← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعَلامَةُ الجر في "المرفقين": "الياء"؛ لأنه مُثنى، ويتعلّق بـ "غَسَل". و"ثلاثًا" مصْدَر. قال: "ثُمّ مَسَح رأسَه": معطُوفٌ على "غَسَل". قال: "ثُمّ غَسَل كِلتا رِجْليه": عَلامَةُ النّصب فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّ "كِلتَا" متى أُضيف إلى ظَاهر كَان الإعرابُ مُقَدّرًا، وإن أُضيف إلى مُضمَر كَان الإعرابُ بالحرف، كالمثنّى، على اللغَة الفَصيحة. وقد قيل: إنّ الإعراب يُقَدّر مُطلقًا. وقيل: بالحرْف مُطْلقًا (١). وسيأتي في الحديث الثّالِث مِن "كتاب الحيض" تتمته عند قوله: "كِلانا جُنُب". قوله: "ثُمّ قَالَ" يعني: "عثمان" ﵁ "رأيت رَسُولَ الله ﷺ توَضّأ": الرّؤية بَصَرية؛ فتتعَدّى إلى واحد (٢). وجملة "توضّأ" في محلّ الحال، أي: "مُتوضئًا"، ويُقدّر بـ "قد". وقوله: "نَحْو": إنْ قَدّرتها بمَعنى "قريب" فتكون ظَرفًا على التوسع في المكان، أي: "قارب فِعلي فعله"، بمعنى "أنّ مَن قاربته فقد قاربك". وإن قدّرتها بمعنى "مثل" كان فيه تجوّز أيضًا؛ لأنه لا يَقدِر أحَد على مثل وضوء النبي ﷺ مِن كُل وَجْه، لا في نيته ولا في إخلاصه ولا في عِلْمه بكَمال طهارته واستيعاب غَسل

стр. 107

أعضائه. (١) و"النحو" في اللغة: "القَصْد" و"المثل"، تقول: "هذا نحو زيد" أي: "مثل زيد". ويكون للمِقدار، مثل: "جاءوا نحو مائة رجُل". ويكون للشّطر، كما أنّ "الشّطر" يكون بمعنى "النحو" في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: "جهة المسجد ونحوه"؛ فيكون هُنا ظرفًا. ويكون للنوع والتقسيم، نحو: "هذا الشيء على خمسة أنحَاء". (٢) ومتى قَدّرتها بمعنى "مثل" كانت نَعتا لمصْدَر محذُوف، أي: "توضّأ وضوءًا مثل وضوئي". واختار سيبويه أن تكُون حَالًا؛ لأنّ حَذفَ الموصوف دون الصفة لا يجوز، إلّا في مواضع معدودة تأتي في التاسع من "باب صفة الصّلاة". وتقديرُ الحال هنا من محذُوف، أي: "توضّأ الوضوء مثل وضوئي". (٣) فإنْ قدّرت "نحو" بمعنى "قريبًا" كانت ظَرفًا. (٤) قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: ويكون قُربًا مجَازًّيا (٥). قوله: "مَن توضّأ نحو وضوئي هَذَا": "مَن" اسمُ شَرط محلّه رَفع بالابتداء، وهو مبني، كأسماء الشرط؛ لتضمّنها معنى حَرف الشرط (٦)، وهو "إنْ". والخبرُ في فعل الشّرط، أو جَوابه، أو فيهما، أو في ما فيه ضمير منهما (٧)، وتقَدّم ذلك في الحديث

стр. 108

الرّابع. و"هذا" بَدَل أو نَعْت، وبُنيَ اسم الإشارة لافتقاره إلى مُشَار إليه (١). قوله: "ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه": جملة "لا يحدّث" في محلّ صفة لـ"رَكعتين"، والعَائدُ الضّمير في قوله: "فيهما". و"ركعتين" مفعول على التبعية؛ لأنّ "صلى" لا يتعَدّى إلا إلى مَصْدره، فـ "صلى" مُضَمَّنٌ معنى "رَكَع"، وسيأتي في الخامس من "صلاة الجماعة". وقوله: "غُفر له ما تقَدّم مِن ذَنبه": جَوَابُ الشّرط، و"ما" موصُولة، أي: "الذي تقَدّم مِن ذَنبه". ولا يجوز أن تكون موصوفة ولا مصدرية؛ لفساد المعنى. و"غُفِر" مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، ومفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله: "ما" وصلتها، والعَائدُ: فَاعِلُ "تقَدّم". و"الذّنب": "الجُرْم"، وهو اسم مصْدر (٢). الحديث الثّامِن: [٨]: عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَهِدْت عَمْرَو بْنَ أَبِى حَسَنٍ سَال عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدِ عَنْ وُضوءِ رسول الله ﷺ ؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضأَ لَهُمْ وضوءَ رَسولِ الله ﷺ فَأكفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيه في التَّوْرِ، فَتمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا بِثَلاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التور فَغَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا ويديه إلَى المرْفَقَيْنِ، ئم أَدْخَلَ يَدَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَة، حَتَّى ذَهَبَ بِهِما إلَى

стр. 109

قَفَاهُ، ثُمَّ ذهب بهما إلَى المكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ". وَفي رِوَايَه: "أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ". (١) الإعراب: تقَدّم القَول في متعَلّق حَرف الجر، والتقدير هنا خلاف التقدير فيما سبق من الأحاديث قبله؛ وذلك لأنّ "عَن" تكرّرت وتغيّر مُتعلّقها، فقوله: "قَالَ: شَهدت" جملة في محلّ نَصْب خبرًا عن "أن" مشدودة محذوفة مع اسمها مُقدّرَة بمفعُول به، التقدير: "ورُوي عن عمرو أنه رَوَى عن أبيه أنّه قال"، فـ "أنّه روَى" بفتح" الواو" على أنّه مفعُول لم يُسَمّ فاعله. ومحلّ "أن" [المقدّرة] (٢) الثّانية نَصب على أنّه مفعُول به. ويجوز أن يكون "عن" الثّانية بَدَلًا من "عن" الأولى. والأوّل أرجَح؛ لأنه جَاء مُصرّحًا به في الخامس من "الاستطابة" (٣). و"عَمرو" يُكتَب بـ "الواو" فَرقًا بينه وبين "عُمر"، وذلك في حَالتي الرّفع والجر (٤). وإذا وصف بـ "ابن" مُضافًا إلى عَلَم حُذف التنوين من الاسم و"الألِف" من "ابن". فقولنا: "العَلَم" احترازًا من غَير العَلَم، نحو: "قام رَجُل ابن زيد"، واحترزنا بوصف بـ "ابن" عن الوصف بغير "ابن"، نحو: "جاء زيد صاحب عمرو"؛

