← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

و"أو" هُنا للتفصيل، وقد تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّالث من "باب السّواك". و"الزّعْفَرَان": يجمَع على "زَعَافِر"، مثل: "تَرْجَمَان" و"تَرَاجِم". (١) قوله: "وللبخاري": أي: "جاء للبخاري"، فيتعلّق حرف الجر بالمقَدّر. ويحتمل أن يكون حرفُ الجر مُتعلقًا بخبر عن مُبتدأ مُقَدّر من الجمْلة على طَريق الحكاية، أي: "وللبخاري هَذا اللفظ". و"لا": ناهية، و"تنتقب" مجزوم بالنهي، وكذلك "ولا تلبس القفازين" مجزوم بالنّهي (٢). قال أبو عبيد: "النقابُ" للمرأة لا يبدو منه إلّا العَينان، وكان اسمه عندهم "الوصوَصَة" و"البُرقع"، وكان مِن لباس النِّساء، ثُم [أحْدَثن] (٣) النقاب بعده. (٤) وأمّا "القفاز": فهو شيء تلبسه نِسَاء العَرَب في أيديهن، يُغطي الأصابع والكفّ والسّاعِد مِن البرد، ويكُون فيه قُطنٌ محشو. وقيل: هو ضَرْبٌ من الحُلي تتخذه المرأة ليَدَيها. (٥)

стр. 1087

الحديث الثّاني: [٢١٢]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ [نَعْلَيْنِ] (١) فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ". (٢) قوله: "سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ ": تقَدّم الكَلامُ على "سَمعتُ" في أوّل حَديثٍ من الكتاب، وهُو هُنا تعَلّق بالذّوات؛ فلَك في جملة "يخطُب" وَجْهَان: الحال، وهو المختارُ عند المتأخّرين، والنصب على المفعولية، وهو اختيار الفارسي ومَن وافقه. (٣) قوله: "بعَرَفَات": هو اسمُ جَبَل، وهو مُؤنّث، [حَكَى سيبويه] (٤): "هذه عَرفاتٌ مُبارَكًا فيها". وهي مُرادفة لـ "عَرَفة"، وقيل: إنها جمعٌ. فإنْ عنى في الأصل فصَحيح، وإن [عنى] (٥) حالة كونها عَلَمًا فليس بصحيح؛ لأنّ الجمعية تنافي العَلَمية. (٦) وقَال قَومٌ: "عرفة" اسمُ اليوم، و"عرفاتٌ" [اسمُ] (٧) البقعة. (٨) والتنوينُ في "عَرفَات" ونحوه تنوين مُقَابَلَة، وقيل: تنوينُ صَرْف. واعتَذَر عن

стр. 1088

كَونه مُنصرفًا مع التأنيث والعَلَمية بأنّ التأنيث إن كان بـ "التاء" التي في اللفظ - كـ: "طَلحة" - فالتي في "عَرَفات" ليست للتأنيث، وإنما هي مع "الألف" التي قبلها عَلامَة جمع المؤنّث. وإن كان بالتقدير، كـ "سُعَاد"؛ فلا يصحّ تقْديرها في "عَرَفات"؛ لأنّ هذه "التاء" [لاختصاصها] (١) بجَمْع المؤنّث مانعة من تقْديرها، كما لا تُقدّر "تاء" التأنيث في "بنت"؛ لأنّ "التاء" التي هي بَدَل من "الواو" لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث تمنع من تقديرها. (٢) وأجرى "عَرَفات" في القُرآن مجرَى ما لا يُسَمّ [به] (٣)، مِن إبقاء التنوين في الجر، ويجُوز حَذْفه حَالة التسمية. (٤) وحَكَى الكُوفيون والأخفش إجراءَ ذلك وما أشبهه مجرَى "فَاطمة". من كَلام أبي حيّان. في "المجيد". (٥) قوله: "مَن لم يجد نعلين": أي: "يقُول في خُطبته هذا الكَلام"؛ فهو معمُول لقَول مُقدّر، لا لـ "يخطُب" المذكُور. وجملة "يقُول" في محلّ الحال من ضَمير "يخطُب". وتقَدّم الكلام على "يخطب" في الحديث الرّابع من "صَلاة الجمعة". قوله: "مَن لم يجد نعلين": "مَن" شَرطيّة، في محلّ رَفع بالابتداء، و"لم" حَرفُ جَزْم. و"يجد": مُضَارع "وَجَد"، تقَدّم الكَلام على "وجَد" في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا المتعدّية لواحد؛ لأنها بمعنى "يُصِب"؛ فـ "نَعْلين" مفعُوله.

стр. 1089

وخَبرُ "مَن" فِعلها، وقيل: جوابها، على مَا تقَدّم. قوله: "فليلبس الخفين": جملة من فِعْل وفَاعِل ومفعُول، جَوابُ "مَن". وإنما نَكّر "النعلين" اللذين أمر بقطْعهما أسْفَل من الكعبين، وكذلك لم يذكر هنا مُوجَب الإباحة، وهو القَطْع، فكَأن التعريفَ لمعْهُودٍ في الذّهن. قوله: "ومَن لم يجد إزارًا": مِثْل مَا تقَدّم. و"لم" تقَدّم ذِكْرها في الحديث الثّالث مِن "باب المذْي". و"الإزار": "ما يئتزر به". قَال "ابنُ الأثير": في حَديث بيعة العَقَبة " [لَنَمْنَعَنَّك] (١) مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنا" (٢)، أي: "نساءنا وأهلنا"، كنّى [عنهم] (٣) بـ "الأُزُر". وقيل: أراد "أنفسنا"، وقد يُكنّى عن "النّفس" بـ "الإزار". ومنه حَديث عُمر: "كُتب [إليه] (٤) من بعض البعوث أبياتٌ في صحيفة: ألا أبْلِغْ أبا حفْصٍ رَسُولًا ... فِدًى لَكَ مِنْ أَخى ثِقَةٍ إِزَارِي" (٥) أراد: "أهْلي ونفسي". (٦)

стр. 1090

قلتُ: قَالَ أبو عَليّ الفَارسي: "الإزارُ" هُنا "المرأة"، وهو إغراءٌ، بتقدير: "احفظ إزاري". (١) وقَال ابنُ قتيبة: "الإزارُ" هُنا "النّفس"، وهو خَبرُ "فِدًى". (٢) وقال السّهيلي: وقولُ الفارسي بعيدٌ عن الصّواب؛ لأنّه أضمر الخبر والفعل الناصب، ولا دَليلَ عليه؛ لبُعْده. (٣) وبَعْد هذا البيت: قَلَائِصَنَا هَدَاك اللهُ [إنّا] (٤) ... شُغِلْنَا عَنكُمْ زَمَنَ الْحِصَارِي (٥) قوله: "فليلبس سَراويل": تقَدّم الكَلام على "سَراويل" في الحديث قبل هذا. و"سَراويل" مفعُول "فليَلبس"، وهو لا ينْصَرف؛ لأنّه على صيغة مُنتهى الجمُوع. وقيل: هُو أعْجَمي، حمِل على مُوازنه، وقيل: جمع " [سروالة] (٦) " تقديرًا. (٧) قُلتُ: وَرَد في بعْض طُرق هَذا الحديث (٨) بعد قوله "فليلبس سَراويل":

стр. 1091

"للمُحْرِم"، وهو مُتعلّق بمَحْذُوف، أي: "قَال ذلك للمُحْرم"؛ لأنّه لم يُبين في أوّل الحديث وأطْلق. ويحتمل أنْ يتعلّق بما في "يخطُب" مِن مَعنى القَوْل، كَأنّه قَالَ: "بعَرَفة للمُحْرم". والله أعلم. الحديث الثالث: [٢١٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ". قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ". (١) انظُر كيف أدْخَل الشّيخ هَذا الحديث والذّي بعده في "باب ما يلبسه المحرم"، وليسا من اللباس في شيء؛ ولعلّ أصلَ التبويب: "باب ما يلبسه المحرم وغيره"، ثم أسقط: "غيره"؛ لما يحصل بها من اللبس من غير المحرم. قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: "التلبية": "الإجابة". (٢) وقيل في معنى "لبيك": " [أُجيبك إجابة] (٣)، ولُزومًا لطاعتك". وثُنّي للتأكيد. واختلف أهْلُ اللغة في أنّه تثنية أم لا؟ فمنهم مَن قَال إنّه اسمٌ مُفرَد، لا مُثنى، ومنهم مَن قَال إنّه مُثنى. (٤) وقيل: إنّ "لبيك" مأخُوذٌ من "أَلَبّ بالمكان"، و"لَبّ"، إذا أقام به، أي: "أنا مُقيم على طاعتك". وقيل: مأخُوذ من "لُباب الشيء"، وهو "خالصه"، أي:

