← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

تعَجُّبًا مِن شَجَاعَته وجُرْأته وإقْدَامِه. (١) و"الوَيْلُ": مَصدرٌ، لا فِعْلَ لَه مِن لَفْظه، ومَا [ذُكِر مِن] (٢) قولهم: "وَألَ وَيلًا" مَصنُوع. ولم يجئ مِن هَذه المادّة التي فَاؤها "واو" وعَينها "يَاء" إلّا: "وَيْل" و"وَيْح" [و"وَيْس" و"وَيْب"] (٣). ولا يُثَنّى، وقَد جُمِع على: "وَيْلات" (٤)؛ قَال امرئُ القَيس: وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ ... فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي (٥) وإذا أُضيف ["وَيْل"] (٦) فالأحْسَنُ فيه النّصب، وإذا أُفرِد اخْتِيرَ الرّفعُ، ويجُوز النّصب. (٧) وتقَدّم في الثّالث مِن الأوّل. قوله: "رَأى رَجُلًا": جملة في محلّ خَبر "أنّ"، والرؤيَة بَصَريّة؛ فتكون جملة "يَسُوق بَدَنة" في محلّ صِفَة لـ "رَجُل"، أو حَال مِن "رَجُل" وإنْ كَان نَكِرَة؛ لأنّ الرّجُلَ معْلُوم. ويحتمل أنْ يكُون [موصوفًا] (٨)؛ أي: "رَأى رَجُلًا في القَوم"، ثُم حَذَفها للعِلْم بها، أو لأنّ الحالَ مِن النّكِرَة جَائِزَةٌ (٩).

стр. 1192

قوله: "فقَالَ: اركَبْهَا": أي: "قَالَ النبي ﷺ : ارْكَبْهَا". والجمْلَةُ معْمُولَة للقَول. "قَالَ الرّجُلُ: إنّها بَدَنَة" [ففَاعِلُ] (١) "قَالَ": ضَميرٌ يعُود على "صَاحِبِ البَدَنَة". وفَاعِلُ "قَالَ" الثّالثة: "ضَميرُ النبي ﷺ ". قوله: "فرَأيتُه": فِعْلٌ وفَاعِل، والرّؤيَةُ بَصَريّة. و"رَاكِبهَا": حَالٌ. وجَاءَت الحَالُ مُضَافَة إلى ضَمير "البَدَنَة"؛ لأنّ النية بها الانفْصَال، مِن بَابِ إضَافَة اسم الفَاعِل إلى معمُوله. وحُكي فيها المَاضي، كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]. (٢) وجملَة "يُسَايِر النَّبي ﷺ " حَالٌ ثَانية على القَوْل بتعَدّد الحَال، أو في محلّ الحَال مِن الضّمير في "رَاكِبهَا"؛ فتكُون حَالًا مُتدَاخِلَة. و"المسَايَرَة": "المجَارَاة"، كَذا في "الصّحَاح" (٣). والظّاهرُ أنّ المرَادَ هُنا: "الممَاشَاة" و"المحَاذَاة". قوله: "إنّها بَدَنَة": يُريد: "إنّها بَدَنَة [مُهْدَاة"] (٤)، أو تكُون "البَدَنَة" [اسمًا] (٥) لما يُهْدَى مِن البُدْن، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] (٦)، وهَذا الصّحيح، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1193

[فكَأنّه] (١) أفْهَم النبيّ ﷺ مَعنى يُوجِب تحريمَ رُكُوبها عَليه، والنبيّ ﷺ عَالمٌ بذَلِك. و"البَدَنَة" تقَع على: الجمَل [والنّاقَة] (٢) والبَقَرَة، وهِي بالإبل أشْبَه. وسُمّيت "بَدَنَة" لعِظَمِهَا وسِمنِهَا. (٣) قوله: "في الثّانيَة أو الثّالثَة": صِفَتَان لموصُوفٍ محذُوف، أي: "في المرّة الثّانيَة أو في المرّة الثّالثَة". و"المرّة" تقَدّم الكَلامُ عَليها، وأنّها ظَرْفٌ أصْلُه المصْدَر. ويحتمل أنْ تكُون هَذه المرَاجَعَة في وَقتٍ واحِد، ويحتمل أنْ تكُون في أوقاتٍ، فإنْ كَان أمْرُه ﷺ في أوْقَاتٍ احتمل التقدير أنْ يكُون: "في الرؤية الثّانية" أو "المقَالَة الثّانية". وجَاء في روايةٍ: "وَيْلَك، ارْكَبْهَا" (٤)، وفيه تشْديد غَليظ وإغْلاظ. (٥)

стр. 1194

الحدِيث الرّابِع: [٢٣٤]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا. وَقَالَ: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا" (١). تقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" وتعَدّيه في أوّل "بَابِ السّوَاك". و"أنْ أقُوم": يحتَمل أنْ يكُون مفْعُولُ "أمَرَ". ويحتَمل أنْ ينتَصِب بتقدير "البَاء"، أي: "بأَنْ أقُوم". قوله: "على بُدْنه": تعَدّى "أَقُوم" بـ "على"؛ لأنّه تضَمّن مَعنى "أخْلُفُه" و"أَتَوَكّل لَه". "وأنْ أتَصَدَّق" معطُوفٌ على "أنْ أقُوم"، وكذلك: "وأنْ لا أُعْطِي". و"أُعْطِي" يتعَدّى إلى مفْعُولين، الأوّل: "الجَزّار"، والآخَر: "شَيئًا"، وقد تقَدّم الكَلامُ في الثّاني مِن "بَابِ المرور" على "شَيئًا". و"مِنْهَا" يتعَلّق بصِفَة لـ "شَيء"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال (٢). قوله: "وَقَالَ": معْطُوفٌ على "أمَرَنِي". و"أجِلّتها": جمعُ "جِلَال"، مِن "التّجليل"، وهُو "التَغْطية". (٣) وكَان ابن عُمر ﵁ "يُجلّلُ بُدْنَه القبَاطيَّ" (٤). وتجليلُ الفَرَس: أنْ يُلبسه الجُلّ، [ويُجَلّل به أعْلَاه] (٥).