стр. 110

فلا يحذَف التنوين من الموصُوف. وكذلك إن وقع "ابن" بين عَلَمين ولم يكُن وَصفًا لم يجز حَذْف التنوين، كقولك: "زيد بن عمرو"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ابن عمرو" خبره. ويكتب إذا وقع وصْفًا بين عَلَمين بغير "ألِف"؛ لأنك لما حذفت التنوين من الموصُوف لَفْظًا حَذفت "الألِف" من الصّفة خَطًا لتطابق الصّفة الموصوف في الحذف. وعلّة حذف التنوين هنا هو علّة جَواز الاتباع في نحو: "يا زيد ابن عمرو". (١) فتبيّن لك بذلك أنّ وجود التنوين في الموصوف بـ "ابن" في اللفظ وهمزة "ابن" في الخط متلازمان، فإذا سقط التنوين لَفظًا سقطت "الهمزة" خطًّا، وإذا ثبت التنوين لفظًا ثبتت "الهمزة" خَطًّا (٢). وقد استثنى المحدِّثون من ذلك إذا نُسِب الابن إلى أمّه، كما ورد في "عبد الله ابن بحينة"، فإنّ "بحينة" أمّه، فيكتبون "ابن" بـ "الألِف" حتى يُعلَم أنّ النسبة إلى مُؤنّث. ومنه: "عبد الله بن أُبي ابن سلول"، يكتبون "ابن سلول" بـ "الألِف"، ويُنوّنون "ابنًا". ولذلك قالوا: إذا وَقَع "ابن" في أوّل السّطر تثبت "الألِف" (٣)، جعلوا افتراق

стр. 111

الصفة من الموصوف في المحلّ مُوجبًا لإثبات "الألِف"؛ لأنه الأصل (١). وقوله: "يحيى" مجرور بالإضافَة، وعَلامَة جَرّه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه مقصُور. وهو لا ينصرف؛ للعَلَمية والعُجمة. وقيل: هو عَربي، مُضارع "حَيِىَ"، وامتنع صرفه للعَلَمية والوزن. وعلى القولين: يجمَع على "يحيون" بحذف "الألِف" وفتح ما قبلها، في مذهب سيبويه. والخليل والكوفيون يقولون: إن كَانَ عَربيًّا فُتحَت "الياء"، وإن كان عَجَميًّا ضمّت "الياء"، فيقولون: "يحيُون" بضم "الياء" الثّانية. (٢) [وكتبت] (٣) "يحيا" الاسم بـ "الألِف" وبـ "الياء" مستثنى من قاعِدة أنّ كُلّ مَا في آخِره "ألِف" وقبلها "ياء" فإنه يُكتب بـ "الألِف" إذا كان من الزّائد على ثلاثة، كـ"يحيى" الذي هو فعل (٤). قوله: "المازنيِّ": بالجر صِفَة لـ "عَمرو". ويصحّ أن يكُون صفة و"يحيى"؛ ولأنّ نَسَب الابن مِن أبيه.

стр. 112

قوله: "عَن أبيه": عَلامَةُ الجر فيه "الياء"؛ لأنّه مِن الأسماء السّتة المعتلّة المضَافَة إلى غَير "يَاء" المتكَلّم (١). و"سَألَ": فاعِلُه ضَمير "عمرو"، وبه يتعَلّق حَرْف الجر، و"سَألَ" يأتي الكَلامُ عليها في الثّاني عشر مِن "باب صِفَة الصّلاة". وجملة " ﷺ " مُعترضَة لا محلّ لها من الإعراب، وتقَدّم القولُ في الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل. و"مِن مَاء": يتعَلّق بصفَة لـ "تور"، و"بتَور" يتعَلّق بـ "دَعَا". ويحتمل أن يكون التقدير: "بتور مملوء من ماء"؛ فيتعلّق حرفُ الجر بـ "مملوء"، وجاز ذلك كما جاز في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: "مأخوذة بالنفس" (٢). قال الشّيخ تقيّ الدِّين: التقدير: "بتور من إناء ماء" (٣). قُلت: ويظهر أن تكون "مِن" زائدة في الواجِب على ما اختاره ابن مالك ومَن وافقه، والتقدير: "فدَعَا بتور مَاء" أي: "بإناء ماء". ومن أدلّة زيادة "مِن" في الواجب قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]، و ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]. (٤)

стр. 113

وعلى هذا لا يتعلّق "مِن" [بعاقل] (١)؛ لأنّ الزّائد لا يتعَلّق بشيء. ويحتمل أنْ تكُون "مِن" للسّببية، أي: "فدَعَا بتور بسَبب ماء"، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]. (٢) وتأتي أقسَام "مِن" في الحديث السّادس مِن "باب الاستطابة"، وفي الرّابع مِن "الجهاد". قوله: "لهم": يتعَلّق بـ "توضّأ"، وهي "لام" التعليل، أي: "لأجلهم"، وهي كثيرة في الكتاب والسنة (٣)، منها: "اللام" في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]، إذا قيل باتصال السورتين، أي: "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف" (٤). ويحتمل أن تكُون "اللامُ للاختِصَاص، نحو: "السّرج للدّابّة"، و"الباب للمسجد" (٥). وقوله: "وضوء رسول الله ﷺ ": أي: "وضوءًا مثل وضوئه"؛ فيكون مُضافًا

стр. 114

إلى نعْت مصدر محذوف، وتقَدّم أنّ مِذْهَب سيبويه في مثل هذا النصب على الحال، والتقدير: "فتوضأ لهم الوضوء في حال كونه مثل وضوئه"، [فنصبه] (١) على الحال من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتقَدّم المحذُوف بعد الإضْمار على طريق الاتساع. (٢) قال أبو حيّان: مذهبُ سيبويه في هذا النوع كُلّه النصب على الحال لهذا المعنى. (٣) قوله: "فأكْفَأ على يَديه": يُقَال: "كفأت الإناء" أي: "قلبته"، و"أكفأته": "أمَلته". وقيل: هما بمعنى واحد (٤). و"ثَلاثًا" مَصْدَر. و"الفَاء" في قوله: "فأكفأ" بعد قوله: "فتوضأ لهم وضوء النَّبي"، قال ابن هشام: لترتيب ذِكْرِيّ، يعني به ترتيب الأخبار؛ لأنّ "الفاء" تأتي على وجهين: - ترتيب معنى، كما في: "قام زيد فعمرو". وترتيب ذكري، وهو عَطْف مفصل على مجمَل، نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٥) [البقرة: ٣٦]. (٦)

