← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

يُروَى برَفْع "أوّل" ونصبه. (١) ويحتمل أنْ تعمَل فيه "يَخُبُّ"، والتقْدير: "إذا استَلَم الرّكْن يَخُبُّ أَوّل مَا يَطُوف"، ويدخله التنازع إنْ قُلنا به فيما تَأخّر مِن العَوامِل عَن المعْمُول، وقد تقَدّم اختلافهم في ذَلك، وتقَدَّم الكَلامُ في الظّرْفَين يعْمَل فيهما عَامِلٌ واحِد في العَاشِر مِن "الصّلاة"، وسيأتي في البَاب بعْد هَذا. و"ثلاثة" مصْدَر، و"أشْوَاط" مُضَافٌ إليه. وقد تقَدّم الكَلامُ على "أوّل" في الحديثِ الأوّل مِن الكتاب. الحدِيث السّابِع: [٢٢٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ". قوله: "في حَجّة الوَدَاع": يتعلّق بـ "طَافَ"، وهو مُقَدّر بظَرْف، أي: "في زَمَن الحَج"؛ لأنّ "الحَج" مَصْدَر، لا يكُونُ محلًّا للفِعْل، أو يُقَدَّر: "في مَقْدم حَجّة الوَدَاع". و"الوَدَاع": اسمٌ للتَوديع، بفَتْح "الواو". (٢) قوله: "على بَعِير": مُتعَلّق بحَال مِن "النبي ﷺ "، أي: "رَاكِبًا على بَعِير". وجملة "يَسْتَلِم" حَالٌ أخْرَى، إذا قُلنَا بتَعَدّد الحَال، أو تَكُون حَالًا مِن الضّمير في الحَال؛ فيكُون حَالًا مُتدَاخِلَة. و"الاستِلامُ": [قيل] (١): هُو مُشتَقٌّ مِن "السِّلام "- التي هِي "الحِجَارة" -

стр. 1157

بكسْر "السّين"، ولمّا كَان مَاسًّا للحَجَر قِيل لَه: "استِلام". وقيل: مِن "السَّلَام" بفَتْح "السّين"، فإنّ ذَلك الفِعْل [سَلَامٌ على الحَجَر. وقيل: أصْلُه مهْمُوز، "استَلأم" مِن "المُلائَمَة"، التي هِي الموَافَقَة، كأنّه] (٢) مُوَافِقٌ على تعْظيم الحَجَر، وفي تعْظيمه تعْظِيم للشَّرْع. (٣) قَالَ بعضُهم: يُقال: ["استلأمت" فيه وَسَطًا] (٤)، كقَولهم: "شَأْمَل" و"شَمْأَل"، [وهُم] (٥) يقُولون في تصريفه: "شَمَلَتِ الرّيحُ"، "تَشْمُل"، فلا يَهمِزون. (٦) ويُقَال: "استلم الحَجَر"، إمّا باليَد أو بالقُبْلَة. وبعضُهم جَعَل "الاستلام" باليَد أو بواسِطَة، و"السّلَام" بالفَم، وهُو غَريبٌ. (٧)

стр. 1158

والألفُ واللام في "الرّكْن" للعَهْد، أي: "رُكْن الحَجَر الأسْوَد"، أو أرَادَ الجنْس، فقد قيل باستلام الأرْكَان كُلّها. والذي عَليه العَمَل، وثبَت مِن النّبي ﷺ : استلامُ الرُّكْنين اليَمَانيين. (١) قوله: "بمِحْجَن": "المحْجَن": " [عَصَا مُعَقَّفَة] (٢) الرّأسُ، كالصّوْلجَان"، و"الميم" زَائِدَة، ويُجْمَع على: "محَاجِن". (٣) و"البَاء" في "بمِحْجَن" مُتعَلِّق بـ "يَسْتَلِم"، وهِي للاسْتِعَانَة (٤). [الحديث الثامن: [٢٢٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ" (٥). الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ: الركن اليماني، والركن الشرقي الذي فيه الحجر الأَسود] (٦).

стр. 1159

بَاب التَّمَتّع الحدِيث الأَوّل: [٢٢٧]: عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ المُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتَهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثَتْهُ؛ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ " (١). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "أبو جمرة" بـ "الجيم" و"الرّاء" المهمَلَة. و"نصر" بـ "الصّاد" المهمَلَة. و"الضُّبَعي" بضَم "الضّاد" المعجَمَة، وفتح "الباء" ثاني الحروف، وبـ "العَين" المهْمَلَة. مُتفَقٌ عَليه. انتهى. (٢) وأمّا "التمتّع": فيُقال: "تمتّعتُ بكَذا" أو "استمتَعتُ به" بمَعنى، والاسمُ: "المتعَة"، ومنه: "مُتْعَة النِّكَاح" و"مُتْعَة الطّلَاق" و"مُتعَة الحَج"؛ لأنّه انتفَاع. (٣) قوله: "سَألتُ ابن عبّاس": تقَدّم الكَلامُ على "سَأل" وتعَدِّيه وتعليقه في الحديث الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلاة". و"عَن المتْعَة": يتعلّق بـ "سَألتُ". قوله: "فأمَرَني": "الفَاء" سَببية. و"أمرَني" فِعْل وفَاعِل ومفعُول، الفَاعِل "ضَميرُ [ابن عَبّاس] (٤) ". وتقَدّم الكَلامُ عَلى "أمَر" في أوّل حَديثٍ مِن "بَاب

стр. 1160

السِّواك". و"بهَا" يتعَلّق بـ "أمَر"، أي: "أمرَني بفِعْلِها". قوله: "وسَألتُه عَن الهَدْي": التقدير: "عَن وجُوب الهَدْي لأَجْل التمتّع". "الهَدْي": "مَا يُهْدَى للحَرَم مِن النَّعَم"، ويُقَال: "هَدِيٌّ" على "فَعِيل"، وقُرئ بهما في قَوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الواحِدة: "هَدْيَة" و"هَدِيّة". (٢٥٣٠) قوله: "فقَالَ": يعني: "ابن عَبّاس". "فيها جَزُور": الضّميرُ يعُود على" المتعَة". ويُروَى: "فِيهِ جَزُورٌ" (٢٥٣١)، أي: "في التّمَتُّع" (٢٥٣٢). قوله: "جَزُور": مُبتَدأ، والخبرُ في قَوله: "فيه" (٢٥٣٣)، وبه يتعَلّق حَرف الجر، والتقدير: "جزور واجبَة فيه". ويجُوز أنْ تكُون فَاعِلًا، أي: "يجب فيها جَزُور".