стр. 1195

وفي الكَلام محذُوف، أي: "أتَصَدّق [على الفُقَراء بهذه الأشياء". و"المتصَدّق"] (١): الذي يُعْطي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨]، أصْلُه: "المتَصَدِّقين والمتَصَدِّقات"، ثُم أُدْغِمت "التّاء" في "الصّاد". (٢) وجَرَى هَذَا العَطْف على اللغَة الفَصيحَة في عَدَم تِكْرَار حَرْف الجَر مَع المعْطُوف، فلَم يَقُل: "وأنْ أتَصَدّق بلَحْمِهَا وبجُلُودِهَا وبأَجِلّتهَا". وقَد جَاء ذَلك في قَوله تعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، ولَو جَاء الكَلَام: "رَبّنا آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَة والآخِرَة حَسَنَة" جَاز. (٣) قوله: "وقَالَ: نَحْن نُعْطِيه": تقَدّم الكَلامُ على "نَحْن" في الرّابع مِن "الهدْي" (٤). و"نُعْطيه" مفعُوله الثّاني محذُوف، أي: "نُعْطيه أجْرَة". و"مِن عِنْدنا": يتعَلّق بـ "نُعْطيه". و"مِن" لابتداء الغَايَة، أي: "ابتداء زَمَن الإعْطاء مِن عندنا"؛ فتكُون "مِن" للابتِداء في الزّمَان، وكذلك قيل في قوله تعالى:

стр. 1196

﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (١). ولو اقتصر على قوله: "نحْن نُعْطيه" كَفَى عن قوله: "مِن عِنْدنا"، إلّا أنّه أرَاد ﷺ أن يُنبّه على أنّ "الهَدْي" قد خَرَج لله بنيّته وبنَحْره؛ فالذي يُعطَى للجزّار مِن عند الشّخص لا ينقصُ الهَدْي. الحديث الخَامِس: [٢٣٥]: عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ (٢) بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا. فَقَالَ: "ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٣). قوله: "قَالَ: رَأَيتُ": الرّؤيَة بَصَريّة؛ فتكُون جملَة "أتَى على رَجُل" في محلّ حَال مِن "ابن عُمَر" (٤). ومفعُولُ "رَأى": "ابن عُمَر". وتعَدّى "أتَى" بـ "على"؛ لأنّه تضَمّن مَعْنى "مَرّ" (٥). وجملةُ "أنَاخَ [بَدَنته"] (٦) في مَوْضِع صِفَة لـ "رَجُل". قوله: "فنَحَرَهَا": يحتمل أنْ يُريد: "فأَرَاد نَحْرَهَا"، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٧) [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]، أي: "أرَدْنَا إهْلاكَهَا". (٨) ويحتمل انْ يكُون مَع الرّجُل بُدْنًا غيرها؛ لأنّه قَال: "ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقيَّدَة"؛ فأمَرَه

стр. 1197

فيها بالسُّنة. ويحتمل أنْ يكُون الأمرُ لغَير الرّجُل؛ تعريفًا بالسُّنة، بمَعنى: "ابعثُوها قَائِمَة". "بَعْثُ الدّابّة": إثارَتها. و"بَعثُ الموتَى": نَشْرهُم. ومِنْه: "فَبَعَثْنَا البَعِيرَ" (١). (٢) قوله: "قِيَامًا": حَالٌ مِن ضَمير المفْعُول، وهَذا يدُلُّ على أنّه أرَاد جماعَة بُدْن، وهي حَالٌ مُقَدّرَة؛ لأنّها إذا كَانَت "قَائِمَة" فقَد "انبَعَثَت". ويحتمل أنْ يكون "ابعَثْهَا" بمَعنى: "حثّهَا على القِيَام". و"مُقيَّدَة": حَالٌ بعْد حَال - إنْ قُلنَا بتعَدّد الحَال - أو حَال مِن الضّمير في "قِيَامًا"؛ فتكُون الحَالُ مُتدَاخِلَة. و"قِيَامًا": جمعُ "قَائِم". ويحتمل أنْ يكُون مَصْدَر "قَام"، أي: "ابعَثها قِيامًا" بمَعنى "أقمها قِيامًا"، مِن مَعنى "ابعثها"، مثل: "قَعَدتُ جُلوسًا" (٣)، أو يُقدّر: "ابعَثْهَا فتَقُوم قِيَامًا". قوله: "سُنّة محمّد ﷺ ": هو مَرفُوع، أي: "هَذه سُنّة محمّد ﷺ ". أو يكُون منصُوبًا بتقدير: "الزَمُوا سُنّة محمّد"؛ فيكُون من باب "الإغراء"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "الإغراء" في الثّامِن مِن أوّل الكُتَاب. و"مُقَيَّدَة": اسمُ مفْعُول، مِن "قَيّد" "يُقَيّد". (٤) ***

стр. 1198

بَاب الغسْل للمُحْرِم الحدِيث الأَوّل: [٢٣٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحْرِمُ رَأْسَهُ. [قَالَ] (١): فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، [فَطَأْطَأَهُ] (٢) حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ" (٣). [وَفي] (٤) رِوَايَةٍ: فَقَالَ الْمِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاسٍ: "لا أُمَارِيكَ أَبَدًا" (٥). قولُه: "اختَلَفَا بالأبْوَاء": جملَة في محلّ خَبر "أنّ". و"البَاءُ" في قَوله "بالأبْوَاء" ظَرْفيّة بمَعنى "في". قولُه: "فقَالَ ابنُ عبّاس": "الفَاءُ" سَبَبيّة. وجملة "يغسِل [المحرم] (٦) رأسَه" في محلّ معمُول القَول، وكذلك جملة: "لا

