← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قوله: "فننحرف": "الفاء" سببية، و"عنها" يتعَلّق بـ "ننحرف". ويحتمل أن يكون الضمير في "عنها" يعود على "المراحيض"، ويحتمل العود على "الكعبة". و"نستغفر الله" معطوفٌ على "ننحرف". أو في محلّ حال من الفَاعل، ويكون جملة ابتدائية، أي: "ونحن نستغفر الله لبانيها"، أو "نستغفر من استعمالها". و"الخلاء": بالمد. ومتى وقعت جملة الفعل المضَارع حَالًا جاءت بالضمير وحْده، فإن جاءت بـ "الواو" فهي اسمية لا فِعْلية على ما يأتي (١). الحدِيث الثّالِث [١٣]: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: "رَقِيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ [حَفْصَةَ] (٢)، فَرَأَيْتُ رسول الله ﷺ يَقْضي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ" (٣). قال صاحب "الصحاح": "رقيت" في السُّلَّمِ بالكسر "رَقْيًا" و"رُقِيًّا"، و"ارتقيت" مثله. و"المرْقَاة" بالفتح "الدّرَجة"، فمَن كسرها شبهها بالآلة التي يعمل بها، ومَن فتح قال: هذا موضع يُفْعَل فيه؛ فجعله مخالفًا بفتح "الميم" (٤)، انتهى. قلت: فيكون في الحديث من "رقِي"، "يَرْقى". وأما من "الرقية": فـ "رَقَى"، "يرقِي".

стр. 142

قوله: "يومًا": ظرفُ زمان. وليس في الأسماء ما فاؤه وعَينه حَرْفا عِلّة إلا "يوم"، و "يوح" للشمس. وجعل بعضهم منه: "ويل" و"ويح" و"ويس". (١) ولعل الأوّل أراد به: لا يُوجَد بتقديم "الياء" على "الواو" (٢). والعاملُ فيه: "رَقيتُ". ولليوم هنا معنيان، أحدهما: الاحتراز به من "الليل"؛ لأنه وقت لا يتحقق فيه المرئيّ، أو أراد بـ "اليوم": "المرّة الواحدة"؛ لأنّ "اليوم" يُطلَق على "الزمان"، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، المراد به: "الساعة". وُيطلق على "المدّة بكمالها"، نحو: "يوم بدر" و"يوم حنين". ويطلق على "الدولة"، نحو قولهم: "أيام فلان"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ويطلق على "ما يُقَابل الليل"، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. (٣) فتكون فائدة قوله: "يومًا" أنه لم يتكرّر ذلك في أيام.

стр. 143

و"على بيت" يتعلّق بـ "رقيت"، [ق ١٩] أو بحَال، أي: "مُستعليًا على بيت حفصة". و"حفصة": لا ينصرف؛ للعَلمية والتأنيث (١). قوله: "فرأيتُ": معطوفٌ على "رقيت"، وهو من رؤية البصر يتعدّى إلى واحد، وهو "رسُولَ الله" بالنصب. و"يقضي حاجته" جملة من فعل وفاعل ومفعول، في موضع الحال من "رسول الله"، وقوله: "مُستقبل الشام" حالٌ ثانية، وكذلك: "مستدبر الكعبة". والإضافة هنا غير محضة؛ لأنها إضَافة اسم الفاعل إلى معموله، وهي بمعنى الحال. ويحتمل أن يكون "مُستدبر الكَعبة" حَالًا مُؤكّدة -لأنّ مَن استقبل الشام استدبر الكعبة- من الضمير في "مُستقبل". الحدِيث الرّابع [١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنزَةً، فيسْتَنْجِي بِالْمَاءِ" (٢). قوله: "يدخُل الخلاء": جملة في محلّ خبر "كان"، و"كان" في محلّ معمول القول، والقول خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر. و"الخلاء": يجري فيه الخلاف فيما يقع بعد "دَخَل"، هل هو مفعول به أو ظرف؟ قال ابنُ الحاجب وغيره: هو منصوبٌ على الظرفية؛ لأنّ "دَخَل" من الأفعال

стр. 144

اللازمة، بدليل أنّ مصْدَره " فُعول"، وما كان مصدره "فعول" فهو لازم. ولأنّ نقيض "دَخَلَ": "خَرَجَ"، هو لازم؛ فيكون "دخلت" كذلك (١). واختارت طائفة أنْ يكون مفعُولًا به، ومنه قول الفقهاء: "هذا حَدٌّ مدخُول". (٢) وحَكَى بعضُهم أنّ سيبويه يقول: هو [منصوب] (٣) بإسقاط الخافض (٤). وجعله الجرمي من الأفعال التي تتعدّى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر (٥). قال أبو حيّان: "دَخَل" يتعدّى عند سيبويه لظَرف المكان المختص الحقيقي بغير واسطة "في"، فإن كان مجازيًّا تَعَدَّى إليه بواسطة "في"، نحو: "دخلتُ في الأمر". وأما على مذهب الأخفش والجرمي في أنّ "دخل" يتعدى بنفسه: فما بعده مفعول به (٦). وقوله: "يدخُل الخلاء": أي: "يُريد دخول الخلاء"، لأنّ "الفاء" للتعقيب، وكان ﷺ إذا دَخَل الخلاء لا يُدخَل عليه، وذلك كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥] (٧).

стр. 145

ويحتمل هنا أن تكون على بابها، أي: "كان يدخل، فيحمل الإداوة". والظاهر الأوّل. وجملة "يدخُل" في محلّ خبر "كان". و"الخلاء" بالمدّ، "المتوضَّأ"، وأصله "الموضع الخالي". و"الخلا" المقصور: "الحشيشُ الرطب" (١). وجملة "فأحمل" معطوفة عليه. و"أنا": تأكيدٌ للفاعل، مُصحّح للعَطف عليه؛ لأنه لا يُعطَف على الضّمير المرفوع المتصل إلا بعد تأكيده، أو فصل يقوم مقام التأكيد. (٢) والعلّة في ذلك: أنّ الفعل متصل به الضّمير؛ فيصير كالجزء منه، ولذلك يسكن آخر الفعل لأجْله، فلو عطف عليه من غير تأكيد كَان عطفًا على بعض الكُلمة. ولأنه يصير في صورة عطْف الاسم على الفعل (٣). وأجازوا في مثل هذا الوجْهين من العطْف والنصب على أنّه مفعول معه؛ فيجوز: "فأحمل أنا وغُلامٌ" و"غُلامًا"، بالرّفع والنصب. و"أحمل" أحَد الأوزان التي يجب استتار فاعلها، وهي: "أفعل" و"تفعل" و"نفعل" و"افعل" (٤).