стр. 1161

و"الجزور": مِن الإبل، يقَع على الذَّكَر والأنثى، وهي مُؤنثة، والجمعُ: "الجُزُر" (١). و"البقَرة": واحدة "البقَر"، يقَع على الذّكَر والأنثى، وإنما دَخَلته "الهاء" على أنّه واحِدٌ من جنس، والجمعُ: "البَقَرَات". و"البَاقِرُ": "جماعةُ البقر مَع رعاتِهَا". و"البَيْقُور" [يقَع على الذّكَر والأنثى] (٢)، وأهْلُ اليمَن يُسمّون "البقرة": "بَاقُورَة". (٣) ومنْه قَوله: سَلَعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ... عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ البَيْقُورَا (٤) وهَذا البيت قَال [عيسَى بن عُمَر] (٥): لا أدْري مَا مَعنَاه، ولا رأيتُ أحَدًا يعرفه. (٦) وقَال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سَنة الجَدْب عَقَدوا في أذناب البقر

стр. 1162

[وثَنَن] (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [عَراقبها] (٢) "السّلع" - بفتحتين - و"العُشَر" - بضمة وفتحة، وهما ضَرْبَان من الشّجَر - ثُم أوْقَدوا فيها النّار، وصَعَدوا بها الجبَال، ورفعُوا أصْوَاتهم بالدُّعَاء. ومعنى "عَالَت البيقور": أنّ السّنة أثقَلَت البقر بما حمّلتها من "السّلع" و"العُشَر". وفي هَذا البيت زيادة بالتأكيد ثلاث مرّات. (٣) قوله: "أو شَاة": تقَدّم ذِكْر "الشّاة" في الحديثِ السّادِس مِن "الزّكَاة". قوله: "أو شرك في دَم": هو بالرّفْع عطْف على مَا قبْله. و"الشّرْك" الاسم، ومنه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢]، أي: "اجْعَل له شركًا" (٤). و"في دَم" يتعلّق به،

стр. 1163

به، أو بصِفَة لـ "شرك". قوله: "وكَان نَاس [كَرهُوهَا] (١) ": "كَان" الناقِصَة، وخبرها مُقَدّر، أي: "وكَان مِن الصّحَابة نَاس"، "فكَرهُوهَا" جملة في محلّ حَال مِن "ناس". أو يكون "نَاس" اسم "كَان"، و"كرهوها" خبرها، على الخلاف في وقوع خبر "كان" مَاضيًا (٢). وجَاء الاسمُ نَكِرة؛ لأنّه جنس، كقوله: . . . . . . . . . . . ... يكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ (٣) ويحتمل أنْ تكُون [للنّكرة] (٤) صِفَة مُقَدّرة، أي: "وكَان نَاس مِن الصّحَابة كَرهُوها"، كما في قَوله تعَالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٥) [آل عمران: ١٥٤]، قيل: التقدير: "وطَائِفَة مِن غيركم"، مثْل: "السّمْن مِنْوَان بدِرْهَم"، أي: "منوان منه

стр. 1164

بدِرْهَم"، [فـ "منوان" مُبتدأ] (١)، ومُسَوّغه الصِّفَة المقَدّرَة. (٢) قوله: "فرَأيتُ في المنَام": معطُوفٌ على محذُوفٍ تقديره: "فوَجَدتُ في نفسي، فنِمْت، فرَأيتُ"، فـ "الفَاء" في قَوله "فنمتُ" عَاطِفَة لا سَببية فيها، و"الفَاء" في "فرأيتُ" فيها مَعنى السَّبَبية. والرّؤْيَة هُنا حِلْمّية، وقد تقَدّم الخِلافُ [فيها] (٣)، هَل هي عِلْميّة أو بَصَريّة، اختار ابن مَالِك (٤) أنّها عِلْميّة، وهَذا الحديثُ يَرُدّ عَليه؛ لأنّه أدْخَل عَليها "كأنّ" التشبيهية، وهي مخالِفَة لمعنَى العِلْميّة، فلو قُلتَ: "عَلِمْتُ زَيدًا كأنّه ضَاحِك" لم يجز؛ للمُنَافَاة التي بين العِلْم والتشبيه. فإنْ قَدّرتها بمَعنى "رَأى" البصَريّة صَحّ دُخُولها عَليها؛ لمُلَاءَمتِهَا لها؛ فيجُوز أنْ تقُول: "رَأيتُ زَيدًا كأنّه ضَاحِك"، أي: " [مُتشَبّهًا] (٥) به". فإنْ جَعَلتها بمَعْنى البَصَريّة: كَان التقديرُ في الحديث: "فرَأيتُ رُؤْيَا كَأنّ إنسَانًا"، وتكُون جملة "كَان" في محلّ الحَال. وإنْ جَعَلتَها العِلْميّة: فيحتمل أن يكُون "إنسانًا" مفعُولها الأوّل، وجملة "يُنادِي" المفْعُول الثّاني، و"كَأنّ" مُقْحَمَة لا عَمَلَ لها. ويحتمل أنْ تكُون "الكَاف" زَائِدة، وفُتِحَت "أنّ" لأجْل تقَدّم الرّؤيَة عَليها المقتَضيَة للعَمَل في اسمها وخبرها،

стр. 1165

فلمّا دَخَلت "الكَاف" عَليها دَخَلت مفتوحة فسَدّت مَسَدّ المفعُولَين، ولم تتعَلّق "الكَاف" بشيء لأنّها زَائدة. ويحتمل أنْ تكُون "كَأنّ" هُنا جَاءَت للتحقيق؛ فَلا [يتناقض] (١) العِلم، تقُول: "كَأنّ هَذا عندي" وأنتَ تريد أنّه عنْدك محقّقًا (٢). قوله: "حَجّ مَبرور": خبرُ مُبتدأ محذُوف، أي: "هَذا حَجّ مَبرور". ومَبرور نعْتٌ لـ "حَجّ". وجَعل "يُنَادِي" بمَعنى "يقُول"؛ فتكُون الجمْلَة معمُولة لما تضمّنته الجمْلَة مِن معنى القَوْل. قوله: "ومُتْعَة مُتقَبّلَة": [معطُوفٌ] (٣) عَليه. قوله: "فأتيتُ ابنَ عبّاس": الضّميرُ لـ "أبي جمرة". و"أتَى" يتعَدّى إلى واحِد، وهُو "ابن عبّاس". قوله: "فحَدّثتُه": معْطُوفٌ عليه. و"حَدّث" يتعَدّى إلى مفعُول بنفسه، وإلى الثّاني بحَرف الجَر، وقد تقَدّم الكَلام عَليها في الخامِس مِن "فضل الصّلَاة" (٤)، والثّاني هُنا محذُوفٌ، أي: "الرّؤيَا". "فقَالَ": أي: "ابن عبَّاس". "الله أكبر": هَذا الذِّكْر غَالبًا يُستَعْمَل عنْد التعجّب وتعْظيم المخْبر به؛ [لمناسبته] (٥) لذلك؛ لأنّ كُلّ مَا يحْدُث في الوجُود [فمِن] (٦) قُدْرَته وعَظَمَته وإحْدَاثِه

