← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

مُستأنَفًا، و"لا" نَافِيَة؛ فهُو خَبرٌ بمَعْنى النّهي. ويحتمل الجزْم بـ "لا" النّاهِيَة، والرّواية الرّفْع، أي: "لا تعضد"، وإنّما قُدّر فيه مَعْنى النّهي لأنّ خَبَر الله لا خُلْف فيه، وقَد وُجِد العضد والتنفير. قوله: "وَلَا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ": باليَاء المثنّاة مِن تحْت. و"لُقْطَتَه" مفعُولٌ واجبُ التقْديم؛ لأنّ الفَاعِلَ وَقَع بعْد "إلّا" (١). قوله: "إلّا مَن عَرّفَهَا": الاستِثْنَاءُ مُفرغ؛ لأنّ "مَن" فَاعِل "يَلْتَقِط"، أي: "إلّا شَخْصٌ عَرّفَها"؛ فتكُون "مَن" نَكِرَة مَوْصُوفَة. ويحتَمَل أنْ تكُون مَوصُولَة، أي "إلّا الذي عَرّفَها"، ويكُون الفِعْلُ بمَعْنَى المستَقْبَل، أي: "إلا مَن يُعرّفها". أو يكُون "يَلتَقِط" بمعنى " [يتَمَلّك] (٢) "؛ فلا يحتَاجُ إلى تَقْدِير؛ لأنّك إنْ حملْت اللفْظ على ظَاهِرِه - مِن أنّه "لا يأخُذها مِن مَوضِعها إلّا مَن عَرّفها" - لم يصِحّ المعنى؛ لأنّ تعريفها إنّما يكُون بعد التقَاطِهَا، وعلى هَذا مَذْهَب مَن يقُول: [يتمَلّكها] (٣) بعْدَ التعريف. (٤) ويحتمل أنْ يكُون المعنى: "لا يَلتَقِطُها إلا مَن نَوَى تعريفها"، وهَذَا أظْهَر.

стр. 1122

قوله: "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ": "الخَلَى" مَقْصُور: "الحشيشُ اليَابس"، الواحِدَة: "خَلاة"، و"المُخْتَلُونَ" و"الخَالُونَ": "الذين يَخْتَلُونَ الخَلى، [ويخلونه] (١) ". (٢) و"خَلَاهُ" هُنا مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله بـ "يُختَلَى". قوله: "فَقَالَ العَبّاس": يعني: "عَمّ النبي ﷺ ": "يَا رَسُولَ الله، إلّا الإِذْخَر": أي: "قُلْ يَا رَسُولَ الله: إلّا الإذْخَر، فنَحْن نَسْمَع ونُطيع"، فتكُون الجمْلَة مَعْمُولة للقَوْل المقَدّر على الحِكَاية، والمرادُ مَدْلُول اللفْظ؛ فيجُوز فيه الرّفْع على البَدَل، والنصب على الاستثناء. (٣) قوله: "فإنّه لقينِهِم": "الفَاءُ" سَببية، والضّمير في "إنّه" للإذْخَر. "ولبيوتهم" يتعَلّق بخَبر "إنّ"، كأنّه عَرَضَ على النبي ﷺ ضرورتهم إلى "الإذْخَر"؛ فرَخّص لهم فيه، إمّا بوَحْي أو باجْتِهَاد. (٤) ***

стр. 1123

بَاب مَا يجُوزُ قَتْلُه الحديث الأوّل: [٢١٨]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" (٢). قَال الشّيخُ تقيّ الدِّين: المشْهُورُ في الرِّواية: "خمسٌ - بالتنوين - فَواسِقُ"، ويجوز: "خمسُ فَواسِقَ" بالإضافة من غير تنوين، وهذه الرواية التي ذَكرها المصنفُ تدُلّ على صِحّة المشهور، فإنّه أخْبر عَن "خمسٌ" بقوله: "كُلّهن فَواسِق"، وذلك يقتضي أنْ يُنَوَّن "خمسٌ"، وتكُون "فَوَاسِقُ" خَبرًا. وبَين التنوين والإضَافة فَرْقٌ دَقيق في المعْنَى، وذَلك أنّ الإضَافَة تقتضي الحُكمَ على خمْس مِن الفَواسِق بالقَتْل، ورُبّما يُشْعِر التخصيصُ بخِلافِ الحُكْم في غَيرها بطَريق المفْهُوم. وأمّا مَع التنوين: فإنّه يقتضي وَصْفَ الخَمْس بالفِسْق مِن جَهَة المعْنى، وقد يُشْعرُ بأنّ الحُكْمَ المرَتّبَ على ذَلك - وهُو القَتْلُ - مُعَلّل بما جُعِل وَصْفًا، وهُو الفِسْقُ؛ فيقتضي ذَلِك التّعْميم لكُلّ فَاسِق مِن الدّوَاب، وهُو ضِدّ مَا اقتَضَاه الأوّل من العُمُوم، وهُو التخصيص. انتهى. (٣) قوله: "خمسٌ مِن الدَّوَاب": "خمس" مُبتدأ، وسَوّغ الابتداء به وصفه بالمجْرور، أي: "خمسٌ كَائنات مِن الدّوَاب". و"كُلّهن": مُبتدأ، و"فَوَاسِق" خَبره، والجمْلَة صِفَة لـ "خمس" ثانية؛ فـ "فَواسِق"

стр. 1124

لا ينْصَرف؛ لأنّه على صِيْغَة مُنتَهَى الجمُوع (١). و"دَوَاب" أيْضًا من غير تعريف لا ينصرف؛ لأنّه على صيغة منتهى الجموع، وإنما انصرف لأنّ كُلّ مَا لا ينصَرف إذا دَخَله [التعريف] (٢) بالأَلِف واللام انصَرَف، وقَبِل الجرّ بالكَسر. (٣) و"دَوَابّ: جمعُ "دابّة"، أصْلها: "دابية" كـ "قائمة"، فأدْغِمَت "الياء" الأوْلى في الثّانية، وكُلّ مَاش على الأرْض "دَابّة". (٤) و"كُلّ" مِن ألفاظ التأكيد، وتقَع مُبتدأ كثيرًا، والتأكيدُ هُنا لا يجوزُ؛ لأنّ "خمسًا" نَكِرة، والنّكِرَةُ لا تُؤَكّد (٥)، ولأنّ الكَلامَ ينقطع ارتباط بعضه من بعض. وتقَدّم الكَلامُ على "كُلّ" في الحديث الأوّل مِن الكتاب. وأضيف هُنا "كُلّ" إلى مَعْرفة؛ فجَرَى الخبر على لَفْظِه، وهو "فَاسِق"؛ لأنّ لَفْظَ "كُلّ" مُفْرَد مُذَكّر، ولَو [أعاد] (٦) على مَا أضيف إليه لقَالَ: "فَاسِقَة". ومتى أضيف "كُلّ" إلى نَكِرَة جَرَى تَابعها وكُلّ مَا هُو لها على لَفْظ مَا أضيفت إليه، كقَوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فلو قُلتَ: "كُلّ امرأة" أنّثت صِفَتها؛ فقُلت: "تأتيني"، ولو قُلتَ: "كُلّ رَجُل" قُلتَ: "يأتيني"، ولو قُلت: "يأتوني" كَانَ خِلافَ القَاعِدَة. (٧)