стр. 1092

"إخلاصي لك". (١) ومذهبُ يونس أنه مُفرَد، وأنّ ألِفَه انقلبت "يَاء" لأَجْل الإضافة إلى المضمَر، مثل: "لديك" و"عليك". ورُدّ عليه ذلك. (٢) إذا ثبت ذلك: فـ "لبيك" منْصُوبٌ على المصْدَريّة، واجب حَذْف عَامله. (٣) والمصَادرُ التي يجب حَذْف عَامِلها منها سَماعي، ومنها قياسي، وهي مذْكُورة في كُتب العَربية. قوله: "إنّ الحمدَ والنعمة لك": يُروَى بفتح الهمزة وكسرها، والكسر أجْوَد؛ لأنه يقتضي أنْ تكُون الإجَابة مُطلَقَة غَير مُعلَّلة، وأنّ الحمد والنعمة لله على كُلّ حَال، والفَتْحُ يدلّ على التعليل. (٤) قوله: "والنِّعمة لك": الأشهَرُ فيه الفتح، بالعَطْف على "الحمْد". ويجوز فيه الرّفع على الابتداء. (٥) وخبرُ "إنّ" محذوفٌ (٦)، ويجوز عَطْفه على محلّ الحمد عند مَن يجيز ذلك، وتكُون "لك" في محلّ خَبر "إنّ"، [وسيأتي] (٧). و"سَعْدَيك" كـ "لبيك"، قيل: معناه: "مُساعدة لطاعتك بعد مُساعدة". وقيل:

стр. 1093

التقدير: "أسْعِدني إسْعَادًا بعد إسْعَاد". (١) قوله: "والرّغباء إليك": مُبتدأ وخَبر، أي: "الرّغبة كَائنة إليك". وهو بسُكون "الغَين". وفيه وَجْهَان: ضَمّ "الرّاء" والقَصْر، وفتح "الرّاء" والمدّ، كـ "النُّعْمَى" و"النَّعْمَاء". (٢) قوله: "والعَمَل": معطُوفٌ على "الرّغباء"، التقدير: "والعَمَل لك"، [أو تُقَدّر] (٣): "والعَمَلُ مَصْروفٌ إليك"، أي: "إليك القَصْد به". (٤) قوله: "والخير بيديك": مِن باب أدَب الخطاب؛ لأنّ الكُلّ بيده، مِن الخير والشر، وإنما خَصّ الخير - كقَوله في الدّعَاء: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٥) - أدبًا في سُؤَال الباري. ومنه في المعنى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] بعْد قَوله: ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. (٦) قوله: "لبيك. . . إلى آخِر الكَلام": في محلّ خَبر "أنّ" على الحكاية. وجملة "يزيد" في محلّ خبر "كان". و"لبيك - من زيادة عبد الله بن عُمر ﵁. . . إلى آخِره" في محلّ مفعُول لـ "يزيد". وتقَدّم الكَلامُ على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة".

стр. 1094

ويجوزُ الوَقْفُ على "لبيك اللهم"، وتبتدئ: "لبيك لبيك لا شريك لك"، أو تبتدئ: "لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك". ولك أن تبتدئ: "والنعمةُ لك" بالرّفع، ويكون خبر "إنّ" محذوفًا يُفسّره خَبر المبتدأ، ولك أنْ [تجعله] (١) معطُوفًا على محلّ ["النعمة"، أي] (٢) كقوله: . . . . . . . . . . . . ... وَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ (٣) وأجَاز بعضهم أنْ تكُون "إنّ" بمعنى "نَعَم" (٤)، "الحمدُ والنعمةُ" مبتدأ ومعطوفٌ عليه، والخبرُ في "لك". وتقَدّم الكَلامُ على مِثْل قَوْله: "لا شَريكَ لك" في الأوّل مِن "التيمّم". قوله: " [قَالَ] (٥) ": فَاعِله ضَميرُ الرّاوي للحَديث عن عبد الله بن عُمر، ولم يتقَدّم له ذِكْر، وهو مما يُستدْرَك على الشّيخ صاحب "العُمدة"، وله من ذلك في الكتابِ مَواضِع نبّهت عَليها.

стр. 1095

قوله: "والخير بيديك": ثَنّى "اليَد" هُنا، كَما ثُنيت في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (١)، وهو مُؤوّل، إمّا بمعنى القوّة وشدّة البطش، أو عبارة

стр. 1096

عن جَريان الخير بعَظيم قُدْرَته التي تجري على يَد مخلوقاته، فأيدي المخلوقات كلها مخلوقة لله تعالى. (١) ومذهبُ أهل السّنة وجمهور الأشعريين أنّ اليد إذا ذُكرت في صفات الله ليست بصِفَة ذات. (٢) وقال الشّيخ أبو الحسَن والقاضي: هي صفة ذات. (٣)

стр. 1097

قال ابنُ المنير: أبطَلَ القَاضي والشّيخ (١) حمل "اليدين" على القُدرَة بأنّ "اليدين" تثنية، وقُدْرَة الله واحدة. وأبطلا الحمْل على النعمة بأنّ نِعَم الله لا تحصى، فكيف يُعبّر عنها بالتثنية؟ (٢) وقال ابنُ عَطيّة: عن القَاضي: إنّ هذه صِفَة ذَات، وضَعّفه، وتأوّله بمعنى القُدْرَة. (٣) الحديث الرابع: [٢١٤]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [أَنْ تُسَافِرَ] (٤) مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ". (٥) وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". (٦) تقَدّم ذِكْر مُتعلّق حَرْف الجر، وتقَدّم أنّ جملتا " ﷺ " و"﵁" لا محلّ لهما حيث وقعتا، وتقَدّم ذِكْر الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث [الأوّل مِن] (٧) الكتاب. و"قَالَ" الثّانية معمُولة لـ "قَالَ" الأوْلى، والأوْلى معمُولة لمتعلّق حَرْف الجر،

стр. 1098

وجملة "لا يحلّ لامْرأة" معْمُولة لـ "قَالَ" الثّانية، و"لا" نافية، وتقَدّم ذِكْر "لا" النافية وأقْسَام "لا" في الثّاني مِن "باب الاستطابة". ولا عَملَ لـ "لا" هُنا؛ لأنّ النفي لا عَمَل له في الفِعْل، بخلافِ النهي. قوله: "لامرأة": يتعلّق بـ "يحلّ". وجملة "تُؤمِن" في موضع صفة لـ "امرأة"، و"بالله" يتعلّق بـ "تُؤمن". و"اليوم" معطوفٌ على اسم "الله"، و"الآخِر" نعتٌ ما لليوم، وتقَدّم في الحديث الأوّل. و"الآخِر" بكسر "الخاء": "بَعْد الأوّل"، وهو صِفَة؛ تقُول: "جَاء آخرًا"، أي: "أخيرًا"، والأنثى: "آخِرة"، والجمع: "أواخر". و"الآخَر" بالفَتْح: "أحَدُ الشيئين"، وهو اسمٌ على "أفعل"، والأنثى: "أُخْرَى". (١) قوله: "أنْ تُسَافر": "أنْ" المصْدَريّة، وهي مَع الفِعْل بتقدير الفَاعِل، أي: "لا يحلّ سفر يوم". قوله: "مسيرة": مصدرُ "سَار". يُقال: "سار"، "سيرًا" و"مسيرًا". (٢) وهو هنا يحتمل أن يكُون ظرف زمان، أي: "زمن مسير يوم وليلة"، أو ظرف مكان، والتقدير: "أن تسافر مسافة يوم وليلة". وإن جعلته مَصْدرًا قَدّرت "تسافر" بمَعنى "تسير"؛ لأنّ السّفر مِن لازِمِه السّير. وتقدّم الكَلامُ على "مسيرة" في الحديث الثّالث من "التيمم". قوله: "إلا ومعها حُرْمَة": التقدير: "إلّا أن تُسافر ومعها ذو حُرْمة"، فتكُون