стр. 1166

سُبحانه وتعالى. (١) ويحتمل قَوله: "حَجٌّ مَبرور، ومُتْعَة مُتقبّلَة" أن يكُون [إعْلَامًا] (٢) مِن الله وبُشْرَى مِن الملَك، ويحتمل أنْ يَكُون دُعَاءً لَه بذَلِك. و"مَبرور": مفْعُولٌ مِن "بَرّ"، "يَبَرّ"، "بِرًّا"، فهو "بَارّ"، وذلك "مَبرور". يُقَال: "بَرِرْتُ والِدي" بالكَسْر "أَبَرُّه"، "بِرًّا"، فأنَا "بَرٌّ بِه" و"بَارّ". (٣) قَال في "الصّحَاح": تقُول: "بَرّ حَجّه" و"بَرّ الله حَجّه"، "بِرًّا" بالكَسر في هَذا كُلّه. (٤) يُريد: بكَسْر "البَاء" في مَصادر الثّلاثة. و"أبَرّ الله حَجَك" لُغَة في: "بَرّ الله حَجّك" (٥). قوله: "سُنّةُ أبِي القَاسِم": يجُوز فيه النّصْب، أي: "الزَمُوا سُنّةَ أبي القَاسِم"، ويجُوز الرّفْع، أي: "هَذه سُنّةُ أبي القَاسِم". وتقَدّم الكَلامُ على "السُّنَة"، وهي: "الطّريقَة"، يُقَال: "استَقَام فُلان على سَنَن واحِد". و"السُّنّة": "السِّيرة"، قَال الهذلي: فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها ... فَأَوّل رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (٦)

стр. 1167

و"السُّنّة: "ضَربٌ مِن تمْر المدينَة". (١) قَالَ الخَليل: ويُقَال: "سَنّ الشيءَ"، "صَوّرَه". و"المسنُون": "المصَوَّر". (٢) وذِكْرُ ابنُ عَبّاس النبيَ ﷺ بكُنيَتِه - بـ "أبي القَاسِم" دون اسْمه في هَذا المحلّ دَليلٌ على المسَرّة بالرّؤيَا الصَّالحَة مِن الرّجُل الصّالِح وتأكيدها لما اعتَقَده مِن فِعْله ﷺ . الحديث الثّاني: [٢٢٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ". فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ [حِينَ] (٣) قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلّمَ، فانْصَرَفَ، فأَتَى الصَّفَا، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ [أَطْوَافٍ] (٤)،

стр. 1168

ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ؛ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ [مِنْهُ] (١). وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ (٢). قوله: "تمتّع رسُولُ الله ﷺ ": جملة في محلّ معمُول القَول. و"في حَجّة" يتعلّق بـ "تمتّع". وعطف على "تمتّع": ["وأهْدَى] (٣). و"مَعَه" يتعَلّق بـ "سَاقَ"، وتقَدّم الكَلامُ على "مع" في [الأوّل] (٤) من "المسْح على الخفّين". و"سَاق": مُتعَد إلى مفعُول به، وهو "الهدْي". وأصْلُه: "سَوَق"، تحرّكت "الواو" وانفتَح ما قبلها؛ [فانقَلبت] (٥) ألِفًا. (٦) ويُقَال: "سَاقَ الماشية"، "يسُوقها"، "سَوْقًا" و"سِياقًا"، فهو "سائق"، و"سَوّاقٌ" شُدّد للمُبالَغَة. (٧) ولا يتعلّق "معه" بـ "أهْدَى"؛ لأنّ المعنَى يكُون: "أهْدَى مع نفسه هَدْيًا"، وأمّا في "السَّوْق" فصَحيح أنْ يَسُوقه مَعه.

стр. 1169

قوله: "مِن ذي الحُلَيفَة": "مِن" لابتداء الغَاية، وتتعلّق بـ "سَاقَ"، وتقَدّم الكَلامُ على "ذِي الحُليفَة". قوله: "وبَدأ رسُولُ الله ﷺ فَأهَلّ بالعُمْرَة": حرفُ الجر يصحّ أنْ يتعَلّق بـ "بَدَأ"، ويصحّ أنْ يتعَلّق بـ "أهَلّ". والمعنى على تعلّقه بـ "بَدَأ": أي: "بَدَأ بالعُمْرة فأهَلّ بها"، ولكن يُضعفه حَذْف الضّمير؛ لأنّه مَتى أعْمَل الأول أضْمَر الفَاعِل في الثّاني والمفعُول. و"بَدَأ" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحادِي عشر مِن "صِفَة الصّلاة". قوله: "فتمتّع النّاس مَع رَسُول الله (١) ": معطُوفٌ على مَا قبله. و"مع رسُول الله" يتعلّق بحَال مِن "رسُول الله"، أي: "حَاجّين مع رسُول الله"، أو يتعَلّق بـ "تمتّع". قوله: "بالعُمْرَة إلى الحَجّ": يحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعنى "مَع"، أي: "مَع الحَجّ"، كقَوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] (٢). ويحتمل أن تكُون "إلى" متعلّقة بحَال، أي: "مُضَافَة إلى الحَج"، وهَذا حَقيقة "القِرَان" (٣). ويحتمل أنْ يكُون معْنى "التمتّع": "التَوَصّل"، أي: "توَصّلوا بعَمل العُمرة إلى عَمَل الحَج"، وإنّما سُمّى تمتعًا مجَازًا (٤). . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1170

لأنّه أسْقَط عَن نفْسِه أحَد السَّفَرين. (١) قوله: "فكَان مِن النّاس مَن أهْدَى": "كَان" ترفَع الاسمَ وتنصب الخبر، اسمها: "مَن"، وهي مَوصُولة بمَعنى "الذي"، أي: "فكَان مِن النّاس الذي أهْدَى"؛ فـ "أهْدَى صِلَة "مَن"، والعَائد ضَمير الفَاعِل، وخَبرُ "كَان" في المجرور. و"مِن" في قَوله "مِن النّاس" للتبعيض، وكذلك: "ومِنهُم مَن لم يُهْدِ". وجَعَل بعضُهم هَذا ومَا كَان مثله مِن مُقتضيات الحصْر؛ لأنّ بالتقسيم يَنْحَصِر المقَسَّم. وفيه نَظَر. (٢) قوله: "فسَاقَ": معطُوفٌ على "أهْدَى"، و"مِن ذِي الحُليفَة" يتعلّق بـ "سَاقَ". قوله: "ومِنْهُم مَن لم يُهْدِ": "من" مُبتدأ، والخبر في المجرور، و"يُهْدِ" مجزوم بـ "لم"، وهو في مَوضِع الصِّلة، والعائدُ الفَاعِلُ المستتر في الفِعْل. قوله: "فَلمّا قَدم": "لمّا" حَرْفُ وجُوب لوجوب، أو ظَرْف (٣)؛ فيكُون "قَدم"

стр. 1171

في محلّ جَر بالإضَافَة. وجوابُ "لمّا": "قَالَ". و"للنّاس" يتعَلّق بـ "قَالَ". قوله: "مَن كَان مِنْكُم أهْدَى": "مَن" مُبتدأ، [مِن أدوات الشّرْط] (١)، وخبرهَا في فِعْلها على الخِلاف المتقَدّم. وجَوابُ الشّرط قوله: "فإنّه لا يَحِلُّ" مرفُوع؛ لأنّه خَبر "إنّ، لا جَوَاب "مَن". واسمُ "كَان": ضَمير "من"، وخَبرُها: "أهْدَى"، و"مِنْكُم" يتعَلّق بـ "أهْدَى". وتقَدّم الكَلامُ على "مَن" في الحديثِ العَاشر مِن أوّل الكتَاب. قوله: "مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي": "حَرُم" على وَزن "فَعُل"، مِن الأبنية اللازِمَة التي لا تتعَدّى إلى مفعُول (٢)، ففَاعِله ضَمير يعُود على "شيء" لأنّه في محلّ صِفَة، و"منه" يتعَلّق بـ "حَرُم". والضّمير في "منه" يعُود على "المحْرم"، أو على "شَيء". و"مِن" سَببية، أي: "حَرُم بسَببه"، أي: "بسَبَب إحْرَامه". و"مِن شَيء" سَببية أيضًا، أو بمَعنى "اللام"، [أي] (٣): "حَرُم فِعْله لأجْل إحْرامه"، كقَوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]، أي: "لأَجْل". (٤)