стр. 1125

قوله: "فاسِق": قَالَ الجوهري: يُقَال: "فَسق الرّجُل"، "يفسُق" و"يفسِق" بضَمّ "السّين" وكسْرها، "فِسْقًا" و"فسوقًا". (١) قال ابن الأعرابي: لم يُسمع قَط مِن كَلام الجاهلية ولا في شعرهم "فاسق". (٢) قال (٣): وهذا عَجَب، وهو كَلامٌ عَرَبي. و"الفسيق": "الدائمُ الفِسْق". (٤) وخَبرُ المبتدأ: جملة "يُقْتَلْنَ"، أو يكُون "كُلّهنّ فَاسِق" في محلّ الخَبر، أو جملة مُعترضة لا محلّ لها، ومتى جعل "كُلّهن فَواسِق" الخبر كَان جملة "يُقْتَلْنَ" في مَوضِع خَبر بعْد الخبر. قوله: "في الحَرَم": الألِف واللام إمّا للعَهْد، ويُراد به "حَرَم المسْجِد الحَرَام"، أو يُرَاد "حَرَم مَكّة والمدينة"؛ فتكون لحقيقتها. (٥) قوله: "الغُرَاب" ومَا عُطِفَ عليه: بَدَلٌ مِن الضّمير القَائِم مَقَام الفَاعِل في "يُقْتَلْن"، ويحتمَل أنْ يكُون خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هُنّ الغُراب. . .". قوله: "ولمسْلِم: يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ": حَرفُ الجر يتعلّق بـ "يُقْتَلن". و"الغُرابُ" ومَا بَعْدَه أسماءُ أجْنَاس. وأسماءُ الأجْنَاس [أُوقِعَت أوّلًا] (٦) على مُسَمّياتها مِن غَير أنْ تكُون مَنْقُولة مِن شَيءٍ، فإنْ وُجِد مِنْها ما يُمكِن اشتقاقه حُمِل

стр. 1126

على أنّه مُشتَقّ، إلا أنّ ذَلك قَليلٌ جِدًّا؛ لأنّ الأكثر فيها أنْ تكُون غير مُشتَقّة، كـ "تُرَاب" و"حَجَر" و"مَاء". (١) ويُمكِن أنْ يكون "غُراب" [مأخُوذًا] (٢) مِن "الاغتراب"؛ فإنّ العَرَب تتشاءم به، وتزعُم أنّه دَالّ على "الفِرَاق" (٣)، قال الشَّنْفَرَى: فقُلتُ: غُرَابٌ لِاغْتِرَابٍ مِنَ النَّوَى ... وبالبَانِ بَيْنٌ مِنْ حَبِيبٍ تُعَاشِرُهُ (٤) وأمّا قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] فليس مِن هَذا؛ لأنّهم يقُولُون: "أسْوَد غربيب"، أي: "شَديد السّواد"؛ ولذلك أعْرَبوا "سُود" بَدَل مِن "غرابيب". قَالَ في "الصّحَاح": لأنّ تواكيد الألْوَان لا تتقَدّم. ويُجْمَع على "أغْرِبَة"، وفي الكَثرة "غِرْبَان". (٥) وأمّا "الحِدَأَة": فالطّائرُ المعْروف، بكَسر "الحاء"، مقْصُور مَهْمُوز، ولا يُقَال: "حَدَأة" بفَتْح "الحاء". وجمعُها: " [حِدَأ"] (٦)، مِثل: "حِبَرَةٍ، وحِبَر"، و"عِنَبة، وعِنَب". (٧)

стр. 1127

وأمّا "العَقْرَب": فوَاحِدُ "العَقَارِب"، وهِي تُؤَنّث، والأنثى: "عَقْرَبة"، و"عَقْرَباء" ممدُود غير مَصْروف، والذّكَر "عُقْرُبان" بالضّم. و"العُقْربان": دَابّة لها أرْجُل طُوال، وليسَ ذَنَبه كذَنَب العَقَارب. (١) وأمّا "الفَأر": فمهْمُوز، جمع: "فأرَة". ويُقَال: "مَكَانٌ فِئرٌ": "كثيرُ الفَأر"، و"أرْضٌ مَفْأرَة": "ذاتُ فأر". (٢) وأمّا "الكَلْب": فمَعْروفٌ، ورُبّما يُوصَف [به] (٣)؛ فيُقال: "امرأة كلبة". والجمع: "أكْلُب" و"كِلاب" و"كَلِيب"، مثل: "عَبْد" و"عَبِيد"، وهو (٤) جمْعٌ عَزيزٌ. و"الأكالب" جمعُ "أكْلُب". (٥) قوله: "ولمسْلِم": أي: "وَجَاء لمسْلِم"؛ فيتعلّق حَرف الجر بـ "جَاء"، ويكُون "يُقْتَلُ" فما بعده فَاعِل "جَاء" على الحِكَاية. ويجُوز أنْ يكُون "لمسْلِم" يتعَلّق بخَبر عَن الجمْلَة بعْده على الحِكَاية. قوله: "في الحلّ والحَرَم": حَرْفُ الجر يتعلّق بـ "يُقْتَلُ". ***

стр. 1128

باب دُخُول مَكّة وغيره الحديث الأوّل: [٢١٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ؛ فَقَالَ: "اُقْتُلُوهُ" (١). قوله: "دَخَلَ مَكّة": جملة في محلّ خَبر "أنّ". و"أنّ" [معْمُولَة] (٢) لمتعلّق حَرْف الجر. وجملتا: " ﷺ " و"﵁" مُعترضتان، لا محلّ لهما مِن الإعْرَاب، وقَد تقَدّم ذِكْر الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "دخل مكّة": تقَدّم الكَلامُ على "دَخَل" في الحديث الرّابع من "الاستطابة". [و"مَكّة"] (٣) ظَرْف، وقيل: مفْعُول به. قَالَ أبو حَيّان: مَذْهَبُ سيبويه أنّ "دَخَلَ" يتعَدّى إلى ظَرْف المكَان المختصّ الحَقيقي بغَير واسِطَة، فإنْ كَان مجَازيًّا تعَدّى إليه بوَاسِطَة "في"، نحو: "دَخَلتُ في الأمْر". وأمّا مَذْهَب الأخْفَش والجرميّ: فَإنّ "دَخَلَ" يتعدّى بنفسه مُطْلقًا. (٤) قوله: "عَامَ الفَتْح": "العَام": "السّنة"، يُقَال: "سنون عُوّم"، وهو توكيد الأوّل، كما [تقُول] (٥): "بينهُم شُغْلٌ شَاغِلٌ". (٦)

стр. 1129

و ["عَامًا"] (١) منصُوبٌ على الظّرْفية، والعَامِل فيه: "دَخَلَ"، أي: "في عَام الفَتْح". و"أَلِف" "العَام" مُنْقَلبَة عَن "واو"؛ لِقَولهم: "العُوَيم" و"الأعْوَام". (٢) وقَالَ النّقَّاش: "العَامُ" مَصْدَرٌ كـ "العَوْم"، سُمّي به هَذا القَدْرُ مِن الزّمَان لأنّها "عَوْمَة مِن الشّمْس في الفَلَك". و"العَوْمُ" كـ "السَّبْح"، قَالَ الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. (٣) و"العَام" على هَذَا كـ "القَوْل، والقَال" (٤)، وقَد تقَدّم قَريبًا. قوله: "وعلى رَأسِه المغْفَر": جملة في محلّ الحَال مِن الفَاعِل في "دَخَلَ"، وتقَدّم الكَلامُ على الجُمَل الوَاقِعَة حَالًا في الثّالِث مِن "المذْي". و"المغْفَر": مُبتَدأ، خَبره مُتقَدّم عَليه في المجْرور. و"المغْفَر": "مَا يَلْبَسه [الدّارع] (٥) على رَأسِه، مِن الزَّرَدِ ونَحْوه" (٦). قوله: "فَلمّا نزَعَه": "لمّا" حَرْفُ وجُوبٍ لِوجُوب عِنْد سيبويه، وظَرْفُ زَمَان بمَعْنى "حِين" عِنْد الفَارِسي ومُوافِقيه. (٧) وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الرّابِع مِن