стр. 1199

يغسِلُ المحْرمُ رَأسَه". والمرادُ بهذا الغسْل: الغسْلُ الواجب. قولُه: "قَالَ": فَاعِلُ "قَالَ" الثّالثة: ضمير "عبد اللَّه بن حنين". و"إِلَى أَبِي أيُّوب" جَار ومجرور ومُضَاف إليه. وعَلامة الجر في "أَبِي": "الياء". وعلامة الجر في "أيّوب" الفَتْحَة؛ لأنه لا ينصرف؛ للعَلَمية والعُجمَة (١). وقد جمعتُ ما ينصَرف مِن أسماء الأنبياء في بيتٍ (٢)؛ فقُلتُ: لتَصْرِف شُعَيْبًا ثُمّ نُوْحًا وَصَالِحًا ... وَلُوطًا وَهُوْدًا وَالنّبِيّ مُحَمَّدا قولُه: "فوَجَدتُه": معْطُوفٌ على "أرْسلَني"، وقَد تقَدّم الكَلامُ على "وَجَد" وأحْكَامها في الثّاني مِن "بَاب الاستطَابة". قوله: "بين القَرْنين": "بين" ظَرْفٌ، تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّالث مِن "باب السّواك". و"القَرْنين" يعني به: "قَرْنَي [البئر] (٣) "، وهما بناء على جَانبيها (٤). قولُه: "فسَلّمتُ عَليه": أي: "فجِئتُه فسَلّمْتُ عليه"، فهو معْطُوفٌ على محذُوفٍ. قولُه: "فقَالَ: مَن هَذا؟ ": "مَن" مُبتَدأ، استفهَاميّة، و"هَذا" خَبره، والجمْلَة معْمُولَة للقَول. قولُه: "قُلتُ: أنا عبد اللَّه بن حُنَيْن": فيه حَذْفٌ، أي: "مَن هَذا الذي سَلّم؟ قُلتُ: أنا عبد اللَّه. . . ".

стр. 1200

الجمَلُ المفتَتَحَة بالقَول إِذَا ترتّب بعضُها على بعْض في المعنى؛ فالأفْصَح أن لا يُؤتى فيها بحَرفٍ يُرَتِّب، اكتفاءً بالترتيب المعنوي. (١) قال أَبُو حيّان: وقد جَاء في "الشُّعَراء" من ذلك عشرون مَوضعًا في قصة موسى ﵇ بغير عَطْفٍ، إلَّا ثَلاثة جَاء منها اثثان جَوَابًا [وواحِدٌ] (٢) كالجَوَاب. ومثله في القُرآن كَثيرٌ. (٣) إِذَا ثبَت ذَلك: فقَد جَاء: "قُلتُ" -ولم يقُل: "فقُلْتُ"- على الوَجْه الأفْصَح، وإنْ لم يتَعَدّد القَول. وفي بَعْض النُّسَخ: "فقُلْتُ" (٤) على الوَجْه الآخَر. و"أنا عبد اللَّه" مُبتدأ وخَبر، في محلّ معْمُول القَول. ولو قَالَ: "عبد اللَّه بن حُنَيْن" كَفى في الجوَاب عَن "أنا". قولُه: "أرْسَلَني إليْك عَبدُ اللَّه بن عبّاس": تحتمل الجمْلَة أن تكُون خَبرًا بعْد الخبر، وتحتمل أنْ تكُون حِكَاية الحَال الماضية مُستأنَفَة، أي: "أنا أرسلني". وجملة "يَسْأَلُك" في محلّ الحَال مِن "عَبد الله"، بتقدير: "وهُو يسْأَلك"؛ لأنّ المضَارع إذَا لم تَصْحَبه "الوَاو" قُدِّر بجُمْلَة اسمية، ويكُون حَالًا مُقَدّرَة (٥).

стр. 1201

قولُه: "كَيْف كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَغْسِل. . .؟ " جملة "يَغْسِلُ رَأسَه" في محلّ خَبر "كَان"، و"رَسُول اللَّه" اسمها. و"كيف": هُنَا ظَرْف، والعَامِلُ فيها: "يَغْسِل". ويحتمل أنْ تكُون في مَوضِع حَال مِن فَاعِل "يَغْسِل"، أي: " [أمخَللًا] (١) يَغْسِل رَأسَه؟ ". ويحتمل أنْ [يُقَدّر] (٢) بمَصْدَر، أيْ: "أيُّ غسْل كَان رَسُولُ اللَّه يَغْسِل؟ ". وجَاءَت "كيف" هُنا مُعَلّقة بـ "يَسْألك"، وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديثِ الثّاني عشر مِن "بَاب صِفَة صَلاة النبي ﷺ ". والعَامِلُ في المصْدَر: "يَغْسِل". وجملةُ "وهُو مُحْرِم" في محلّ الحَال مِن ضَمير الفَاعِل في "يَغْسِل". قولُه: "فوَضَعَ أَبُو أيُّوب يَدَه على الثّوب": المجرورُ يتعَلّق بـ "وَضَعَ"، و"يَدَه" مفْعُولُ "وَضَعَ"، و"أَبُو أيّوب" الفَاعِل. قولُه: "فطَاطَأه": معْطُوفٌ على "وَضَعَ". ومعنى "طَأطَأ": "خَفضه"، ومصْدَره: ["تطَأطُؤًا"] (٣). (٤) والذي وَقَع فيه الاختلاف بين ابن عبّاس والمسْور خِلاف مَا فَعَله أبو أيوب

стр. 1202

مِن صِفَة غسل الرّأس، وهو مُطابقٌ للسّؤَال، إلَّا أن يكُون المراد بقوله "يَغْسِل المحْرِم رَأسه": "غَسل مُبَالَغَة أم لا؟ ". (١) قولُه: "حَتّى بَدَا لي رَأسه": "حَتّى" حَرْفُ ابتِدَاء، وقَد تقَدّمَت في الحديثِ الثّاني مِن أوّل الكتاب. قولُه: "ثُمَّ قَالَ": معْطُوفٌ على ["فطَأْطَأَه"] (٢). قولُه: "لإنسَان": "اللام" في قَوله "لإنسَان" تُسَمّى "لام التبليغ". وجملة "يَصُبّ عَليه" صِفَة لـ "إنسَان"، وجملة "اصْبُب" معْمُولَة للقَول. قولُه: "فصَبّ على رَأسِه": أي "الماءَ"، فالمفْعُولُ محذُوفٌ. قولُه: "ثُمّ [حَرّك رَأسَه] (٣) بيَدَيه": "البَاء" للاستعَانَة (٤)، وفَاعِلُ "حَرّكَ": ضَميرُ "أَبِي أيّوب"، و"رَأسَه" مفعُول، و"بيَدَيه" يتعَلّق بـ "حَرّك". قولُه: "فأقْبَل بهما وأدْبَر": أي: "أقْبَل بيَدَيه وأدْبَر بهما إِلَى مُؤَخّر الرّأس"، وهو مَا فَوق "القَفَا". ويحتمل أنْ يُقْبِل بهما مِن المؤَخِّر إِلَى المقَدم، ثُم يَرُدّهما إليه. (٥) قولُه: "ثُمّ قَالَ: هَكَذا": "الهَاء" للتنبيه، و"الكَاف" جَارّة، و ["ذَا"] (٦) اسم