стр. 1099

"أنْ" ومَا بعْدَها في محلّ الحال مِن ضَمير "تسافر"، أي: "إلّا في حَال سَفر يَوم وليلة". ويحتمل أنْ تكُون نعتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "إلّا سَفرًا مع ذي حُرمة". ومعنى "حُرمة": "صَاحِب حُرْمة". قال الشّيخُ تقيّ الدّين: إلّا أنْ [يستعملوا] (١) لَفْظ "الحرمة" في غير معنى المحْرَميّة استعمالًا لُغَويًّا فيما يقتضي الاحترام؛ فيدخُل فيه الزَّوج لفظًا. (٢) قوله: "وفي لَفْظ البخاري": التقدير: "وجَاء في لفظ" أو "رُوي في لفظ"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفِعْل المقَدّر. فإن كان المبني للمفعول كان جملة "تُسافر. . . إلى آخِره" في مَوضِع مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله. وإنْ قَدّرت "جَاء" كَان في محلّ فَاعِل، ويكُون الإسنادُ إلى اللفظ، لا إلى مَدْلُوله. ويجوز أنْ [يكُون] (٣) "في لَفْظٍ" يتعَلّق بخَبر مُبتدأ محذُوف مُقَدّر بالجُمْلة كُلّها، و"البخاري" يتعلّق إمّا بصِفَة لـ "لفظ"، أو يتعلّق بـ "لَفْظ" بعَينه؛ لأنّه مَصْدَر فيه معنى الفِعْل. قوله: "تُسَافر مَسيرة يَوْم إلّا مَع ذِي محْرَم": تقَدّم مِثْله في اللفظ والإعْراب. والله أعلم. ***

стр. 1100

باب الفِدْيَة الحديث الأوّل: [٢١٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَسَأَلْتَهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ، فِي خَاصَّةَ، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي؛ فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ [بِكَ] (١) مَا أَرَى - أَتَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لا. فَقَالَ: "صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ [نِصْفُ] (٢) صَاعٍ". (٣) وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ". (٤) "الفَرَقُ": مِكيالٌ يَسَع ستة عَشر رَطْلًا. (٥) قوله: "قال: جَلَستُ": أي: " [ورُوي قَوله] (٦): جَلَستُ". و"جَلَس" هُنا تعَدّى بـ "إلى"، فيحتمل أنْ تكُون "إلى" بمعنى "مع"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. (٧) ويحتمل أن يكُون الفِعلُ مُضَمّنًا مَعنى "جئتُ"، أي: "جئتُ إلى كَعْب".

стр. 1101

قوله: "فسَألتُه": معطُوفٌ على "جَلَسْتُ"، و"عن الفِدْيَة" يتعلّق به. وجملة "نَزَلتْ" في محلّ مَعْمُول القَوْل، و"في" بإدْغَام "يَاء" حَرف الجر في "يَاء" المتكَلّم. وفَاعِلُ "نَزلَتْ" يعُود على الآيَة. والضّميرُ يعُودُ على مَعْلُوم في الذّهْن، كقَوْله تَعَالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. (١) قوله: "خَاصّة": أصْله أنْ يكُون نَعْتًا لمصْدَر محذُوف، أي: "مرة خاصة"، وهي هُنا حَال مِن فَاعِل "نزلتْ"، أي: "خاصّة [في"] (٢)، أو حَال من الضّمير المجرور في قوله "في"، أي: "مخصُوصًا بذلك". قوله: "وهي لكُم عَامّة": أي: "كائنة لكُم شرعة عامة". والحالُ من الضّمير في مُتعلّق المجرور. قوله: "حُمِلْتُ إلى رَسُول الله": يحتمل أنْ تكُون الجمْلة كالتّعليل، أي: "وذلك لأني حملتُ". والفعلُ مبني لما لم يُسمّ فَاعِله؛ فيكون في محلّ خَبر لـ "أن" المقَدّرة. ويحتمل الاستئناف؛ فلا يكُونُ لها محلّ. قوله: "والقَمْلُ يتنَاثر على وَجْهي": حَرْفُ الجر يتعلّق بـ "يتناثر"، فتكُون في محلّ نَصْب، وجملة "يتناثر" في محلّ خَبر عَن "القَمْل". والجمْلة الكُبرى في محلّ حَال من الضّمير في "حُمِلتُ". قوله: "فَقَالَ": أي: "النبي ﷺ ".

стр. 1102

"مَا كُنتُ أُرَى": "مَا" نَافية، وجملَة "أُرَى" في مَوْضِع خَبر "كَان". والرّؤية بمَعنى الظَنّ والحسبان (١)؛ فتكُون الهمْزة مَضْمُومة، و"الوَجَع" المفعُول الأوّل، وجملة "بَلَغَ" في مَوْضِع المفعُول الثّاني. وأمّا ["رَأَى"] (٢) الثّانية فبَصَريّة، فتكُون همْزَتها مفتُوحَة، وتتعَدّى إلى واحد، وهو هُنا محذُوفٌ، تقديره: "مَا أراه". فـ "مَا" مَوصُولة، وهو العَائدُ عليها، والصِّلة والموصُول في محلّ مفْعُول "بَلَغ". و"بك": يتعَلّق بـ "بَلَغ". قوله: "أوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الجهْد بَلَغَ بِك مَا أَرَى": "أوْ" للشّك مِن الرّاوي. و"كُنتُ": "كَان" واسمها. وجملة "أرَى" في محلّ الخبر. و"الجهْد" بفَتح "الجيم": "المشَقّة"، وبضَمّها: "الطّاقَة". والمعنى هُنا على الفَتْح. (٣) قوله: "أتجِد شَاة؟ ": تقَدّم الكَلَامُ على "وَجَد" في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهو هُنا بمَعنى "أتُصيب؟ " (٤)؛ فيتعَدّى لوَاحِد، وهو "الشّاة". والهمزةُ هُنا للاستفهام، وقد تقَدّم الكَلامُ على حُروف الاستفهام في الرّابع مِن "الجنابة". قوله: "فقُلْتُ: لا": المعنى: "لا أجِد"، وهَذا الحذْف جَائز؛ لفَهْم المعنى، وتقَدّم الكَلامُ على ذَلِك في الأوّل مِن " [باب] (٥) الحيْض".