стр. 146

وقوله: "إدَاوة وعَنزَة": "الإداوة" بكسر "الهمزة": "إناءٌ من جلد". قال في "الصّحاح": "الإداوة": "المطهرة"، والجمعُ: "الأداوى"، مثل "المطايا"، وكان قياسه: "أدائِي" مثل "رسالة" "رسائل"، فتجنبوه، وفعلوا به ما فعلوا بـ "المطايا"، فجعلوا "فعائل": "فعالى"، وأبدَلوا منهما "الواو" ليدلّ على أنها كانت في الواحِدة واوًا ظَاهرة؛ قالوا: "أَدَاوَا"، فهذه "الواو" بَدَلٌ من "الألِف" الزّائِدة في "إداوة"، و"الألِف" الذي في آخر "الأداوى" بَدَل من "الواو" التي في "إداوة"، وألزَموا "الواو" فهنا كما ألزموا "الياء" في "المطايا" (١). والمراد: "أحدنا يحمل إداوة، والآخر يحمل عنزة"؛ لأنّ "الإداوة" للطهارة و"العنزة" للصلاة، ويحتمل أن تكون "العنزة" للطهارة أيضًا، ليحفر بها موضع قضاء الحاجة، أو ليستتر بها. والله أعلم. قوله: "نحوي": يحتمل أن يكون بمعنى "مثلي"؛ أي: "في السن والخدمة". ويحتمل أن يكون بمَعنى "القُرب"؛ أي: إغُلام قريب مني في السن". و"نحوي" صفة لـ"غلام"، ولا تظهر فيه علامة الإعراب؛ لأنه مُضاف إلى "ياء" المتكلم. وقوله: "من ماء": يتعلّق بصفة لـ"إداوة"، ويكون التقدير: "بإداوة فيها شيء من ماء". و"من" للتبعيض أو لبيان الجنس. وإنما احتجنا إلى هذا التقدير؛ لأن "الإداوة" ظرف للماء، لا الماء نفسه، فيتعلّق المقدر بالصفة، و"من ماء" يتعلّق بمتعلّق المقَدّر. وقد حُذفت الصفة في قوله تعالى: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (٢) [الصافات: ٤٥]، أي: "من ماءٍ مَعين" (٣).

стр. 147

وجعلها بعضهم في الآية زائدة. ويصح هنا على مذهب الأخفش ومَن وافقه من البصريين؛ فيكون محل "ماء" -على تقدير زيادة "من"- إمَّا مخفوضًا بالإضافة، وإما منصوبًا بَدَلًا من "إداوة"، أي: "فأحمل أنا إداوة ماء". وهو حَسَن. وإما مرفوعًا بالابتداء، والخبر في مجرور مقدر، أي: "فيها ماء". والله أعلم. قوله: "وعنزة": معطوف على "إداوة". و"بالماء" يتعلّق بـ "يستنجي"، والألِف واللام للعَهد، أي: "الماء الذي في الإداوة". و"الباء" للتعدية، ولها أقسام جمعتُ منها في بيت ثمانية، فقلتُ: فألصِقْ وصَاحِبْ مُستَعِينًا مُقَابِلًا ... وعَدِّ وَزِدْ ظَرْفيةً بَعْدَ تَسَبُّبِ ويصح أن تكون هنا للاستعانة؛ لأنه يُستعان بالماء على إزالة النجاسة. وتكون "الباء" للقَسَم، نحو: "بالله". وللنقل، نحو: "قمت بزيد". وللبدل، نحو قول الشاعر: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ يَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانا (١) أي: "فليت لي بدلهم". وقيل: تكون للتبعيض، نحو: شَرِبْنَ بِماء البَحْرِ ثُمَّ ترَفَّعَتْ ... ... ... .... ... ... (٢)

стр. 148

وبمعنى "مع"، وللتعليل لموافقة معنى "اللام". وتكون للمُجاوزة، نحو قوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، أي: "عن الغمام". وللاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: "على قنطار". (١) قال في "الصّحاح": "العَنَزَة" بالتحريك: "أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيه زج (٢) كزج الرّمح". (٣) الحديث الخامِس [١٥]: روي عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء" (٤). الإعراب: جاء في هذا الحديث متعلّق حرف الجر ظاهرًا، وذلك في غيره يُرجح تقدير

стр. 149

"رُوي" على غيره من التقديرات. قوله: "الحارث": بدلٌ من "أبي قتادة"، ويصح أن يكون عطف بيان، وهو أحسَن؛ لأنه بعد نقله إلى العَلَمية صار له حكم الجامد. ولا يجوز أن يكون "الحارث" نعتًا؛ لأنه عَلَم أيضًا، والعَلَم يُنعت ولا يُنعت به (١). و"ابن ربعيِّ" نعتٌ للحارث، و "الأنصاري" نعت لـ "أبي قتادة"؛ لأنّ المراد بيان "أبي قتادة" ونسبته إلى الأنصار. ويجوز في: "الأنصاري" الرّفع على القطع، والنّصب على المدح، والمختار الجر؛ لأنه الجاري على وَجْه الإعراب. واختار بعضهم الرّفع فيما كان من هذا؛ لأنّ فيه حَصرًا، وذلك أنّك إذا قلتَ: "هو الأنصاري" بالألِف واللام أفاد معنى الحصر. وجعله بعضهم مما يجب فيه حَذف المبتدأ، وستأتي المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ في الرابع عشر من "الجنائز". واختار بعضهم النصب؛ لأنه أخَفّ. (٢) وقوله: "أنّ النبي ﷺ ": في محلّ المفعول الذي لم يُسم فاعله لِ "رُوِيَ"؛ ولذلك فتحت "أنّ"، و "قال" في محلّ خبر "أنَّ"، و "لا يُمسكنَّ" في محلِّ مفعول القول، [و "لا" تقدّم القَول] (٣) فيها في الثّاني من هذا الباب. و"يُمسكنَّ" فعل مُضارع مؤكّد بـ "النون" الشديدة، وتقدّم القول فيها وفي أخواتها في الخامس من الأوّل.