стр. 1130

"بَاب المذْي". قوله: "جَاءَ رَجُلٌ": جَوَابُ "لمّا"، وهُو العَامِلُ فيهَا إذَا قِيل بظَرْفيّتها. وتقَدّم الكَلامُ على "جَاء" في الثّامِن مِن "بَاب الصّوم في السّفَر". قَوله: "فقَالَ": معْطُوفٌ على "جَاءَ" (١). [. . .] (٢) و"ابْن خَطَل مُتَعَلِّقٌ": جملَةٌ مِن مُبتَدأ وخَبَر في محلّ مَفْعُول القَوْل. و"بأسْتَار": حَرْفُ الجرّ يتَعَلّق بقَوْلِه "مُتَعَلّقٌ". وجملةُ "اقتُلُوه" مَعْمُولةٌ للقَوْل أيْضًا. الحَدِيث الثّانِي: [٢٢٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى" (٣). قَالَ الشّيخُ تقِيّ الدِّين: "كَدَاء" بفَتْح "الكَاف" والمدّ: "الثنية العُليا". وأمّا "الثنية السُّفْلى": المعروفُ فيها "كُدَى" بالضّم والقَصْر. وثَمّ مَوضِعٌ آخَر يُقَالُ لَه: "كُدَيٌّ" بضَمّ "الكَاف" وفَتْح "الدّال" وتشْديد "اليَاء"، وليس هُو "السّفْلَى" على المعْروف. (٤) و"الثنية": "طَريقٌ بين جَبَلين". (٥)

стр. 1131

قُلْتُ: يُريد بـ "العُليا" التي تَلي "المُعلى"، و"السُّفْلى" التي تَلي "باب الشبيكة". و"كُدَيّ" المشَدّدة "الياء": مَوضِعٌ بأسْفَل مَكّة. (١) قوله: "أنّ النبي ﷺ دَخَلَ": "أنّ" واسمها، وخَبرها جملة "دخل". وفُتِحَت "أنّ" لأنّها معمُولة لمتعلّق حَرْف الجرّ، وتقَدّم ذِكْر الموَاضِع التي تُفتَح فيها "أنّ"، والمواضِع التي تُكسَر فيها في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب. (٢) و"مَكّة": تَقَدّم الكَلَامُ عَلَيها. قوله: "مِن كَدَاء": مفتُوحُ "الكَاف" ممدُود مصْروف (٣)، وقال الفارسي (٤): غيرُ مصْروف، وكذلك قال صاحب "المطالع" (٥). وفي بيتِ حَسّان الذي في "مُسْلم" (٦): . . . . . . . . . . ... . . . . . مَوْعِدُهَا كَدَاء (٧)

стр. 1132

غيرُ مَصْروف. (١) وفي حَديثِ ابن عُمَر: "دَخَلَ - فِي الحَجِّ - مِنْ كَدَاءٍ" (٢) ممدودٌ مَصْروف. (٣) وحَاصِلُ هَذا: أنّه مِن المواضِع التي يُعتبر تأنيثها بالبُقْعَة، وتذْكِيرها بالموضع. (٤) وقَد تقَدّم في الحديثِ السّادس مِن "الزّكاة" ذِكْر الموَاضِع التي تُصْرَف، والموَاضِع التي [تمتنع] (٥) مِن الصّرْف. وأمّا أَلِفُه: فإنها مُنقَلبة عَن "يَاء"؛ لأنّه مِن "كدية". (٦) قوله: "مِن الثنية العُلْيَا": بَدَلٌ مِن قَوْله "مِن كَدَاء". و"العُليا" صِفَة للثنية. قال في "المجيد": قَالَ التصريفيون: إنّ الاسمَ مما لامُه "واو" تُبدَل "يَاء"، ثم يُمثّلون بما هو صِفَة، نحو: "الدُّنيا" و"العُليا" و"القُصيا"، وإنْ كَان صِفَة أُقِرّت، نحو: "الحُلْوَى" بضَمّ "الحاء" تأنيث "الأحلى"؛ ولهذا قالوا: شَذّ "القُصْوَى"، وإنْ كَانَت قِرَاءة الجمْهُور، وهِي لُغَةُ الحِجَاز، و"القُصْيَا" بـ "الياء" لُغَةُ تميم، وقَرَأ بها زَيد بن عَليّ. (٧) قَالَ أبو حَيّان: وذَهَبَ بعْضُهُم إلى أنّه إنْ كَانَ اسمًا أُقرّت "الواو"، نحْو:

стр. 1133

"حُزْوَى" - و"الحزْوَى": "الرّمْل العَظِيم" (١) -، وإنْ كَانَ صِفَة أبْدِلت "يَاء"، نحْو: الدُّنيَا" و"العُليَا"، وشَذّ إقرارُ "الواو"، نحو: "الحُلْوَى". ونَصّ على ندور "القُصْوَى" ابنُ السِّكِّيت. (٢) قوله: "التي ببطحاء": الصِّلة والموصُول صِفَة للثنية. والتقدير: "استقرت بالبطحاء"؛ لأنّ الصِّلَة لا تكُونُ مُفردًا. قوله: "وخَرَج مِن الثنية السُّفلى": "السُّفلى" تأنيثُ "أسْفَل"، وقد تقَدّم. وحَرفُ الجر يتعلّق بـ "خَرَجَ". و"خَرَجَ" تقَدّم الكَلَامُ عَليه. الحديث الثّالث: [٢٢١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالًا، فَسَأَلْتَهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" (٣). قوله: "دَخَل رسُولُ الله ﷺ ": في محلّ معمُول القَول. و"قَالَ" [معمُولة] (٤) لمتعلّق حَرْف الجر. و"رسُولُ الله": فاعِلُ "دَخَلَ"، وهُو "فَعُول" بمَعْنى "مُفْعَل" (٥)، وقَد تقَدّم في الحديث الأوّل مِن "بَاب التشَهّد". وجملتا: " ﷺ "

стр. 1134

و"﵁" لا محلّ لهما. ومعمولُ "دَخَلَ": "البيت"، على الخِلافِ المتقَدّم في الحديثِ قبْل هَذا. والألِف واللام في "البيت" للغَلَبة، مِثْل: "العَقَبة" و"المدينة" (١). قوله: "وأسَامَة": معطُوفٌ على "رسول الله"، ويجوز فيه النصْب عَلى أنه مفْعُول معه. و"بِلَال" معْطُوفٌ آخَر. و"عُثْمان بن طَلْحَة" معْطُوفٌ آخَر. و"أسامة" منقُولٌ مِن "أسَامة" الذي هُو عَلَمٌ لجنس "أسَد" (٢). قوله: "فأغْلَقُوا": معْطُوفٌ على "دَخَلَ". في "الصّحاح": يُقَال: "أغْلَقتُ البَاب"، فهو "مُغْلَقٌ"، والاسم: "الغَلْقُ". ويُقَال في لُغَة [رَدِيئَة] (٣): "غَلَقْتُ البَابَ غَلْقًا". (٤) قَالَ أبو الأسْوَد الدُّؤَلِيُّ (٥): وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ القَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ ... وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ (٦) قوله: "فلما فتحوا": مفعُوله محذوفٌ، أي: "فتحوا البَاب". ويجوز حذفُ المفعُول في مثْل هَذا؛ لدلَالة الكَلَام عَليه، أو لغَرَض، إمّا لتناسُب [الفَواصِل] (٧)، نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. أو لاحتقَار المفعُول، نحْو قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]، أي:

стр. 1135

"الكَافرين". أو لاستهجان ذكره، كقَول عَائشة ﵂: "مَا رَأَى ذَلِك مِنِّي، وَلَا رَأَيْتُ مِنْه" (١)، أي: "العَوْرَة". وقد يمتنع حَذْفه، مثل أنْ يكُون محصُورًا، نحو: "إنّما ضَرَبتُ زَيدًا"، أو جَوابًا، كقَولك: "زَيْدًا" لمَن قَالَ: "مَن تضْرب؟ "؛ فيجب ذِكْره في هَذين المثالين. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على "لمّا" في الحديث الرّابع من "باب المذي"، وفي أوّل حَديثٍ مِن هَذا البَاب. قوله: "كُنْتُ": جَوَابُ "لمّا". ولـ "كَان" أقسَام تقَدّمَت في أوّل حَديثٍ مِن الكتاب. وتحوّلَت "كَان" إلى "كُنتُ" لأنّ "النّون" مِن "كَان" سكنَت لاتصَال الضّمير؛ فانحَذَفَت "الألِف" لسكُونها وسكُون "النّون"، فصَار "كُنتَ" بفَتح "الكاف"، ولما كَان أصْل "الألِف" واوًا - لأنّه من "كون" - ضُمّت "الكَاف" لتدُلّ عَلى أنّ المحْذُوفَ "واو". (٣) قوله: "أوّل": خَبرُ "كَان"، وتقَدّم الكَلامُ على "أوّل" في الحديث الأوّل مِن الكتاب. [وهُو] (٤) "أفْعَل" استُعْمِل بالإضَافَة، أي: "أوّلَ النّاس ولُوجًا". و"مَنْ": موصُولة بمَعْنى "الذي"، أو نَكِرة مَوصُوفة، أي: "أوّل شَخْص وَلَج". وجملة "وَلجَ" في محلّ صِفَة لـ "مَنْ"، أو صِلَة، والعَائدُ على "مَنْ" محذوفٌ، أي:

стр. 1136

"أوّل مَنْ وَلَجَه". ومتى [كَان] (١) العَائدُ ضَميرًا منصُوبًا مُتَّصِلًا بالفِعْل ليس في الصّلَة ضَمير غَيره جَازَ حَذْفُه وإثْبَاتُه. (٢) و"وَلَجَ" مُضَارِعه: "يَلِج"، ومَصْدَرُه: "ولُوجًا" و"لِجَةً"، إذا "دَخَل". قال سيبويه: إنما جَاء مَصْدَره "ولُوجًا"، وهو من مصادر غير المتعدّي على مَعْنى: "وَلَجْتُ فيه". (٣) قُلتُ: يُريد أنّه كـ "دَخَلَ" في تعَدّيه إلى مفْعُول به على أحَد المذهَبين المعروفين في الواقع بعد "دَخَل"، ومثله: "وَلَجَ"، وذلك يقتضي [أن يكون] (٤) مصدره "ولُوجًا"، ولا مصْدَر "دَخَلَ": "دخُولًا"، لكن لمّا وجد في تعدية "دَخَلَ في الدّار"، و"وَلَجَ في الدّار" غير مُتَعَدّ إلّا بحَرْف جَرّ؛ أجْروا مَصْدَره مجرَى مَصَادر الأفعَال اللازِمَة. والله أعْلَم. قوله: "فلَقيتُ بِلالًا": "لَقيتُ" فِعْل مَاض وفَاعِل، وأصْله: "لَقي، يَلْقَى"، ومصْدَره: "لِقَاء" بالمدّ، و"لُقًى" بالقَصر والضّم، و"لُقيّا" بالضّم والتشديد، و"لُقيانًا" و"لُقيانَةً واحدة" بالضّم فيهما. ويُقَال: "لَقْيَة واحِدة" و"لِقَاءَة واحدة". قَالَ: ولا تقُل: "لَقَاة"، فإنّها مُوَلّدة، وليست مِن كَلَام العَرَب. مِن "الصّحاح". (٥) وجملة "فسَألتُه" معطُوفة على "لَقيتُ"، و"الفَاء" لا سَببية فيها، وتحتمل

стр. 1137

السَّبَبية. وتقَدّم الكَلامُ على "الفَاء" ومَوَاضِعها في الحديث السّادس من "الاستطابة"، و"سَألَ" في الحديثِ الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلَاة". وهُو يتعَدّى إلى واحِدٍ بنفْسه وإلى آخَر بحَرْف الجر، إمّا "عن" وإمّا "الباء"، ويُعَلَّق (١) بأدَوَات الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]. وعُلّقَت هُنا بـ "هَلْ". وإنّما عُلّقَت وإنْ لم تكُن من أفْعَال القُلُوب لأنّها سَبَب العِلْم؛ فأُجْري السَّبَب مجْرَى المسَبّب. (٢) وتقَدّم الكَلامُ على أدَوَات الاستفهام وعلى هذا في السّابع من "الصّيام". قوله: "صَلّى فيه رسُول الله": "صَلّى" مُتعَدّ، تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الخَامِس مِن "فَضْل الجمَاعَة". و"رَسُول": "فَعُولٌ" بمَعْنى "مُفْعَل"، وهُو قَليلٌ. (٣) قوله: "فقَالَ: نَعَم": أي: "نَعَم، صَلّى". وتقَدّم الكَلامُ على "نَعَم" في الرّابع مِن "الجنابة". وهِي حَرْفُ جَوَاب لتَقْرير مَا قَبْلها مِن نَفْي أو إثبات (٤). قوله: "بين العَمُودين": مَعْمُولٌ لـ "صَلّى" المقَدّر. و"بين": ظَرْفُ زَمَان، وتجيءُ للمَكَان. (٥) وتقَدّم الكَلامُ عَليها مُستَوفى في الثّالث مِن "السّوَاك".

стр. 1138

والألِف واللام في "العَمُودين" للعَهْد، وأرَاد "عُمُد البيت"، وجمعُ القلة: "أعْمِدَة"، وجمعُ الكثرة: "عُمُد" و"عَمَد"، وقُرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]. ويُقَال: "خِبَاءٌ مُعَمَّد"، و"سَطع عَمُود الصُّبح". و"العِمادُ": "الأبنية الرَّفيعة"، تُذَكّر وتُؤَنّث، يُقَال: "خَرّت العِماد"، و"خَرّ العِماد". (١) قوله: " [اليمانيين] (٢) ": بالنسبة إلى الخارج عَن البيت، وهما مما يلي الرُّكْن اليماني. والنسبةُ إلى "اليمَن": "يَمَنيّ" و"يَمَان" بالتخفيف، فـ "الأَلِف" عوض مِن "يَاء" النّسَب، فلا يجتمعان. قَالَ سيبويه: وبعضُهم يقُول: "يمانيّ" بالتشديد. (٣) فثبت بذَلك أنّ ["اليمانيين"] (٤) في الحَديثِ [مخَفّف] (٥)، وأنّ ألِفَه بَدَل مِن "يَاء" النّسَب. (٦) وقَالوا للرُّكنين: ["اليمانيين"] (٧)، وإن كَان "اليماني" منها واحِدًا والآخَر الذي فيه "الحَجَر" "عِرَاقيّ"؛ مِن بَاب التغْليب، كـ "العُمَرَين" و"القَمَرَين". (٨)