стр. 1203

إشارة مجرورة بـ "الكَاف" (١). أو تكُون "الكَاف" اسمًا مُقَدّرًا بنَعْت لمصْدَر محْذُوف، و ["ذَا"] (٢) مجرورٌ بالإضَافَة، والتَقْدير: "فِعْلَا مثل ذَا رَأيتُ النّبي ﷺ ". وأحْسَنُها أنْ تكُون "الكَافُ" مفْعُولًا بفِعْل مُتقَدّم عَليه، أي: "مثل ذَا رَأيتُ النّبي ﷺ يفْعَل"، أي: "يفْعَل مثل هَذا". والضّميرُ في "رَأيتِه" ضَمير "النّبي ﷺ "، وفَسّرَه بقَوله: " ﷺ ". وجملةُ "يَفْعَل" في محلّ الحَال مِن ضَمير المفْعُول في "رَأيتُه". قولُه: "وفي رِوَايةٍ": يتعَلّق بمَحْذُوف، أي: "وَجَاءَ في رِوَايةٍ"، [أو: "رُوِي"] (٣)، وعَليهما تكُون الجمْلَة بعد المجْرور في محلّ الفَاعِل لـ "جَاء"، أو في محلّ مفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله. وجملة "لا أُمَارِيك" معمُولة للقَول. ويحتمل أنْ تكُون جَوابًا لقَسَم محذُوف، أي: "واللَّه لا أمَارِيك". و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمَان، وَيأتي الكَلامُ عَليها في الثّاني عَشر مِن "كتاب النِّكَاح". وجمعُ "أبَدًا": "آبَاد" (٤). * * *

стр. 1204

باب فَسْخ الحَجّ إلى العُمْرَة الحدِيث الأَوّل: [٢٣٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُةُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ [وَاحِدٍ] (١) مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيُّ مِنْ الْيَمَنِ؛ فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً؛ فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ؛ فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ؛ فَقَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [يَنْطَلِقُونَ] (٢) بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؛ فَأَمَرَ عَبْدَ الرحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ (٣). [قولُه] (٤): "أهَلّ النبي ﷺ وأصْحَابه بالحَجّ": الجُمْلَة معْمُولة للقَوْل، و"بالحَجّ" يتَعَلّق بـ "أهَلّ"، و"أصْحَابه" مَعْطُوفٌ عَليه. قولُه: "وليس مَع واحِدٍ مِنْهُم هَدْي": جملة في محلّ الحَال مِن المعطُوف والمعطُوف عليه، و"هَدْي" اسمُ "ليس"، وخَبرهَا مُتعَلّق "مَع"، و"مِنْهُم" يتعَلّق بصِفَة لـ "وَاحِد".

стр. 1205

وتقَدّم الكَلامُ على "لَيْس" في الحَديثِ الأوّل مِن "الحَيْض"، وعلى "مَع" في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخُفّين". وَلَا يجُوزُ أنّ تتعَلّق "مِنْهُم" بصِفَة لـ "هَدْي"؛ لفَسَاد المعْنَى. وتقَدّم مثل هَذَا التركيب في قَوله ﷺ : "لَيْسَ على أكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (١) في الحديثِ السّابع مِن "باب جَامِع"، فانظُر مَا قِيل فيه. قولُه: "غَيرَ النّبِي ﷺ ": "غَير" نُصب بالاستِثْنَاء، وهُو الأصْلُ، ويجُوزُ فيه الجر على الصِّفَة لـ "وَاحِد"، وفيه بُعْدٌ، للفَصْل بَين الصِّفَة والموصُوف باسم "لَيس"، ولأنّه لَا يَبْقَى في الكَلامِ تَنْصيصٌ على أنَّ مَع النّبي ﷺ هَدْي. قولُه: "وطَلْحَة": معطُوفٌ على "النّبي"؛ فهو مخفُوضٌ، وعَلامَةُ الخفْض الفَتْحَة؛ لأنّه لا ينْصَرِف؛ للعَلَمِيّة والتّأنيث (٢). قولُه: "وقَدِم عَلَيٌّ مِن اليَمَن": جملةٌ مُستَأنَفَة، لا محلّ لها مِن الإعْرَاب، وتقَدّم ذِكْرُ الجُمَل التي لا محلّ لها في الحَديثِ الأوّل مِن الكِتَاب. قولُه: "فقَالَ: أهْلَلتُ بما أهَلّ به النَّبي ﷺ ": يحتمل أنْ يكُون هَذا جَوَابًا لسُؤَال قيل له: "بم أهْلَلْت؟ فقَالَ: أهْلَلتُ بما أهَلّ به النبي ﷺ "، والجمْلَة معْمُولَةٌ للقَول. ويحتمل أنْ يكُون إنْشَاء الإحْرام، و"مَا" مَوصُولَة بمَعْنى "الذي". وقَد جَاء في البخَاري: "أنّ النّبي قال لعَليّ: بِمَا أهْلَلْت؟ فَقَالَ: أهْلَلْتُ. . . " (٣)؛