стр. 150

قوله: "بيمينه": "الباء" للإلصاق، يتعلّق بـ "يمسكنَّ". وجملة "وهو يبول" في محل الحال من "أحدكم"، والرابط " الواو" والضمير. و"لا يتمسح" و "لا يتنفس" [معطُوفان] (١) على الأول. و"من الخلاء" و "بيمينه" يتعلّقان بـ "يتمسح"، و "الباء" للإلصاق، و "من" لابتداء الغاية، و "في" للظرفية. وتقدّم القول على "من" في العاشر من أوّل الكتاب، و "الباء" تقدمت في الحديث قبل هذا، وفي الرابع من أول الكتاب. ومعنى النهي عن الإلصاق هنا في "الباء": أن لا يجعلها آلة المسح ولا ملتصقة بآلة المسح. ومعنى البيان: دخول الجنس تحتها، وتقدّر بـ "الذي". ومعنى النهي عن التنفس عند بعضهم: الطب (٢)، حتى قيل: إنّ رجلًا نهش بأسنانه قطعة لحم وطرحها لكَلب فأكلها الكلب فمات من حينه؛ لأنّ في أسنان الإنسان [سُمًّا] (٣) يؤذي غير صاحبه.

стр. 151

الحديث السّادس [١٦]: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" فأخذ جريدة رطبة، فقسمها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (١). الإعراب: قوله: "بقبرين": يتعلق بـ "مرَّ"، و "مَرَّ" وما بعده معمُول للفعل. وجملة " ﷺ " لا محلّ لها من الإعراب. وقوله: "فقال": معطوفٌ على "مر"، أو على محذوف؛ أي: "فوقف، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير". قوله: "إنهما": الضّمير يعود على: "صاحبي القبرين" عند إشارته إليهما ووقوفه عليهما. وكُسرت "إنّ"؛ لأنها في ابتداء الكلام، وإن قَدَّرت قَسَمًا أعربتها جَوابًا له. قوله: "في كبير": يتعلق بـ "يُعَذَّبَانِ" الثاني، و "يُعذبان" المنفي والمثبت مبنيان لما لم يُسَمَّ فاعله، وعلامة الرفع فيهما "النون"؛ لأنّه اتصل بها ضمير [تثنية] (٢). و"اللام" في "ليعذبان" الداخلة في خبر "إنّ" -وهي "لام" الابتداء- تأخّرت، وحقّها أن تتقدّم على "إنّ"؛ لأنه لا يجتمع حرفا معنى لمعنىً واحد إلا بفاصل، ولما كانت "إنّ" للتأكيد و "اللام" للتأكيد قُدّمت "إن"؛ لأنها عاملة، وأخّرت "اللام"؛ لأنها غير عاملة (٣).

стр. 152

وقد جاء الجمعُ بينهما في قول الشاعر: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لهَنَّكِ من بَرْقِ عليَّ كَريمُ (١) وهذه "اللام" لا تدخُل على شيء من أخوات "إنّ" لمعنيين، أحدهما: أنّ "إنّ" تكون جوابًا للقَسَم، و "اللام" كذلك، فاحتاجوا إلى الجمع بينهما، بخلاف أخوات "إن"؛ فإنها لا يكون منها شيء جَوابًا للقَسَم، ويسمّي النحويون هذه "اللام": "المزحلقة"، و" [المزحلفة] (٢) "، بمَعنى أنها أخّرت عن محلّها وزُحلقت عنه (٣). قوله: "وما يُعذّبان في كبير": قال ابنُ مالك: "في" هنا للتعليل، أي "لأجْل كبير" (٤). قوله: "أما أحدهما": الأصلُ في "أمّا" (٥) هذه التي للتفصيل: "مهما يكن من شيء فأحدهما لا يستتر من البول"، فحذفوا الفعل الذي هو "يكن"، ثم عوضوا بين "أمّا" وبين "الفاء" جُزءًا مما دخلت عليه "الفاء" وحصلت فيه قبل حذف الفعل،

стр. 153

وذلك هنا: "أحدهما"؛ لأنه جزء جوابها حين قُلت: "مهما يكن من شيء فأحدهما لا يستتر"، فالجزء الأوّل "أحدهما" والثاني: "لا يستتر من البول". فتقديم المبتدأ بعد "أمّا" إنما فُعِلَ ليكون عوضًا عن "يكن" المحذوفة مع متعلّقها. وتأخير "الفاء" في الخبر كراهية أن تلي "الفاء": "أمّا"؛ فإنها شرط، والشّرطُ لا يليه جزاؤه. وسواء كان المتقدّم من خبر جوابها مرفوعًا -كقولك: "مهما يكن من شيء فزيد مُنطلق"، فتقول: "أمّا زيد فمُنطلق"- أو منصوبًا، نحو: "أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق"، أي: "مهما يكن من شيء فزيد منطلق يوم الجمعة". (١) قال أبو حيان: "أمّا" عبر بأنها حَرف تفصيل، وجعلها بعضهم حرف إخبار. وبنو تميم يُبْدلون "الميم" الأولى "ياء"؛ فيقولون: "أَيْمَا". ومما فصل به بينها وبين "الفاء" قولهم: "أما بعد فزيد ذاهب"، على أن "بعد" معمول بـ "ذاهب"، وفاقًا لسيبويه وأبي عثمان، خلافا للمُبَرِّدِ وابن دَرَسْتَوَيْهِ. ولا يُفصل بمعمول خبر "ليت" ولا "لعل"، نحو: "أما بعد فليت -أو: فلعل- زيدًا ذاهب" (٢). انتهى من "المجيد". وجعل الفاكهاني "أمّا" من قولهم: "أمّا أنت منطلقًا انطلقت" بمعنى "كان"؛ لأنها اقتضت اسمًا وخبرًا (٣)، وإنما ذلك و "كان" المحذوفة؛ لأنّ أصل الكلام: "لأجل