стр. 1139

الحديث الرّابِع: [٢٢٢]: عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (١). قوله: "أنّه جَاءَ": الضّميرُ في "أنّه" يعُود على "عُمَر"، وفُتِحَت "أنّ" لأنّها معْمُولة للعَامِل في "عَن" (٢). و"جَاءَ" أصْلُه: "جَيَأ"، تقَدّم الكَلامُ عليه في الحديث الثّامِن مِن "بَاب الصّوْم في السّفَر". قوله: "إلى الحَجَر الأسْوَد": يتعَلّق بـ "جَاءَ". و"إلى" تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الثّاني مِن "بَاب الوتر". و"الحجَر الأسْوَد" جَاءَ في الحديثِ: أنّه "وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا أنّ اللهَ طَمَسَ نُورَهُمَا [لأَضَاءَتا] (٣) مَا بَيْنَ المشْرِق والمَغْرِب" (٤). وفي الترمذي: أنّه "كان أَشَدّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ" (٥)، وجَاء: "خَطَايَا

стр. 1140

المُشْرِكِين" (١). وأوْرَد بعضُهم سُؤَالًا، وقَالَ: فما بَاله لا يُبيّضه توحيد المؤْمِنين؟ وأجَابَ ابنُ قُتيبة، فقَالَ: لَو شَاءَ الله لكَان ذَلك. ثُمّ أمَا عَلِمْت أيّها السَّائل أنّ السّوادَ يَصبِغ. ولا يُصبَغ، والبياضُ يُصبَغ ولا يَصبِغ؟ ! (٢) و"الأسْوَد" صِفَة للحَجَر، وهُو لا ينْصَرف للصِّفَة والوَزْن، وإذا دَخَلَه الألِف واللام انصَرَف (٣)، وقَد تقَدّم ذَلك. قوله: "فقَبّلَه": معْطُوفٌ على "جَاءَ". و"القُبْلَة" مِن "التقبيل"، يُقَال: " [قبّله] (٤) تقْبيلًا". (٥) قوله: "وقَالَ": معْطُوفٌ على "قَبّل". قوله: "إنّي لأعْلَم أنّك حَجَرٌ": "إنّ" واسمها. و"إنّي" الأصْلُ فيها "إنّني"، حُذِفَت "النّون" الوسْطَى، لا "نُون" الوقَاية. (٦) و"لأَعْلَم" الخبَر، و"اللامُ" الدّاخِلَة في خَبر "إنّ" تُسَمّى "المزحلقة"

стр. 1141

و" [المزحلفة] (١) "؛ لأنّ محلّها كَان قَبْل "إنّ"، فزُحلقت لئلا يجتمع حَرْفَان لمعنى، وكَانت "اللام" أوْلَى بالتّأخير؛ لأنّ "إنّ" عَامِلَة، و"اللام" غَير عَامِلَة، وتَقَدّم الكَلامُ عَليها، وفائدتها [التأكيد] (٢). (٣) وجَعَل بعضُهم هذه "اللام" تخلّص الفِعْل المضَارع للحَال. واعترض ذلك ابن مالك بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ١٢٤]، و ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣]. (٤) وأجيبَ عَن ذلك: بأنّ الحُكْم في ذلك اليوم واقِعٌ لا محالة؛ فنزل منزلة الحاضر المشاهد، و ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] يُقدَّر: "وإنني ليحزنني قَصْد أنْ تذهبوا به". (٥) وتدخُل هَذه "اللام" في موضِعين، أحدهما: المبتدأ، نحو قوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ [الحشر: ١٣]. والثاني: بعد "إنّ". ولها ثلاث مواضع: - الاسم، نحو: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٦) [إبراهيم: ٣٩].

стр. 1142

والمضَارع؛ لشبهه به، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤]. والظرف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) [القلم: ٤]. وتدخُل على ثلاثة باختلاف (٢)، أحدها: الماضي الجامِد، نحو: "إنّ زيدًا لعَسَى أنْ يقُوم"، أو: "لَنِعْم الرّجُل". الثاني: الماضي المقرون بـ "قد"، قاله الجمهور. الثالث: الماضي المتصرف المجرّد مِن "قَد"، أجَازَه الكسائي على إضمار "قد"، ومنعَه الجمهُور، نحو: "إنّ زيدًا لَقَام"، فمَتى وجدت مع الماضي جَعَلوها "لام" القَسَم. (٣) فإنْ تقَدّم فِعْل مِن أفعَال القُلوب فُتِحَت "أنّ"؛ لأنها ليست "لام" الابتداء الموجِبة لكَسْر "إنّ"، نحو: "عَلِمتُ أنّ زيدًا لَقَام". (٤) واختُلف في دخُولها في الخبر المقَدّم - نحو: "لقام زَيد" - وعلى الفعل المضَارع، نحو: "ليقوم زَيد"، انظر تمامه مبسُوطًا في "المغني" لابن هشام. (٥) قوله: "أعْلَم": فِعْلُ مُضَارع، وفَاعِلُه مُستتر ضَمير المتكَلّم. و"أنّك": مفتوحة،

стр. 1143

سَدّت مسَدّ مفعُولي "عَلم". ويجوز في "أعْلَم" هُنا ما جَاز في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ٣٣] (١). قَال "مكي" و"المهدوي": يجوز أن يكون "أعْلَم" اسم فَاعِل بمعنى "عَالم"، وما بعْدَها في محلّ نصْب أو جَر. (٢) قلتُ: فيكُون التقدير هُنا: "إني عَالم بأنّك حَجَر"؛ فتكون "أنّ" في محلّ نصْب أو جر على الخلاف. قَالَ أبو حيّان: هَذا مَردودٌ، لا يجيء إلّا على مَذهب مَن يجيز "أفْعَل" بمعنى "فَاعِل"، وقَال [به] (٣) أبو عُبيدة، وخَالَفه النّحويون، وقالوا: لا يخلو "أفعَل" مِن التفضيل. وقد وَقَع في كَلام بعض المتأخّرين أنّها تخلو منه، وبنوا عليه جَواز "يوسف أحْسَن إخوته". وذَكَر بعضُهم في جَواز اقتباسه خِلافًا مبنيًا على أنّه مسمُوع مِن كَلام العَرَب؛ قال: واستعماله عَاريًا دون "مِن" مجرّدًا عَن مَعنى التفضيل [مُؤوّلًا] (٤) باسم فَاعِل أو صِفَة مُشبّهة مُطّرد عند أبي العَبّاس (٥)، والأصَحّ قَصْره على السّمَاع. ولو سُلِّم وجُوده عَاريًا عن التفْضيل فالقَائِلُون بذَلك لا يجيزون إعْماله عَمَل اسْم الفَاعِل، خِلافًا لبعْضِهم. والصّحيحُ: مَا ذَهَب إليه الجمهُور أنّ "أفْعَل" لا تخلو عن التفضيل؛ لأنه لم

стр. 1144

يُسْمَع، ولو سُلِّم فإنْ جَاء منه شيء فهو نَادِرٌ لا يُقَاسُ عليه، ولو سُلِّم فلا يَعْمَل؛ لأنه لم يُسْمَع، وكيف نثبت قانونًا كليًّا لم يُسْمَع مِن العَرَب شيء من إفراد تركيباته؟ إذ لا يحفظ: "هذا رجلٌ أَضْرَبُ عمرا"، بمعنى: "ضَارِبٌ عمرا"، ولا: "هذه امرأة أَقْتَلُ خالدًا"، أي: "قَاتِلَةٌ خالدًا". (١) قَال أبو حيّان: وأجَاز بعضُهم في "أعْلَم" هُنا - يعني: في الآية - أنْ تكون "أفعَل" التفضيل، والتقدير: "أعْلَم منكم"، و"مَا" [مفعولة] (٢) بفِعْل محذُوف يدُلّ عليه "أعْلَم"، أي: "علمت، وأعْلَم ما لا تعلمون". (٣) قَالَ أبو حيّان: وهُو بَعيدٌ؛ لأنّ فيه حَذفين مِن غير احتياج إليهما. (٤) قلتُ: وتقديرُ "أعْلَم" هنا "أفعَل" أسْهَلُ منه في الآية؛ لأنّ التقدير: "إني لأعْلَم النّاس بأنّك حَجَر لا تضُر ولا تنفَع"، وحَذْفُ المضَاف إليه في الكَلام [كثيرٌ] (٥) أسْهَل مِن حَذف "مِن" التي هي مِن صلة "أفعَل" ومِن تمامه (٦). قوله: ["لا تضُر ولا تنفَع"] (٧): صِفَتَان لـ "حَجَر"، كقَوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، والصِّفة إذا كانت مَنفيّة بـ "لا" وَجَبَ تكْرَار "لا"، ولا تكُونُ غير مُكرّرة إلا في الشِّعر. (٨)