стр. 1206

ففيه دَليلٌ على أنَّه جَوَاب. واستدلّ [به] (١) ابنُ مَالك على ثبُوت "الألِف" مَع "مَا" الاستفهاميّة بعْد حَرْف الجر. (٢) قَالَ ابنُ مَالك: في حديثِ [سُرَاقَةَ بن] (٣) مَالِك بن جُعْشُم "مُرْنِي بِمَ شِئْتَ" (٤) دَليلٌ على إجراء "مَا" الموصُولة مجرَى "مَا" الاستفهاميّة، في حَذْف ألِفِهَا إِذَا جُرّت، لكن يُشترَط كَوْن الصِّلَة "شَاءَ" وفَاعِلها، انتهى. (٥) و"الهَاءُ" في قَوْلِه "بِه" تعُود على "مَا". قولُه: "فأمَرَ النَّبي ﷺ أصْحَابَه أن يجعَلُوها عُمْرَة": تقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" في الحديثِ الأوّل مِن "بَاب السِّوَاك". وتقَدّم [في] (٦) العَاشِر مِن أوّل الكِتَاب فَرْق بَين "كَرِهْتُ خُروجَك" و"كَرِهْتُ أنْ تخرُج" (٧). والضّميرُ في قَوْله: "يجعَلُوهَا عُمْرَة" يعُود على الحجّة التي أحْرَمُوا بها، بمَعْنى أنّهم حَوّلُوا عَمَلَها إِلَى عَمَل العُمْرَة. و"عُمْرة" مفْعُول ثَان لـ "جَعَلَ"، والتقدير: "أنْ يجعَلُوا عَمَلها عَمَل عُمْرَة".

стр. 1207

وتقَدّم الكَلامُ على "جَعَلَ" في الرّابع مِن أوّل الكتَاب. قولُه: "فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا": كُلّها معطُوفَات على "أنْ يجعلوها"، وعَلامَةُ النّصب فيها حَذْفُ "النون". قولُه: "إلّا مَن كَان مَعَه الهَدْي": "مَن" موصُولة بمعنى "الذي"، وصلتها: جملة "كَان"، واسمها "الهَدْي"، وخَبرها مُتعَلّق "معه". ومحلُّ "مَن" وصِلتها وعَائِدها نَصْبٌ بالاستثناء، وهو استثناء مُتّصِل مِن مُوجَب. وتقَدّم الكَلامُ على "إلّا" في الحديثِ الرّابع من "التشهد". وتقَدّم الكَلامُ على "مَن" وأقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، وعلى "ثُم" في الثّاني من "الجنابة". وأتَى هُنا بـ "ثُم" ولم يَأت بـ "الواو"، لأنّ بين الطّواف والتقصير مُهْلَة، وهو زَمَنٌ طَويل. و"اليَاء" في "يَحِلّوا" مَفتُوحَة؛ لأنّه مِن "حَلّ" الثُّلاثي. وتقَدّم الكَلامُ على "مَع" في الحديثِ الأوّل مِن"المسْح على الخفّين". قوله: "فقَالُوا: نَنْطَلِق إِلَى مِنًى": حَرفُ الجر يتعَلّق بـ "ننطَلِق"، والجملَة كُلّها محكيّة بالقَول. و"منًى" مصروفٌ، اسمٌ للمَوضِع. وجملة "وَذَكَرُ أحَدِنا يَقْطر" مُبتدأ وخَبر، الخبرُ: جملة "يَقْطر". والجملة الكُبرى في محلّ حَال مِن فَاعِل "ننطلق"، والرابطُ: "الوَاو". قولُه: "فبَلَغَ ذَلِك النَّبي ﷺ : "ذَلِك" فَاعِلُ "بَلَغَ"، و"النّبي" مفعُوله. وإنَّما لم تظهر الحرَكَة في "ذَلِك"؛ لأنّه اسم إشارة. والجملَة معطُوفَة على الجمْلَة قبْلها. وجملة " ﷺ " مُعترضَة، لا محلَّ لها.

стр. 1208

قوله: "فَقَالَ": معطُوفٌ على "بَلَغَ"، والفَاعِلُ: "ضَميرُ النَّبي ﷺ ". " [فقَالَ] (١): لَو استَقْبَلتُ مِن أمْرِي مَا استَدْبَرت" "لَو" حَرْفٌ لما [كَان] (٢) سَيَقَع لوقُوع غيره (٣)، وجَوابُهَا: "مَا أهْدَيْت". وتقَدّم الكَلامُ على "لَو" في الحديث الأوّل مِن "الصّلاة". قوله: "ولولا أنّ مَعي الهَدْي لأحْلَلت": "لَولا" حَرفُ امتناع لوجُود، يلزم بعدها المبتدأ، ويجب معها حَذْفُ الخبر إِذَا سَدّ جَوابها مَسَدّه (٤)، كما جَاءَت هُنا. و"أنّ" في محلّ رَفْع بالابتِدَاء، أي: "لَولا وجود الهَدْي لأَحْلَلت". و"الهَدْي" اسمُ "أنّ" منْصُوبٌ، وخَبرهَا تقَدّم عَليه في "مَع". والجُملَة كُلّها مِن "أنّ" واسمها وخبرها في محلّ رَفْع. وتقَدّم الكَلامُ على "لَولا"، والموَاضِع التي يُحذَف فيها الخبر وجُوبًا في "باب السّواك"، وفي الثّالِث مِن "بَاب استِقْبَال القِبْلَة". قوله: "وحَاضَت عَائِشَة": جملَة مُستأنَفَة، "فنَسَكَت" معْطُوفٌ عَليه، و"المنَاسِك" مفعُولٌ على السّعَة، أي: "في المنَاسِك"، أو تضمّن "نَسَكَ" مَعْنى "فَعَلَ"،

стр. 1209

أي: "فَعَلَت المنَاسِك"، و"كُلّهَا" تَأكِيدٌ للمَنَاسِك. قوله: "غير أنَّها لم تَطُف": تقَدّم الكَلامُ على "غير" في الحديثِ الأوّل من "باب استقبال القبلة"، وحُكمُها مع "أنّ" في الثّاني عشر من "الجنائز". وبقي شيءٌ مِن مَواضِعها، وذَلك أنّها تقْطَع عَن الإضَافَة؛ فتقول: "ليس غير" و"لا غير"، والجمهُورُ على جَواز "لا غير". وذَكر ابنُ هِشَام (١) أنّ "لا غير" لحنٌ، وفي قوله نَظَر، انتهى. (٢) و"غَير" منصُوبَة بالاستِثْناء المتّصِل، والتقديرُ: "نَسَكَت المنَاسَك كُلّها غَير الطّوَاف بالبيت". قولُه: "فلَمَّا طهرت": "لمّا" حَرْفُ وجُوب لوجُوب، واختار الفَارسيّ أنَّها ظَرْف زَمَان بمَعنى "حين"، ومَا بعْدَها في محلّ جَر بها، والعَامِلُ فيها جَوابها، واختَار ابنُ مَالك كَونها بمَعنى "إذ"؛ فيكون أيضًا مَا بعْدَها في مَوضِع جَر بها. وعلى القَول بأنّها حَرفُ: فيجب أن يكُون الواقِع بعْدَها في محلّ جَزْم؛ لأنّها تكُون مِن حُروف [المُجَازَاة] (٣) لافتقَارِهَا إِلَى جَوَابٍ. (٤)