стр. 154

أنْ كنت منطلقًا انطلقتُ". قوله: "فأما أحدهما" مبتدأ، وجوابُ الشرط: "فكان يمشي". و"من البول" يتعلق بـ "يستتر". ويحتمل أن تكُون "مِن" للتعليل، كقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]. (١) [وعلى] (٢) رواية "يستبرئ" - وهو التنظيف [بكوني] (٣)، وكذلك على رواية: "يستنزه". (٤) وتقدّم القَول في معاني "مِنْ" في العَاشر مِن أوّل الكتاب. وقوله: "يمشي بالنميمة": حرفُ الجر يحتمل أن يتعلق بـ "يمشي" الذي هو بمعنى "يوشي [بها] (٥) "، ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "يمشي نامًّا"، أي "مُتلبسًا بها"؛ فتكون "الباء" للمُصاحبة. قوله: "فأخَذ جريدة": "أخَذ" بمعنى "تناول"، و "الإخذ" بالكسر الاسم، والأمر: "خُذْ"، أصله: "اُأْخُذ"، وكذلك: "كُل" أصله: "اُأْكُل"، ومثله: "مر" أصله: "اُأْمُر"، غير أنهم استثقلوا الهمزتين فحذفوهما تخفيفًا. وقياسه أن تبدل همزته "ياء"؛

стр. 155

فتقول: "ايتخذ"، "ايتمر". (١) واختلف في مادته على ثلاثة أقوال: فقيل: من "أَخَذَ". وقيل: من "وَخَذَ". وقيل: من "تَخَذَ". (٢) ويتعدى "أخذ" لواحد، كقوله: "اتخذتُ بيتًا"، والاثنين بمعنى "صَيَّر"، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. (٣) وجاءت "أخذ" بمَعنى "طفق" و "جَعل" و "كرب"، فتكون لدنو الخبر آخذًا فيه، فيحتاج إلى اسم وخبر، ويكون خبرها فعلًا، كقولك: "أخذ زيد يفعل كذا" (٤). قوله: "فقسمها نصفين": وجاء: "فقسمها بنصفين" على أنّ "الباء" زائدة في الحال، والحال هنا مُقدّرة، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] (٥)، وعند الدخول لا يكونون "محلقين"، كما أن "العصا" عند شقها لا تكون "نصفين". قوله: "واحدة": مفعول "غَرَز". و"كُلّ" قال فيها أبو حيان: إنها للعُموم، وهي اسم جمع لازم للإضافة، إلا أنّ

стр. 156

ما أضيفت إليه يجوز حذفه وهو منوي، نحو: "مررت بكلٌّ قائمًا" (١). قال ابن مالك: إلا أن تقع توكيدًا، نحو: "مررتُ بهم كلهم"، أو نعتًا، نحو: "هذا الرجل كُل الرجل"؛ فلا يحذف المضاف إليه. وأجاز الفراء والزمخشري حذفه إذا كان توكيدًا، كقراءة من قرأ: "إنا كُلًّا فيها" (٢). (٣) وإذا حذف المضاف إليه عوض منه التنوين. وقيل: هو تنوين صرف. وإذا كان المضاف إليه المحذوف معرفة بقيت "كُلّ" على تعريفها؛ فيجئ منها الحال، نحو: "مررت بكلٍّ قائمًا"؛ لأنّ المضَافَ إليه منوي. (٤) ولا تعرّف بـ "اللام" عند الأكثرين، خلافًا للأخفش والفارسي، فلا تقول: "الكُل"، ولهذا كان قول بعضهم: "الكُل" و "البعض" تسامحًا في العبارة. (٥) وشذ انتصابه حالًا، نحو: "مررت بهم كلا"؛ أي: "جميعًا". (٦) والأصل فيه أن يتبع توكيدًا، نحو: "مررت بهم كلهم". (٧) ويستعمل مبتدأ، نحو: "كلهم قائم" (٨)، وهو أحسَن من استعماله فاعلًا،

стр. 157

نحو قوله: تميد إذا مادت عليه دلاؤهم ... فتصدر عنها كلها وهو ناهل (١) أو مفعولًا به، نحو: "كليهما وتمرًا"؛ أي: "أعطني كليهما"، وليس ذلك بمقصُور على السماع، ولا مختصًّا بالشعر، خلافًا لزاعمه. (٢) وإذا أضيف إلى نكرة أو مُعرّف بـ "ال" حَسُن أن يلي العوامل اللفظية، نحو: "قام كُل رجل" و "قام كُل الرجال". وإذا أضيف إلى نكرة اعتبر المضاف إليه [مُرادًا] (٣) فيما لَه من خبر [وغيره] (٤)، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] على الأكثر. (٥) وإلى معرفة: فوجهان: اعتبار "كُل" فالإفراد، واعتبار المضاف إليه فبحسَبه، والأفصح الإفراد؛ فتقول: "كلهم ذاهب"، و "كُلهم ذاهبون". وإن حذف المضاف إليه: فعلى ما ذكر من كونه في الأصل نكرة أو معرفة، وقد يحسُن الإفراد (٦).

стр. 158

وسيأتي بقية مِن أحكامها في الثّاني من "صفة الصّلاة"، وتقدّمت في أوّل حديثٍ من الكتاب. وقوله هنا: "على كُل قبر واحدة": ولم يقل: "على قبر واحدة، وعلى قبر واحدة"؛ لأن الأوّل أخصر، مع ما أفادته "كُل" من عموم أجزاء كُل قبر، والمراد: "على كل قبر منهما"، لا عُموم القبور، بدليل السياق، ويتعلق "منهما" بصفة "القبر". وحذفُ الصفة كثير (١)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، أي: ["أي مَعاد"] (٢)، وقوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، أي: "بالحق البين"، وإلا لكان قولهم كفرًا. (٣) و"واحدة" حُذف موصوفها، أي: "شقة واحدة"؛ لأنّ الموصوف معلوم من نفس الصفة. وسيأتي القول على المواضع التي يحذف فيها الموصوف (٤) في التاسع من "باب صفة الصلاة". قوله: "فقالوا: يا رسول الله لم فعلت": معطوفٌ على ما قبله، و "الفاء" هنا للسببية. ولها ثلاثة أقسام: العطف والسببية، وذلك إذا عطف بها على جملة في الغالب، نحو: "سها فسَجَد"، و "زنا ماعز فرُجِم". وقد لا تفيد، نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ

стр. 159

فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. الثاني: تكون فيه مجرّدة للسببية، وذلك إذا وقعت جوابًا للشرط، لا يكون فيها معنى العطف. المعنى الثالث: تكون فيه مجرّدة للعطف، وذلك إذا عطفت بها مُفردًا على مفرد، نحو: "قام زيد فعمرو". (١) وقوله: "لم فعلت": "لم" جَار ومجرور، المجرور "ما" الاستفهامية، ويجب حذف ألِفها إذا جُرَّتْ، وتبقى الفتحة لتدلّ عليها، وإنما فعل ذلك للفرق بين الاستفهام والخبر (٢)، ولذلك حذفت في قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وثبتت في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ [النور: ١٤]، فـ "ما" الأولى استفهامية، والثانية موصولة خبرية. وقرأ عيسى: "عما يتساءلون" (٣). (٤) قال ابنُ مالك: وفي الحديث "بما أهْلَلْت" (٥)، وهو قليل (٦). وهذا حكمها ما لم يتصل بها "ذا" من أسماء الإشارة. فإن اتصل بها "ذا" وَجَب

стр. 160

رد "الألِف" (١). قال ابن هشام: ورَدّ الكِسائي قول المفسرين في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧] أنها استفهامية، وإنما هي مصدرية (٢). قال: والعَجَب من الزمخشري، إذ جوَّز كونها استفهامية في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦]، ورَدّ على مَن قال بذلك في: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ [يس: ٢٧] (٣). وحرف الجر في "بِمَ" يتعلّق بالفعل بعده؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما عملت اللام للصوقها بالكلمة واختلاطها بها؛ ولذلك تكتب متصلة. و"هَذا": منصوبٌ بـ "فعلت"، وبُني لأنه من الأسماء المبهمة المفتقرة إلى مُشَار إليه. وقوله: "لَعَلَّهُ": "لعل" واسمها، وهي حرف تَرَجٍ. وهي وأخواتها تنصب الاسم وترفع الخبر (٤). وفيها لُغَات (٥). وقد نصبت جوابها حملا على "ليت" في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات: ٥٥] بالنصب (٦)، وجاء الجر (٧) في قول الشاعر:

стр. 161

فَقلتُ ادْع أُخْرَى وارْفَع الصَّوْت ... مَرّة لَعَلّ أَبي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ (١) وقد جاء النصب بها في جزأيها، نحو: "لعلّ أباك منطلقًا"، وتؤوِّل على حَذف فِعْل، أي: "يوجَد مُنطلقًا" أو "يكُون منطلقًا". (٢) وأجابوا عن الأوّل بأنه مجرور بـ" لام" الجر المحذوفة؛ أي: "لعلّ لأبي المغوار"، وقيل غير ذلك. (٣) وفيها لُغات: "لَعَلَّ"، "عَنّ"، "لَعَنَّ"، "لَغَنَّ"، "لَأَنَّ" (٤). ويأتي القول عليها في أوّل حديث من "باب العِدَد"، وفي الحديث الثاني من "الوصايا" بزيادة على هذا. وقوله: "يُخَفَّفُ": فعلُ مُضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله، و "عنهما" متعلّق به، ويجوز فيه النّصب بتقدير "أَنْ" (٥)، كما جَاء في قول الشّاعر: أَلَا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... ... ... ... ... ... ... ... ... . (٦) أي: "عن أنْ أحضر الوغى". والمفعولُ الذي لم يُسَمّ فاعله: ضميرُ "العذاب" المفهُوم من الفعل.

стр. 162

ولو رُوي: [يُخَفِّف] (١) ببنائه للفَاعِل، أي: "يُخفِّف الله" [ما] (٢) صحَّ، أو: "يُخفِّف غَرْزُ الجريدتين عنهما". قوله: "ما لم ييبسا": "ما" ظرفية مصدرية، [أي] (٣): "مُدّة دوام [رطوبتها] (٤) "؛ فحذف الظرف، وخلفه "ما" وصلتها، كما جاء في المصدر الصريح في قولهم: "جئتك صلاة العصر"، و "آتيك قدومَ الحاج". ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] (٥). وأجاز الزمخشري (٦) أن تكُون "ما" بدلًا من "الإصلاح" أي: المقدار الذي استطعته، أو يكون مفعولا بـ "الإصلاح"، كقوله: ضَعِيفُ النِّكايِة [أَعْدَاءَهُ] (٧) ... ... ... ... ... ... ... ... ... . (٨) إذا ثبت ذلك: فقوله: "لم ييبسا" في محلّ جرٍّ؛ لأنّ التقدير كما تقدّم: "مُدّة دوام رطوبتها". فلو جاء الكلام: "لعله يخفّف عنهما ما ييبسا" لم يصحّ المعنى؛ لأنّ التأقيت

стр. 163

يصير مُقدّرًا بمُدة اليبس، وليس هو المراد؛ لأنّ سر ذلك [تسبيحهما] (١) ما دامتا [رطبتين] (٢). باب السواك الحديث الأوّل [١٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ". "السّواك": ينطلق على العُود الذي يُستاك به، وعلى الفعْل. وهو مُذكّر. وقيل: يُذكّر وُيؤنث. والصّحيح الأوّل. ويُقال: "ساك فمه". فإن قُلت: "استاك" لم تذكُر "الفم". ويجمع "السّواك" على "سُوُك" بضمتين، كَ "كِتاب" و "كُتُب". وحُكي فيه: "سؤك" بالهمز (٣). "لولا": حرفُ امتناع لوجود، ويلزم بعدها المبتدأ. وتكون حرف تحضيض؛ ويلزم بعدها الفعل المضارع، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]. وتكون للتوبيخ؛ فتختصّ بالماضي، نحو: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]. ومنه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦]، إلا أنّ الفعل أُخِّر.