стр. 1145

وجَعَلَه بعضُهم مِن [وَصْف المُجْمَل] (١)، على حَذف مُبتدأ، أي: "لا هي فارض. . .". واستُبعِد؛ لأنّ الأصْلَ الوصْف بالمفرَد، والأصلُ عَدَم الحذْف. (٢) قلتُ: ويُسوّغ هَذا التقدير هُنا، أي: "لا أنت تنفع، ولا أنت تضُر"، لكنّه يَذهَب بعُذُوبة الكَلام. قوله: "ولَولا أني رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ ": "لَولا" حَرفُ امتناع لوجُود، ولا يقَع بعْدَها إلا المبتدأ، ويجب حذفُ الخبر معها حيث يُعلَم. (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ عليها وعلى المواضع التي يجب حَذف المبتدأ فيها في "باب السواك"، وفي الثّالث من "باب استقبال القبلة". وتقَدّم الكَلامُ على "رأى". والتقديرُ هنا: "لولا تقبيلُ النبي ﷺ ما قبّلتك". فـ "أنّ" في محلّ رَفْع بالابتداء، وجملة "رأيتُ" خَبر "أنّ"، وجملة "يُقبّلك" في محلّ حَال مِن اسْم رَسُول الله ﷺ ، والرّؤيَة بَصريّة. و"مَا قَبّلتُك": جَوَابُ "لَوْلَا".

стр. 1146

الحدِيث الخَامِس: [٢٢٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ؛ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، وَلَمْ [يَمْنَعْهُمْ] (١) أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الأَرْبَعَةَ إلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ" (٢). قوله: "قَدِمَ رَسُولُ الله": جملةٌ في محلّ معمُول القَول. و"أصْحَابه" معطُوفٌ عليه، و"مَكّةَ" مفعُولٌ به على السّعَة، أي: "إلى مَكّة"؛ لأنّ الظّروف المختَصّة - كـ "الدّار" [و"المسْجِد" و"مَكّة"] (٣) و"المدينة" - يتعَدّى إليها الفِعْل على إسْقَاطِ الخَافِض تَوَسُّعًا. (٤) قَالَ في "الصّحَاح": الأمْكِنَة على ضَربين، مُبْهَم ومحْدود، فالمبْهَم الجهَات السِّت، فهَذه ومَا في مَعْنَاها ظُروف مُقَدّرَة بـ "في". وأمّا المحْدُود: فالذي له خلقة وشخص وأقطَار [تحُوزه] (٥) - نحْو: "الجبَل" و"الوادي" و"السّوق" و"المسْجِد" -، [ولا] (٦) يكُون ظَرْفًا؛ لأنّك لا تقُول: "قعَدتُ الدّارَ"، ولا: "صَلّيتُ المسجدَ"، ولا: "نِمْتُ الجبلَ"، فما جَاء مِن ذلك فإنما هُو بحَذْف حَرف الجرّ، نحو: "دَخَلتُ البيتَ"، و"نَزلتُ الوَاديَ"، و"صَعَدتُ الجبلَ".

стр. 1147

انتهى بمعناه. (١) قوله: "فقَال المشركون": معطُوفٌ عَلى "قَدِم"، و"المشركون" مرفوعٌ على الفَاعِلية، وعلامة رفعه "الواو"؛ لأنّه جمعٌ لصِفَة. قوله: " [إنّه] (٢) يَقْدُم": "إنّ" مكْسُورة؛ لأنّها وَقَعَت بعْد القَوْل. و"يَقْدُم" جملة في محلّ خَبر "إنّ"، و"عَلَيْكُم" يتعَلّق به. يُقَال: "قَدِم مِن سَفَره"، "قُدومًا" و"مَقْدَمًا" بفَتْح "الدّال". ويُقَال: "قَدَمَ" بالفَتْح "يَقْدُم"، "قَدْمًا"، أي: "تَقَدَّمَ"، قَالَ تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨]، وأمّا الذي في حَديثِ بَدْر: "أَقْدِمْ حَيْزُومُ" (٣) فأمْرٌ [بالتقَدّم] (٤) في الحرْب. (٥) قوله: "قَوْم": فَاعِل، وهو اسمُ جمع، وجمعُه شَاذّ. قَالَ في "الصّحاح": "القَومُ": "الرّجَال دُون النساء"، لا واحِدَ له من لَفْظِه. قال [زُهير] (٦): وَمَا أَدْرِي وسَوْفُ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟ ! (٧) وقال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ

стр. 1148

نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. وجمعُ "القَوم": "أقوَام"، وجمعُ الجمْع: "أقاوِم" (١). (٢) وفي رواية: "وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ" (٣)، وفي رواية: "إنّه يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ" (٤)، وعلى هذا تكُون جملة "وقد [وهنتهم"] (٥) في محلّ الحال مِن "محمد وأصحابه"، وعلى الأوّل تكون "وهنتهم " في محلّ صفة لـ "قَوْم". و"الوَهْن": "الضّعْف"، مُتعَدّ ولازِم، وهُو هُنا مُتعَدّ. وتقُول في اللازم: "وَهَن الإنسانُ"، "وهْنًا"، أي: "ضَعُف". وتقُول: "وهنته، توهينًا". (٦) و"يَثْرِب": اسمُ "المدينة" قَديمًا، غيّره النبي ﷺ ، وسمّاها: "طَيْبَة" و"طَابَة" كراهة [للتثريب] (٧)، وهو "اللَّوْمُ [والتعيير] (٨) ". وقيل: هو اسمُ أرضها. وقيل: سُمّيت باسم رَجُل من العَمالِقَة. (٩) قلتُ: هو اليوم اسمٌ لموضِع من "المدينة"، يُذكَر أنّه كَان قَرية عَظيمة، فخَلَت

стр. 1149

مِن أهْلها، وصارَت أرضها محارِث ومَزَارِع لأهْل "المدينة" اليوم، وهي مما يلي "جَبل أُحُد". (١) قوله: "فأمَرَهُم النّبي ﷺ أنْ يَرملُوا": تقَدّم الكَلامُ على"أمَر" في الحَديثِ الثّالِث مِن "بَاب فَضْل الجمَاعَة"، وفي "بَاب السّواك"، وهُو يتعَدّى إلى الثّاني بحَرْف الجر، ويحْذَف حَرْفُ الجَرّ مَع "أنْ" كَثيرًا، وقَد يتَعَدّى بنَفسِه إلَى مَفْعُولَين، الثّانِي [مَصْدَر] (٢)، كقَوله: "أَمَرْتُك الخيرَ". (٣) قوله: "يرمُلوا": "الرّمَل": "الإسراعُ في المشي"، يُقَال: "رَمَل يَرْمُل رَمَلًا ورَمَلَانًا" "إذا أسرَع في المشْي وهَزَّ مِنْكَبيه". ويُطلَق "الرّمَل" بالتحريك على "القَليل مِن المطَر". و"الرّمَل" (٤): "جِنسٌ مِن العَرُوض". (٥) قوله: "الأشْوَاط": مفعُولٌ على السّعة، أي: "يَرْمُلُوا في الأشْوَاط ". و"الأشْوَاط": جمعُ "شَوْط"، والمرَادُ به: "المرّة الوَاحِدة مِن الطّوَاف حَوْل

