، أي: "إنّي كُنت". و"كان" واسمها وخبرها في محلّ خَبر "إن". و"اللام" في "لأدخُل" هي "اللام" الفَارِقَة بين المخفّفة والنافية. ودَخَلت "اللام" على خَبر "كان"؛ لأنّ "كَان" واسمها وخبرها أحَد جزأي خَبر "إن". وذَهَب الكُوفيون إلى أنّ "إنْ" في مِثْل هَذا نافية، و"اللام" بمَعنى "إلّا". (٣) وتقَدّم الكَلامُ على

стр. 1053

"إنْ" المخفّفة في الثّالث من "الصّوم"، ويأتي في الخامس مِن "الأطْعِمَة". قوله: "والمريض فيه": "الواو" واو الحال مِن ضَمير عَائشة، وهو فَاعِلُ "أدخُل". و"فيه" يتعلّق بالخبر. قوله: "فما أسأل عنه": "الفاءُ" عَاطِفَة، لا سَببَ فيه (١)، عَطَفَت جملة على جملة، و"مَا" نافية، و"أسأل" فِعْل مُضَارع. ونَفَت بـ "ما"؛ لأنها [أرَادَت] (٢) حَالة دُخُولها. قوله: "وَأنَا مَارّة": جملة في محلّ الحال من فَاعِل "أسْأَل"؛ فالاستثناءُ مُفرغ؛ لأنّ العَامِل في الحال مُتَقَدّم على "إلّا" (٣). الحديث [الثّالث] (٤): [٢٠٧]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ: يَوْمًا، ولا لَيْلَةً. (٥) قوله: "قُلْتُ": معمُولُ "قَالَ". و"قَالَ": مَعمُول مُتعلّق حرف الجر. و"يا

стр. 1054

رسُولَ الله" مَعمُولُ "قُلتُ". و"إنِّي": "إنّ" واسمها. وكسر "إنّ" بعد القَول (١)، وقد تقَدّم مَواضِع كسرها وفتْحها [في] (٢) الحديث الرّابع من أوّل الكتاب. وجملة "كُنتُ. . ." في محلّ خَبر "إنّ"، وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في أوّل حَديثٍ مِن الكِتَاب. و"في الجَاهِلية" يتعَلّق بـ "نَذَر"، ولا يصحّ أنْ يتعلّق بصِفَة لـ "يَوْم"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحال، ويكُون التقديرُ: "إنّي نَذَرْت أنْ أعتَكِف لَيْلةً أو يومًا كائنًا في الجاهِلية"؛ لأنّ ما بَعْد "أنْ" مِن صِلتها، والصّلة لا تتقَدّم على الموصُول (٣)؛ لأنّه لم يَشْترط أنّ اليوم في الجاهلية. قوله: " [أنْ] (٤) أعْتَكِف": في محلّ مفعُول "نَذَرْتُ". و"أنْ": المصدَريّة النّاصبة، وقد تقَدّمَت في الرّابع من أوّل الكتاب. و"لَيْلَة": مفعُولٌ على السّعة، أي: "زَمَن لَيْلَة"، ويُحتَاج إلى هَذا؛ لأنّه لم يُرِد أنْ يعتكف في لَيْلة، إنّما أراد: جُملة زمنها؛ فلذلك قُدِّر المضَاف. قوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في روايةٍ" "يومًا في المسجد"؛ فيكُون التقدير: "وجَاء في روايةٍ: أعتَكِف يومًا في المسجد"؛ فتكُون الجملة في محلّ فَاعِل بـ "جاء"، و"في المسجد" يتعلّق بـ "أعتكف" المقَدّر. و"الحَرَام" صِفَة للمَسْجِد. ويحتمَل أنْ يكُون

стр. 1055

"في المسجد" مُتعلّقًا بصِفَة لـ "يوم"، والمعنى لا يُسَاعده إلّا بتكَلّف. قوله: "قَال": فاعِلُه: "ضَميرُ النبي ﷺ ". وفاعِلُ "أوْف": ضَمير "عُمر ﵁". و"وَفّى" و"أَوْفَى" بمعنى واحد، ويُقال: " [أوفى] (١) على الشيء" أي: "أشْرَف عَليه". و"وَفّاه حَقّه" و"أوْفَاه" بمعنى، أي: "أعطاه وافيًا" (٢). وجُملة "أوْف. . ." مفْعُول [بالقَوْل] (٣). و"البَاء" في قَوْله "بنَذْرك" "بَاءُ" التّعدية (٤). وعَلامَةُ بناء فِعْل الأمر: حَذْفُ "اليَاء". (٥) قوله: "ولم يذكُر بعضُ الرّواة: يَوْمًا": "يَوْمًا" هُنا مفْعُول بـ "يَذكُر". و"يذكُر" مجزُوم بـ "لم"، وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثّالث من "باب المذي". و"بعْض" مِن الأسْماء التي لا تُثنّى (٦)، وقَد تقَدّم ذِكْرها في الحادِي عَشر من "الجنائز". قوله: "ولا": نَافية مُؤَكّدة لنَفْي "لم". والله أعلم.

стр. 1056

الحديث [الرَّابع] (١): [٢٠٨]: عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ مُعْتَكِفًا، فأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْرَعَا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "على رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ". فَقَالا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا" - أَوْ: "شَيْئًا". (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ؛ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ. ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ. (٣) قوله: "قَالَت": يعني "صَفيّة": "كَان النبي ﷺ مُعتكفًا": "كَان"، واسمها: "النبي"، وخبرها: "مُعتكفًا"، والجملة كُلّها معمُولة للقَول. قوله: "فأتيتُه أزُوره لَيلًا": "أتى" بمعنى "جَاء" يتعَدّى إلى مفعُول واحد، و"آتى" الممدُود بمعنى "أعْطَى" يتعَدّى إلى مفعُولين؛ الثُّلاثي للثّلاثي، والرُّباعي للرّباعي. (٤) ومِن هَذا (٥): "عَذق: نَخْلَة" و"عِذق: كَيَاسَة"، المكسور للمكسور والمفتوح

стр. 1057

للمفتوح. (١) ومنه: "مَور: طريق" و"مُور: غُبَار"، المنصوب للمنصوب والمرفوع للمرفوع. (٢) ومنه: "تناؤش: تأخّر"، "تناوش: تناول". (٣) ومنه: "تَرِب: افتَقَر" و"أَتْرَب: استغنى"، النّاقِص للنّاقص. (٤) ومنه: "مِطْبَخ: مِرْجَل"، "مَطْبخ: مَوْضِع". (٥) ومنه: "وَقْر: في الأُذن" و"وِقْر: على الظَّهْر"، الأعلى (٦) للأعلى. (٧) ومنه: "حِمْل: على الظّهر"، و"حَمْل: في البطن"، المكسور لما ينكسر، والمفتُوح لما ينفَتِح عند الوِلَادة. فأمّا "حمل النّخلة والشّجرة": فبالوَجْهَين. (٨)