стр. 1172

[قَوله] (١): "حتّى": حَرْفُ غَايَة، نَاصبَة للفِعْل المضَارع بإضْمَار "أنْ" (٢). و"يَقْضِيَ" فِعْل مُضَارَع، عَلامَة النّصْب فيه آخره. وتقَدّم الكَلامُ على "حتّى" في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتَاب. قوله: "ومَن لم يَكُن": "مَن" شَرْطيّة، في محلّ رَفْع بالابتدَاء. ويحتمل أنْ تكُون موصُولة أُشربَت معنى الشّرط. و"لم" حرفُ جَزم، و"يكُن" فعْلُ مُضَارع مجزوم بـ "لم"، وعَلامة الجزم فيه سكون آخِره. والجمْلة في محلّ خبر "من"، أو في محلّ الصّلة. وجملة "أهْدَى" في محلّ خَبر كَان. قوله: "فليَطُف": "الفَاء" جَوابُ الشّرْط، و"اللام" لام الأمر، والفِعْلُ مجزومٌ بها. وتقَدّم الكَلامُ على "الفَاء" في السّادس مِن "الاستطابة"، و"لام الأمر" في الرّابع مِن الأوّل. قوله: "بالبيت": يتعلّق بـ "يَطُف". وتقَدّم أنّ الألِف واللام في "البيت" للغَلبة، كهي في "المدينة" و"العَقبة". (٣) و"البَاء" للإلصَاق، وقيل: للتبعيض. و"بالصّفَا" معْطُوفٌ عَليه، و"المرْوَة" مَعْطُوف عَليه. و"الصّفا" و"المروة": جَبَلا المسعَى. و"الصّفَا" في الأصل: جمعُ "صَفاة"، وهي

стр. 1173

الصّخرة، والحجَر الأمْلَس. (١) قوله: "وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ [بِالْحَجِّ] (٢)، وَلْيُهْد": معطُوفات مجزومَات بـ "لام الأمر". وجَاء: ["فليُهِلّ"] (٣) مَضْمُوم الأوّل، مِن "أهَلّ" مُدْغَم، و"ليَحْلِل" مفتُوحُ الأوّل، مُفَكّك الآخر، وجَاء التفكيكُ فيهما، والكُلّ جَائز. (٤) وعَلامَة الجزْم في قَوله "فليُهْد": حَذْفُ "اليَاء". قوله: "فمَن لم يجد هَدْيًا": تقَدّم الكَلامُ على "وَجَد" في الثّاني مِن "باب الاستطابة"، وهي هُنا بمعنى "يُصِب"، مِن قولهم: "وَجَدتُ الضّالة" (٥). و"هَدْيًا" مفعُولٌ بها. والجزْمُ بـ "لم" لا بـ "مَن". و"الفَاءُ" في قَوله: "فَليَصُم" جَوَابُ الشّرْط. و"اللام" لامُ الأمْر. و"ثَلاثَة أيّام": ظَرْفٌ للصّوْم، مفْعُول على السّعَة، والتقدير: "فليَصُم زَمَن ثلاثة أيام". ودَخَلَت "التاء" في "ثلاثة"؛ لأنها عَدَد مُذكّر، ويجُوز في الكَلام حَذفُ "التاء"

стр. 1174

إذا كان المميّز محذُوفًا، ومنه: "ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ" (١)، وحَكَى الكسائي: "صُمْنا مِن الشّهر خمسًا". (٢) قوله: "في الحَجّ": أي: "في زَمَن الحَجّ". ويحتمل أنْ يتعَلّق بحَال مُقدّرة، أي: "واجبات" أو "كائنات في الحَج". ويحتمل أنْ يتعَلّق بـ "يَصُم". قوله: "وسَبْعَة": يتوجّه في إعرابه النّصْب والجر، فالنّصْب بالعَطْف على "ثلاثة"، وهُو نظيرُ ما جَاء في الآيَة، ويجُوز فيه الجر على حِكَاية لَفْظ الآية. (٣) قَال أبو حيّان في قَوله تعَالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]: المصْدَرُ مُضَافٌ للثّلاثة بعد الاتسَاع؛ لأنه لو بقي على الظّرفيّة لم تجُز الإضَافَة. (٤) قوله: "إذا رَجع": هو حِكاية الآية. ويحتمل أنْ تكُون "إذا" هُنا لا شَرْطَ فيها، أي: "وَقْت رجُوعه". (٥) فقيل: التقدير: "وَقْتَ رجُوعه [في] (٦) وَقْت الحَج"؛ فيجُوز على هَذا الصّوم قبل أنْ يُحرم بالحَجّ وبعْده.

стр. 1175

وقيل: "في وَقْتِ أفْعَال [الحَج"] (١)؛ فَلا يجُوزُ إلّا بعْد الإحْرَام. قَالَ أبو حيّان: والأوّل أوْلى؛ لقِلَّة الحَذْف. (٢) وقيل: "في مَكَان الحَج"؛ فيجُوز مَا دَام بمَكّة، وإنْ لم يكُن في أشْهُر الحَج. (٣) وعلى ما تقَدّم في "إذا" أنّها ظَرْف بمَعنى الوَقْت؛ فالعَامِلُ فيها: "فليَصُم"، يُقَال: يَلزَم عَليه تعَدّي العَامِل إلى ظَرْفي زَمَان؛ لأنّ ذَلك يجُوز مع العَطْف والبَدَل، وقد عطف بـ "الوَاو" شَيئين على شَيئين، كما في الآية؛ عطف "سبعة أيام" على "ثلاثة أيام"، وعطف "إذا" على الوقت المقَدّر في "الحج"، أي: "فليصُم ثلاثة أيام في وقت الحج وسبعة في وقت الرجُوع". ومثاله قولك: "أكرَمتُ زَيدًا يومَ الخميس وعمرا يوم الجمعة". (٤) قوله: "إلى أهْلِه": يتعلّق بـ "رَجَع". وتقَدّم أنّ "رَجَع" [يجيء] (٥) لازِمًا ومُتعَدّيًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، ومصدره:

стр. 1176

"رَجْعًا"، ومصدرُ اللازم: "رجُوعًا". (١) قوله: "فطَاف رسُولُ الله ﷺ ": هذا معطوفٌ على قوله: " [وبَدَأ] (٢) رَسُولُ الله فأهَلّ بالعُمرة، ثُمّ أهَلّ بالحَجّ. . . فَلَمّا قَدِمَ - أي مَكّة - قَالَ للنّاس كَذا"؛ فـ "طَاف" معطُوفٌ على "قَالَ". قوله: "حين": ظَرفُ زَمَان، العَامِل فيها: "طَاف". وتقَدّم الكَلامُ على "حين" وحُكمها مع الإضَافة في الرّابع من "كتاب الصّلاة"، وفي الخامس من "صِفة الصّلاة". و"مَكّة": مفعُولٌ على السّعَة، أي: "إلى مَكّة". قوله: "واستَلَم الرّكْنَ": تقَدّم معنى الاستلام وتفسيره قريبًا في "كتاب الحَج". و"أوّل" ظَرفُ زَمَان، العَامِلُ فيه "استَلم"، والتقديرُ: "أوّل شَيءٍ مِن أفعَال الطّوَاف". قوله: "ثم خَبّ": تقَدّم قريبًا مَعنى "الخبب". و"ثلاثة أطْوَاف" منصوبٌ على المصْدَر، والعَامِلُ فيه: "خَبّ". قوله: "من السّبع": "مِن" للتبعيض، والألف واللام في "السّبع" للعَهد، أي: "مِن السّبع الطّوْفات". قوله: "ومَشَى أرْبَعَة": أي: "أربَعَة أطْوَاف"، فتُنصَب على المصْدَر، والعَامِلُ: "مَشَى"، والفِعْلُ اللازم والمتعَدّي يتعَدّيان إلى المصْدَر وإلى الظرْف (٣). قوله: "ورَكَع، حين قضى طَوافه، بالبيت، عند المقَام، رَكعَتين": تقَدّم مثل هَذا؛

стр. 1177

فـ "ركعتين" مصْدَر "رَكَع"؛ لأنّ المصْدَر اسمُ الفِعْل أو عَدَده أو ما قَام مقامه أو مَا أُضيف إليه، وهذا عَدَدُ المصْدَر، وعَدَدُ المصْدَر مصْدَر. (١) قوله: "عنْد المقَام": ظَرْفٌ ومخفُوضٌ به، والعَامِلُ في "عند": "رَكَع". قوله: "ثُم سَلّم، فانصَرَف، فأتَى الصَّفَا": كُلّها معْطُوفَات. و"البَاءُ" في قوله: "بالصّفَا" ظرْفيّة. و"سَبْعَة أطْوَاف" مَصْدَر. قوله: "ثُم لم يحلِل مِن شَيءٍ حَرُم [منه] (٢) ": تقَدّم إعرابُ مثله. "وفَعَل مثْل مَا فَعَل": "مِثْل" هُنا مفعُولٌ به. و"مَا" موصُولَة بمعنى "الذي"، وصِلَتها "فَعَل" الثّانية. ويحتمل أن تكُون مَصْدَريّة، أي: "وفَعَل فِعْل رَسُول الله مَن أهْدَى". أو تكُون "مثل" هُنا زَائدة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (٣)؛ وتكُون "مَا" مَع صِلتها مفعُولُ "فَعَل"، والفَاعِلُ: "مَن أهْدَى". وتقَدّم المفْعُول على الفَاعِل هُنا مِن بَاب الجَوَاز (٤). و"مِثْل" إذَا أُضيف إلى "أنّ" أو "إنّ" أو "مَا" جَاز بناؤها؛ فيحتمل أن تكُون الحرَكَة في "مثل" حَرَكَة إعرَاب، ويحتمل أن تكُون حَرَكَة بِنَاء، وعلى كِلا التقديرين

стр. 1178

فهو مفعُول "مَا" لفظًا أو محلًّا. وقد تقَدّم ذِكْر "مثل" إذا أضيفَت إلى مَبني. (١) قوله: "فسَاقَ الهَدْي": معْطُوفٌ على "أهْدَى"، و"مِن النّاس" يتعلّق بـ "سَاقَ". الحديث الثّالث: [٢٢٩]: عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: "إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي؛ فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" (٢). قوله: "أنّها قَالَت": فُتحَت "أنّ" لأنّها معمُولة لمتعَلّق حَرْف الجر، أي: "رُوي أنّها قَالَت". وجملة "يا رَسُولَ الله" معْمُولَة للقَوْل. و"مَا شَأنُ" مُبتدأ وخَبرُ، المبتدأ: "مَا"، والخبرُ: "شَأنُ". وجمعُ "شَأن": "شُؤون"، قاله ابنُ الأثير (٣). وجملة "حَلّوا" في محلّ الحَال مِن "النّاس"، والحَالُ تجيءُ مِن [المضَاف إليه] (٤) إنْ كَان بين المضَاف والمضَاف إليه مُلابَسَة، نحو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٥) [البقرة: ١٣٥]. (١)

стр. 1179

و"الشّأنُ": "الحَالُ" (٢)، و"الحالُ" يُعبّر به عَن الشَّخص نفسه، يُقَال: "ما شَأنك مع فلان؟ "، أي: "ما بينكما مِن الملابَسَة؟ ". والفِعْلُ من "شَأْن": "فَعَلَ"، كـ "ضَرَبَ"، يُقَال: "لأشأننّ شأنهم"، أي: "لأفْسِدنّ أمرهم"، ويُقال: "اشأن شأنك"، أي: "اعمل ما تحسنه"، و"شأنتُ شأنه" أي: "قصدتُ قصده"، و"ما شأنتُ شأنه" أي: "لم أكترِث لَه". (٣) وقد تقَدّم ذِكْر المواضِع التي يأتي فيها الحَال من المضَافِ إليه في أوّل حَديثٍ من "باب الجمعَة". [والعَامِلُ] (٤) في الحَال: معنى الإضَافَة، أو مَا في "الشّأن" مِن مَعْنى الفِعْل. قوله: "مِن العُمْرَة": يتعلّق بـ "حَلّوا". و"حَلّ" ثُلاثي، وقد قُرئ: "فَإذَا أحْلَلْتُم فَاصْطَادُوا" (٥)، وهِي لُغَة (٦). قوله: "ولم تحلّ أنْت": يحتمل أنْ تكون "أنت" تأكيدًا لفَاعِل "تحلّ". ويحتمل أن تكُون مُبتدأ، والخبرُ في قوله "لم [تحلّ] (٧) "، والتقديرُ: "وأنْت لم تحلّ". والجمْلَة في محلّ الحَال مِن الضّمير في "حَلّوا". وجاءت جملة الفِعْل المضَارع حَالًا بـ "الواو" وحْدَها، ومتى جاءَت الحال

стр. 1180

مُضَارعًا بـ "الواو"؛ فالجُمْلَة اسمية (١)، أي: "وأنْت لم تحلّ". فإنْ قَدّرْت الجملَة خَبرًا عن "أنت" لم تحتَج إلى تقْدير. وإن جَعَلت "أنْت" تأكيدًا قُدّر فيه: "وأنْت لم تحلّ أنْت". و"مِن عُمْرَتك" يتعلّق بـ "تحلّ". وقيل: "مِن" هُنا بمعنى "الباء"، أي: "ولم تحلّ أنت بعُمرتك"، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: "بطَرْف". (٢) قوله: "فقَالَ": فاعلُه: ضَميرُ "النبي ﷺ ". وجملة "إني لبّدتُ رَأسي" مُستأنَفَة؛ ولذلك كُسِرَت بعْد القَول؛ لأنّ القَوْلَ يقتَضي أنْ يكُون مَا بعْدَه مُستأنَفًا. (٣) قوله: "وقَلّدتُ هَدْيي": معطُوفٌ على "لبّدت"؛ فيكُون محلّها خبرًا؛ لأنّ المعطوفَ على الخبر خَبرٌ (٤). قوله: "فلا أحِلّ": "لا" نافية، "أحِلّ" فِعْل مُضَارع مَرفُوع بالضّمة، و"الفَاء" سَببية.