стр. 1150

البيت"، وهُو في الأَصْل: "مَسَافَة مِن الأَرْض يَعْدُوها الفَرَس، كالمَيْدَان" (١)؛ ولذلك قَالَ: "ثَلَاثَة" بـ "التّاء" على القَاعِدة في عَدَد المذَكَّر. قوله: "وأنْ يَمْشُوا مَا بَين الرُّكنين اليمانيين": الجمْلَة معْطُوفَة على مَا قبلها. و"يَمشُوا": أصْلُه "يَمْشيوا"، والعَرَبُ تَعَاف الانتقَالَ مِن الكَسْر إلى الضّم؛ فنَقَلوا حَرَكَة "اليَاء" إلَى "الشّين"، ثُم حذفَت "اليَاء" لسكونها وسكُون "الواو" (٢). وعَلامَةُ النّصْب في" يمشوا" حَذفُ "النون". قوله: "مَا بين": "ما" ههنا زَائِدة. و"بَيْن" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه "يمْشُوا"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "بَين" في الثّالِث مِن "باب السّواك". و"الرُّكنين": مخفُوضٌ بالظّرْف، و" [اليمانيين] (٣) " نَعْتٌ لَه، وقد تقَدَّم في الحديث قبْل هَذا ذِكْر " [اليمانيين] (٤) ". قوله: "ولم يمنَعهم أنْ يَرمُلُوا الأشْوَاط الأرْبعَة": وفي رواية: "الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا" (٥). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: نُقِل عَن بعْض المتقدِّمين وعَن الشَّافِعي أنّهما كَرِها هَذه التسمية. والحديثُ على خِلافه. (٦)

стр. 1151

قال: ولعَلّ هذا "الرّمَل" كَان في طَوَافِهم في "عُمرة القَضَاء"، فإنّه ثبَت "أنّ النبي ﷺ رَمَلَ مِن الحَجَر إلى الحَجَر"، وذكر أنّه كَان في الحَجّ (١)؛ فيكُون مُتَأخِّرًا، فيُقَدّم على المتَقَدّم، انتهى. (٢) و"الأشْوَاط": جمعُ قِلّة، وقَد وَصَفَها بـ "الأرْبَعَة". وعلى رِوَاية "الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا" تكُون الألِف واللام لتَعرِيف العَهْد في "السّبعَة"، وعَلى الرِّواية الأخْرَى تكُون لما [بَقِي] (٣) بَعْد الثّلاثَة، وهُو أرْبَعَة، وتتخَلّص للعَهْد بالصِّفَة. و"كُلّها": تأكيد، وتأتِي توْكيدًا للمَعْرفة، كَما وَقَعَ هُنَا، [وللنكرة] (٤) بقَيد أنْ تكُون النّكِرة محْدُودَة (٥)، كقَوْله: [لَبثْتُ] (٦) حَوْلًا كَامِلًا كُلّهُ ... . . . . . . . . . . . . (٧) ويجب أنْ يتّصِل بها ضَمير يَرجِع إلى المؤَكّد، كما هُو هُنا، وكقَوله تعالى:

стр. 1152

﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. (١) قال ابنُ مالك (٢): وقد يخلف الضّمير اسم ظاهر، كقوله: . . . . . . . . . . ... يَا أَشْبَهَ النَّاسِ كُلَّ النَّاسِ بِالْقَمَرِ (٣) قَال ابنُ هشام: وخَالَفَه أبو حيّان، وزَعَم أنّ "كُلًّا" في البيت نَعْت، مثلها في قوله: "أطعمنا شَاة كُلّ شَاة"، وليست توكيدًا. (٤) قوله: "إلَّا الإبقَاء عَلَيهم": يجُوز فيه الرّفع والنّصْب، أمّا [الرّفْع ففَاعِل] (٥) "يمنعهم"، ويجُوز فيه النَّصْب، وهو الظّاهِر، أي: "فَلَم يمنعهم النبي ﷺ إلّا الإبقَاءَ عَليهم"؛ فيكُون الاستثناءُ على كِلا الوَجْهَين مُفرغًا. فعلى الوَجْه الأوّل يكُون مَعنى التَفريغ: عَمَل مَا قبْل "إلّا" في الذي بعْدَها الرّفْع على الفَاعِليّة مجَازًا، وعلى الثّاني النّصْب على أنّه مَفْعُول لَه، أي: "لأَجْل الإبقَاءِ عَليهم". (٦) [ومجيءُ] (٧) المفْعُولُ به مَعْرفَة [كثيرٌ] (٨)، ومنه:

стр. 1153

وَأَغْفِرُ عَوْرَاء الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ ... وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا (١) ومتى تعَرّف المفعُولُ لَه جَازَ فيه النّصْب بتَقْدير "اللام"، وجَاز فيه الجر بـ "اللام ". وقَد جَاءَ في البيتِ تعْريف "ادخاره" بالإضَافَة، ولَو قَالَ: "لادخاره" جَاز. (٢) وأمّا المعرّف بالألِف واللام - مثل مَا جَاء هُنا في الحديثِ - فالمختَارُ إثبات "لام" التعليل، نحْو قولك: "جئتُك للطَّمَع" و"جئتُك الطّمَع". (٣) ويجُوز هُنا: "إلا [الإبقاء] (٤) عَليهِم"، وهُو أجْرَى على القَاعِدة (٥). الحدِيث السّادِس: [٢٢٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ - أَوَّلَ مَا يَطُوفُ - يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ" (٦).

стр. 1154

جملة "رَأيْتُ" في محل معْمُول القَوْل، والقَوْل معْمُول متعَلّق حَرْف الجر، والتقْديرُ: "أنّه قَالَ"؛ ليَصِحّ إقَامته مَقَام الفَاعِل. والرّؤيَة هُنا بَصَريّة، تتعَدّى لمفْعُول واحِد (١). وأصْلُه: "رَأَيَ" تحرّكَت "اليَاء" وانفَتَح مَا قبْلَها؛ فقُلبَت أَلِفًا، فلمّا اتّصَل بها ضَمير المتكَلّم رُدّت سَاكِنَة؛ لانتفاء مُوجب القَلْب. (٢) و"رَسُولَ الله": مفعُول القَوْل. وجملة " ﷺ " مُعترضَة لا محلَّ لها. قوله: "حِين يَقْدَم": إنّ "حِين" ظَرْف زَمَان، ويجُوزُ فيه إذَا أُضيف الإعْرَابُ - على الأَصْل - والبنَاءُ، فإنْ كَان مَا وَلِيَه فِعْلًا مَبْنيًّا فالبنَاءُ رَاجِحٌ للتّنَاسُب، كقَوْله: على حِينَ عَاتَبْتُ المشِيبَ على الصِّبَا ... [فقُلْتُ] ألَمَّا أَصْحُ والشّيْبُ وَازعُ؟ (٣) وإنْ كَان فِعْلًا مُعْرَبًا - مثل مَا وَقَع هُنَا - أو جملَة اسمية: فالإعرابُ أحْسَن، وأجَاز الكُوفيون البنَاءَ، وعَليه قِراءَة نَافِع: "هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ" (٤). (٥)