стр. 1058

ومنه: "المدَارَأة: المدافَعَة" و"المدَارَاة: الملايَنَة"، القَويّ للقَويّ، واللّين للّين. (١) ومنه: "هُجْر: فُحْش" و"هَجْر: هَذَيَان" (٢) ومنه: "بَدُن: سَمِن" و"بَدَّن: أَسَنَّ"، الخفيف للخَفيف. (٣) ومنه: "لَعِب: من اللَّعِب" و"لَعَب: من اللُّعَاب"، [كسر] (٤) العَين لمكسورها، ومفتوحها لمفتوحها. (٥) ومنه: "نُلْتُه: أَعْطَيتُه" و"نِلْتُ منه: أخَذْتُ"، الحرَكة العُليا لليَد العُليا. (٦) ومنه: "قَلَم ظفره" بالتخفيف، و"قَلّم أظْفَاره" بالتثقيل، قاله "الجوهري"، الخفيف للقليل، والثقيل للكثير. وقَال ابنُ فارس [وغيره: هُما] (٧) بمَعْنى. (٨)

стр. 1059

إذا ثبت ذلك: فجُملة "أزُوره" في محل الحال، و"ليلًا" منصوبٌ على الظّرفية، العَامِلُ فيه "أزوره". قولها: " [فحَدّثته] (١) ": معْطُوفٌ على "أتيته". قوله: "ثُم قُمْتُ": مَعْطُوفٌ عَليه. و"اللام" في "لأنقلب" لام "كَي"، والفِعْل مَعَها منصُوبٌ بإضمار "أنْ"، وجميعُ ما ينتصب بإضمار "أنْ" لا يجوزُ إظهار "أنْ" معه إلّا "لام كَي"، وحَرفُ العَطْف المعطُوف به الفِعْل على الاسم الملفوظ به، نحو قوله: لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقِرَّ عَيْنِي ... أحَبُّ إليّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ (٢) أي: "وأنْ تَقِرّ عَيني". (٣) قوله: "فقَامَ مَعي": تعني: "النبي ﷺ "، و"مَعي" معْمُولُ "قَامَ"، وتقَدّم الكَلامُ

стр. 1060

عَليها في الحديث الأوّل مِن "المسْح على الخفّين". و"اللام" في "ليَقْلِبَني" لام "كَي". و"يَقْلبني": فِعلُ مُضارع و"نُون" الوقَايَة ومفْعُول، والفَاعِلُ ضَمير مُستَتر يعُود على "النبي ﷺ ". والمعنى هُنَا في "ليَقْلبني": "ليصرفني"، وكذا "لأنْقَلِب": "لأنصَرف". (١) قوله: "وكَانَ مَسكَنها في دار أُسَامة بن زيد": هذه الجملة مُعترضة لا محلّ لها مِن الإعراب؛ لأنّ هَذه الجملة ليست مِن قَوْلها، ولَو كَانَت مِن قَولها لقَالَت: "وكان مَسْكَني". قوله: "فمَرّ رَجُلَان": مَعْطُوفٌ على قَوله: "فَقَام مَعي". و"مِن الأنْصَار": يتعَلّق بصِفَة لـ "رَجُلان". قوله: "فلمّا رَأيَا رَسُولَ الله ﷺ ": "لمّا" حرف وجُوب لوجوب، ويُقال: حرف وجُود لوجُود. واخْتَار الفَارِسِي ومَن [تَبِعَه] (٢) أنّها مَع الماضِي ظَرْف بمَعْنَى "حِين". (٣) وتقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "المذي"، وفي السّادس [من "باب] (٤) صِفَة الصّلاة". و"رَأيَا": فِعْل مَاض وفَاعِل. ولم تنقَلِب "اليَاء" هُنا أَلِفًا مع تحرّكها وانفتاح ما قَبْلها؛ لأنّه لو انقَلَبت لحذفت لسكُونها وسكُون الضّمير، فيرجع إلى فعل الواحد؛ ويقع بذلك اللبس بين الواحِد والمثنّى. والرّؤية بَصَريّة؛ فتتعَدّى لوَاحِد (٥)، وهُو "رَسُول الله ﷺ ".

стр. 1061

قوله: "أَسْرَعَا": جملة من فِعْل وفَاعِل، جوابُ "لمّا". قوله: "فقَالَ النبي ﷺ ": معطُوفٌ على "فَمَرّ". و"على رِسْلكما": يتعلّق بفِعْل محذُوف، أي: "امشيا على رِسْلكُما"، أي: "على [تَئِدتكما"] (١). و"الرِّسْل" بكسر "الرّاء": "التؤدة". و"الرّسل" بكَسرها أيضًا: "اللبن". وأمّا "الرَّسَل" بفَتْح "الرّاء والسّين": فـ "القَطِيع مِن الإبل". (٢) قوله: "إنّها صَفيَّة": "إنّ" واسمها وخبرها، والضّميرُ يعُود على المرأة المريبة لهما، أي: "إنّ المرأة صَفيّة". قوله: "بنت حُيَي": صِفَة لـ "صَفية". و"حُيَي" اسم عَلَم، مُصَغّر مِن "حَيّ" (٣). قوله: "فقَالا: سُبْحَان الله": معْمُول للقَول. و"سُبْحَان الله" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الأوّل من "الجنابة". وكثيرًا ما يُستَعْمَل التسبيح لتَعْظِيم الأمْر المحدّث عنه، أو للتعجّب منه (٤). و"سُبْحَان": اسمٌ وُضِع مَوضِع المصْدَر، منصُوبٌ بإضمار فِعْل من معناه لا يجوزُ إظهاره. ويُستَعمَل مُضافًا، كَما وَقَع هُنا، ومُفرَدًا مُنوّنًا، كقَوله: سُبْحَانَه ثُمّ سُبْحَانًا نَعُوذُ بِهِ ... . . . . . . . . . . . . (٥)

стр. 1062

فقيل: صَرَفَه ضَرورة، ومَنْعُه من الصّرف للعَلَمية وزيادة الأَلِف والنّون. (١) والمعنى: "نُنزّهك يا رسُول الله". و"يا" ليست مُتمَحّضَة للنّداء، إنما هي حرفُ تنبيه. (٢) قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي ﷺ ". "إنّ الشّيطان": [كَسَر] (٣) "إنّ" هُنا لأجْل القَول. و"يجري": جملة في مَوضع خَبر "إنّ"، وبه يتعَلّق حَرف الجر. و"آدَم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والوَزْن، أو العَلَمية والعُجْمَة، كـ "آزَر". (٤) قَالَ الزّمخشري: وأقْرَبُ أمْره أنْ يكُون على "فَاعَل"، كـ "آزَر". (٥) وذَهَب "الجوهري" إلى أنّ أصْله "أأفعل" بهمزتين، ويجمع على