стр. 164

وذكر الهروي فيها الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]. وقال الهروي: وتكُون نافية بمنزلة "لم"، وجَعَل منه قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] (١). إذا ثبت ذلك: فـ "لولا" هنا الامتناعية، ويجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها. قال ابن مالك: وعلى هذا [اتفاق] (٢) أكثر النحويين، إلا الرماني و [ابن] (٣) الشّجري. قال: وقد يُسر لي في هذه المسألة زيادة، فأقول وبالله أستعين: إنّ المبتدأ المذكور بعد "لولا" على ثلاثة أضرب: - مخبر عنه بكون غير مُقيد. مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه عند حذفه. ومخبر [عنه] (٤) بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه. فالأول: "لولا زيد [لزارنا] (٥) عمرو"، فمثل هذا يلزم حذف خبره؛ لأن المعنى: "لولا زيد على كل حال من أحواله لزارنا عمرو"، فلم تكن حالٌ من أحواله أوْلى بالذّكر من غيرها، فلزم الحذف لذلك. ولما في الجملة من الاستطالة

стр. 165

[المحوجة] (١) إلى الاختصار. الثاني: وهو [المخبر] (٢) عنه بكون مقيّد ولا يدرى معناه إلا بذكره، نحو: "لولا زيد غائب لم أزرك"، فخبر هذا النوع واجب الثبوت؛ لأنّ معناه [يجهل] (٣) عند حَذفه. (٤) ومنه: قول النبي ﷺ : "لَولا قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بكُفْر" (٥) أو "حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ" (٦)، فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظنّ أنّ المراد: "لولا قومك على كُلّ حَال من أحوالهم لنقضت الكعبة"، وهو خلاف المقصود؛ لأنّ من أحوالهم بُعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة وبنائها على الوجه المذكور (٧)، ومن هذا النوع قال عبد الرحمن بن الحارث لأبي هريرة: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ" (٨). الثالث: وهو [المخبر] (٩) عنه بكَون مُقيّد يُدرَك معناه عند حذفه، كقولك: "لولا أخو زيد ينصره لغلب"، و "لولا صاحب عمرو يعينه لعجز"، فهذه الأمثلة وأمثالها يجوز فيها إثبات الخبر وحَذفه.

стр. 166

ومن هذا النوع قول أبي العلاء المعري: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... فلولا الغِمْدُ يُمْسِكُه لَسالا (١) وقد خَطّأه بعض النحويين، وهو بالخطأ أوْلى، انتهى. (٢) قلتُ: فيكون قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" من القسم الأوّل، ويحتاج إلى تقدير، والتقدير: "لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب"، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. و"اللام" جوابُ لولا (٣). قالوا: ويجب حذفُ الخبر في ثلاثة مواضع (٤) أخرى: - أحدها: "ضربي زيدًا قائمًا"، و "كل رجل وضيعته"، أي: "وضيعته مقرونان"، و "لعَمرك لأفعلن". وحرفُ الجر في قوله: "بالسواك" يتعلق بـ "أمرتهم". و"أمر" يتعدّى تارة بنفسه إلى واحد، وإلى الثاني بحرف الجر، ويجوز حذف الحرف.

стр. 167

والأمر من "أمر": "مُر"، بحذف فائه، وإثبات فائه قلمل، فإن تقدّمه "فاء" أو "واو" كان إثبات فائه أجوَد، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ [طه: ١٣٢]. (١) ويأتي تمام الكلام على "أمر" في الثّالث من "باب فضل الجماعة". و"عند": اسم [للحضور] (٢) الحسي، نحو: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠]، والمعنوي، نحو: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠]، وهي مثلثة "الفاء"، والكسر أجوَد، ولا تقع إلا ظرفًا أو مجرورة بـ "من"، وقول العامة: "ذهبت إلى عنده" لحن. (٣) قال ابنُ هشام في قول بعض المولدين: كل عند لك عندي ... لا يساوي نصف عندي (٤) قال الحريري: لحن (٥)، يعني: لأنّه خفض "عند" بغير "من". قال ابن هشام: وليس كذلك، بل كل كلمة ذكرت وُيراد بها لفظها [فسائغ] (٦) أن تتصرّف تصرف الأسماء، وأنْ تُعرب ويُحكى أصلها. (٧) قوله: "عند كُلّ صَلاة": تقدّم القول على "كُل" في السادس من "الاستطابة"،

стр. 168

ومتعلّق "عن" في الأحاديث قبله، و "باب" في "باب الاستطابة"، ونظير "أبو هريرة" من المركّبات في الثالث من أول الكتاب. [وتقدّم] (١) أنّ جملتي " ﷺ " و "﵁" لا محلّ لهما من الإعراب. والتقدير في "عن" الثانية [مخالفٌ] (٢) للتقدير في الأولى، كما تبين مرارًا أنّ التقدير: "رُوي عن أبي هريرة أنه رَوى عن النبي ﷺ ". الحديث الثاني: [١٨]: عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (٣). قوله: "إذا قام من الليل": "إذا" ظرف زمان مستقبل، وغلب مجيئها شرطًا، وهي لما تيقن أو رجح وجوده. ولا يُجزم بها إلا في الشّعر، خلافًا [للكوفيين] (٤). (٥) وتجيء للمفاجأة ظرف زمَان، خلافًا للمبرد، فإنها عنده ظرف مكان. وذهب الكوفيون إلى أنها حَرْف (٦). والعَاملُ فيها جوابها، عند الجمهور.

стр. 169

واعترض بأنه يجوز: "إذا قمت فعمرو قائم"، ولا يصح هنا أن يعمل فيها جوابها؛ لأنّ ما بعد "الفاء" لا يعمل فيما قبلها، وبوقوع "إذا" المفاجأة جوابًا لها، قال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]، ولا يعمل ما بعد "إذا" المفاجأة فيما قبلها. وقيل: العاملُ فيها ما يليها، وهذا يجري على القول بأنّ فعلها في محلّ جزم بها، أما إن كَان في محلّ جر فلا يعمل (١)، وقد تقدّم القول على ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. وتحتمل "إذا" هنا أن تكون لا شرط فيها؛ فلا تحتاج إلى جواب. ومتى جعلناها شرطية كان الجواب محذوفًا، ويكون "يشوص" دليلًا عليه، أي: "إذا [بلغ] (٢) من الليل يفعل ذلك". وقريبٌ من هذا التركيب قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، فقيل: "يستكبرون" اسم "إن"، و "كانوا" مُلغاة لا عمل لها. وقيل: "يستكبرون" خبر "كان"، والجملة من "كان" مع اسمها وخبرها خبر "إن"، وجوابُ "إذا" محذوف يدلّ عليه ما قبله (٣). و"من" في قوله: "من الليل" لابتداء الغاية. وقوله: "فاه": "الفم"، له حالتان: - إحداهما: أن يكون مفردًا؛ فيجب أن يكون بـ "الميم"، تقول: "هذا فم"،