стр. 1103

قوله: "فصُم": "الفَاءُ" سَببية، أي: "فبسبب ذَلك، فصُم". و"ثَلاثَة أيّام": ظَرْفُ زَمَان، والتقْدير: "فصُم في زَمَن ثَلاثة أيَّام"، ثم انتصَب على السّعة. وأنّث العَدَد؛ لأنّ المعدودَ مُذَكّر. قوله: "أوْ أَطْعِم": "أو" للتخيير. و"سِتّة" مفْعُولٌ به. و"مَسَاكين" مُضَافٌ إليه، وهُو لا ينْصَرف؛ [لأنّه] (١) على صيغة مُنتهَى الجمُوع (٢). قوله: "لكُلّ مِسكين نِصْفُ صَاع": مُبتَدأ وخَبر، الخبر في المجرور. ويحتمل أنْ يكُون "نِصْف صَاع" منْصُوبًا، أي: "يُعْطِي لكُلّ مِسْكين نصْفَ صَاع"، وهُو أقْوَى في المعْنى. وتقَدّم الكَلامُ على "كُلّ" في أوّل حَديثٍ مِن الكتَاب. وأُضِيف "كُلّ" إلى نَكِرة، وتقَدّم الكَلامُ عليه. قوله: "وفي روايةٍ: فأَمَرَه النبي": يتعَلّق حَرْف الجرّ بمُقَدّر، كـ "جَاءَ" أو "رُوي"، "أنْ يُطْعِم": في محلّ نَصْب أوْ جَرّ، على الخِلاف في ذَلك. وقَد تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في أوّل [حَديثٍ] (٣) مِن "السّواك". قوله: "فَرَقًا": هُو بفَتْح "الفَاء" و"الرّاء". قوله: "بَيْن": تقَدّم الكَلَامُ عَليها في الثّالث مِن "بَاب السّواك". وتمييزُ "ستة" محذوفٌ، أي: "ستة مَسَاكِين". قَالَ ابنُ الأثير: "الفَرَق" بالتحريك: مِكْيال يَسَع ستة عشر رطلًا، وهو اثنا

стр. 1104

عَشر مُدًّا، أو ثلاثة آصع عند أهْل الحجاز. وقيل: "الفَرَقُ" خمسة أقساط، و"القسط" نصفُ صَاع. فأما "الفَرْق" بالسّكُون: فمائة وعِشْرون رَطْلًا، ومنه الحديث: "مَا أسْكَرَ الفَرْق مِنْهُ فَالحَسْوَةُ مِنْه حَرَامٌ" (١). (٢) قوله: "أوْ تُهْدِي": "أو" هُنا للتخيير، وتقَدّم حُكمها والكَلامُ عليها في الحديث الثّالث مِن "بَاب السّواك". وهَذا فيه حِكَاية الرّاوي عن "كَعب"، لا حكاية "كَعْب" عن نفسه؛ ولذلك جَاءَت الضّمَائر على الغَيبة. قوله: "أوْ يَصُوم ثَلَاثة أيّام": الكَلَامُ كالكَلَام على مَا قبْله. ***

стр. 1105

باب حُرْمَة مَكّة الحديثُ الأوّل: [٢١٦]: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ - خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو- الْخُزَاعِيِّ الْعَدَوِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثَكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ؛ فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضِدَ بِهَا [شَجَرًا] (١). فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ [أَذِنَ] (٢) لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ؛ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الْحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ". (٣) "الخَرَبَة": بـ "الخَاء" المعْجَمَة و"الرّاء" المهْمَلَة (٤)، قيل: "الخيانَة"، وقيل: "البَليَّة"، وقيل: "التُّهْمَة". [وأصْلُها (٥) في "سَرقَة الإبل". (٦)

стр. 1106

قَالَ الشّاعِر: وَالخَارِبُ اللِّصُ يُحِبُّ الخَارِبَا] ... . . . . . . . . . (١) قَوْله: "خُوَيلد": بَدَلٌ مِن "أبي شُرَيح"، ويجُوز فيه الضّم والفَتْح. و"الخزَاعِي" نَعْتٌ لـ "أبي شُرَيح"، و"العَدَوِيّ" نَعْتٌ ثَان. قوله: "أنّه قَالَ": بفَتْح "الهمْزة"؛ لكَوْنِه مَعْمُولًا لمتعلّق حَرْف الجرّ، والضّميرُ في "أنّه" يعُود على "أبي شُرَيح"، وكذَلك فَاعِل "قَال"، و"لعَمرو" يتعلّق بـ "قَالَ"، و"ابن سَعيد" صِفَة لـ "عَمرو"، و"ابن العَاص" صِفَة لـ "سَعيد"، و"العَاص" فيه إثباتُ "الياء" وحذفها، وفي حَذْفها يكُون إعْرابه [بحِكَاية] (٢) الإعراب. قوله: "وهُو يَبْعَث البعُوثَ": ضميرُ "هُو" يعُود على "عمرو"، والجملةُ في محلّ الحَال مِن "عَمرو". و"إلى مَكّة": يتعَلّق بـ "يَبْعَث". قال في "الصّحَاح": "بعثه" و"ابتعثه" بمعنى، أي: "أرسله"، "فانبعث". وقولهم: "كُنتُ في بَعْث فُلان" أي: "في جيشه الذي بُعِث معه". و"البعوث": "الجيوش". (٣) قوله: "إئْذِن لِي": هُو أَمْرٌ مِن "أَذِن"، "يأذَن". ويجوز أن يقُول في الابتداء:

стр. 1107

"إاْذَن لي" بهمزتين، الثّانية "فاء" الكلمة، والأولى "همزة" الوصل المجتلبة في الأمر عند النطق بالسّاكن؛ لأنّه مختصَر مِن "أذِن"، "يأذَن". ولك أنْ تُبْدل "الهمزَة" الثّانية - وهي "فَاء" الكَلمة - "يَاء"؛ فتقُول: "إيذن لفُلان"، وإنما قلبتها لانكسَار "الهمزة" قبلها. (١) قال النّحاس: "أذِن" إذا دَخَل عَليها "الواو" أو "الفَاء"؛ فهجاؤها في الخط: "ألف وذال ونُون" بغير "ياء"، وأمّا إذا دَخَل عليها "ثُم" فهجاؤها في الخط: "ألف وَياء وذَال ونُون". والفَرْقُ: أنّ "ثُم" يُوقَف عليها ويُنْفَصَل، [بخِلافهما] (٢). (٣) و"لِي": يتعَلّق بـ "إئذن". قوله: "أيّها الأمير": مُنَادَى محذُوف حَرْف النّداء، وذَلك سَائغٌ، إلّا مَع اسم الجنس والإشارة والمندوب واسم الله تعالى.

стр. 1108

قَال في "التسهيل": ولا يلزم حَرْف النّداء إلا مع الله، والمضمر، والمستغَاث، والمتعجَّب منه، والمندوب. ويقِلّ حَذْفه مع اسم الإشارة، واسم الجنس المبني للنّداء. (١) ولك أنْ تقُول: لا يحذَفُ حَرفُ النّداء إلّا في أرْبَعة مَواضِع: - ١ - العَلَم، نحْو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ [يوسف: ٢٩]. ٢ - والمضَاف، نحْو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٣ - و"أي"، نحْو: "أيها الرّجُل". ٤ - و"مَن"، نحْو: "مَن لا يزَالُ مُحسِنًا أحْسِن إليّ". (٢) قوله: "أيها": "أيّ" مُنَادَى، و"أيها" صِلة وتنبيه. وتقَدّمت أقسَام "أيّ" في الحديث الأوّل من "كتاب الصّلَاة". و"الأَمِير": نَعْتٌ لـ "أيّ"، لَازم الرّفْع عند الأكثرين، وأجَاز المازِنيّ فيه النصب. (٣) قوله: "أنْ أُحَدّثك": أيْ: "في أنْ أُحَدّثك"، أو: "بأنْ أُحَدّثك". وحَذْفُ حَرف الجر مَع "أنْ" كثير. ومحلّ "أنْ" بعد الحذف يجري فيه الخلاف المشهور مِن النّصب والجر. (٤)