стр. 1063

"أوادم". (١) وذهب أبو البقاء إلى أنّه ليس بأعجَمي، ووَزْنُه "أفْعَل"، و"الألِف" فيه مُبدَلَة من هَمزة هي "فَاء" الفِعْل؛ لأنّه مُشتَق من "أديم الأرض" أو مِن "الأُدْمَة". (٢) قَال ابنُ عَطيّة: وهي (٣) حُمرَةٌ تميل إلى السّوَاد. (٤) قال: وجمعه: "أُدْم" و"أَوَادِم"، كـ "حُمْر وأحَامِر". (٥) وعلى هذا: يمتنع صَرْفه للعَلَمية ووَزْن الفِعْل. (٦) ونَقَل ابنُ عَطية وأبو البقاء أنّ وَزْنه "فَاعَل"، كـ "عَالَم" و"خَاتَم"، مُشتَقّ من "أديم الأرْض"، وجمعه: "آدَمُون" و"أوادم". وألزَمَا هذا القَائل (٧) صَرْفه؛ لأنّ التّعريفَ وَحْده لا يمْنَع. (٨) وذَهَبَ الطّبري إلى أنّه فِعْل رُبَاعِي، سُمّي به. وهو بعيدٌ. (٩)

стр. 1064

و"الشّيطان" تقَدّم في الحديث الثّاني من "باب المرور". قوله: "مَجْرَى الدّم": "مَجْرَى" "مَفْعَل"، يصلُح للزّمان والمكَان والمصدَر، وقَد قيل ذلك في قَوله تَعَالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] بفتح "الميم" (١) فإنْ كَان للزّمَان قُدّر: "يجري من ابن آدم مُدّة جَري الدّم". وإن قَدّرته مَكانًا قُدّر: "يجري من ابن آدم مَكَان مجرى الدّم". وإنْ قَدّرته مَصدَرًا قَدَّرته: "يجري من ابن آدم جَرْي الدّم". ويصح أنْ يكُون نعتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "يجري من ابن آدم مجرى مثل مجرى الدم". وتقَدّم الكَلامُ على "مَفْعَل" ومَا وُضِع له في الحديث الثّالث مِن "التيمّم". قوله: "وإنّي خَشيتُ أن يَقْذِف في قُلُوبكما شيئًا": "إنّي": "إنّ" واسمها، والخبر في جملة "خَشيتُ". و"أنْ يَقْذِف" في موضع مفعُول "خشيتُ"، وفَاعِلُه: "ضَميرُ

стр. 1065

الشّيطان". وتقَدّم الكَلامُ على "أنْ" المصْدَريّة في الرّابع مِن أوّل الكتاب. ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "إنّي خَشيتُ عَليكما"، أي: "من الكُفر"؛ ويكون "أنْ يَقْذِف" مفعُولٌ له، أي: "لأجْل أنْ يَقْذِف". (١) قوله: "في قُلُوبكما": يتعلّق بـ "يَقْذِف". وجُمِع "قُلُوب" كما جُمِع في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، والمرادُ: "حَوّاء وآدم"؛ لأنّه جَعَل لَفْظ الجمْع وَاقِعًا على المثنّى مَعْنى. ومنه قوله ﷺ : "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (٢). وقد اجتمَعَت التثنية والجمْع في قول الرّاجز: وَمَهْمَهَينِ فَدْفَدَيْن مَرْتَيْنْ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْن (٣)

стр. 1066

قالوا: كُلّ اثنين من [اثنين] (١) يجوز تثنيتهما وجمعهما. (٢) وجَرَوا على ذَلك في المنفَصل (٣)، وقَالُوا: "أمَدّ الله في أعمارِكُما، ونَسَأ في آجالِكُما". (٤) قوله: "شَيئًا": مفعُولٌ بـ "يَقْذِف"، وكذلك " [شَرًّا] (٥) ". و"شَيئًا" تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّاني مِن "باب المرور". قوله: "وفي روايةٍ: أنّها جَاءَت": يحتمل مُتعَلّق حَرف الجر الوجهان المتقَدِّمَان، أحدهما: يُقَدّر "جاء" عَاملًا؛ فتكون "أنها" وما اتصل بها في موضع الفاعل. والثاني: يُقدّر "أنها" وما [بعده] (٦) في موضع رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، وبه يتعلّق

стр. 1067

حرف الجر. ومفعولُ "جَاءت" محذُوفٌ، أي: "جَاءَت النبي ﷺ ". قوله: "تزوره": جملة في محلّ الحال من ضَمير الفَاعِل. و"في اعتكافه" يتعلّق بـ "تزوره". و"في المسجد" يتعلّق بـ "اعتكافه"؛ لأنّه مصدر. ويحتمل أن يكُون "في المسْجد" بَدَلًا من "في اعتكافه"؛ لأنّ التقدير: "في مكان اعتكافه" أو "في زَمَن اعتكافه". قوله: "في العشر الأوَاخِر": يحتمل أنْ يتعَلّق بـ "جاءت"، أي: "جاءت النبي ﷺ في العشر الأواخر تزوره في اعتكافه"، أي: "في موضع اعتكافه". ويحتمل أن تكون "في" من قوله "في المسجد" بمعنى "إلى"، كما هي في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، أي: "إلى أفواههم" (١)؛ فتتعلّق "في العشر الأواخر" بـ "تزوره". وإنما تجري صحة التعلق على ما يقتضيه المعنى، إلا أنْ يُعارضه إخلال بقاعدة من قواعدهم، كما هنا، من أنّ حرفي جَر لمعنى لا يتعلّقان بفعل واحد. وتقَدّم الكَلامُ على أنّ "العَشر" اسمُ جمع، و"الأواخر" نعته، على معناه. و"مِن رَمَضَان": "مِن" للتبعيض، وتتعلّق بحَال من "العَشر"، أو بحَال من "الأواخر"، والتقدير: "بالعشر الأواخر". ويحتمل أن تتعلّق بـ "الأواخر"؛ لأنها جمعُ "آخر"، ففيها معنى الوصف، كما تقدّم. وتقدّم الكَلامُ على "رمضان" في الحديث الثّالث من "باب الصّوم". وهذه الجملة من قولها، وأنها جاءت تزوره. . . إلى آخر الحديث حكاية الرّاوي