стр. 1210

قولُه: "وَطَافَت": معطُوفٌ على "طَهرَت". و"قَالَت": جَوابُ "لمّا". قوله: "ينْطَلِقُون": مِن تمام الجُمْلَة المحكيّة بالقَول، والضّميرُ يعُود على "مَن تمتّع، فأَتَى بالعُمْرَة ثُم بالحَجّ". قوله: "بحَجّ وعُمْرَة": لَو جَاء: (وعُمْرَةً) [منصُوبًا] (١) كَان حَسَنًا، أي: "بحَج مع عُمرةٍ". و"أنْطَلِق بحَجّ" معطُوفٌ عَليه، أي: "بحَجّ مُفرَد"، فحذفَ الصِّفَة. قوله: "فأمَرَ": أي: "النبي ﷺ "، "عبد الرّحمن بن أَبِي بكر أنْ يخرج" التقديرُ: "بأنْ يخرُج"، فحذف حَرْف الجر مِن المفعُول الثّاني، ولو قَالَ: "فأمَرَ عبدَ الرَّحمن بالخروج مَعَها" جَاز؛ لأنّه مَصْدَر، بخِلافِ قَولك: "أمَرتُ زيدًا بعَمرو"؛ فإنّه لا يجُوزُ: "أمَرتُ زَيدًا عَمْرا" (٢). وقد تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في الحديثِ الأوّل مِن "بَاب السّوَاك". قوله: "فَاعْتَمَرت بعْدَ الحجّ": هُنا محذُوفٌ تقديره: "فخَرَجَ مَعَها إِلَى التنعيم، فاعتَمَرت بعْد الحج"، وقَد جَاء ذَلك مُبيّنًا في روايةٍ أخرى. الحدِيث الثّاني: [٢٣٨]: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً" (٣). قوله: "قَدِمنا مَع رسُول اللَّه ﷺ : يعني: "إِلَى مَكّة". يحتمل أنْ يكُون عَبّر

стр. 1211

بـ "القُدوم" عَن التّوَجّه؛ لأنّ أمره لأصحَابه بأنْ يجعلوها عُمْرَة كَان قبل دُخُول مَكّة، أو يكون مِن باب التسمية بما يَؤول إليه حَالهم تَفَاؤلًا. ويحتمل أنْ يكُون أمْره ﷺ بذَلك كَان لبَعْض أصْحَابه بعْدَ قُدومِهم مَكّة، وكَان أمره لغَيرهم قبْل دُخُوله. وكذلك قوله: "ونَحْن نقُول: لبّيك بالحَجّ" لم يكُن ذلك فيهم كُلّهم؛ لأنّه وَرَدَ في حديثٍ غير هذا: "فمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالعُمْرَةٍ" (١)، وسيأتي في الحديث الذي بعْد هَذا مَا قَالَه القَاضي (٢) في وَقْتِ ذلك. قوله: "ونحْن نقُول: لبّيك بالحَجّ": جملة في محلّ الحَال مِن فَاعِل "قَدِمْنَا". وقد تقَدّم الكَلامُ على "لبّيك" قَريبًا في الحديث السّابع مِن "بَاب ما يلبس المحرم". وتقَدّم الكَلامُ على "نحْن"، وهو ضَميرُ رَفع مُنفَصِل، للمُتكَلّم ومَعَه غيره، أو للمُعَظِّم نفسه، ويُبنى للافتقار إِلَى مُفسّر، كأخواته. وحُرِّك آخِره؛ لئلا يجتمع سَاكِنَان. وضُمّ؛ لأنّه ضَميرُ رَفْع لمتكَلِّم، فأَشْبَه "تَاء" "قُمْتُ"، وقيل: لأنّ "النّون" تُشبه "الواو"، فحُرِّكَت بما يُجانِسها. (٣) وموضِعه رَفْعٌ بالابتِدَاء، وخَبره: جملَة "نقُول"، و"لبّيك. . . إِلَى أَخِره" معْمُولُ للقَول. قولُه: "فأمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ": هُنا محذُوفٌ، أي: "أمَرَنَا بفَسْخها؛ فجَعَلناها عُمرة"، أو "أمَرَنا بأنْ نجعَلها عُمرة؛ فجَعَلناها عُمرة". والضّميرُ في "جَعَلْنَاها" يعُود على "الحجّة" وإنْ لم تُذكر؛ لأنّ الكَلامَ يدُلُّ عَليها. أو يكُون الضّمير يعُود على "التلبية"؛ لأنّها تقَدّمَت بالحَجّ، أي: "فجَعَلنا

стр. 1212

التلبية تلبية عُمْرَة". وتقَدّم الكَلامُ على جَعَلَ في الحديثِ الرّابع مِن الكتاب. الحدِيث الثّالِث: [٢٣٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَباسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ" (١). قولُه: "صَبيحة رابعة": يُريد "صَبيحة ليلة رابعة". وقد اختُلِف في الوَقْت الذي أمَرَهم النّبي ﷺ فيه بالفَسْخ. فقال القَاضي: الذي تدُلُّ عليه النّصُوص في "صَحيح البخاري" و"مُسلم" وغيرهما أنّ ذلك بعد إحرامهم بالحَج ومُنتهى سَفرهم ودنوهم مِن مَكّة بـ "سرِف" على ما في حَديث عَائِشَة (٢)، وبعد طوافه بالبيت وسَعيه على ما في حَديثِ جَابر (٣). ويحتمل [تكراره] (٤) الأمْر بذلك بالموضعين. (٥) وقَالَ الإمامُ المازري: يحتمل أنْ يكُون ذَلك عِنْد الإحْرَام؛ ليكُون مَا فَعَلُوه قِرانًا، أو بعد إحرامهم بالعُمْرة؛ فيكُون ذلك إرْدَافًا. (٦) قولُه: "صَبيحة رَابعة": يُريد به "مِن الشهر"، فـ "صبيحة رَابعة" منصُوبٌ على