стр. 1109

قوله: "أُحَدّثك": تقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الخامِس من "باب فضل الجماعة". قوله: "قَوْلًا": مصْدرُ "قَالَ". ولما تضَمّن الحديثُ "القَول" جَرى المصدر على مَعْنَاه، لا على لفْظِه، [أي] (١) يكُون منْصُوبًا بإسْقَاط الخَافِض، أي: "أُحَدّثك بقَوْل". قوله: "قَامَ به رَسُولُ الله ﷺ ": جملة في محلّ صِفَة لـ "قَوْل". قوله: "الغَد مِن يَوْم الفَتْح": حَقيقةُ ["الغد"] (٢) اليوم الذي بعْد يَومك، فإذا استُعْمِل في غير ذلك أضَافوه إلى غَد يومه الذي وَقَع الفعل فيه، إمّا ماضيًا كما جَاء هُنا، وإمّا مُتأخرًا عن غَد يَوْمه؛ فتقُول: "أفعَلُ غَدًا" مِن غير إضَافة ولا تعريف؛ لأنّه وَقَع فيما وضع له، كالعلم، و"فعلتُ غَد يوم الجمعة" و"الغَد مِن يوم الجمعة" حِكَاية "غَد" يوم مَاض، و"فَعَلتُ بعد غَد" أو "بعْد الغَد" مما تأخّر فِعْله عن محلّه؛ لأنّه صَار نَكِرَة، ولذلك دَخَلَه التّعريف العَهْدي؛ لأنّه استُعْمِل في غَير مَا وضِع لَه لما حَكوا به كما حَكوا باسم الفَاعِل الحالَة الماضِية في نحْو قَوله تعَالَى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، فأعْمَلوا "باسطًا" في "ذراعيه" وإنْ كان مَاضيًا؛ لأنّهم حَكوا حَالة وقُوع الفِعْل في الحالة الماضية. (٣) قَالَ السّهيلي: إنْ قُلت: لم بنوا "أمس" إذا أرادوا به "اليوم الذي قبل يومهم"، ولم يبنوا "غَدًا" إذا أرادوا به "اليوم الذي بعْد يومهم"؟ والجواب: أنّ الأيامَ مُتماثلة مِن حيث أنّ كُلا منها عبارَة عن جملة حَرَكَات

стр. 1110

الفلك، والحرَكَات مُتماثلة، والحاجَةُ دَاعية إلى تمييزها، فمَيّزوا أسماءَ الأسبوع بأسْماء الأعْدَاد وبالحوَادِث الكَائنَة فيها. وسَمّوا "اليوم الذي قبْل يَومِهم" باسم أقرب سَاعة منه إليهم، وهو "المساء"، إلا أنهم جَعَلوا اسمه منقُولًا مِن فِعْل الأمْر الذي قَولك فيه: "أمْس بخَير"؛ فلهَذا بَنوه. وكَذلك سَمّوا "اليوم الذي بعْد يَومِهم" باسم أقْرَب سَاعَة منه إليهم، وهو "الغَد"، فقَالوا: "الغَد"، فأعرَبُوه؛ لأنّه ليس منقُولًا من مبني - بخِلافِ "أمس" - وحَذَفُوا لامه؛ لأنّ كُلّ اسم كَان موضُوعًا للحَدث ثم نُقِل إلى غَيره، ووَزْنه "فَعل"، ولامه مُعتلّة، فإنهم ينقصونه [ليكُون] (١) نقْصه لفْظًا أمَارَة لنقْصه معنى. (٢) فتأمّل ذَلك تجده في: "غَد" و"دَم" و"يَد" و"سم". (٣) إذا ثبت ذلك: فـ "الغَد" في الحديثِ منصوبٌ بـ "قَامَ" على الحكاية للزّمَان الماضية. و"مِن يَوْم" يتعَلّق بحَال مِن "الغَد"، أي: "كَائنًا مِن يَوم الفَتْح"، و"مِن" لبيان الجنْس. قوله: "فسَمعته أُذناي": تقَدّم الكَلامُ على "سَمِع" في الحديث الأوّل. والضّميرُ في "سَمعته" يعُود على القَول، وكذلك الضّميرُ في "وَعَاه". و"قَلْبي": فَاعِل. وأمّا الضّمير في "أبْصَرَتْه عَينَاي": فيحتمل أنْ يعُود على "النبي ﷺ "؛ لأنّه تقَدّم ذِكْره، ويكُون كقَوله تعَالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤) [الفتح: ٩]، قيل: الضّميرُ في "تُسَبِّحُوهُ" يعُود على الله (٥). ويحتمل أنْ يعُود على القَول،

стр. 1111

بمَعنى "حَركَة شَفتيه ولسانه ﷺ "؛ لأنّه سَببُ القَوْل، وكثيرًا ما يُطلَق على السّبب اسم المسبب. والأوّل أظهَر. و"حِين": ظَرْفُ زَمَان، وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الخامِس مِن "صِفَة الصّلاة"، وفي الرّابع مِن "بَاب الصّلاة". والعَامِلُ في "حِين": مَا تقَدّم مِن الأفْعَال على سَبيل التنازع، أعني: "سمعته" و"وَعَاه" و"أبصَرته"، الأفْعَال الثّلاثة، والتنَازعُ يكُون في ثلاثَة وأكثر. والمخْتَارُ عند البصريين إعْمَال الآخر (١)، ولهذا بَاب في كُتب العَرَبية؛ فلينظر هُنالك. وجملة "تكَلّم به" في محلّ جَرّ بالإضَافَة إلى الظّرْف. قوله: "أنّه حمد الله": بالفَتح، بَدَلٌ من "قَوْلًا"، أي: "أحدّثك أنّ النبي ﷺ "، أو بَدَلٌ من الضّمير في "سَمعته"، أو مِن الضّمير في "وَعَاه". ويحتمل أن يكون خبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هُو أنّه"، أو: "ذلك أنّه". ويجوزُ كسر "أنّ"، وهُو حَسَنٌ إنْ رُوي؛ لأنّها وَقَعَت بعد القَول؛ فتكُون الجملة مُستأنفة. وفيه حَذفُ الجواب، أي: "قَال له: نَعَم، حَدّثْني"، وإنّما حُذف للعِلْم به. قوله: "ثُم قَالَ": أي: "النبي ﷺ ". قوله: "إنّ مَكّة حَرّمَهَا الله": هذه الجمْلة معْمُولة للقَول، وجملة "حرّمها" في محلّ خَبر "إنّ". قوله: "ولم يُحرّمها النّاس": هَذه الجمْلَة معْطُوفَة على مَا قبْلها.

стр. 1112

وفيها تعظيمٌ لحرْمَة مَكّة، [وإخبارٌ] (١) بأنّ ذلك التحريم مِن الله، لا بواسطة أحَدٍ مِن خَلْقه، ولا بسُؤَال أحَدٍ مِن أنبيائه. وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثّالث مِن "باب المذي". قوله: "فَلا يحلّ لامرئ": "لا" نَافِيَة، و"لامرئ" يتعلّق بـ "يحلّ". و"امرؤ" تقَدّم الكَلامُ عليه في السّادس مِن "الزّكاة"، وهمزته "هَمْزة" وَصْل. وتقَدّم القَول في "هَمزَة" الوَصْل في الأوّل مِن الكتاب. قوله: "يُؤمِن بالله واليَوْم الآخِر": جملةٌ في مَوْضِع صِفَة لـ "امرئ"، و"بالله" يتعلّق بـ "يُؤْمِن". و"اليَوم الآخر" تقَدّم الكَلامُ عَلى "يَوم" في الثّالث مِن "الاستطابة"، وعلى "الآخِر" في الحديثِ الأوّل من الكتاب. قوله: "أنْ يَسْفِك بها دَمًا": في محلّ فَاعِل "يحلّ"، والتقديرُ: "لا يحلّ لمؤمِن سَفْك دَم". ويُقَال: "سَفَكَ" "يَسْفُك" و"يَسْفِك"، بكَسْر "الفَاء" وضَمّها. (٢) قوله: "ولا يَعْضِد": يُقَال: "عَضَدَ، يَعْضِد"، بفَتْح "الضّاد" في الماضي، وكَسْرها في المضَارع (٣)، منْصُوبٌ بالعَطْف على "يسفك"، ويجوزُ فيه الرّفع لو رُوي. قوله: "فَإنْ أحَدٌ ترَخّص": "أحَدٌ" فَاعِل بفِعْل مُقَدّر يُفسّره ما بعده، أي: "إنْ ترَخّص أحَدٌ"، فجُمْلة "ترَخّص" لا محلّ لها؛ لأنّها مُفسّرة للعَامِل. وأجَاز