стр. 1068

من خبرها عن نفسها، ولذلك انتقلت ضَمائر المتكلّم إلى ضمائر الغائب. قال: "فتَحَدَّثَتْ": فاعله "ضميرُ صفية". و"عنده سَاعة": تقدّم الكَلامُ على "عند" في الحديث الأوّل من "السّواك". و"ساعة" منصوبٌ على الظرفية، والمراد بها "وقت"، لا الساعات الزمانية؛ لأنّ المعتكفَ لا يكثر عنده الكَلام. وجمعها: "سياع" و"ساعات". ويُقال: "ساعة سوعاء"، أي: "شديدة"، كما يُقال: "ليلة ليلاء". ويُقال: "عاملته مُساوَعَة" من "الساعة"، كما تقول: "مياومة" من "اليوم"، لا يُستعمل منهما إلا هذا. (١) قوله: "ثُم قَامَت تنقَلب": "ثُم" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثاني من "باب الجنابة". وفاعلُ "قامت": "ضمير صفية". و"تنقلب" بمعنى "ترجع إلى (٢) أهلها"، تقدّم قبل هذا قريبًا. وجملة "تنقلب" في محلّ الحال من الفَاعِل. وتقدّم الكلام على الجمل الحالية في الثالث من "المذي". قوله: "فقام رسُول الله ﷺ ": معطوفٌ على "قامَت". قوله: "معها ليقلبها": تقتضي لفظة "مع" المعيّة في [القيام] (٣)، وتتعلّق بـ "قام". وجملة "يقْلبها" في محلّ الحال أيضًا من ضَمير "النبي ﷺ ". قوله: "حتى إذا": تقَدّم قريبًا ذِكْر "حتى" مع "إذا"، وأنها حرف ابتداء، واختار الزمخشري وابن مالك أنها حرف جر. ومتى دخلت على "إذا" احتملت أن تكون بمعنى "الفاء"، أو بمعنى "إلى". (٤) ويكون التقدير: "فقام ليقلبها، إلى أنْ مَرّ رَجُلان

стр. 1069

وَقْت وصُولهما باب المسجد"؛ لأنّ الغَاية لا تُوجَد إلا مِن جَواب الشّرط، وقد تقَدّم ذلك في أوّل حَديثٍ مِن "السّهو"، وتقَدّم الكَلامُ على حُكمها في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. قوله: "بلغت": الجملة في محلّ جر بـ "إذا" إنْ قَدّرتها غير جازمة؛ والعاملُ فيها جَوابها. وإنْ قَدّرتها جَازِمَة: كَانت الجُمْلة في محلّ جَزْم بها، وهي في محلّ نَصْب بفِعْلها. وتقَدّم الكَلامُ على "باب" في "باب الاستطابة". و"المسجد": تقَدّم الكَلامُ عليه وعلى ما هو على وَزَانه في الثّالث من "التيمم". و"المسجد": قَال في "الصّحاح": يقع على واحد "المساجد"، بالفتح والكسر. يُقال: "المسجَد" بفتح الجيم، جبهة الرّجُل، حيث نُدب السّجود. والآرابُ: السبعةُ مساجد. (١) قُلتُ: [كأنّ] (٢) واحِد "المسَاجِد" فيه الفَتْح والكَسْر، وأمّا مَوضِع السّجُود مِن الجبهة فالفتح لا غير. (٣) و"بابُ أمّ سلمة" هذا هُو أحَدُ أبْواب المسْجِد التي تدْخُل منه أُم سَلمة. ***

стр. 1070

كتاب الحج باب المواقيت [الحديث الأوّل] (١): [٢٠٩]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ، قَالَ: "هُنَّ [لَهُن] (٢) وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ، مِنْ مَكَّةَ". (٣) قوله: "وَقّت": في مَوضع خَبر "أنّ". و"أهْل": تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الخامس من "كتاب الصيام". والألِف واللام في "المدينة" للغَلَبة، كـ "العَقبة" لـ "عَقبة أيلة"، و"البيت" للكَعبة. (٤) وحرفُ الجر يتعلّق بـ "وَقّت". و"ذا الحليفة": مفعولُ "وَقّت"، وعلامةُ النصب "الألِف". وتقَدّم الكَلامُ على "ذو" في الحديث السّادس من "باب القراءة في الصّلاة"، وفي الخامس من "الجنائز". و"الحليفة": مكانٌ من المدينة على سبعة أميال (٥)، ومع "ذو" (٦) فهو من

стр. 1071

الأسماء المركبة تركيب إضافة. وتقَدّم الكلامُ على هذا النوع في ثاني حديث من الأوّل. قوله: "ولأهْل الشّام: الجحفة": معطوفٌ على ما قبله. ومثله: "ولأهل نجد: قَرْن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم". و"قرْن المنازل" مثل "ذا الحليفة" في التركيب والإعراب. وأمّا "يلملم": فقال في "الصّحاح": هو لغة في "ألملم". (١) قال القاضي عياض: هو "جَبلٌ من جبال تهامة"، على ليلتين من مكّة. و"الياء" فيه بَدَل من "الهمزة". (٢) قَالَ ابنُ الأثير: "الهمزة" [بَدَلٌ] (٣) من "الياء". (٤) قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "ذو الحُليفة" هو بضَم "الحاء" المهمَلة، وفتح "اللام". (٥) و"الجُحْفة": بضم "الجيم"، وسكون "الحاء"، قيل: سُميت بذلك؛ لأنّ السّيل اجتحفها في بعض الزمان، وهي على ثلاث مراحل من مَكّة. ويُقال لها: "مَهْيَعَة"، بفتح "الميم" وسكون "الهاء". (٦) قال القاضي عياض: "ذو الحليفة": "مَاءٌ من مياه بني جشم". (٧) قَال النواوي: "قَرْن" بفَتح "القَاف" وسكون "الراء"، بلا خِلافٍ من أهْل

стр. 1072

الحديث واللغة والتّاريخ والأسماء وغيرهم. (١) قالوا: وغَلِط الجوهري في صِحاحه فيه غلطتين، فقال: هو بفتح "الرّاء"، وزَعَم أنّ أويسًا القَرَني منسُوب إليه. (٢) والصّوابُ: إسكانُ "الرّاء"، وأنّ أويسًا منسُوبٌ إلى قبيلة معروفة يُقال لهم: "بنو قَرَن"، وهم بَطنٌ من "مُراد". (٣) قُلتُ: قَال "القابسي": مَن قاله بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن فتح "الراء" أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مختلفة. (٤) و"يلملم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث، وفيه الوزن أيضًا؛ لأنّ فيه زيادة كزيادته. قوله: "هُن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهْلهن": ولابن مالك ﵀ على هذا الحديث كَلامٌ في "شواهد التوضيح"، قَال: الضميرُ الأوّل والضمير الثّالث والضمير الرّابع عَائدة على "المواقيت"، فلا إشكال فيهن؛ لأنّ كُلّ ضَمير عائدٍ على جمع مَا لا يَعْقِل فالتعبيرُ عنه في الرّفع والاتصال بنحو: "فعلتْ" و"فعلن"، وفي الرّفع والانفصال بنحو: "هي" و"هُن"، وفي النصب والجر بنحو: "عرفتها" و"عرفتهن"، [إلا أنّ "فعلن" و"هن" و"عرفتهن" أولى بالعَدَد القَليل، و"فعلتْ" و"هي"