стр. 115

قال ابنُ هشام: ومنه: "تَوَضَّأ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" (١). (٢) قوله: "بثلاث غرفات": يحتمل أنْ يتعلّق بـ "تمضمض"، وتكُون المضْمَضَة مُقيّدة بالثّلاث وما بعْدَها مُطْلَق، ولا تتنازَعه الأفْعَالُ الثّلاثة؛ لأنّ الاستنثارَ لا يكُونُ بثلاث إلا تَابعًا للاستنشاق. ويجوز أنْ يتعَلّق بصِفَة الثلاث، أي: "تمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مَرّات كَائنات بثَلاث غرفات". وهَذَا أحْسَن. ويجوز أن يتعَلّق [بـ "استنثر"] (٣)، وهو الجاري على مَذهَب البصريين في التنازع (٤)، ويكون معمُولُ "استنشق" محذوف، والثّاني يدُلّ عليه. (٥) قوله: "وَيدَيه إلى المرفقين": التقدير: "وغَسَل يديه إلى المرفقين". وقوله: "مرّتين": تثنية "مرّة"، وهي مصْدَر، ويُقَال فيها ظرف (٦)، ويأتي

стр. 116

الكَلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الهدي". وثَنَّى المصدر لأنه عَدَد (١). قوله: "ثم أدخل يديه فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر": أي: "ثم شرع في مسح رأسه، فأقبل بيديه وأدبر بهما"، وجهذا يتم معنى التعقيب في "الفاء" (٢). وقوله: "واحدة": هذه صفة مُؤكِّدة، كقو له تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. (٣) وقوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في رواية"، فيكون "بدأ" وما بعده فاعل على، الحكاية. و"حتى" حرفُ غاية، ولا عمَل لها في الماضي (٤)، وتقدّم القول عليها في الحديث الثّاني من الأوّل. و"إلى" لانتهاء الغاية في المكان، كما جاءت هنا، وكقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، والغاية في الزمان، كقو له تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) [البقرة: ١٨٧]. (٦)

стр. 117

قال ابن هشام: وتكون للتبيين، نحو: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]. وتكون مُرادفة للام، نحو: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]. وقيل: على بابها، أي: "انتهى إليك". وتكون موافقة "في" [في] (١) قوله: [فَلا] (٢) تَتْرُكَنِّي بالوَعِيدِ كأنَّني ... إلى الناسِ مَطْليٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٣) وقيل: التقدير: "مُضَافًا إلى النّاس"، فلا دلالة. وتكون لموافقة "عند"، كقوله: أمْ لا سَبِيلَ إلى الشبَابِ وذِكْرُهُ ... أشْهَى إليَّ مِنَ الرَّحيقِ السَّلْسَلِ (٤) وتكون زائدة، وتُؤول على قراءة مَن قرأ: "أفئِدَةَ مِن الناس تهْوَى إليهِم" (٥)،

стр. 118

بفتح "الواو"، أي: ["تهوَاهم"] (١)، وخُرِّجت على أنّ الفعل ضُمِّنَ معنى "تميل" (٢). والمراد في الحديث بقوله: "حتى رَجَع": "صَار". ومن أقسام "رَجَع" الصيرورة، ومنه قوله ﷺ : "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا" (٣)، أي: "لا تصيروا". (٤) فيكون اسمها "ضمير النبي ﷺ "، وخبرها متعلّق بالمجزوم، أي: "حتى صار ماسحًا إلى المكَان الذي بدأ منه". و"الذي" مع صلته وعائده صفة للمكان. قوله: "وفي رواية": تقدّم آَنفًا، فيكون ["فأخرجنا له"] (٥) الفَاعِل إن قَدَّرْتَ: "وجَاء في رواية"، وهو معطُوفٌ على "أتانا". و"خَرَج" لا يتعدّى إلا بالنقل بالهمزة، كما ورد هنا، أو بالتضعيف، نحو: "خرَّجته". و"في تور" يتعلق بصفة لـ "تور"، ولك أن تعلّقه بـ"أخرجنا" فلا يكون له محلّ من الإعراب. ويختلف المعنى باختلاف التعلق، فعلى الأول يكون المخرج "التور" وفيه الماء، وعلى الثاني يكون الخرَج "الماء"، ويُحتمل ألا يكون "التور" معه، بل كان الماء

стр. 119

الذي أخرج منه وهو مستقر في موضعه، وهو الغالب إذا كان "التور" من حَجَر. الحديث التاسع: [٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وَترَجُّلِهِ، وَطُهُورهِ، وَفي شَأْنِهِ كلِّهِ" (١). الإعراب: التقدير: "أنها قالت: كان رسول الله ﷺ " وما يتعلق بها في محلّ معمول القول، والقول في محل خبر "أن" المقدر القائم مقام المفعول الذي لم يُسَمّ فاعله. وقوله: "يعجبه التيمن": في محل رفع خبر "كان". و"في تنعله" يتعلّق "بيعجبه". ويحتمل أن يتعلّق بالتيمن، ويدخله التنازع. ويحتمل أن يتعلق بحال، أي: "يعجبه التيمن كائنًا في تنعله". ويختلف المعنى باختلاف المتعلّق؛ فعلى الأول يكون الإعجاب مطلقًا في حال التنعل وغيره، وعلى الثاني يكون مقيدًا بحال التنعل. وإنما قلنا: يتعلّق بالتيمن؛ لأنه مصدر، وهو جيد؛ أي: "يعجبه أن يتيمن في تنعله". قوله: "وطهوره كله": لم يقُل: "وتطهّره" كما قال: "في تنعله، وترجله"؛ لأنه أراد "الطهور الخاص المتعلّق بالعبادة". ولو قال: "وتطهره" لدخل فيه إزالة النجاسة. وسائر النظافات بخلاف الأوّلين، فإنهما خاصّان بما وضعا له من لبس النعل وترجيل الرّأس؛ فناسبهما الطهور الخاص بالعبادة. قوله: "وفي شأنه كله": أي: "ما له يمين ويسار"، وليس كل ما كان من شأن