стр. 1181

و"حَتى" حَرفُ غَاية ونَصْب (١)، يتعلّق بـ "أحِلّ"، وتقَدّم الكَلامُ عليها في ثاني حَديثٍ مِن الأوّل. قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: قوله: "مِن عُمْرَتك": قيل: "مِن" بمَعنى "البَاء"، أي: "تحلّ بعُمْرَتك"، وهَذا بناء على أنّه ﷺ كَان قَارِنًا (٢)، وأما لو كَان مُتمتّعًا لكَانت على بابها - يعني: لابتداء الغَايَة - لأنّ معْنى "حَلَلْت": "خَرَجْت" (٣)، فهِي كقَوْلك: "خَرَجْتُ من المسْجِد".

стр. 1182

الحديث الرّابِع: [٢٣٠]: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: "أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، وَلمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ" (١). (٢) وَلِمُسْلِمٍ: "نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ" (٣). وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ.

стр. 1183

"فعلناها مُصَاحبين". قوله: "ولم ينزل قُرآن يحرّمها": يحتمل أن تكون الجملة في محلّ حَال من ضَمير المفعُول في "فعلناها"، وتقَدّم الكَلامُ على الحَال المصحُوبة بـ "لم"، وأنّ إثبَاتَ "الواو" مَع "لم" فَصيحٌ جَائِز، ومنَعَه بعضهم، ومِن ذلك قَوله تعَالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]. (١) ويحتمل أنْ تكُون مُستَأنفَة. قوله: "يحرّمها": في محلّ صِفَة لـ "قُرْآن". ويحتمل أن تكُون الجمْلَة مُعترضة، لا محلّ لها. قوله: "حتى مَات": يتعلّق بـ "يَنْه". وتقَدّم الكَلامُ على "لم"، وعَلامة الجزم حَذفُ "الألف". وتقَدّم الكَلام على "عَن" في الثّالث مِن "باب الصّفوف". و"حتّى مَات": "حتّى" حَرْفُ ابتداء. و"مَات" فِعْل مَاض، تقَدّم الكَلامُ عليه، أصله "مَوَتَ"، تحرّكت "الواو" وانفتح ما قبلها؛ فانقَلَبت ألِفًا (٢). قوله: "قَالَ رَجُلٌ برأيه": يحتمل أنْ يكُون الكَلامُ تَمّ عند قوله: "ولم يَنْه عنها"، ثم [ابتدأ مُتعلّق] (٣) لـ "حَتى" محذُوف معْطُوف على "لم يَنْه"، أي: "فلم يَنْه عَنها، ولم يقُل أحَدٌ فيها برَأيه حتّى مَاتَ قَالَ رَجُلٌ برَأيه". ويحتمل أنْ تكُون "حتّى" مُتعَلّقة بـ "يَنْه"، أي: "فلَم يَنْه عنها حَتى مَات، وبعد مَوته قَال فيها رجُلٌ برَأيه"؛ فتكُون

стр. 1184

"بعْد" معمُولة لـ "قَالَ"، وهَذا هو الذي يَظهر مِن رواية "مُسْلم" بعْد هَذا. والرّجُلُ المشَار إليه: "عُمَر بن الخطّاب" ﵁، كما ذُكر عَن "البخَاري" (١). قوله: "مَا شَاء": مَوصُولَة بمَعنَى "الذي"، والعَائِدُ محذُوفٌ"، أي: "شاءه". ومتى كَان العَائدُ ضَميرًا منْصُوبًا مُتّصلًا بالفِعْل ليس في الصِّلة ضَمير غيره جَاز حَذفه وإثباته (٢). وتقَدّم الكَلامُ على "شَاء" في الحديثِ الثّالث مِن "الإمَامَة". ويحتمل أنْ تكُون (٣) موصُوفة، ومحلّها مع صِلَتها أو صِفَتها مفْعُول بالقَول، أي: "قَالَ كَلَامًا شَاءَه"، أو "الذي شَاءَه". قوله: "ولمسْلم": أي: "ورُوي لمسْلم"، أو: "جَاءَ لمسْلم". و"نَزَلَت" إلى آخِر الكَلَام في محَلّ رَفْع، إمّا بـ "جَاء" أو بـ "رُوي" حَسب مَا تقَدّر لمتعَلّق حَرْف الجَر. و"آيَة" فَاعِل "نَزَلت"، و"المتْعَة" مُضافٌ إليه. وجملة "يعني: مُتْعَة الحَج" مُعترضَة؛ لتخرُج "مُتعَة النّساء". وهَذا التفسيرُ يحتمل أنْ يكُون مِن الرّاوي عَن "عِمران". قوله: "وأمَرَنا بها رَسُولُ الله ﷺ ": معْطُوفٌ على قوله في الحديث: "ففَعَلنَاهَا". و"أمَر" يتعَدّى إلى المفعُول الثّاني بحَرْف الجر، وقَد يتعَدّى إليه بنفْسه (٤)،

стр. 1185

وتقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في الأوّل مِن "باب السّواك". قوله: "ثُمّ لم تنزل آيَة تنسخ آيَة مُتْعَة الحَج": جملَة "تنسخ" في محلّ صِفَة لـ "آيَة". و"النّسخُ": رَفْعُ الحُكم الثّابت بالخطَاب المتقَدّم على وَجْه لولاه لكَان ثابتًا، مَع تَراخِيه عنه، من قَولهم: "نَسَخَت الشّمْسُ الظِّلَ". (١) قوله: "ولهما بمَعْنَاه": يعني: "للبُخَاري ولمُسْلِم". ويتعَلّق "لهما" بخَبر عَن مُبتَدأ مُقَدّر، أي: "ولهما لَفْظ"، و"بمَعْنَاه" يتعَلّق بصِفَةٍ للَفْظ محذُوف. ***