стр. 1073

و"عرفتها" أولى بالعَدد الكثير، فلذلك يُقال: "الأجذاع انكسرنَ"، و"هن مُنكسرات"، و"عرفتهن"] (١)؛ لأنّ "الأجذاع" جمع قِلّة، ويُقال: "الجذوع انكسرت" و"هي منكسرة"، و"عرفتها"؛ لأنّ "الجذوع" جمع كثرة، هذا هو الأفصح، والعكسُ جائز. وبالأفصَح جَاء قوله: "هُنّ لهن ولمن أتَى عليهم مِن غير أهْلهن"، ولو جَاء بغير الأفصَح لكَان: "هي. . . ولمن [أتى] (٢) عَليها مِن غَير أهْلها". (٣) وبالأفْصَح أيضًا جَاءَ القرآن، أعْني قَول الله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم﴾ [التوبة: ٣٦]، فقال: "منها"، في ضَمير "اثنا عشر"، و"فيهن" في ضَمير "أربعة". (٤) وأمّا الضّمير في قوله: "لهن": فكَان حَقّه أن يكون هاءً وميمًا، فيقال: "هُن لهم"؛ لأنّ المراد: "أهل المواقيت"؛ فاللائقُ بهم ضمير جمع المذكّر، ولكنه أنّث باعتبار الفِرَق والزُّمَر والجماعات. (٥) وسَببُ العُدول عن الظّاهر تحصيل التشاكُل للمُتجاورين، كما قيل في بعْض الأدْعية: "اللهُم رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أظْلَلْن، وَرَبّ الأَرضين وَمَا أَقْلَلْن، وَرَبّ الشَّيَاطِين وَمَا أَضْلَلْن" (٦)، واللائقُ بضَمير "الشّياطين" أنْ يكُون واوًا،

стр. 1074

[فجُعِل] (١) نُونًا قَصْدًا للمُشاكَلة. والخروجُ عن الأصل لقَصد المشَاكَلة كثير، ومنه: "لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ" (٢)، ونظائرُ ذلك كثيرة. انتهى. (٣) قوله: "ولمن أتى": أعَاد في العَطف حرف الجر، على الوجه الفصيح في العطف على الضّمير المجرور. وعَدّى "أتى" بـ "على"؛ لأنّه بمعنى "مرّ" و"جَاء" [و"وَرَدَ"] (٤). "مِن" في قَوله: "مِن غَير أهْلِهن" دَخَلَت على مَوصُوفٍ محذُوف، أي: "مِن حَاج غَيرهن"، فهي للتبعيض. وكَذلك "ممن أرَاد الحجّ والعُمْرَة": "مِن" هُنا للتبعيض، وتتعلّق بـ "أتى". و"مِن" مَوصُولة بمَعنى "الذي"، أي: "وللذي أَتى عَليهن"، والعَائدُ ضميرُ الفَاعِل. قَال غيرُ ابن مالك: "هُن" ضَمير "المواقيت"، و"لهن" ضمير "الأماكن"، التي هي المدينة والشّام ونجْد واليمن، والمراد: "أهلها"، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: "أهْلَ القَرْية". (٥) قوله: "والعُمْرة": يحتمل أنْ تكُون "الواو" بمعنى "أو"، كَما قيل في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مثنى أو ثُلاث"، أو تكون على بابها،

стр. 1075

والمراد: "القِران" (١) الذي يجمع فيه بين الحج والعُمرة. والأوّل أبين. (٢) قوله: "ومَن كَانَ دُون ذَلك": "مَن" هُنَا شَرْطيّة، في محلّ رَفْع بالابتداء، والخبر إمّا فعلها أو جَوابها أو فيهما، وقد تقَدّم ذكرُ ذلك في العاشر من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكُون مَوصُولة، وأُشْرِبَت معنى الشّرط، أي: "والذي كَان مَنزله دون ذلك". و"دُون" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "الخسوف". والعَاملُ فيها: خبرُ "كان"، أي: "ومَن كان مُستقرًا دُون ذلك". و"ذلك" من أسماء الإشارة، تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "استقبال القبلة"، والمعنى: "دُون الميقات إلى مَكّة". قوله: "فمِن حَيث": أي: "فميقاته من حيث"، فحرفُ الجر يتعلّق بخَبر عن المحذُوف. و"حيث" من الظروف المكانية المبهَمَة، وتجرّ بـ "مِن" كثيرًا، وقد تقَدّم الكَلامُ عليها في العاشر من أوّل الكتاب، وفي أوّل حديث من "باب استقبال القبلة". ومُقتضى ما قرّر "المهدوي" شَارِح الدريدية في قوله: . . . . . . . . . . إلى ... حيث تَحجَّى المأزمينِ ومِنى (٣) أن تكون "حيث" ظرفًا، إلا أن يدخُل عليها حرف الجر؛ فتنتقل إلى باب الأسماء؛ لأنّ الظّرفية مَشروطَة بتعدّي الفِعل إليها من غير واسطة، فإذا دَخَل على الظّرف حرفُ جَر انتقل، وكان ما بعده في مَوضِع صِفَة للظرف.

стр. 1076

وقَدّر العَائد مِن البيت: "إلى حيث تحجّى المأزَمَان فيه". وعلى هذا يُقَدّر هنا أيضًا: "من حيث أنشأ فيه"، وتكون جملة "أنشأ" صفة لـ "حيث"، لا مجرورة بالإضافة. وهذا التقدير تفرّد به هذا الشيخ، وأنكَرَه عليه غيره (١)، وقد تقَدّم أيضًا كَلام "المهدوي" واستيفاء تقريره في الحديث الأول من "استقبال القبلة". فائدة: " حيث" تتصل بها "مَا" الشرطية، فتعمل الجزم، وكذلك: "أين"، وكذلك "مهما"؛ لأنّ أصلها: "ما ما" شَرطية وزائدة. فـ "حيث" و"أين" لا خِلافَ في اسميتهما، وإن اتصل بهما "ما". واختلف في "مهما"؛ فقَال السّهيلي: تكُون "مهما" اسمًا إذا عاد عليها ضَمير، نحو قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، وتكون حَرفًا إذا لم يَعُد (٢)، كبيت زُهَير: وَمَهْمَا تَكُنْ في امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ (٣) فهي هُنا حَرْف بمنزلة "أين"، لا مَوضِع لها.