стр. 1213

الظّرف، والعَامِلُ فيه: "قَدِم". وجملة "قَدِم" معمُولَة للقَول. و"أصْحَابه": مَرفُوعٌ، معطُوفٌ على "رَسُول اللَّه"، ويجُوز فيه النّصب على أنَّه مفعُولٌ مَعه. قوله: "فأمَرَهُم أنْ يجعلوها عُمرة": تقَدّم الكَلامُ على "أمَر" في أوّل "باب السّواك". و"أنّ" في محلّ نَصب بـ "أمَرَ"، أو جَر، على الخِلاف. وعَلامَةُ النصب في " [يجعلوها] (١) حَذفُ "النون". ويحتَمل أنْ تكُون "جَعَلَ" بمَعنى "صَيّر"؛ فتكُون "عُمْرَة" خَبرهَا. ويحتَمل أنْ تكون بمَعْنى "سَمّى"، أي: ("أمَرَهُم أنْ يُسَمّوهَا عُمْرَة". وقَد تقَدّم الكَلام على "جَعَلَ" في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب. قوله: "قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّه، أيّ الحِلّ": أي: "قَالَ أصْحَابُه المحْرِمُون بالحَجّ. . . ". و"أيّ الحِلّ؟ " يجُوزُ فيه الرّفعُ على الابتِدَاء، والخبرُ محذُوفٌ، أيْ: "أيّ الحِلّ نُحِلّه". ويكُون قَوله: "الحِلّ كُلّه" مُبتَدأ خَبره محْذُوفٌ، أي: "الحِلّ كُلّه أَحِلُوا"، ويكون "كُلّه" تأكيدًا للحِلّ. أو تُقَدّر له مُبتدأً، أي: "هُو الحلُّ كُلّه". ويجوزُ النّصبُ، أي: "أحِلّوا الحِلّ كُلّه". ويجوز أيضًا على المصدَر، أي: "أيّ الحِلّ نُحِلّ؟ "؛ لأنّ "أيًّا" إِذَا أضيفت إِلَى المصْدَر انتصبت [انتصابه] (٢)، فأعربت مَصْدرًا، وكذلك إِذَا أُضيفت إِلَى مَكَان كانت مَكانًا، أو إِلَى زَمَان كَانت زَمَانًا (٣).

стр. 1214

والعَامِلُ في "أيّ": "نحِلّ". لكن الرّوَايةَ إِذَا عُلِمَت اتبعَت. وجاز تأكيد "الحلّ" بـ "كُلّ"؛ لأنّ الحِلّ يتجزئ، فبعضه بالرّمي، وبعضه بالإفَاضَة. ولم يسألُوا عَن ذَلك، وإنَّما أرادوا بالاستفهام التحقيق في الجواب، هل هو الحِلّ الذي يعهَدُونه من الإحرام؟ أو هو حِلّ آخَر يختصّ [بتلك] (١) الحجّة في ذلك الإحرام؛ فأجَابَهم النّبي ﷺ عَن ما اشتبه عليهم. الحدِيث الرّابع: [٢٤٠]: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ -وَأَنَا جَالِسٌ- كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: "كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ" (٢). العَنَقُ: "انبساطُ السَّيرِ". والنَّصُّ: فوق ذلكَ. قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: هَذا الحديثُ لا يتعَلّق بفَسْخ الحَج إِلَى العُمرة، وأدْخَله المصَنِّف في بابه. (٣) قوله: "عن عُروة": أي: "رُوي عن عُروة أنّه قَالَ"، فـ "أنّه قَال" في محلّ المفعُول الذي لم يُسَمّ فَاعِله. [. . . أسَامَة] (٤). و"كيف" تأتي بعْد "سَأل" لتسدّ مَسَد المفعُول الثّاني؛ لأنّ "سَأل" تجري مجرَى

стр. 1215

أفعَال القُلوب؛ لكَونه يَظْهَر به مَا في القَلْب. (١) وجملة "وأنَا جَالِس" مِن مُبتدأ وخَبر، في محلّ الحال، و"الواو" "واو" الحَال. وقد تقَدّم الكَلامُ على الجُمَل الحالية في الثّالث من "المذي". و"أنَا": ضَمير مَرفُوع مُنفَصِل (٢). و"كَيْف" هُنا يحتمل أنْ تكُون منصُوبة المحَلّ على المصْدَر، أيْ: "أيّ سَير كَان يَسير رَسُول اللَّه؟ ". ويحتمل أن تكُون حَالًا، أي: "أمعنقًا أو منصًّا؟ "، فهو حَالٌ من فَاعِل "يَسير". وجملة "يَسير" في مَوضِع خَبر "كان". و"حين": ظَرْفُ زَمَان، العَامِلُ فيه: "يَسير". و"دَفَع" جملة في محلّ جَر بالظّرْف. وتقَدّم الكَلامُ على "حين" في الخامِس مِن "صِفَة صَلاة النبي ﷺ ". قولُه: "كَان يَسير العَنَق": "كَان" واسمها وخبرها، فاسمها مُستتر في "كان" ضَميرٌ يعُود على "النبي ﷺ "، والخبرُ جملة "يَسير". و"العَنَق": بفتح "العَين" و"النّون"، اسمُ المصْدَر، والمصْدَرُ من "أعْنَقَ"، "إعْنَاقًا". (٣) فالمرادُ هُنا: "كَان يَسير سَير العَنَق"، فحذف المضَافَ وأقَامَ المضَافَ إليه مَكَانه، أو يكُون التقدير: "سَيرًا مثل سَير العَنق". قولُه: "فإذَا وَجَدَ فَجْوَةَ نَصّ": تقَدَّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث الثّاني مِن الأوّل، وجَوَابها: "نَصّ"، وهُو العَامِلُ فيها إن قُدِّر فِعْلها في محلّ جَر بالإضَافَة إليها،