стр. 1186

باب الهَدْي الحديث الأوّل: [٢٣١]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "فتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ [أَشْعَرهَا] (١)، وَقَلَّدَهَا - أَوْ قَلَّدْتُهَا - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا" (٢). قوله: "فتلتُ قَلائِد": أي: "أنها قَالَت. . .". وجملة "فتَلتُ" معْمُولَة للقَول. و"قَلائِد": جمعُ "قِلادَة"، وهو لا ينصرف؛ لأنّه على صيغة مُنتهى الجموع، وبالإضَافة انصَرَف (٣). و"الهَدْي": "اسمٌ لما يُهْدَى للحَرَم"، يخَفّف ويُثَقّل؛ يُقَال: "هَدْي" و"هَدِيّ"، كـ "فَلْس" و"عَلِيّ". (٤) قَالَ الجوهري: [الوَاحِدة] (٥): "هَدْيَة" و"هَدِيّة" بسكُون "الدّال" وكَسرها. (٦) قَال ابنُ عَطيّة: يحتمل أنْ يكُون "الهَدْي" مَصْدرًا يُسَمّى به، كـ "الرّهْن" ونحوه؛ فيقَع للأَفرَاد والجَمْع. وقَالَ أبو عَمرو بن العَلاء: لا أعْرِفُ لهذه اللفظَة

стр. 1187

[نظيرًا] (١). (٢) قوله: "ثم أشْعَرَهَا": أي: "جَعَلَ لها شِعَارًا"، وهُو أنْ تُطعَن في [شِقّ] (٣) سنامها الأيمَن أو الأيسَر حتى يَسيل [مِنْه] (٤) دَم؛ ليُعْلَم أنّه هَدْي. (٥) قوله: "أو قَلّدتها": يحتمل أنْ تكُون "أو" بمَعنى "الواو"، أي: "وقَلّدتها". ويحتمل أنْ تكُون "أو" للشّك، هَل وَقَع منه ﷺ تقليد في تلك المرّة أو لا؟ ويحتمل أن يكُون الشّكّ من الرّاوي، فلما حَكَى حديثها شَكّ، وأسْنَد إليها بـ "تاء" التّأنيث؛ فقَال: "أو قَلّدَتْهَا"، بضَمير مُستتر يعُود عليها. والرّوايةُ تأبى ذَلك. قوله: "ثُمَّ بَعَث بهَا": أي: "بَعَثَ بها إلى الهَدْى". وأنّث؛ لأنّه أرَادَ عَدَد جماعَة منْهَا. [قَوله] (٦): "إلى البَيْت": [جعل] (٧) البَعْث بها إلى "البيت" كالآيَة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأنّ الحرَم مُعَظّم لتعظيم البيت،

стр. 1188

ومحرّم لتحريم البيت. أو يكُون في الكَلام حَذْف، والمرادُ: "ثُم بَعَث بها إلى حَرَم البيت". (١) وقَالَ مَالِك في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]: المعنى: أنّ البعْث إلى البيت، ثُم أَخَّرَ الفِعْلَ فيها إلى طَوَاف الإفَاضَة بالبيت. فـ "البيت" على هَذا مُرَادٌ بنفسه. (٢) قوله: "وأقَامَ بالمدِينَة": معْطُوفٌ على "بَعَثَ بها". قوله: "فما حَرُم عليه شَيءٌ كَان له حِلًّا": "مَا" نافية، و"عَليه" يتعَلّق بـ "حَرُم"، و"شَيءٌ" فَاعِلُ "حَرُم". وجملة "كَان" مع اسمها وخبرها في محلّ صِفَة لـ "شيء". وخَبرُ "كَانَ": "حِلًّا"، واسمُها ضَميرٌ يعُود على "شَيء". و"لَه": يتعلّق بصِفَة لـ "حِلّ"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال. أو يتعَلّق بـ "كَان" عند مَن أجَاز تعلّق الفَضلات بالأفْعَال النّاقِصَة (٣). و"حِلٌّ" بمَعنَى "حَلَال". قَالَ في "الصّحَاح": يُقَال: "رَجُلٌ حِلّ من الإحْرَام" أي: "حَلَالٌ". ويُقَال: "أنْتَ حِرْمٌ" و"أنْت حِلٌّ" بمَعنى "حَلَال" و"حَرَام". و"حَلّ الهَدْي"، "يحلّ"، "حِلّة" و"حُلُولًا"، أي: "بَلَغ الموضِعَ الذي يحِلُّ فيه نَحْره". (٤)

стр. 1189

الحدِيث الثّانِي: [٢٣٢]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "أَهْدَى النّبِيّ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا" (١) قوله: "مَرّةً": يقَع مَصْدَرًا وظَرْفًا. قَالَ أبو البَقَاء: "المرّة" في الأصْل مَصْدَر من "مَرّ" "يمُرّ"، ثُم استُعمِل ظَرفًا اتسَاعًا. وهذا يدُلّ على قُوّة شبه الزّمَان بالفِعْل. (٢) ولا يكُون المرَادُ بـ "المرّة": "الفِعْل"، أي: "أهْدَى هَدْيًا"، إنّما المرَادُ "المُهْدَى مِن الغَنَم مَرّة". (٣) وقد تقَدّم. قوله: "غَنمًا": "الغَنَم": اسمٌ مُؤنّث موضُوع للجنس، يقَع على الذّكُور والإنَاث، وعليهما جميعًا. وإذا صَغّرتها ألحَقتَها "الهَاء"؛ فقُلت: "غُنيمة"؛ لأنّ أسماءَ الجمُوع لا واحِد لها مِن لَفْظِها إذا كَانت لغَير الآدميين فالتّأنيثُ لها لازِم؛ يُقَال: "له خمسٌ مِن الغَنَم ذُكُور"، فيُؤَنّث العَدَد وإنْ عَنَيتَ "الكِبَاش"؛ لأنّ العَدَد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفْظ، لا على المعنى. (٤)

стр. 1190

الحدِيث الثّالِث: [٢٣٣]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا". فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ . وَفِي لَفْظٍ: قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ: "وَيْلَكَ"، أَوْ: "وَيْحَكَ" (١). قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: كَلمَة "وَيْلَك" تُستعْمَل في التغليظ على المخَاطَب. وفيها ههُنا وَجْهان: - أحدهما: أنْ تجري على هَذا المعنى، وإنما استحَقّ صاحِبُ البَدَنة ذلك لمرَاجَعَته وتأخّر امتِثَاله لأمْر الرّسُول ﷺ ؛ لقَول الرّاوي: "في الثّانية أو الثّالثة". والثاني: أنْ لا يُراد بها موضُوعها الأصْلي؛ ويكُون مما جَرَى على لسَان العَرَب في المخَاطَبَة مِن غَير قَصْد (٢)، كما قيل في قَوله ﵇: "تَرِبَتْ يَمِينُكِ" (٣)، و"أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ" (٤)، وكما في قول العَرَب: "وَيْلَه" ونحوه. (٥) [قَالَ ابنُ الأثير: "الوَيْلُ": "الحُزْنُ"] (٦) و"الهَلَاك" و"المشَقّة". وقَد يَقَع "الوَيْل" بمَعْنى "التعَجّب"، كقَولِه ﵇: "ويلُ أُمِّهِ، مِسْعَرُ حَرْبٍ" (٧)