стр. 1077

والعلّة في ذلك: أنّها مُركّبة مِن "ما" الشرطية و"مَا" الزائدة، كما قَال "الخليل" (١)، فتارة غلب عليها حُكْم "مَا" الأولى فتكُون اسمًا، وتارة حُكم الثانية فتكون حرفًا. فإن قيل: يلزم ذلك "أينما" و"حيثما". قُلنا: "الألِف" الأولى في "مهما" غُيرت لأجْل الثانية، حتى كأن "ما" الأولى ليست هذه، [وصارا] (٢) مُتلازمَين لا ينفَصلان بوَجْه، فمن ثَمّ جَازت مُراعَاة "مَا" الثّانية في الحرْفية، بخلاف "حيث" و"أين". (٣) ***** قوله: "حتى أهْل مَكة": حَرْفُ ابتداء، و"أهْل" مُبتدأ، و"مَكّة" مُضَافٌ إليه. قوله: "من مَكّة": يتعلّق بفِعل مُقَدّر، خبرًا عن المبتدأ، أي: "حتى أهل مَكّة يُهلّون من مَكّة" (٤). أو يُقَدّر: "حتى أهْل مكة ميقاتهم من مكّة"، فـ "ميقاتهم" مبتدأ، و"من مَكّة" خبره، والجملة خبر "أهْل". وجاءت "حتى" هُنا على قَاعِدتها في كَوْن ما بعْدها وقَع عليه الحُكم الذي وقَع على ما قبلها، وفي كَون ما بعْدَها آخرًا لما قبلها وأقلّ منه في الكمية. وبهذا حَصَل الفَرْق بين "إلى" و"حتى"، فإنّ "إلى" تجر، ويجوز أن تكُون مِن جنْس ما قبلها ومِن غير جنسه، ولا يصح أنْ تكُون "حتى" الجارة - لوجُود الخبر - ولا عاطفة؛ لوقُوع

стр. 1078

الجمْلة بعدها. (٢١٢٥) الحديث الثّاني: [٢١٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ (٢١٢٦) الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". (٢١٢٧) قوله: "قَال": جملة في محلّ خبر "أنّ". وجملة "يُهل" في محلّ معمُول القول، والقولُ متى وَقَع بعده جملة محكيّة به فهي في موضِع المفعُول به. قوله: "يُهلّ أهْل المدينة": خَبرٌ بمعنى الأمْر، أي: "ليُهلّ"، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال الكُوفيون: تقَدّر فيه "لام" الأمر، [فعلى] (٢١٢٨) هذا يكُون تقديره: "ليُهل". (٢١٢٩) قوله: "مِن ذي الحليفة": تقدّم القَول في أسماء المواقيت في الحديث قبل هَذا. و"مِن" هُنا لابتداء الغَاية في المكَان. و"ذي" من الأسماء الستة، وتقدّم الكَلامُ عليها في السّادس من "باب القراءة"

стр. 1079

وفي الخامس من "باب الجنائز". قوله: "وأهْل الشّام من الجُحفَة": أي: "ويُهلّ أهْل الشام من الجحفة". قوله: "أهْل نَجْد": ["النجد"] (١): "مَا ارتَفَع مِن الأرْض"، والجمعُ: "نِجَاد" و"نُجود" و"أنْجُد". (٢) و"نَجْد" (٣) مِن بلاد العَرَب، وهو خِلافُ "الغور"، و"الغور" هو "تهامة"، وكُلّ ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو "نَجْد"، وهو مُذكّر. وأنشَد ثعلب: ذَرَانِي مِن نَجْدٍ فَإنّ سِنِينَه ... لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا (٤) ويُقال: "أنْجَدْنا": "إذا أخَذْنا في بلاد نَجْد". (٥) قوله: "ويُهل أهْل اليمن مِن يلملم": ويُقال فيه: "يَرَمْرَم". (٦) وفاعلُ "بلغني": جملة "أنّ رَسُول الله ﷺ ". وسَوّغ وقوع الجملة فاعلًا [أنها] (٧) تُقدّر بمَصْدر، [ولذلك] (١) قالوا في حَدّ الفَاعِل: الفاعِلُ هو اسم أو مَا في

стр. 1080

مَا في تقدير الاسم. والذي في تقدير الاسم: "إنّ" و"أنْ" و"ما"، تقُول: "يُعجبني أنّك قائم"، و"يُعجبني أنْ قَام زَيد"، و"يُعجبني ما صَنعت"، أي: "يُعجبني صُنعك". (٢) والتقديرُ هنا: "بلغني قَول رَسُول الله ﷺ ". وخَبرُ "أنّ": جملة "قَال". وجملةُ "يُهل أهْل اليَمَن" في محلّ مفْعُول القَول. ***

стр. 1081

باب ما يلبس المحرم من الثياب [الحديث الأوّل] (١): [٢١١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَلْبَسُ [الْقُمصَ] (٢)، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الخِفَافَ، إلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ؛ فَلْيَلْبَسْ [الخُفَّيْنِ] (٣)، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ. وَلا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ". (٤) وَلِلْبُخَارِيِّ: "وَلا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ، وَلا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ". (٥) قوله: "أنّ رَجُلا قَال: يا رسُول الله": محل "أنّ" رَفعٌ [بمفعول] (٦) لم يُسَم فَاعِله، [أي] (٧): "رُوي عن عبد الله [هذا] (٨) اللفظ"، فالجملة كُلّها إلى آخر الحديث مفعولٌ محكيّ مبني مرفُوعُ المحلّ. و"قَال" في محلّ خَبر "أنّ"، وفاعِله مُستتر. و"يا رَسُولَ الله" معمُولُ القول. و"مَا يَلبس المحْرم؟ ": مُبتدأ، وخبرُ المبتدأ: اسمُ الاستفهام. والخبر في جملة "يَلبس"، أي: "أي شيءٍ يَلبس المحْرم؟ ". والألِف واللام في "المحْرم" للجنس. (٩)