стр. 120

الإنسان له يمين؛ فهو عموم يُراد به الخصوص، ويلزم من حمله على العموم مخالفة ما أمر فيه ﷺ بالتياسر، كبيت الخلاء والخروج من المسجد والاستنجاء (١) وغير ذلك، فالمراد: "سائر الذي شرع فيه التيمن". وفي الكلام الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقد جاء عكسه. (٢) وقوله: "كله": تأكيد لـ"شأنه". و"كُل" في التأكيد مُقدّمة على غيرها، فلا يُقَال: "في شأنه أجمعه" حتى تتقدّم "كُل" (٣). وقد جاء استعمال "أجمع" بغير "كُلّ" في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩]، ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥]، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١]. (٤)

стр. 121

الحديث العاشر [١٠]: عَنْ نُعَيْمِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ"، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنكمْ أنْ يُطيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ (١). وَفي لَفْظِ لِمُسْلِمِ: سَمِعْتُ خَلِيلي ﷺ يَقُولُ: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ" (٢). تقدّم القول في إعرابه في الثّامن من الأوّل. قوله: "إنّ أمتي يُدعَون يوم القيامة": الجملة معمولة للقول. وجملة "يُدعَون" في محلّ خبر "إنّ"، وهو فعل مُضارع مبني لما لم يُسم فاعله ومفعول ما لم يُسَمّ فاعله، والنون علامة الرفع، أصله: "يدعوون" تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون ضمير الفاعل (٣). وهذا الفعل ونظائره مع جماعة المؤنثات على هذه الصيغة، ويختلفان في الفاعل وفي الإعراب، فضمير جماعة المؤنثات في "يدعون": "النون"، والفعل معها مبني (٤). والفاعلُ في الحديث "الواو"، و"النون" عَلامة الرّفع. وأمّا ما اتصلت به الضّمائر الثّلاث- ضَمير التثنية، وضَمير جماعة المذكّرين

стр. 122

العاقلين، وضمير الواحِدة المخَاطَبة - فـ"النون" فيه [حرْف علامة] (١) للرّفع (٢). وتقدّم القول في بناء الفعل مع النونات الثّلاث في الحديث الخامس من أوّل الكتاب. وقوله: "يوم القيامة": ظرف، ومحفوض. ويأتي الكلام على "يوم" في الثالث من "الاستطابة". و"القيامة": "فِعالة"، أصله: "القِوامة"، فقلبت "الواو" فيه "ياء"؛ لانكسار ما قبلها. (٣) و"غرًّا": جمع "أغرّ". و"أغرّ" أفعل. ويحتمل أن يكون مفعولًا به، ويكون "يُدعَون" بمعنى: "يُسمَّون"، أو يكونا حالين؛ أي: "في حالة هم فيها غُر محجلون"، أو يكون "يُدعَون" بمعنى "يُنادون وهُم بهذه الحالة". (٤) فإن قيل: "الغُرة" و"التحجيل" في الآخرة صفات لازمة غير مُنتقلة، فكيف يكونان حَالين؟ فالجواب: أنّ الحال تكون مُنتقلة (٥) أو في حُكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا

стр. 123

مُؤكدًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]. ومنه: "خلق الله الزّرَافة يديها أطوَل من رجليها"، فأطوَل حال لازمة غير منتقلة، لكنها في حكم المنتقلة؛ لأنّ المعلوم من سائر الحيوان استواء [القوائم] (١) الأربع. فلا يخبر بهذا الأمر إلا مَن يعرفه. وكذلك هنا، المعلوم من سائر الخلق عَدم "الغُرة" و"التحجيل"، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمّة دون سائر الأمم صارَت في حُكم المنتقلة بهذا المعنى. ويحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوْض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة؛ فتكون مُنتقلة بهذا المعنى. (٢) و"محجّلين": حالٌ أيضًا، فإن كان معنى "يُدعَون": "يُسمَّون" كان "غرًّا" [مفعولًا] (٣) به، و "محجّلين" حالٌ من الضّمير في "غرًّا"، أو حالٌ من ضمير "يُدعَون"، أو حالٌ ثانية. قوله: "من آثار الوضوء": "من" سببية؛ أي: "بسبب آثار الوضوء". ومثله قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، أي: "بسبب خطاياهم أغرقوا" (٤). وحرفٌ الجر يتعلق بـ "محجلّين" أو بـ"يُدعَون"، على الخلاف في باب التنازع (٥)

стр. 124

بين البصريين والكوفيين. (١) قوله: "فمَن استطاع منكم أن يُطيل [غُرّته] (٢) فليفعل": "مَنْ" مبتدأ، شرطية. والخبر في جملة فعل الشرط، وقيل: الخبر في الجواب؛ لأنّ به تتم الفائدة، ورُجح الأوّل بأنّ الضّمير العائد على اسم الشرط في فعل الشرط لازم، ولا يلزم في جوابه، حتى لو قُلت: "مَن يقم زيد أكرمه" وأنت تعيد الهاء على "مَنْ" لَم يجز. وقال آخرون: الخبر فعل الشرط والجواب. وقيل: الخبرُ منهما ما كان فيه ضَمير يعود على "مَن". (٣) و"منكم" يتعلّق بـ "استطاع"، وهي للتبعيض، أو لبيان الجنس. ويحتمل أن يتعلق بحالٍ مِنْ [صلة] (٤) "استطاعَ". قوله: "أنْ يُطيل [غرته] (٥) ": في محلّ مفعول "يستطيع"، والمراد: "أن يُطيل غُرته وتحجيله". وتقدم القول على "أَنْ" المفتوحة المخفّفة في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب. قَالَ السّهيلي: إذا قُلت: "كرهتُ خروجك" احتمل أن يكون المكروه نفس الخروج أو هيئته، وإن قلت: "كرهتُ أنْ خرجت" كان المكروه نفس الفعل (٦).