стр. 1191

تعَجُّبًا مِن شَجَاعَته وجُرْأته وإقْدَامِه. (١) و"الوَيْلُ": مَصدرٌ، لا فِعْلَ لَه مِن لَفْظه، ومَا [ذُكِر مِن] (٢) قولهم: "وَألَ وَيلًا" مَصنُوع. ولم يجئ مِن هَذه المادّة التي فَاؤها "واو" وعَينها "يَاء" إلّا: "وَيْل" و"وَيْح" [و"وَيْس" و"وَيْب"] (٣). ولا يُثَنّى، وقَد جُمِع على: "وَيْلات" (٤)؛ قَال امرئُ القَيس: وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ ... فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي (٥) وإذا أُضيف ["وَيْل"] (٦) فالأحْسَنُ فيه النّصب، وإذا أُفرِد اخْتِيرَ الرّفعُ، ويجُوز النّصب. (٧) وتقَدّم في الثّالث مِن الأوّل. قوله: "رَأى رَجُلًا": جملة في محلّ خَبر "أنّ"، والرؤيَة بَصَريّة؛ فتكون جملة "يَسُوق بَدَنة" في محلّ صِفَة لـ "رَجُل"، أو حَال مِن "رَجُل" وإنْ كَان نَكِرَة؛ لأنّ الرّجُلَ معْلُوم. ويحتمل أنْ يكُون [موصوفًا] (٨)؛ أي: "رَأى رَجُلًا في القَوم"، ثُم حَذَفها للعِلْم بها، أو لأنّ الحالَ مِن النّكِرَة جَائِزَةٌ (٩).

стр. 1192

قوله: "فقَالَ: اركَبْهَا": أي: "قَالَ النبي ﷺ : ارْكَبْهَا". والجمْلَةُ معْمُولَة للقَول. "قَالَ الرّجُلُ: إنّها بَدَنَة" [ففَاعِلُ] (١) "قَالَ": ضَميرٌ يعُود على "صَاحِبِ البَدَنَة". وفَاعِلُ "قَالَ" الثّالثة: "ضَميرُ النبي ﷺ ". قوله: "فرَأيتُه": فِعْلٌ وفَاعِل، والرّؤيَةُ بَصَريّة. و"رَاكِبهَا": حَالٌ. وجَاءَت الحَالُ مُضَافَة إلى ضَمير "البَدَنَة"؛ لأنّ النية بها الانفْصَال، مِن بَابِ إضَافَة اسم الفَاعِل إلى معمُوله. وحُكي فيها المَاضي، كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]. (٢) وجملَة "يُسَايِر النَّبي ﷺ " حَالٌ ثَانية على القَوْل بتعَدّد الحَال، أو في محلّ الحَال مِن الضّمير في "رَاكِبهَا"؛ فتكُون حَالًا مُتدَاخِلَة. و"المسَايَرَة": "المجَارَاة"، كَذا في "الصّحَاح" (٣). والظّاهرُ أنّ المرَادَ هُنا: "الممَاشَاة" و"المحَاذَاة". قوله: "إنّها بَدَنَة": يُريد: "إنّها بَدَنَة [مُهْدَاة"] (٤)، أو تكُون "البَدَنَة" [اسمًا] (٥) لما يُهْدَى مِن البُدْن، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] (٦)، وهَذا الصّحيح، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1193

[فكَأنّه] (١) أفْهَم النبيّ ﷺ مَعنى يُوجِب تحريمَ رُكُوبها عَليه، والنبيّ ﷺ عَالمٌ بذَلِك. و"البَدَنَة" تقَع على: الجمَل [والنّاقَة] (٢) والبَقَرَة، وهِي بالإبل أشْبَه. وسُمّيت "بَدَنَة" لعِظَمِهَا وسِمنِهَا. (٣) قوله: "في الثّانيَة أو الثّالثَة": صِفَتَان لموصُوفٍ محذُوف، أي: "في المرّة الثّانيَة أو في المرّة الثّالثَة". و"المرّة" تقَدّم الكَلامُ عَليها، وأنّها ظَرْفٌ أصْلُه المصْدَر. ويحتمل أنْ تكُون هَذه المرَاجَعَة في وَقتٍ واحِد، ويحتمل أنْ تكُون في أوقاتٍ، فإنْ كَان أمْرُه ﷺ في أوْقَاتٍ احتمل التقدير أنْ يكُون: "في الرؤية الثّانية" أو "المقَالَة الثّانية". وجَاء في روايةٍ: "وَيْلَك، ارْكَبْهَا" (٤)، وفيه تشْديد غَليظ وإغْلاظ. (٥)

стр. 1194

الحدِيث الرّابِع: [٢٣٤]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا. وَقَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" (١). تقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" وتعَدّيه في أوّل "بَابِ السّوَاك". و"أنْ أقُوم": يحتَمل أنْ يكُون مفْعُولُ "أمَرَ". ويحتَمل أنْ ينتَصِب بتقدير "البَاء"، أي: "بأَنْ أقُوم". قوله: "على بُدْنه": تعَدّى "أَقُوم" بـ "على"؛ لأنّه تضَمّن مَعنى "أخْلُفُه" و"أَتَوَكّل لَه". "وأنْ أتَصَدَّق" معطُوفٌ على "أنْ أقُوم"، وكذلك: "وأنْ لا أُعْطِي". و"أُعْطِي" يتعَدّى إلى مفْعُولين، الأوّل: "الجَزّار"، والآخَر: "شَيئًا"، وقد تقَدّم الكَلامُ في الثّاني مِن "بَابِ المرور" على "شَيئًا". و"مِنْهَا" يتعَلّق بصِفَة لـ "شَيء"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال (٢). قوله: "وَقَالَ": معْطُوفٌ على "أمَرَنِي". و"أجِلّتها": جمعُ "جِلَال"، مِن "التّجليل"، وهُو "التَغْطية". (٣) وكَان ابن عُمر ﵁ "يُجلّلُ بُدْنَه القبَاطيَّ" (٤). وتجليلُ الفَرَس: أنْ يُلبسه الجُلّ، [ويُجَلّل به أعْلَاه] (٥).

стр. 1195

وفي الكَلام محذُوف، أي: "أتَصَدّق [على الفُقَراء بهذه الأشياء". و"المتصَدّق"] (١): الذي يُعْطي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨]، أصْلُه: "المتَصَدِّقين والمتَصَدِّقات"، ثُم أُدْغِمت "التّاء" في "الصّاد". (٢) وجَرَى هَذَا العَطْف على اللغَة الفَصيحَة في عَدَم تِكْرَار حَرْف الجَر مَع المعْطُوف، فلَم يَقُل: "وأنْ أتَصَدّق بلَحْمِهَا وبجُلُودِهَا وبأَجِلّتهَا". وقَد جَاء ذَلك في قَوله تعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، ولَو جَاء الكَلَام: "رَبّنا آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَة والآخِرَة حَسَنَة" جَاز. (٣) قوله: "وقَالَ: نَحْن نُعْطِيه": تقَدّم الكَلامُ على "نَحْن" في الرّابع مِن "الهدْي" (٤). و"نُعْطيه" مفعُوله الثّاني محذُوف، أي: "نُعْطيه أجْرَة". و"مِن عِنْدنا": يتعَلّق بـ "نُعْطيه". و"مِن" لابتداء الغَايَة، أي: "ابتداء زَمَن الإعْطاء مِن عندنا"؛ فتكُون "مِن" للابتِداء في الزّمَان، وكذلك قيل في قوله تعالى:
следующие страницы →