стр. 1113

الكُوفيون (١) أنْ يَلي الشّرْط الاسم، ورَفَعُوا الواقِعَ بعده بالابتداء؛ فتكُون جملة "ترَخّص" في محلّ الخبر. قوله: "فقُولُوا": "الفَاء" جَوَابُ الشّرْط "إنّ الله أَذِن لرَسُوله" جُملة "أَذِن" في محلّ خَبر "أنّ"، و"أنّ" واسمها وخَبرها في محلّ مفْعُول القَول، و"لرَسُوله" يتعلّق بـ "أَذِن". قوله: "ولم يَأذَن لكُم": يحتمل أنْ يكُون معْطُوفًا على "أذِن". ويحتمل أن تكُون "الواو" للحَال، أي: "أذِن لرَسُوله، وهُو لم يأذَن لكم". قوله: "وإنّما أَذِن لي سَاعَة مِن نَهَار": "إنّما" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الأوّل مِن الكتاب. و"أَذِن" هُنا مَبني للفَاعِل، والفَاعِلُ هُو "الله" ، و"سَاعة" منصُوبٌ على الظّرْفيّة، أي: "في سَاعَةٍ مِن النهار". قوله: "وقَد عَادَت حُرْمَتُها اليَوم": "عَادَ" هُنا بمَعْنَى "صَار"، و"حُرْمَتها" اسمها، و"اليَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه "حُرْمَتها"؛ لأنّه مَصْدَر "حَرُم الشيءُ حُرْمة"، ويُقَال: "حَرُمَت الصّلاة على الحَائِض" (٢). ويجُوز أنْ تعْمَل فيه "عَادَت" إذا قُلْنا بعَمَل الأفْعَال النّاقِصَة في الفَضَلات (٣). و"مِن النّهَار": يتعلّق بصِفَة لـ "سَاعَة". قوله: "كحُرْمتها": يتعَلّق بخَبر "عَاد"، وإذا قدّرت "الكَاف" اسمًا بمَعنى "مِثْل" كَان مَا بعْدَها مجرورًا بالإضَافة.

стр. 1114

قوله: "بالأمْس": جَار ومجرُور يتعَلّق بـ "حُرْمتها"، ومتى عُرّف "أمْس" بالألِف واللام أو بالإضَافَة أُعْرب، تقُول: "ذَهَب الأمْس"، و"كَرهتُ الأمس"، و"كَان أمْسنا طَيبًا". وإنْ كَان بغَير "لام" ولا إضَافَة بُنيَت؛ لتَضَمّنها الألِف واللام، ولم تُبْن على السّكُون؛ لأنّ قبْل آخِرها سَاكِنٌ، فكُسِرَت لالتقَاءِ السّاكنين، وهِي عَنْد "بني تميم" كذلك إذا كَانَت في مَوْضِع نَصْب أو خَفْض بغَير "مُذ" و"مُنْذ"، وإنْ كَانَت في مَوضِع رَفْع أو خَفْض [بـ "مُذ" أو] (١) "مُنذ"، فيُجرونها مجْرَى اسْم لا ينصَرّف، فيقُولُون: "ذَهَب أمْس بما فِيه" و"مُذ أمْس"، فيُعربُونها، ويمنَعُونها الصَّرْف للتعريف والعَدْل، وذَلك لأنّ "أمْس" في الأَصْل نَكِرَة، فكَان حَقّه أنْ يُعَرّف بالألِف واللام أو بالإضَافَة، فعَدلُوا عَن ذَلك، وعَرّفُوه بالعَلَمية. (٢) قَالَ الغَافقي: هَذا كُلّه نصّ عليه سيبويه. (٣) قَالَ أبُو القَاسِم الزّجّاج: ومِن العَرَب مَن يَبْنيه على الفَتْح (٤)، وأنْشدَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا ... عَجَائزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسَا

стр. 1115

يأْكُلْنَ مَا فِي رِحَالِهنَّ هَمْسَا ... لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُنَّ ضِرْسَا (١) قوله: "فليبلغ الشّاهِد الغَائِب": "اللام" لام الأمْر، وتقَدّم أنّها تُسَكّن مع "الفَاء" و"الواو"، وتكْسَر مَع "ثُمّ" (٢)، و"الشّاهِد" فَاعِل به، و"الغائب" مفْعُولٌ به. قوله: "فقيل لأبي شُريح": الفِعْلُ مَبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، والمفْعُولُ الذي لم يُسَمّ فَاعِله الجمْلَة المحْكيّة، وهي المقُول، وقيل: قَول محذُوف. وتقَدّم الكَلامُ على ذلك في الرّابع عَشر مِن "الجنائز". و"مَا" استفهامية، محلّها رَفْع بالابتداء. وجملة "قَالَ" في محلّ الخبر، و"اللام" في "لَك" لام التبليغ، ومِثل هذه "اللام" "اللام" في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. (٣) ومعنى الحديث: أنّ أبا شُريح لما قَصّ مَا وَقَع لَه مع عمرو بن سعيد وما عَرَض عليه من حَديث النبي ﷺ ونهيه عن انتهاك حُرمة مَكّة حتى انتهى إلى آخر الحديث، قيل له عند ذلك: "مَا قَالَ لك عمرو بن سَعيد؟ "، ففَاعِلُ "قَالَ" ضَمير يعُود على "عمرو"، أي: "قَالَ عَمرو: أنَا أعْلَم. . ."، فجُمْلَة "أنَا أعْلَم" معمُولة للقَول، و"أعْلَم" أفْعَل التفضيل استُعْمِل بـ "مِن"، و"بذَلك" يتعَلّق بـ "أعْلَم"، وتقَدّم الكَلامُ على أفْعَل التفضيل في الأوّل مِن "الصّلاة". والإشَارَة بـ "ذَلك" إلى النّهي عَن مَكّة وقتال أهْلِها. و"مِن" في أفْعَل التفضيل للتبعيض.

стр. 1116

وفي قوله "أنا أعْلَم بذلك مِنْك" شِدَّة على أبي شُريح وإغْلاظ عليه، ولو تَرَك "مِنْك" صَحّ الكَلام، ولكنّه أدْخَلها للمَعنى الذي ذَكَرناه. وقَد قَالُوا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]: فيه بعضُ مُسامَحَة ولِين؛ لأنها أوّل خصاله، فعَذَره فيها، وقَالَ له في الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]، فزاد لَفْظة "لك" إغْلاظًا عليه؛ لأنّها الثانية. (١) وفي كَلامِه تغليظ آخَر سُوَى الخطَاب، وهو [نداؤه] (٢) حين قَال له: "يا أبا شُريح". وقد قَالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، قُرئ بالضّمِّ على النِّداء، وبالنَّصب على البَدَل (٣)، ولم يجئ مِثله في قَوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] بالرفع، وإنما قُرئ بالنصب لا غير. (٤) قال الإمامُ فخْر الدِّين: لأنّ النّداءَ استخفافٌ بالمنادَى، والاستخفاف بالمنادَى يكُون لائقًا في قصة إبراهيم ﵇؛ لأنّ أباه كَان كافرًا مُصرًّا على كُفره؛ فحَسُن أنْ يخاطبه بالغِلْظة زَجرًا له على ذلك [القُبْح] (٥). وأمّا في قِصّة مُوسى: فقد كَان مُوسى استخْلَف هَارون على قَومه، فما كان الاستخفافُ لائقًا بهذا الموضع؛ فلا جَرَم لم تكُن القراءة بالضَّمِّ جَائزةً. (٦) قوله: "إنَّ الحَرَمَ لا يُعيذُ عَاصِيًا ولا فَارًّا بدَم": الجمْلَة محكيّة بالقَوْل، وجملة "لا

стр. 1117

يُعيذُ" في محلّ خَبر "إنّ"، و"عَاصِيًا" مَفْعُول "يُعيذ". و"يُعيذ" مِن "أعَاذ" رُبَاعيًا (١). والفَاعِلُ مُستَتر. "وَلَا فَارًّا" مَعْطُوفٌ على "عَاصِيًا"، و"لا" مُؤَكِّدَة للنّفي، أي: "ولا يُعِيذُ فَارًّا"، و"بدَم" يتعَلّق بـ "فَارّ". قوله: "وَلَا فَارًّا بخَربَةٍ": تقَدّم مِن تفْسير صَاحِب "العُمْدة" فيه مَا يُغْني عَن إعَادته. وقَالَ في "الصّحاح": "الخَاربُ": "اللّص". وقَالَ الأصْمعي: هُو سَارِقُ الإبل خَاصّة (٢). ويُرْوَى "بخُرْبَةٍ" بضَمّ "الخَاء" وفتْحِهَا. ويُروَى "بخِزْيَة" (٣) بـ "الزّاي" المعْجَمَة و"اليَاء" المثنّاة مِن تحْت. (٤) والجمْعُ: "الخُرَّابُ"، يُقَال منه: "خَرَب فُلانٌ بإبل فُلان، يخرب، خرابة" مِثْل: "كَتَب [يَكْتُب] (٥) كِتَابة". (٦) ويَأتي في الثّالث مِن "السّرقَة" جُملَة مَا جَرَى هَذَا المجْرَى، فانظُره هُنالك.