стр. 125

وعلى هذا: المطلوب في الحديث نفس الفعل، وعليه المعنى. قوله: "وفي لَفْظٍ لمسلم": تقدّم في الرّابع أنه يتعلّق بمُقدّر، أي: "ورُوي في لفظ". و"لمسلم" يتعلّق بصفة لـ "لفظ" أو بـ "لفظ"؛ لأنه مصدر. قوله: "سمعتُ": تقدّم في الحديث الأوّل من الكتاب. وقوله: "تبلغ الحلية من المؤمن": حرفُ الجر يتعلّق بـ "تبلغ". والألِف واللام في "المؤمن" موصُولة بمَعنى "الذي"، وكذلك هي في اسم الفاعل واسم المفعول والجملة والفعل. مثال الجملة: مِنَ الْقَومِ الرَّسُولُ اللهِ مِنْهُمْ ... لَهُمْ دانَتْ رِقَابُ بَنيِ مَعَد (١) ومثال الفعل: مَا أنْتَ بِالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتَهُ ... وَلا الأَصِيلِ ولا ذِي الرَّأْيِ وَالجْدَلِ (٢) وهل هي اسم؟ فيعود عليها ضمير، أو حرف؟ فلا ضمير. واختلف في صلتها. (٣)

стр. 126

فائدة: قولهم: "جاء الضاربه عمرو"، اختلفوا في عود الضمير من "الضاربه" على ثلاثة أقوال: - أحدها: أنه راجع إلى نفس "ال". والثاني: أنه راجع إلى ما دلّ عليه "الذي" وفروعه، وهو نصّ الفارسي في "الإيضاح"، قال: و"الهاء" في "الضاربه" تعود على ما دل عليه الألف واللام من "الذي". والثالث: أنها تعُود إلى "الذي" محذوفًا موصوفًا، قاله ابن كيسان (١). فائدة: قولهم: "زيد القائم"، إن قُدر الضمير للمبتدأ بطل عائد الموصول، وإن قُدِّر للموصول [بطل] (٢) عائد المبتدأ من الخبر المشتق. والجواب: أنّ الخبر في الحقيقة "ال"، وهو جامد. وقال الكوفيون: فيه ضميران، ضمير "ال"، وضمير المبتدأ، فإن قدرته صفة لموصوف محذوف، ففيه ثلاثة ضمائر. وفرّعوا على ذلك أنّك تقُول في التوكيد: "زيد القائم هو نفسه هو نفسه". (٣)

стр. 127

و"مِن" يأتي لخمسة عشر وجهًا: ابتداء الغاية، وهو الغَالبُ عليها، حتى ادّعى جماعة أنّ سائر معانيها راجعة إليه. الثاني: التبعيض. الثالث: بيان الجنس. الرابع: التعليل؛ نحو: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]. الخامس: البَدَل؛ نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، و"لَا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مِنْكَ الجدَّ" (١)، أي: "لا ينفع ذا الحظ حظّه من الدنيا بذلك"، أي: "بَدَل طاعتك" أو "بدَل حظّه منك". السادس: مُرادفة "عن"، نحو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. السابع: مرادفة "الباء"، نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. الثامن: مرادفة "في"، نحو: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤]. التاسع: مرادفة "عند"، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]. العاشر: مرادفة "ربما"، وذلك إذا اتصلت بـ "ما"، كقوله: وإنَّا لممّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَىَ وَجْهِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ (٢)

стр. 128

الحادي عشر: مرادفة "على"، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧]. وقيل: على التضمين "منعناه بالنصر". الثاني عشر: الفصل، [وهي الداخلة] (١) على ثاني المتضادين، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. الثالث عشر: الغاية، نحو: "رأيته من ذلك الموضع"، فجعلته غاية لرؤيتك، أي محلًّا للابتداء والانتهاء، وكذلك: "أخذته من زيد". الرابع عشر: التنصيصُ على العُموم، وهي الداخلة في نحو: "ما جاءني من رجل"، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة. الخامس عشر: توكيد العُموم، وهي الزّائدة في نحو: "ما جاءني مِن أحد". (٢) و"حيث": ظَرفُ مَكَان مُبْهَم، لازمٌ للظرفية غالبًا، وجُرَّب "مِن" كثيرًا، ولا تكون إلا مُضَافة إلى جملة. وتكون ظَرفَ زَمَان عند الأخفش، كقوله: لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ... حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهُ (٣) ولا يجزم بها بغير "ما"؛ خلافًا للفرّاء. ولا تضَاف إلى المفرد إلا شُذوذًا، كقوله:

стр. 129

حَيْثُ سُهَيْلٌ طالِعَا ... ... ... ... ... ... ... .... ... (١) وهي مبنية؛ لافتقارها إلى جملة تُضَاف إليها. وبُني على الحرَكَات كُلها مع "الياء"، وكذلك مع "الواو"؛ فيكون ست لُغَات. (٢) والعَاملُ في "حيث" هنا: "تبلغ الحلية". ويجوز أن تكون مفعولًا به. وقيل: قد [تقع مفعولا به] (٣) في نظير هَذا التركيب، وهو الأظهرُ فيها هُنا، وقد خُرّج عليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤)، وسيأتي في "باب استقبال القبلة" عند قوله: "يُصَلّي حَيْث توَجّهَت به" (٥) تمام الكَلام عليها. * * *

стр. 130

باب الاستطابه الحدِيث الأوّل: [١١]: عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا دَخَلَ الْخَلاءَ قال: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالخَبَائِثِ". (١) "الباب" يُجمع على "أبواب" و "أبوبة" إذا قصد الازدواج، نحو قولك: هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ ... ... ... ... ... ... ... ولو أُفرد لم يجُز، ويُقال: " [تبوَّبْتُ] (٣) بَوَّابًا"، أي: "اتخذته"، و"أبواب مُبَوَّبَةٌ" كـ"أصناف مُصَنّفَةٍ". و"هذا شيء من بَابتكَ" أي: "يصلح لك". انتهى من "الصحاح" (٤). قال غيرُه: وحقيقة "الباب ": "فُرجة في ساتر يتوصّل منها من ظاهر إلى باطن". (٥) ولما كان الجهل ساترًا ما وراءه من العلوم استعير للعِلم "باب" من حيث يدخُل المتصف بالجهْل إلى باطن العِلم، وفي الحديث: "مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ

стр. 131

" (١). والتقديرُ ههنا: "هَذا بابُ الاستطابة"، فهو مرفوعٌ بتقدير مبتدأ محذوف، والمعنى: "هَذا بابُ أحاديث الاستطابة". وتقدَّم القول على "الحديث الأوّل" عند ذكر الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "عن أنس بن مالك": تقدّم في الحديث الأوّل القول على متعلَّق "عن"، وتقدّم في الثّاني موجب حَذف التنوين و"الألِف" من "ابن مالك" (٢). قوله: "أنّ النبي ﷺ ": تقدّم ذكر المواضع التي تفتح فيه "أنّ" في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "قال: اللهم": "قَال" جَوابُ "إذا". و"إذا" تقدّم القول عليها في الحديث الثّاني من الأوّل، وهي وجوابها خبر "كان". و"كان" واسمها وخبرها خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ رفع بمتعلّق المجرور. و"اللهم" مُنَادَى، عُوّض مِن حَرْف النّداء "الميم" عند البصريين (٣)، ولذلك لم يجمعوا بينهما إلّا في ضرورة (٤)، كقَوله:

стр. 132

إنِّي إذَا مَا حَدَثٌ ألَمَّا ... أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا (١) خِلافًا للفرّاء، فإنه يقول: الأصل: "اللهم أُمَّنا بخير". (٢) وردَّ هذا أبو عليّ بقوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، إذ لو كان المراد: "أُمَّنا" لأغنى هذا الفعل عن جَواب الشرط، كما تقول: "يا ربنا قاتل فلانًا إن كان باغيًا"، وبأنه لو صَح لما حَسُن: " [اللهم] (٣) أُمَّنا بخَير"؛ لأنّه يكُون تكرارًا. ورُدّ أيَضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ لأنه نَقِيضُ: "أُمَّنا بخير". (٤) وقد يُستعمل بـ "اللام"، فيُقال: "لاهُم" بحذف الألِف واللام. (٥) وتجئ "اللهم" حشوًا بعد عُموم [حثًا] (٦) للسامع أو تنبيها على أنه كَلام يستعذر التارك به، كقولك: "أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع لا يُقْدَرُ على دَفْعِهِ، [ولألزمنَّك] (٧) أبَدًا اللهم إلا أنْ تكرَه ............................

стр. 133

مني شيئًا (١). "اللهم" لا يُوصف عند الأكثرين، وعُلل بأنه تغيَّر بـ"الميم" في آخره. (٢) وقيل: إنّ ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] صفة في الآية. ورُد بأنه لو كان صفة لجاز فيه الوجهان، الرفع والنصب، كسائر المناديات المبنية (٣). و"أعُوذ": لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدعاء. قالوا: وفي ذلك تحقيق الطلب، كما قيل في: "غفر الله لك" بلفظ الماضي. (٤) قالوا: ولم يُسمَع فيه تقديم معمُوله، كما سُمِع في: "لله الحمد"؛ لأنه في الإتيان بلفظ الاستعاذة امتثال الأمر. (٥) وقال بعضهم: تقديم المعمول في الكلام تفنن وانبساط، والاستعاذة هرب إلى الله تعالى، ولذلك فقبض عنان الانبساط والتفنن فيه لائق؛ لأنه لا يكون إلا حالة خوف وقبض، والحمدُ حَالة شُكر وتذكّر إحسَان ونعَم. (٦) والباء في "بالله" للإلصاق، وهو إلصاق معنوي؛ لأنه لا يلتصق شيء بالله ولا

стр. 134

بصفاته، لكنه التصاق تخصيص، كأنه خصّ الرب سبحانه بالاستعاذة (١). "من الخبث": من الشّيطان، و"من" للتبعيض، والتقدير: "من كيدهم وشرهم"، أو للابتداء إذا فسر هذا بذكُور الجن وإناثهم. (٢) قال ابن الأثير: "الخبث والخبائث" بسكون "باء" "الخُبْثِ": "خلافُ طيب الفعل من فجور وغيره"، وبضمها جمع "خبيثة"، والمراد بها: "شياطين الإنس والجن، ذكرانهم وإناثهم" (٣). قال الخطَّابي: عامة أصحاب الحديث يقولون: "الخُبْثِ" ساكنة "الباء"، وهو خطأ. والصواب: ضمها (٤). قلتُ: إلا أن يكون التسكين من باب تخفيف المتحرّك الوسط، وهو قياس كـ"عضد" و"كتف"، فلا يكون خطأ (٥)، أو ثبتت الرواية بإحْدَى اللغتين، والمُحدّثون بمُراعاتها أقْعَد من غيرهم. الحديث الثّاني [١٢]: عَنْ أَبِى أَيوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "إذَا أَتيتُمْ الجلاءَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". قَالَ أبُو أَيُّوبَ: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فننْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ " (٦).

стр. 135

الإعراب: "أيوب": لا ينصرف للعَلمية والعُجمة، ولم يعتبر الاشتقاق، كما لم يُعتبر في "نوح" ولا في "يحيى". (١) وقوله: "فلا تستقبلوا القبلة": "الفاء" جوابُ الشرط. وتقدّم القول في "إذا" وأخواتها في الثّاني من الأوّل. و"لا" ناهية، وهي على ثلاثة أوجه: - أحدها: أن تكون نافية. الثاني: ناهية. الثالث: زائدة. (٢) ويأتي الكلام على كُلّ واحدة في محلّها. فأمّا الناهية: فهي موضوعة فيه لطلب الترك، وتختصّ بالمضارع. وتكون للدّعاء، كقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وتكون للالتماس، كقولك لنظيرك غير مُستعلٍ عليك: "لا تفعل كذا"، بمعنى أنه يلتمس منه أن يقع في شيء؛ فينهاه عنه قبل أن يقع فيه. وللتهديد، كقولك لولدك أو لعبدك: "لا تطعني". (٣) وقيل: أصلها "لام" الأمر، زيد عليها "ألِف"، [والجزم] (٤) بلام الأمر. وقال السهيلي: الجزم بـ "لام" الأمر مُقدَّرة، فقوله: "لا تقم". أصله: "لا لتقم"،