стр. 170

و "رأيت فمًا"، و "مررت بفم". وأصله: "فوه" بسكون "الواو"، بدليل قولهم: "أفواه"، ولكنهم حذفوا منه "اللام" -وهي "الهاء"- حذفًا على غير قياس، فصار: "فُوْيمْ"، ثم أبدلوا من "الواو" ميمًا، وأعربوه بالحركات، فإذا أضافوا رجعوا بعينه -وهي "الواو"- إلى أصلها، فقالوا: "هذا فوك"، وقلبوها ألِفًا في النصب و "ياء" في الجر، فقالوا: "رأيت فاك"، و "نظرت إلى فيك" (١). ولا يجوز الجمع بين "الميم" والإضَافة إلا في ضرورة الشّعر، كقوله: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... يُصْبعُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ (٢) هذا قول جماعة، منهم أبو علي الفارسي (٣). وقال ابنُ مالك (٤): لا يختص بالشعر، واستدل بقوله ﷺ : "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ ... " (٥)، ولم يقُل: "فيّ الصّائم" (٦).

стр. 171

وجرى في هذا الحديث على الأصل المشهور، فأضاف "الفم" إلى الضمير، فقال: "يشوص فاه". وسيأتي في الثّاني من "باب الأذان"، وفي الثاني من "الوصايا" ذكر ذلك. وأما "فوَه" بتحريك "الواو" فهي: "سعة الفم"، تقول: "رجل أفوَه" و "امرأة فوهاء" (١). وسيأتي القول على معاني "عن" في الثّالث من "باب الصفوف". و"حُذيفة" لا ينصرف؛ [للعلمية] (٢) والتأنيث. و"اليمان": يُروى بإثبات "الياء" وحذفها، والمحدثون على حذفها (٣). وتقدم أنّ جملتي " ﷺ " و "﵁" جملتا اعتراض لا محلّ [لهما] (٤). و"قال" تقدّر معه "أنّ"؛ ليسوغ بناؤه للمفْعول الذي لم يُسَمّ فاعله.

стр. 172

الحديث الثّالث: [١٩]: عن عائشة ﵂ قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به؛ فأبَدّه النبي ﷺ بصره فأخذت السواك فقضمته فطيبته ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يديه أو إصبعيه ثم قال: "في الرفيق الأعلى ثلاثًا" ثم قضى، وكانت تقول: "مات بين حاقنتي وذاقنتي" (١). وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أن نعم" لفظ البخاري. ولمسلم نحوه (٢). الإعراب: جملة "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر" معمولة للقول. و"على النبي" يتعلق بـ "دخل"، والتقدير: "بيته" أو "في بيته". وأقسام "على" تأتي في الخامس من "الجنابة". وتقدّم القول في "دخل" في الرابع من "باب الاستطابة". قوله: "وأنا مُسندته إلى صدري": جملة في محلّ الحال من "النبي ﷺ ". والرابط من الجملة الضّمير. والعامل: "دخل". و "إلى صدري" يتعلق بـ "مُسندته". ويأتي القول على "إلى" في الثاني من "باب الوتر". قوله: " [مع] (٣) عبد الرحمن" بن أبي بكر "سِوَاك": مبتدأ وخبر، والمسوّغ تقدّم

стр. 173

الخبر في المجرور (١). وعند الكوفيين: المجرور يعمل مُطلقًا، وإن لم يعتمد. فيكون "سواك" فاعل بالمجرور على مذهبهم. ويأتي الكلام على "مع" في الحديث الأوّل من "باب المسح على الخفين"، وفي الثامن من "صفة صلاة النبي ﷺ ". والجملة من المبتدأ والخبر في محلّ حَال من "عبد الرحمن". فإن قلت: وأين العائد من الجملة على صاحب الحال؟ فالجواب: أنّ تكرار اسم صاحب الحال يقوم مقَام ضميره (٢). ثم إنّ الجملة الاسمية قد تجيء بـ "الواو" وحدها، كقوله تعالى ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤]، وقد تجيء بهما، كقوله تعالى: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقد تجيء بالضّمير وحده، كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: "متعادين" (٣). قوله ["رطب"] (٤): صفة و "سواك".

стр. 174

و "سِوَاك" تقدّم أنه يجمع على "أسوك" و "سُوُك" (١). وجملة: "يستن به": في محلّ صفة و "سواك" أيضًا. و"الاستنان": إمرار الشيء الذي فيه حروشة على شيء آخر. ومنه "المسنّ" الذي يُسَنّ عليه الحديد، يريد: "أنه يدلّك به أسنانه" (٢). قوله: "فأبدّه النبي ﷺ بصره": "أبدّه" فعل ومفعول، والفاعل: "النبي". وهو بتخفيف "الباء" وتشديد "الدال"، قيل: بمعنى "طول نظره"، وعلى هذا يتعدى لواحد، ويكون المعنى: "طول إليه بصره"، ثم حذف حرف الجر، وعدّي الفعل إلى الضمير. ويحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا، و "أبدّه" بمعنى "أتبعه" (٣)، و "أتبع" يتعدّى لاثنين بالهمزة، كقولك: "أتبعت زيدًا عمرًا"، قال تعالى: "وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ" (٤). (٥) قالت: "فأخذت السواك، فقضمته، وطيّبته، ثم دفعته": كلها معطوفات. وأتى

стр. 175

بـ "ثم" المقتضية للمُهلة في "دفعته للنبي ﷺ " لأنه معطوف على "أخذته"، ولما كان من أخذها له ودفعه إلى النبي ﷺ مُهلة القضم والتطييب رتبت بـ "ثم" (١). و"إلى النبي": يتعلّق بـ "دفع". و"القضم": "القطعُ بأطراف الأسنان" (٢). والمعنى: "أنها طيّبته بأسنانها، وليّنته". وقوله: "فاستن" معطوفٌ على محذوف، أي: "فأخذه فاستن". قولها: "فما رأيتُ النبي ﷺ استن": "ما" نافية، والرؤية بصرية، وجملة "استن" في محلّ حال، أي: "مستنًا". ويحتمل أن تكون الرّؤية بمعنى العِلم؛ فتكون جملة "استن" في محلّ المفعول الثاني. وهو أحسَن (٣). و"استنانًا": مصدر "استنّ". و "أحسن منه": صفته. و"أحسَن": "أفعل" التفضيل، لا يُثنّى، ولا يجمَع (٤). قوله: "فما عَدَا": "مَا" نافية، و "عَدا" هنا بمعنى "جاوز" (٥) ْ وليست "عَدَا" أخت "خَلا"؛ فهما بمعنى: "فما جاوز أنْ فرغ رسول الله ﷺ