стр. 1118

الحديث الثّاني: [٢١٧]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، [وَإِذَا] (١) اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلَاهُ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: "إلَّا الإِذْخِرَ" (٢). القينُ: "الحَدَّاد". قوله: "يَوْم فَتْح مَكّة": ظَرْفُ زَمَان، ومخفُوض به. العَامِلُ في "يَوم": "قَال" الثّانية، وهي معمُولة لـ "قَال" الأوْلى، و"قَال" الأوْلى معمُولة لمتعلّق حَرْف الجر. قوله: "لا هِجْرَة": "لا" نَافية، و"هِجْرَة" اسمُ نَكِرَة، مبني مع "لا". وقَد تقَدّم ذِكْر "لا" مع اسمها في الأوّل في "بَابِ التيمّم". وخَبرُ "لا" محذوفٌ، أي: "كائنة بعد اليوم"، حُذِف لدلالة الكَلام عَلَيه. قوله: "ولكن جِهَاد": تقَدّم الكَلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض"، وفي الثّاني من "بابِ الاستطابة". وجَاءَت هُنا على الحَسَن مِن وجُوهها بين نَفْي وإثبَاتٍ، ولكن هذه المخففة لا عمل لها، خلافًا ليونس والأخفش، وعلى مَذهَبِ الجمهُور الوَاقِع بعْدَها مُبتَدأ وخَبر (٣)؛ فـ "جِهَاد" مُبتَدأ، و"نية" مَعْطُوفٌ عَليه،

стр. 1119

والخبرُ مُقَدّر، أي: "لَكن بعدَه جِهَاد"، فالعَامِلُ في ["بعده"] (١) الخبر المقَدّر. ويجُوزُ "وَنِيةً" بالنّصب، مفْعُولًا مَعَه، أي: "مَع نية". ويحتمل أنْ تكُون "الواو" بمَعْنى "أو"، أي: "جِهَادٌ في سَبيل الله، أو نية في الجهَاد"، كَما قِيل في قَوْله تعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مَثْنَى أو ثُلَاث أو رُبَاع" (٢). ويجوز أن يكُون التقدير: "ولكن يكُون جِهَادٌ ونية"، وتكُون "كَان" التّامّة أو النّاقِصَة، والخبرُ مُقَدّر، أي: "ولَكِن يكُون جِهَادٌ ونية بَعْد هَذَا اليَوْم". قوله: "فإذا استنفرتم فانفروا": تقَدّم الكَلامُ على "إذا" وفِعْلها وجوابها في الحديث الثّاني مِن أوّل الكتاب. وجملة "فانفروا" جَوابُ "إذا"، ويترجّح عَمَل فِعْلها، وهو: "استنفرتم"؛ لأنّ مَا بعْد "الفَاء" لا يعمَل فيما قبلها (٣). قوله: "وقَال يَومَ فَتْح مَكّة": أعَادَ القَول مع معمُوله لطُول ما بين المعطُوف والمعطُوف عليه، وتأكيدًا للحَديث والمحَدَّث به، ولكَونه وَقَع في ذلك الوقْت العَظيم المستَلَذّ إعَادة ذِكْر يَوْمه ومَكَانه. قوله: "إنّ هذا البَلَد حَرّمَه الله": "هَذا" اسمُ "إنّ"، و"البَلَد" نعته، و"حَرّمَه الله" في محلّ خَبر "إنّ". قوله: "يَوْم خَلَق السّمَوات والأرْض": العَامِلُ في الظّرْف "حَرّمَه"، وجملة

стр. 1120

"خَلَق" في محلّ جَرّ بالظّرْف. و"السّمَوات": مفعُولُ "خَلَق"، وعَلَامَةُ النّصْب فيه الكَسْرَة. قوله: "فهُو حَرَامٌ": "الفَاءُ" سَببية، وذَكَر الضّمير لأنّه أرَادَ الموضِع. و"حَرَام" خَبرُ "هو". والجمْلَة مُستَأنَفَة. قوله: "بحُرْمَة الله إلى يَوْم القيامَة": "بحُرمَة" يتعلّق بـ "حَرَام". و"حُرْمَة الله" يُريد: "تحريم الله"؛ فتتعَلّق "إلى" به. و"البَاء" سَببية، أو "باء" الإلصَاق، ويحتمَل أنْ تتعَلّق بـ "حَرَام". قوله في الحديث: "تَعَالَى": هَذَا الفِعْل من "العُلو"، خَاصٌّ باسم الله تعالى؛ فلا يُقَال: "زَيد تَعَالى"، ولا تقُول: "تَعَالَيتُ". قوله: "إلى يَوم القيامة": تقَدّم الكَلامُ على "يَوم" في الحديثِ الثّالث من "الاستطابة". والضّميرُ في "إنّه" ضَميرُ الأَمْر والشّأن. وتقَدّم الكَلامُ على ضَمير الأمْر والشّأن في الحديثِ السّادِس مِن "بَابِ القِرَاءَة". و"لم يحِلّ القِتَال" في محلّ خَبر "إنّ"، و"قَبْلِي" في محلّ صِفَة لـ "أَحَد". قوله: "وَلَم يَحِلّ": معْطُوفٌ على "لم يحلّ". و"سَاعَة" ظَرْفُ زَمَان، العَامِلُ فيه: "يحلّ"، والتقْدير: "إلّا في سَاعَة"، فالاستِثْناءُ مُفرغ. و"مِنْ نَهَار" يتعَلّق بصِفَة لـ "سَاعَة"، و"مِن" للتبعِيض. قوله: "فهُو حَرَامٌ بحُرمة الله إلى يَوْم القِيَامَة": مُبتدأ وخبر، أي: "فالبَلَدُ حَرَامٌ". و"بحُرْمَة" يتعَلّق بـ "حَرَام". و"حُرْمَة الله" بمَعْنَى "تحريم الله". ويتعَلّق "إلى يَوم القِيَامَة" بـ "حَرَام" كما تقَدّم، أو بـ "حُرْمَة". قوله: "لا يُعْضَدُ شَوْكُه": يحتمل أنْ يكُون خَبرًا بعْد خَبر. ويحتمَل أنْ يكُون

стр. 1121

مُستأنَفًا، و"لا" نَافِيَة؛ فهُو خَبرٌ بمَعْنى النّهي. ويحتمل الجزْم بـ "لا" النّاهِيَة، والرّواية الرّفْع، أي: "لا تعضد"، وإنّما قُدّر فيه مَعْنى النّهي لأنّ خَبَر الله لا خُلْف فيه، وقَد وُجِد العضد والتنفير. قوله: "وَلَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ": باليَاء المثنّاة مِن تحْت. و"لُقْطَتَه" مفعُولٌ واجبُ التقْديم؛ لأنّ الفَاعِلَ وَقَع بعْد "إلّا" (١). قوله: "إلّا مَن عَرّفَهَا": الاستِثْنَاءُ مُفرغ؛ لأنّ "مَن" فَاعِل "يَلْتَقِط"، أي: "إلّا شَخْصٌ عَرّفَها"؛ فتكُون "مَن" نَكِرَة مَوْصُوفَة. ويحتَمَل أنْ تكُون مَوصُولَة، أي "إلّا الذي عَرّفَها"، ويكُون الفِعْلُ بمَعْنَى المستَقْبَل، أي: "إلا مَن يُعرّفها". أو يكُون "يَلتَقِط" بمعنى " [يتَمَلّك] (٢) "؛ فلا يحتَاجُ إلى تَقْدِير؛ لأنّك إنْ حملْت اللفْظ على ظَاهِرِه - مِن أنّه "لا يأخُذها مِن مَوضِعها إلّا مَن عَرّفها" - لم يصِحّ المعنى؛ لأنّ تعريفها إنّما يكُون بعد التقَاطِهَا، وعلى هَذا مَذْهَب مَن يقُول: [يتمَلّكها] (٣) بعْدَ التعريف. (٤) ويحتمل أنْ يكُون المعنى: "لا يَلتَقِطُها إلا مَن نَوَى تعريفها"، وهَذَا أظْهَر.