стр. 136

ثم حذفت "لام" الأمر، وبقيت "لا" لتدل على النفي (١). وعلامة الجزم في الفعل حذفُ "النون"؛ لأنه اتصل به ضمير جماعة المذكرين. وقوله: "بغائط أو بول": حرفُ الجر يتعلّق بالفعل. ويحتمل أن يتعلق بحال من ضمير الفاعل، أي: "متلبسين بغائط". وأعاد "لا" في المعطوف تأكيدًا للنفي الأوّل. وتجب "لا" هنا كراهة أن يتوهم أنّ النهي عن استقبال القبلة لمجموع الغائط والبول معًا؛ لأنّ "الواو" تقتضي الجمع، ومع تكرار "لا" ينتفي ذلك الوَهم؛ لأن التقدير: "ولا تستقبلوها ببول"، وحذفت "الباء" من المعطوف لدلالة الأولى عليها. قوله: "ولا تستدبروها": أي "بغائط ولا ببول"، وهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي ﷺ . ثم قال: "ولكن شرقوا": الصّحيح أنّ "لكن" بسيطة، وقيل: مركبة من "لا" النافية وكاف الخطاب و"أن" التوكيدية، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وخففت "النون" لمعنى العطف أو الابتداء (٢). واعلم أنّ "لكن" المخفّفة حرف استدراك، وتكون عاطفة لا عمَل لها، خلافًا ليونس والأخفش (٣). وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنهي أو نفي، وألا تقترن بـ "الواو"، [نحو] (٤): "ما مررت برجل صالح، لكن طالح"، ونحو: "لا يقم زيد،

стр. 137

لكن عمرو". (١) وهي حرف ابتداء إن وليها جملة أو وَليت واوًا، نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ []، أي: "ولكن كان رسول الله"، أو سبقت بإيجاب، نحو: "قام زيد، لكن عمرو لم يقُم"، ولا يجوز: "لكن عمرو" [على أنه] (٢) معطوف (٣). إذا ثبت ذلك: فـ "لكن" هنا دخلت على جملة، وتقدمها "الواو"؛ فامتنع أن تكون عاطفة، وبقيت على أصلها من الاستدراك، وخلص العطف للواو دونها، كما هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]، وكذلك: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. (٤) وباقي الكلام على "لكن" يأتي في الأوّل من "باب الحيض"، وفي الأوّل من "سجود السهو"، وفي السادس من "باب القضاء". قوله: "قال أبو أيوب: فقدمنا الشام": "الفاء" هنا للعطف من غير تسبيب (٥). والجملة كلها معمُولة للقول. و"الشّام": ظرفُ مكان، ويحتمل أن ينتصب بإسقاط الخافض؛ أى: "فقدمنا إلى الشام". و"الشام" يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ. و"رجُل شأميّ"، و" شَآم" على وَزن "فَعَال"، وشاميٌّ أيضًا. ولا تقُل: "رجُل شأم" على النسب، وما جاء من ذلك في ضرورة الشعر محمولٌ على أنه اقتصر من النسب على اسم البلد. (٦)

стр. 138

والعاملُ فيه "قَدِم"، وإن كان لا يتعدّى بنفسه، واللازم من الأفعال يتعدّى إلى الظروف والمجرورات، ويحتمل أن يُضمّن معنى "ذَهب"؛ فيتعدّى إلى "الشام". قال ابن عصفور: "ذهب" لازم، وعَدَّته العربُ إلى "الشام"؛ لأن معناها: ["في الشام"] (١)، وهو "شأمة"، فقال: "ذهبت يمنة وشأمة"؛ أي: "يمنة ويسرة"، فصار كقولك: "ذهبتُ اليسار" و"اليسرة"، وذلك جائز، وكذلك: "ذهبتُ اليمن" لأنه من "اليمين"؛ كما تقول: "ذهبت يمنة"، ولذلك لو قلت: "ذهبت عمان" أو "خراسان" لم يجز؛ لبعدهما عن لفظ الجهات (٢). قوله: "فوجَدنا مراحيض قد بُنيت": "وَجَد" هنا يتعَدّى إلى واحد؛ لأنه بمعنى "أصاب"، وإنما يتعدّى إذا أفاد في الخبر يقينًا (٣). ويلحق بـ "وَجَد": - "ألفى"، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩]. و"درى"، والأكثر فيه أن يتعدّى بـ "الباء"، نحو: "دريت بالحديث". و"جَعَل"، نحو قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. و"حَجَى"، نحو قوله:

стр. 139

قد كنتُ أَحْجُو أبا عَمروٍ أخا ثقَةٍ ... حتى أَلمَّتْ بنا يومًا مُلمّاتُ (١) و"هب"، نحو قوله: ... ... ... ... ... ... ... ... فَهَبْنِي امْرَأً هَالِكًا (٢) أي: "احسبني". وقد ترد "حجى" بمعنى "قصد"، نحو: "حجوت بيت الله"، أي: "نويته وقصدته". (٣) ومن أمثلة "وَجَد" بمعنى "أصَاب" قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. (٤) قال الجوهري: يقال: "وَجَدَ مطلوبه"، "يَجِدُهُ"، "وُجودًا"، و"يجُده" بالضم لغة عامرية لا نظير لها في باب المثال. (٥) وتكون "وَجَد" بمعنى "العِلْم"، قال تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:

стр. 140

١١٠]. (١) قالوا: ومصدره: "وُجدانًا" و"وجُودًا"، الأوّل عن الأخفش، والثّاني عن السيرافي (٢). قال الجوهري: ويكون للغنى، ومصْدَره: "وُجدًا" و"وِجْدًا" و"جِدَة". ويكون بمَعنى "حزن"، ومصدره "وَجْدًا" بفتح "الواو"، وهَذا لا يتعدّى إلى مفعول. ويكون بمعنى "السّعة" (٣)، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، أي: "من سعتكم". انتهى. (٤) وجملة "قد بُنِيَتْ" في محل صفة لـ "مراحيض"، و "مراحيض" مفعول "وجد" المقدّر بـ"أصاب". و"مراحيض" على وزن "فعاعيل"، لا ينصرف؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع. و"بُنيت" مبنى لما لم يُسم فاعله. و"نحو" ظرف مكان؛ لأنه بمعنى الجهة، وتقدّم القول على "نحو" قريبًا. والمفعول الذي لم يُسم فاعله ضمير "المراحيض"، و "التاء" علامة التأنيث.