стр. 1082

قوله: "مِن الثياب": "مِن" لبيان الجنس، ويتعلّق بـ "يلبس". (١) قوله: "قَال رسُولُ الله ﷺ : لا يَلبس القُمص": كَان طريقُ الجواب: "يَلبس كذا"، لكنه ﷺ عَدل عنه فصاحة وبلاغة؛ لأنّ ما لا يلبس المحرم ينحصر في ما ذكره؛ فتحصل الفائدة للسّائل، وما يلبسه لا ينحصر؛ فعَدل لهذا المعنى. (٢) فجُملة "لا يَلبس" معمولة للقَول، و"لا" ناهية، والفِعلُ بها مجزوم؛ فتكون "السّين" مكْسُورة، لالتقاء السّاكنين. ويجوز أنْ تكُون "لا" نافية، والمعنى على النّهي، و"السّين" مرفُوعة؛ فيكون خبرًا في محلّ النهي. (٣) و"القُمص": جمعُ "قميص". (٤) "ولا العَمائم": معْطُوفٌ عليه، جمعُ "عمامة"، وهو على وَزْن مَا لا ينصرف، لكنه بدخُول الألِف واللام ينجرّ بالكسرة؛ لأنّ كُلّ ما لا ينصرف إذا دخلته الألِف واللام أو الإضافة ينجرّ. وعبارة بعضهم: ينصرف. وفرّق بعضهم، فقال: ينصرف إنْ ذهب مُوجب المنع، وينجر إنْ وجد، كما في "عمائم" و"مساجد"؛ لأنّ المانعَ قَائِم، وهو صيغة مُنتهى الجموع. (٥) قوله: "ولا السراويلات": "السّراويل" معروفٌ، يُذَكّر ويُؤنّث، والجمعُ:

стр. 1083

"السراويلات". قَال سيبويه (١): "سَراويل" واحدة، وهي أعجَمية عُرّبت؛ فأشبهت مِن كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نَكِرة، وهي مصروفة في النكرة، وإن سَمّيت بها رجُلا لم تصرفها، وكذلك إن نقلتها اسم رجل؛ لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف، مثل: "عناق". ومِن النحويين مَن لا يصرفه في النكرة، ويزعم أنه جمع "سروال" أو "سروالة"، ويُنشد: علَيْهِ مِنَ اللُّؤْم سِرْوَالةٌ ... فلَيْس يرِقّ لمستَعطِفِ (٢) ويحتج مَن ترك صَرفه بقَول ابن مُقْبِل: . . . . . . . . . . . ... فَتَى فارِسىّ في سراويلَ رامحُ (٣) قال في "الصّحاح": والعَملُ على القول الأوّل، والثاني أقوَى. و"سرولته": "ألبسته السراويل". (٤) فـ "السراويلات": منصوبٌ بالعَطْف على "القُمص"، وعلامة نصبه الكسرة؛

стр. 1084

لأنه جمعُ مُؤنّث سالم. قوله: "ولا البرانس": جمعُ "برنس"، وهو كُلّ ثوب رأسه منه مُلتزق به، من دُرَّاعَة أو جُبَّة. وقال الجوهري: هو قلنسوة طَويلة كان النسّاك يلبسونها في صَدْر الإسلام، وهُو مِن "البرس" بكسْر "الباء"، وهو "القُطْن". و"النون" زائدة. وقيل: إنّه غير عَربي. (١) والكَلامُ عليه مثلُ الكَلام على "العَمائم". قوله: "ولا الخفاف": "الخفاف" بكسر "الخاء". وفاعلُ "يلبس" يحتمل وَجْهين، أحدهما: ضَمير يعُود على المحْرِم المتقَدّم ذِكْره في السّؤال، ويكونُ الكَلام مُسترسلًا إلى قوله: "ولا الخفاف". ويكونُ قوله: "إلا أحَدٌ" راجعًا إلى "الخفاف" فقط، فيقدّر فعل، أي: "ولا يلبس الخفين إلا أحد"؛ فيكون إعراب "أحَدٌ" فاعِلًا [بالفِعْل] (٢) المقَدّر، ويكونُ الاستثناءُ مُفرغًا. ويحتمل أن يكُون "ولا الخفاف" معطوفًا على ما قبله، ويكون "أحدٌ" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، أي: "يَسوغ له ذلك". وعلى هذا يكون الاستثناء مُنقَطعًا، بمعنى "لكن". ويحتمل أن يكُون الاستثناء مُتّصلًا، ويكُون "أحَدٌ" بَدَلًا من الضّمير، أي: "لا يلبس المحْرِم [كَذا، إلّا] (٣) مُحرِم. . .".

стр. 1085

وتقَدّم الكَلام على "أحَد" في الثّاني مِن الأوّل، والكَلَام على "إلّا" في الاستثناء في الحديث الرّابع مِن "التشهد". وجملة "لا يجِد نَعْلَين" في محلّ صِفَة لـ "أحَد"، وجملة "فليَلبس" معطُوفة على "يجد"، و"الفَاء" سَببيّة. وتقَدّم الكَلام على "لام الأمر" في السّادس من "الإمامة". وفَاعلُ "فليَلبس": ضَميرُ "أحَد". و"الخفّين": تثنية "خُفّ". قوله: "أسْفَل": ظَرْفٌ. و"مِن": لابتداء الغَايَة. والمعنى: "فليقطعهما جهة أسْفَل من الكعبين". قَالَ في "الصّحاح": "السُّفْلُ" و"السِّفلُ" بضَمّ "السّين" وكسرها، و"السّفول" و"السَّفال" بفتح "السّين"، و"السُّفالة" بضم "السّين"، نقيض "العُلْو" و"العَلاءِ" و"العَلَاوَة". (١) يجوز هنا أنْ تكُون "مِن" زائدة، أي: "أسفل الكعبين"، ويكون "الكعبان" [بتقدير المضاف] (٢)، أي "أسْفَل محاذي الكَعبين"، أو يكون الكَعب مِن الخُف آخره، سُمّي بذلك باعتبار محلّه مِن كَعْب الرّجل. قوله: "ولا يلبس مِن الثِّيابِ شيئًا": فاعِلُ "يلبس" ضَمير الرّجُل، و"مِن" لبيان الجنس، و"شيئًا" مفعُول به، وتقدّم الكلامُ عليه في الثاني من "باب المرور". وجملة "مَسّه" في مَوضِع الصّفة لـ "شيء"، و"زعفران أو ورس" فاعلُ "مَسّه". و"الورس": [نباتُ] (٣) اليمن، يُصفّر كالحناء. (٤)