стр. 1122

قوله: "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ": "الخَلَى" مَقْصُور: "الحشيشُ اليَابس"، الواحِدَة: "خَلاة"، و"المُخْتَلُونَ" و"الخَالُونَ": "الذين يَخْتَلُونَ الخَلى، [ويخلونه] (١) ". (٢) و"خَلَاهُ" هُنا مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله بـ "يُختَلَى". قوله: "فَقَالَ العَبّاس": يعني: "عَمّ النبي ﷺ ": "يَا رَسُولَ الله، إلّا الإِذْخَر": أي: "قُلْ يَا رَسُولَ الله: إلّا الإذْخَر، فنَحْن نَسْمَع ونُطيع"، فتكُون الجمْلَة مَعْمُولة للقَوْل المقَدّر على الحِكَاية، والمرادُ مَدْلُول اللفْظ؛ فيجُوز فيه الرّفْع على البَدَل، والنصب على الاستثناء. (٣) قوله: "فإنّه لقينِهِم": "الفَاءُ" سَببية، والضّمير في "إنّه" للإذْخَر. "ولبيوتهم" يتعَلّق بخَبر "إنّ"، كأنّه عَرَضَ على النبي ﷺ ضرورتهم إلى "الإذْخَر"؛ فرَخّص لهم فيه، إمّا بوَحْي أو باجْتِهَاد. (٤) ***

стр. 1123

بَاب مَا يجُوزُ قَتْلُه الحديث الأوّل: [٢١٨]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" (٢). قَال الشّيخُ تقيّ الدِّين: المشْهُورُ في الرِّواية: "خمسٌ - بالتنوين - فَواسِقُ"، ويجوز: "خمسُ فَواسِقَ" بالإضافة من غير تنوين، وهذه الرواية التي ذَكرها المصنفُ تدُلّ على صِحّة المشهور، فإنّه أخْبر عَن "خمسٌ" بقوله: "كُلّهن فَواسِق"، وذلك يقتضي أنْ يُنَوَّن "خمسٌ"، وتكُون "فَوَاسِقُ" خَبرًا. وبَين التنوين والإضَافة فَرْقٌ دَقيق في المعْنَى، وذَلك أنّ الإضَافَة تقتضي الحُكمَ على خمْس مِن الفَواسِق بالقَتْل، ورُبّما يُشْعِر التخصيصُ بخِلافِ الحُكْم في غَيرها بطَريق المفْهُوم. وأمّا مَع التنوين: فإنّه يقتضي وَصْفَ الخَمْس بالفِسْق مِن جَهَة المعْنى، وقد يُشْعرُ بأنّ الحُكْمَ المرَتّبَ على ذَلك - وهُو القَتْلُ - مُعَلّل بما جُعِل وَصْفًا، وهُو الفِسْقُ؛ فيقتضي ذَلِك التّعْميم لكُلّ فَاسِق مِن الدّوَاب، وهُو ضِدّ مَا اقتَضَاه الأوّل من العُمُوم، وهُو التخصيص. انتهى. (٣) قوله: "خمسٌ مِن الدَّوَاب": "خمس" مُبتدأ، وسَوّغ الابتداء به وصفه بالمجْرور، أي: "خمسٌ كَائنات مِن الدّوَاب". و"كُلّهن": مُبتدأ، و"فَوَاسِق" خَبره، والجمْلَة صِفَة لـ "خمس" ثانية؛ فـ "فَواسِق"

стр. 1124

لا ينْصَرف؛ لأنّه على صِيْغَة مُنتَهَى الجمُوع (١). و"دَوَاب" أيْضًا من غير تعريف لا ينصرف؛ لأنّه على صيغة منتهى الجموع، وإنما انصرف لأنّ كُلّ مَا لا ينصَرف إذا دَخَله [التعريف] (٢) بالأَلِف واللام انصَرَف، وقَبِل الجرّ بالكَسر. (٣) و"دَوَابّ: جمعُ "دابّة"، أصْلها: "دابية" كـ "قائمة"، فأدْغِمَت "الياء" الأوْلى في الثّانية، وكُلّ مَاش على الأرْض "دَابّة". (٤) و"كُلّ" مِن ألفاظ التأكيد، وتقَع مُبتدأ كثيرًا، والتأكيدُ هُنا لا يجوزُ؛ لأنّ "خمسًا" نَكِرة، والنّكِرَةُ لا تُؤَكّد (٥)، ولأنّ الكَلامَ ينقطع ارتباط بعضه من بعض. وتقَدّم الكَلامُ على "كُلّ" في الحديث الأوّل مِن الكتاب. وأضيف هُنا "كُلّ" إلى مَعْرفة؛ فجَرَى الخبر على لَفْظِه، وهو "فَاسِق"؛ لأنّ لَفْظَ "كُلّ" مُفْرَد مُذَكّر، ولَو [أعاد] (٦) على مَا أضيف إليه لقَالَ: "فَاسِقَة". ومتى أضيف "كُلّ" إلى نَكِرَة جَرَى تَابعها وكُلّ مَا هُو لها على لَفْظ مَا أضيفت إليه، كقَوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فلو قُلتَ: "كُلّ امرأة" أنّثت صِفَتها؛ فقُلت: "تأتيني"، ولو قُلتَ: "كُلّ رَجُل" قُلتَ: "يأتيني"، ولو قُلت: "يأتوني" كَانَ خِلافَ القَاعِدَة. (٧)

стр. 1125

قوله: "فاسِق": قَالَ الجوهري: يُقَال: "فَسق الرّجُل"، "يفسُق" و"يفسِق" بضَمّ "السّين" وكسْرها، "فِسْقًا" و"فسوقًا". (١) قال ابن الأعرابي: لم يُسمع قَط مِن كَلام الجاهلية ولا في شعرهم "فاسق". (٢) قال (٣): وهذا عَجَب، وهو كَلامٌ عَرَبي. و"الفسيق": "الدائمُ الفِسْق". (٤) وخَبرُ المبتدأ: جملة "يُقْتَلْنَ"، أو يكُون "كُلّهنّ فَاسِق" في محلّ الخَبر، أو جملة مُعترضة لا محلّ لها، ومتى جعل "كُلّهن فَواسِق" الخبر كَان جملة "يُقْتَلْنَ" في مَوضِع خَبر بعْد الخبر. قوله: "في الحَرَم": الألِف واللام إمّا للعَهْد، ويُراد به "حَرَم المسْجِد الحَرَام"، أو يُرَاد "حَرَم مَكّة والمدينة"؛ فتكون لحقيقتها. (٥) قوله: "الغُرَاب" ومَا عُطِفَ عليه: بَدَلٌ مِن الضّمير القَائِم مَقَام الفَاعِل في "يُقْتَلْن"، ويحتمَل أنْ يكُون خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هُنّ الغُراب. . .". قوله: "ولمسْلِم: يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ": حَرفُ الجر يتعلّق بـ "يُقْتَلن". و"الغُرابُ" ومَا بَعْدَه أسماءُ أجْنَاس. وأسماءُ الأجْنَاس [أُوقِعَت أوّلًا] (٦) على مُسَمّياتها مِن غَير أنْ تكُون مَنْقُولة مِن شَيءٍ، فإنْ وُجِد مِنْها ما يُمكِن اشتقاقه حُمِل
следующие страницы →