стр. 176

من استنانه". قال في "الصّحاح": يُقال: "عَدَاه"، أي: "جَاوَزه". يُقال: "ما عَدَا فلان [أنْ صَنَع كذا] (١) " و "ما لي عن فلان مَعْدًى"، أي: "لا تجاوز [لي] (٢) إلى غيره" (٣). إذا ثبت ذلك: فقوله: "أن فرغ" في محلّ مفعول بـ "عَدَا"، أي: "فما عدا هو - أي: الاستياك- فَراغَ رسول الله ﷺ "؛ فـ "الاستياك" فاعل، و "أن فرغ" مفعول به. ويكون "رَفَع يديه" بدَل من "فرغ"، بَدل شيء من شيء؛ لأنه يرجع إليه في المعنى، أي: "فما جاوز الاستياك رَفع يديه قوله: في الرفيق الأعلى" (٤). ويجوز فيه وَجْه آخر، وهو أن يكون فاعل "عَدَا" [ضمير عائد] (٥) على "النبي ﷺ "، و "أنْ فرغ" بَدَل من ضمير النبي ﷺ ، بدل اشتمال، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، (٦)، ويكون "رفع يديه" مفعولًا بـ "عَدَا"، على تقدير "أن"، كما تقدّم في الوجه الثاني. وقد جاء حذف "أن" كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الشورى: ٣٢] أي: "أن يُريكم"، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ (٧) [البقرة: ٨٣]، أي: " [بأن] (٨) لا تعبدوا". وكذا:

стр. 177

ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الْوَغَى ... ... ... ... ... ... ... ... ... . (١) أي: " [عن] (٢) أنْ أحضر" (٣). وقوله: "أو [إصبعيه] (٤) ": "أو" للشّك من الرّاوي. ولها مَعَان انتهت إلى اثني عشر، أحدها: الشّك، كقوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. الثاني: الإبهام، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن هشام (٥): الشاهد [في] (٦) "أو" الأولى. الثالث: التخيير، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يمتنع به الجمع، نحو: "تزوج هندًا أو أختها". الرابع: الإباحة، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه الجمع، نحو: "جالس العُلماء أو الزهّاد"، و "تعلّم الفقه أو النحو".

стр. 178

الخامس: الجمع المطلَق، كـ "الواو"، قاله الكوفيون. السادس: الإضراب، [كـ "بل"]، (١). وعن سيبويه إجازة ذلك بشرطين: تقدّم نفي أو نهي، وإعادة العامل، نحو: "ما قام زيد أو ما قام عمرو"، و "لا يقم زيد أو لا يقم عمرو" (٢). السابع: التقسيم، نحو: "الكلمة اسم أو فعل أو حرف"، ذكره ابن [مالك (٣)، وعبّر عنه] (٤) بالتفصيل. الثامن: تكون بمَعنى "إلّا" في الاستثناء، وهذه تنصب المضارع بعدها [بإضمار] (٥) "أنْ"، كقولهم: "لأقتلنه أو يُسلم". التاسع: تكون بمعنى "إلى"، فتنصب المضارع أيضًا، نحو: "لألزمنك أو تقضيني حقّي". العاشر: التقريب، نحو: "ما أدري أسلّم أو ودعّ". الحادي عشر: الشرطية، نحو: "لأضربنه عاش أو مات". الثاني عشر: التبعيض، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥]، نقله ابن الشّجري (٦) عن بعض الكوفيين، انظر "المغني" لابن هشام (٧).

стр. 179

فـ "أو" هنا في الحديث للشّك من الراوي، أو من "عائشة" ﵂. فائدة: إذا قلت: "أزيد عندك أو عمرو" حمل على أنّ السائل لم يثبت عنده أن أحدهما المسئول عنه؛ فيكون جوابه: "لا" أو "نعم". فلو قال: "أزيد عندك أم عمرو" حمل على أنّ السائل علم أنّ أحدهما عند المسئول، ولكنه جهل تعيينه؛ فجوابه: "زيد" أو "عمرو"، ولا يجاب بـ" لا" و "نعم". فـ "أم" للتعيين، بخلاف "أو". ويدلّ على ذلك جواز قولهم: "رأيت زيدًا أو عمرًا" وامتناع "رأيتُ زيدًا أم عمرا". (١) ***** قوله: "في الرفيق الأعلى": حرْفُ الجر يتعلّق بمحْذوف، أي: "أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى"، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أخرى (٢). و"الأعلى": "أفعَل" من "علا". ويحتمل أن يكون مذكر "فُعلى". وُيراد بـ"الرفيق": "الجماعة العليا" (٣). وقد جرى مثل هذا في "الفردوس الأعلى".

стр. 180

وقيل: مؤنثة؛ لتأنيث صفتها، إن قيل: "فُعلى". وقيل: وزنه "أفعل"؛ فلا يدل على التأنيث. ومتى قلنا: "الرفيق" هو اسم من أسماء الله تعالى تعين التذكير، ولا يكون له مفهوم، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون قتلهم بحَق. (١) قال الشيخ تقيّ الدّين: يحتمل أن يُراد بـ "الرفيق": "الأعلى" وغيره. ثُم ذلك على وجهين: - أحدهما: أن يختص [الفريقين] (٢) معًا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم مُفرّقة؛ فيكون ﷺ طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق، وإن كانوا كلهم سعداء مرضيون. (٣) قلتُ: فعلى هذا يكون المراد بـ "الرفيق": "المتصفين بالسعادة في الآخرة"، ثم طلب أعلى مراتبهم. الثاني: أن يُطلق "الرفيق" بالمعنى الوضعي الذي يعم كُلّ رفيق، ثم يخصّ منه "الأعلى" بالطلب [وهو مُطلَق] (٤) "المرضيين"، ويكون "الأعلى" بمعنى "العالي"، ويخرج عنهم غيرهم، وإن كان اسم "الرفيق" مُنطلقًا عليهم. (٥)
следующие страницы →