стр. 1155

وقَد تقَدَّم الكَلامُ على "حِين" في الرّابع مِن "كتَابِ الصّلَاة". والعَامِلُ في "حِين": "رَأيْتُ"، و"يَقْدَم" مَع عَامِله في محلّ جَرّ بهَا. و"إذَا": ظَرْف مُستقْبل لما يَأتِي مِن الزّمَان، فيه معنى الشّرْط غَالبًا، والعَامِلُ فيه جَوَابه، وقيل: فِعْله، على الخِلافِ في "إذَا" وعَملها، وقَد تقَدّم ذِكْرها في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتاب. ويحتمل أنْ تكُون "إذا" [بَدَلًا] (١) مِن "حِين"، وجَوَابُها: "يَخُبُّ". و"أوّل": ظَرفٌ منْصُوبٌ، العَامِلُ فيه" استلم"، و"مَا" مَصْدَريّة، أي: "استلم أوّل طَوَافِه". ويحتمل "أوّل" الرّفْع على الابتِدَاء، والخبرُ في جملَة "يَخُبُّ"، ويكُون " [إذا] (٢) " بَدَلًا مِن "حِين"، وتكُون جملة "أوّل مَا يَطُوف" في محلّ حَالَ مِن "رَسُول الله"؛ لأنّ الرّؤْيَة بَصَريّة، والتقْدير: "رَأيتُ رَسُولَ الله ﷺ أوّل طَوَافِه يَخُبُّ"، كَما قيل في قَوْله: الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةٌ ... . . . . . . . . . . (٣)

стр. 1156

يُروَى برَفْع "أوّل" ونصبه. (١) ويحتمل أنْ تعمَل فيه "يَخُبُّ"، والتقْدير: "إذا استَلَم الرّكْن يَخُبُّ أَوّل مَا يَطُوف"، ويدخله التنازع إنْ قُلنا به فيما تَأخّر مِن العَوامِل عَن المعْمُول، وقد تقَدّم اختلافهم في ذَلك، وتقَدَّم الكَلامُ في الظّرْفَين يعْمَل فيهما عَامِلٌ واحِد في العَاشِر مِن "الصّلاة"، وسيأتي في البَاب بعْد هَذا. و"ثلاثة" مصْدَر، و"أشْوَاط" مُضَافٌ إليه. وقد تقَدّم الكَلامُ على "أوّل" في الحديثِ الأوّل مِن الكتاب. الحدِيث السّابِع: [٢٢٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ". قوله: "في حَجّة الوَدَاع": يتعلّق بـ "طَافَ"، وهو مُقَدّر بظَرْف، أي: "في زَمَن الحَج"؛ لأنّ "الحَج" مَصْدَر، لا يكُونُ محلًّا للفِعْل، أو يُقَدَّر: "في مَقْدم حَجّة الوَدَاع". و"الوَدَاع": اسمٌ للتَوديع، بفَتْح "الواو". (٢) قوله: "على بَعِير": مُتعَلّق بحَال مِن "النبي ﷺ "، أي: "رَاكِبًا على بَعِير". وجملة "يَسْتَلِم" حَالٌ أخْرَى، إذا قُلنَا بتَعَدّد الحَال، أو تَكُون حَالًا مِن الضّمير في الحَال؛ فيكُون حَالًا مُتدَاخِلَة. و"الاستِلامُ": [قيل] (١): هُو مُشتَقٌّ مِن "السِّلام "- التي هِي "الحِجَارة" -

стр. 1157

بكسْر "السّين"، ولمّا كَان مَاسًّا للحَجَر قِيل لَه: "استِلام". وقيل: مِن "السَّلَام" بفَتْح "السّين"، فإنّ ذَلك الفِعْل [سَلَامٌ على الحَجَر. وقيل: أصْلُه مهْمُوز، "استَلأم" مِن "المُلائَمَة"، التي هِي الموَافَقَة، كأنّه] (٢) مُوَافِقٌ على تعْظيم الحَجَر، وفي تعْظيمه تعْظِيم للشَّرْع. (٣) قَالَ بعضُهم: يُقال: ["استلأمت" فيه وَسَطًا] (٤)، كقَولهم: "شَأْمَل" و"شَمْأَل"، [وهُم] (٥) يقُولون في تصريفه: "شَمَلَتِ الرّيحُ"، "تَشْمُل"، فلا يَهمِزون. (٦) ويُقَال: "استلم الحَجَر"، إمّا باليَد أو بالقُبْلَة. وبعضُهم جَعَل "الاستلام" باليَد أو بواسِطَة، و"السّلَام" بالفَم، وهُو غَريبٌ. (٧)

стр. 1158

والألفُ واللام في "الرّكْن" للعَهْد، أي: "رُكْن الحَجَر الأسْوَد"، أو أرَادَ الجنْس، فقد قيل باستلام الأرْكَان كُلّها. والذي عَليه العَمَل، وثبَت مِن النّبي ﷺ : استلامُ الرُّكْنين اليَمَانيين. (١) قوله: "بمِحْجَن": "المحْجَن": " [عَصَا مُعَقَّفَة] (٢) الرّأسُ، كالصّوْلجَان"، و"الميم" زَائِدَة، ويُجْمَع على: "محَاجِن". (٣) و"البَاء" في "بمِحْجَن" مُتعَلِّق بـ "يَسْتَلِم"، وهِي للاسْتِعَانَة (٤). [الحديث الثامن: [٢٢٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" (٥). الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ: الركن اليماني، والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأَسود] (٦).

стр. 1159

بَاب التَّمَتّع الحدِيث الأَوّل: [٢٢٧]: عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ المُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتَهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثَتْهُ؛ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ " (١). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "أبو جمرة" بـ "الجيم" و"الرّاء" المهمَلَة. و"نصر" بـ "الصّاد" المهمَلَة. و"الضُّبَعي" بضَم "الضّاد" المعجَمَة، وفتح "الباء" ثاني الحروف، وبـ "العَين" المهْمَلَة. مُتفَقٌ عَليه. انتهى. (٢) وأمّا "التمتّع": فيُقال: "تمتّعتُ بكَذا" أو "استمتَعتُ به" بمَعنى، والاسمُ: "المتعَة"، ومنه: "مُتْعَة النِّكَاح" و"مُتْعَة الطّلَاق" و"مُتعَة الحَج"؛ لأنّه انتفَاع. (٣) قوله: "سَألتُ ابن عبّاس": تقَدّم الكَلامُ على "سَأل" وتعَدِّيه وتعليقه في الحديث الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلاة". و"عَن المتْعَة": يتعلّق بـ "سَألتُ". قوله: "فأمَرَني": "الفَاء" سَببية. و"أمرَني" فِعْل وفَاعِل ومفعُول، الفَاعِل "ضَميرُ [ابن عَبّاس] (٤) ". وتقَدّم الكَلامُ عَلى "أمَر" في أوّل حَديثٍ مِن "بَاب

стр. 1160

السِّواك". و"بهَا" يتعَلّق بـ "أمَر"، أي: "أمرَني بفِعْلِها". قوله: "وسَألتُه عَن الهَدْي": التقدير: "عَن وجُوب الهَدْي لأَجْل التمتّع". "الهَدْي": "مَا يُهْدَى للحَرَم مِن النَّعَم"، ويُقَال: "هَدِيٌّ" على "فَعِيل"، وقُرئ بهما في قَوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الواحِدة: "هَدْيَة" و"هَدِيّة". (٢٥٣٠) قوله: "فقَالَ": يعني: "ابن عَبّاس". "فيها جَزُور": الضّميرُ يعُود على" المتعَة". ويُروَى: "فِيهِ جَزُورٌ" (٢٥٣١)، أي: "في التّمَتُّع" (٢٥٣٢). قوله: "جَزُور": مُبتَدأ، والخبرُ في قَوله: "فيه" (٢٥٣٣)، وبه يتعَلّق حَرف الجر، والتقدير: "جزور واجبَة فيه". ويجُوز أنْ تكُون فَاعِلًا، أي: "يجب فيها جَزُور".
следующие страницы →