стр. 1086

و"أو" هُنا للتفصيل، وقد تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "باب السّواك". و"الزّعْفَرَان": يجمَع على "زَعَافِر"، مثل: "تَرْجَمَان" و"تَرَاجِم". (١) قوله: "وللبخاري": أي: "جاء للبخاري"، فيتعلّق حرف الجر بالمقَدّر. ويحتمل أن يكون حرفُ الجر مُتعلقًا بخبر عن مُبتدأ مُقَدّر من الجمْلة على طَريق الحكاية، أي: "وللبخاري هَذا اللفظ". و"لا": ناهية، و"تنتقب" مجزوم بالنهي، وكذلك "ولا تلبس القفازين" مجزوم بالنّهي (٢). قال أبو عبيد: "النقابُ" للمرأة لا يبدو منه إلّا العَينان، وكان اسمه عندهم "الوصوَصَة" و"البُرقع"، وكان مِن لباس النِّساء، ثُم [أحْدَثن] (٣) النقاب بعده. (٤) وأمّا "القفاز": فهو شيء تلبسه نِسَاء العَرَب في أيديهن، يُغطي الأصابع والكفّ والسّاعِد مِن البرد، ويكُون فيه قُطنٌ محشو. وقيل: هو ضَرْبٌ من الحُلي تتخذه المرأة ليَدَيها. (٥)

стр. 1087

الحديث الثّاني: [٢١٢]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ [نَعْلَيْنِ] (١) فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ". (٢) قوله: "سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ ": تقَدّم الكَلامُ على "سَمعتُ" في أوّل حَديثٍ من الكتاب، وهُو هُنا تعَلّق بالذّوات؛ فلَك في جملة "يخطُب" وَجْهَان: الحال، وهو المختارُ عند المتأخّرين، والنصب على المفعولية، وهو اختيار الفارسي ومَن وافقه. (٣) قوله: "بعَرَفَات": هو اسمُ جَبَل، وهو مُؤنّث، [حَكَى سيبويه] (٤): "هذه عَرفاتٌ مُبارَكًا فيها". وهي مُرادفة لـ "عَرَفة"، وقيل: إنها جمعٌ. فإنْ عنى في الأصل فصَحيح، وإن [عنى] (٥) حالة كونها عَلَمًا فليس بصحيح؛ لأنّ الجمعية تنافي العَلَمية. (٦) وقَال قَومٌ: "عرفة" اسمُ اليوم، و"عرفاتٌ" [اسمُ] (٧) البقعة. (٨) والتنوينُ في "عَرفَات" ونحوه تنوين مُقَابَلَة، وقيل: تنوينُ صَرْف. واعتَذَر عن

стр. 1088

كَونه مُنصرفًا مع التأنيث والعَلَمية بأنّ التأنيث إن كان بـ "التاء" التي في اللفظ - كـ: "طَلحة" - فالتي في "عَرَفات" ليست للتأنيث، وإنما هي مع "الألف" التي قبلها عَلامَة جمع المؤنّث. وإن كان بالتقدير، كـ "سُعَاد"؛ فلا يصحّ تقْديرها في "عَرَفات"؛ لأنّ هذه "التاء" [لاختصاصها] (١) بجَمْع المؤنّث مانعة من تقْديرها، كما لا تُقدّر "تاء" التأنيث في "بنت"؛ لأنّ "التاء" التي هي بَدَل من "الواو" لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث تمنع من تقديرها. (٢) وأجرى "عَرَفات" في القُرآن مجرَى ما لا يُسَمّ [به] (٣)، مِن إبقاء التنوين في الجر، ويجُوز حَذْفه حَالة التسمية. (٤) وحَكَى الكُوفيون والأخفش إجراءَ ذلك وما أشبهه مجرَى "فَاطمة". من كَلام أبي حيّان. في "المجيد". (٥) قوله: "مَن لم يجد نعلين": أي: "يقُول في خُطبته هذا الكَلام"؛ فهو معمُول لقَول مُقدّر، لا لـ "يخطُب" المذكُور. وجملة "يقُول" في محلّ الحال من ضَمير "يخطُب". وتقَدّم الكلام على "يخطب" في الحديث الرّابع من "صَلاة الجمعة". قوله: "مَن لم يجد نعلين": "مَن" شَرطيّة، في محلّ رَفع بالابتداء، و"لم" حَرفُ جَزْم. و"يجد": مُضَارع "وَجَد"، تقَدّم الكَلام على "وجَد" في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا المتعدّية لواحد؛ لأنها بمعنى "يُصِب"؛ فـ "نَعْلين" مفعُوله.

стр. 1089

وخَبرُ "مَن" فِعلها، وقيل: جوابها، على مَا تقَدّم. قوله: "فليلبس الخفين": جملة من فِعْل وفَاعِل ومفعُول، جَوابُ "مَن". وإنما نَكّر "النعلين" اللذين أمر بقطْعهما أسْفَل من الكعبين، وكذلك لم يذكر هنا مُوجَب الإباحة، وهو القَطْع، فكَأن التعريفَ لمعْهُودٍ في الذّهن. قوله: "ومَن لم يجد إزارًا": مِثْل مَا تقَدّم. و"لم" تقَدّم ذِكْرها في الحديث الثّالث مِن "باب المذْي". و"الإزار": "ما يئتزر به". قَال "ابنُ الأثير": في حَديث بيعة العَقَبة " [لَنَمْنَعَنَّك] (١) مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنا" (٢)، أي: "نساءنا وأهلنا"، كنّى [عنهم] (٣) بـ "الأُزُر". وقيل: أراد "أنفسنا"، وقد يُكنّى عن "النّفس" بـ "الإزار". ومنه حَديث عُمر: "كُتب [إليه] (٤) من بعض البعوث أبياتٌ في صحيفة: ألا أبْلِغْ أبا حفْصٍ رَسُولًا ... فِدًى لَكَ مِنْ أَخى ثِقَةٍ إِزَارِي" (٥) أراد: "أهْلي ونفسي". (٦)

стр. 1090

قلتُ: قَالَ أبو عَليّ الفَارسي: "الإزارُ" هُنا "المرأة"، وهو إغراءٌ، بتقدير: "احفظ إزاري". (١) وقَال ابنُ قتيبة: "الإزارُ" هُنا "النّفس"، وهو خَبرُ "فِدًى". (٢) وقال السّهيلي: وقولُ الفارسي بعيدٌ عن الصّواب؛ لأنّه أضمر الخبر والفعل الناصب، ولا دَليلَ عليه؛ لبُعْده. (٣) وبَعْد هذا البيت: قَلَائِصَنَا هَدَاك اللهُ [إنّا] (٤) ... شُغِلْنَا عَنكُمْ زَمَنَ الْحِصَارِي (٥) قوله: "فليلبس سَراويل": تقَدّم الكَلام على "سَراويل" في الحديث قبل هذا. و"سَراويل" مفعُول "فليَلبس"، وهو لا ينْصَرف؛ لأنّه على صيغة مُنتهى الجمُوع. وقيل: هُو أعْجَمي، حمِل على مُوازنه، وقيل: جمع " [سروالة] (٦) " تقديرًا. (٧) قُلتُ: وَرَد في بعْض طُرق هَذا الحديث (٨) بعد قوله "فليلبس سَراويل":
следующие страницы →