стр. 141

قوله: "فننحرف": "الفاء" سببية، و"عنها" يتعَلّق بـ "ننحرف". ويحتمل أن يكون الضمير في "عنها" يعود على "المراحيض"، ويحتمل العود على "الكعبة". و"نستغفر الله" معطوفٌ على "ننحرف". أو في محلّ حال من الفَاعل، ويكون جملة ابتدائية، أي: "ونحن نستغفر الله لبانيها"، أو "نستغفر من استعمالها". و"الخلاء": بالمد. ومتى وقعت جملة الفعل المضَارع حَالًا جاءت بالضمير وحْده، فإن جاءت بـ "الواو" فهي اسمية لا فِعْلية على ما يأتي (١). الحدِيث الثّالِث [١٣]: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: "رَقِيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ [حَفْصَةَ] (٢)، فَرَأَيْتُ رسول الله ﷺ يَقْضي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ" (٣). قال صاحب "الصحاح": "رقيت" في السُّلَّمِ بالكسر "رَقْيًا" و"رُقِيًّا"، و"ارتقيت" مثله. و"المرْقَاة" بالفتح "الدّرَجة"، فمَن كسرها شبهها بالآلة التي يعمل بها، ومَن فتح قال: هذا موضع يُفْعَل فيه؛ فجعله مخالفًا بفتح "الميم" (٤)، انتهى. قلت: فيكون في الحديث من "رقِي"، "يَرْقى". وأما من "الرقية": فـ "رَقَى"، "يرقِي".

стр. 142

قوله: "يومًا": ظرفُ زمان. وليس في الأسماء ما فاؤه وعَينه حَرْفا عِلّة إلا "يوم"، و "يوح" للشمس. وجعل بعضهم منه: "ويل" و"ويح" و"ويس". (١) ولعل الأوّل أراد به: لا يُوجَد بتقديم "الياء" على "الواو" (٢). والعاملُ فيه: "رَقيتُ". ولليوم هنا معنيان، أحدهما: الاحتراز به من "الليل"؛ لأنه وقت لا يتحقق فيه المرئيّ، أو أراد بـ "اليوم": "المرّة الواحدة"؛ لأنّ "اليوم" يُطلَق على "الزمان"، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، المراد به: "الساعة". وُيطلق على "المدّة بكمالها"، نحو: "يوم بدر" و"يوم حنين". ويطلق على "الدولة"، نحو قولهم: "أيام فلان"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ويطلق على "ما يُقَابل الليل"، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. (٣) فتكون فائدة قوله: "يومًا" أنه لم يتكرّر ذلك في أيام.

стр. 143

و"على بيت" يتعلّق بـ "رقيت"، [ق ١٩] أو بحَال، أي: "مُستعليًا على بيت حفصة". و"حفصة": لا ينصرف؛ للعَلمية والتأنيث (١). قوله: "فرأيتُ": معطوفٌ على "رقيت"، وهو من رؤية البصر يتعدّى إلى واحد، وهو "رسُولَ الله" بالنصب. و"يقضي حاجته" جملة من فعل وفاعل ومفعول، في موضع الحال من "رسول الله"، وقوله: "مُستقبل الشام" حالٌ ثانية، وكذلك: "مستدبر الكعبة". والإضافة هنا غير محضة؛ لأنها إضَافة اسم الفاعل إلى معموله، وهي بمعنى الحال. ويحتمل أن يكون "مُستدبر الكَعبة" حَالًا مُؤكّدة -لأنّ مَن استقبل الشام استدبر الكعبة- من الضمير في "مُستقبل". الحدِيث الرّابع [١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنزَةً، فيسْتَنْجِي بِالْمَاءِ" (٢). قوله: "يدخُل الخلاء": جملة في محلّ خبر "كان"، و"كان" في محلّ معمول القول، والقول خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر. و"الخلاء": يجري فيه الخلاف فيما يقع بعد "دَخَل"، هل هو مفعول به أو ظرف؟ قال ابنُ الحاجب وغيره: هو منصوبٌ على الظرفية؛ لأنّ "دَخَل" من الأفعال

стр. 144

اللازمة، بدليل أنّ مصْدَره " فُعول"، وما كان مصدره "فعول" فهو لازم. ولأنّ نقيض "دَخَلَ": "خَرَجَ"، هو لازم؛ فيكون "دخلت" كذلك (١). واختارت طائفة أنْ يكون مفعُولًا به، ومنه قول الفقهاء: "هذا حَدٌّ مدخُول". (٢) وحَكَى بعضُهم أنّ سيبويه يقول: هو [منصوب] (٣) بإسقاط الخافض (٤). وجعله الجرمي من الأفعال التي تتعدّى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر (٥). قال أبو حيّان: "دَخَل" يتعدّى عند سيبويه لظَرف المكان المختص الحقيقي بغير واسطة "في"، فإن كان مجازيًّا تَعَدَّى إليه بواسطة "في"، نحو: "دخلتُ في الأمر". وأما على مذهب الأخفش والجرمي في أنّ "دخل" يتعدى بنفسه: فما بعده مفعول به (٦). وقوله: "يدخُل الخلاء": أي: "يُريد دخول الخلاء"، لأنّ "الفاء" للتعقيب، وكان ﷺ إذا دَخَل الخلاء لا يُدخَل عليه، وذلك كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥] (٧).

стр. 145

ويحتمل هنا أن تكون على بابها، أي: "كان يدخل، فيحمل الإداوة". والظاهر الأوّل. وجملة "يدخُل" في محلّ خبر "كان". و"الخلاء" بالمدّ، "المتوضَّأ"، وأصله "الموضع الخالي". و"الخلا" المقصور: "الحشيشُ الرطب" (١). وجملة "فأحمل" معطوفة عليه. و"أنا": تأكيدٌ للفاعل، مُصحّح للعَطف عليه؛ لأنه لا يُعطَف على الضّمير المرفوع المتصل إلا بعد تأكيده، أو فصل يقوم مقام التأكيد. (٢) والعلّة في ذلك: أنّ الفعل متصل به الضّمير؛ فيصير كالجزء منه، ولذلك يسكن آخر الفعل لأجْله، فلو عطف عليه من غير تأكيد كَان عطفًا على بعض الكُلمة. ولأنه يصير في صورة عطْف الاسم على الفعل (٣). وأجازوا في مثل هذا الوجْهين من العطْف والنصب على أنّه مفعول معه؛ فيجوز: "فأحمل أنا وغُلامٌ" و"غُلامًا"، بالرّفع والنصب. و"أحمل" أحَد الأوزان التي يجب استتار فاعلها، وهي: "أفعل" و"تفعل" و"نفعل" و"افعل" (٤).
следующие страницы →