стр. 1216

وإلّا ففِعْلُها العَامِلُ فيها، وقد تقَدّم. و"وَجَد" تقَدّم الكَلامُ عليها في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا بمَعنى: "أصَاب". و"الفَجْوَة": "الفُرْجَةُ بين الشّيئين". (١) و"النّصّ": "غَايةُ [الشيء] (٢) وأقْصَاه"، ثم سُمّي به ضَرْبٌ من السّير، قاله ابنُ الأثير. (٣) الحدِيث الخَامِس: [٢٤١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فقَالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقَالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ" (٤). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "الشّعور": "العِلْم"، وأصله من المشَاعر، وهي الحوَاسّ؛ فكأنه يستند إلى الحواسّ. انتهى. (٥) قوله: "أنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ": فُتِحَت "أنّ" لأنّها في موضِع القَائم مَقَام فَاعِل مُتعَلّق حَرْف الجرّ. وجملة "وَقَفَ" في مَوضِع خَبر "أنّ". قالَ ابنُ الأثير: يُقَال: "وَقَفْتُهُ"، فَـ "أوَقَفَ" و"اتَّقَفَ"، أصلُه: "اوتَقَفَ"، "افتَعَل"، من "الوقوف". (٦)

стр. 1217

و"في حَجّة": يتعَلّق بـ"وَقَف". والمرادُ: "في زَمَن. . . حجّة الوَدَاع": والاسمُ مُرَكّب تركيب إضَافة، عَلَم على "حجّة النبي ﷺ التي لم يحجّ بعْدَها"، إلَّا أن تكُون الالِف واللام بعْدَها [عِوضًا] (١) مِن ضَمير الإضَافَة، أي: "في حجّة وَدَاعِه"؛ فينتقِل عَن مَعنى العَلَمِيّة. وهُنا محذُوفٌ، أي: "وَقَف في حجّة الوَدَاع بعَرَفَة". و"الوَدَاع": بفَتْح "الوَاو": [اسمٌ] (٢) للتودِيع. (٣) قوله: "فجَعَلوا يسْألُونه": معطُوفٌ على "وَقَف". و"جَعَل" هُنا مِن أفعَال المقَارَبة (٤)، خبرها: جملة "يسألُونه"، وتقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديث الرّابع مِن أوّل الكتاب، واسم "جَعَلَ" يعُود على محذُوفٍ تقْدِيره: "فوَقَفَ للنّاس فجَعَلُوا يسْألُونه". وهنا محذُوفٌ تقْديره: "يَسْألُونه عَن أفْعَال الحَجّ". وجملة "فقَالَ رَجُلٌ" معطُوفَة على "يسألُونه"، وإن لم [يجر] (٥) مجراهَا، وَلَا [يحلّ] (٦) محلّها، وقد تقَدّم أنّ ذَلك عندهم ليس بمَشْروطٍ في المعطُوف عليه. (٧)

стр. 1218

قوله: "لم أشْعُر": الجمْلَة معمُولَة للقَوْل، التقديرُ: "حَلَقتُ قبل الذّبح ولم أشْعُر"، لكنّه قَدّم مَا يدْفَع عنه اللَوم ويقيم له العُذر، وهو عَدَم شُعوره؛ ولذلك أتى بـ "الفَاء" المقتَضية للسّببيّة. ويحتمل أن يكُون التقديرُ: "لم أشْعُر بالمنْع -أو بالحُكْم- فحَلَقتُ". وتقَدّم الكَلامُ على "قبْل" و"بعْد" في الرّابع مِن الأوّل. قولُه: "أنْ أذْبَحَ" و"أنْ أرْمِي": في مَوضِع جَرّ بالإضَافَة، أي: "مِن قبْل الذّبح" و"مِن قبْل الرّمي". قوله: "اذْبَح": يحتمل أنْ يُريد النبي ﷺ "في المستقبَل، في إحْرَام غير هَذَا"، "وَلَا حَرَجَ" إنْ كَان ذَبَح ورَمَى، أو إنْ كَان ذَبَح ولم يَرْم؛ فالأمرُ على ظَاهِره. (١) وخبرُ "لا" محذُوفٌ، أي: "لا حَرَجَ عَليْك"، مثل: "لا بَأس" (٢). وجَاز هُنا إنْ عَملَت "لا" عَمَل "إنّ" حَذفُ الخبر، كما جَاز فيها إِذَا عَملَت (٣) عَمَل "ليس" في قَولهم: مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأنَا ابنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ (٤)

стр. 1219

أي: "لا برَاحَ لِي". (١) والجمْلَة في محلّ الحَال، أي: "افْعَل ذَلك غَير آثِم". قولُه: "فجَاءَ رَجُلٌ آخَر": "آخَر" ["أفْعَل"] (٢)، ولم يجئ هُنا لمعنى التفضيل، إنّما جَاءَ لمعنى الوَصْف بالتأخّر عَن الذي قبْله. (٣) قولُه: "فقَالَ: لم أشْعُر فنَحَرْتُ قبْل أنْ أرْمي. فقَالَ: ارْم": [فِعْلُ أمْر، محذُوف حَرْف العِلّة] (٤). و"لا حَرَج" إعرابه كإعْرَاب الذي قبْله. وعَلامَةُ النّصب في "أنْ أرْمي" الفتْحَة، ولَو كَان مَرفُوعًا لكَانَت الضّمّة مُقَدّرَة، أو مجزومًا لكَان بحَذْف "الياء". قولُه: "فما سُئل عَن شيء": أي: "مَا سُئل النبي". وتقَدّم الكَلامُ على "سَألَ" في الثّاني عَشر مِن "بَاب صِفَة الصّلاة". والعَامِلُ في "يَومئذ": "سُئِل". وتقَدّم الكَلامُ على "شَيء" في الحديثِ الثّاني مِن "باب المرور". و"قُدِّم" و"أُخِّر": فِعْلان مَاضِيان مَبنيّان للمَفْعُول، في محلّ الصِّفة لـ "شيء"،

стр. 1220

والمرادُ: "مِن مَسنُونَات الحَجّ غير المرتّبَة". وأمّا المترتّب مِن المنَاسِك: فلا يجُوزُ تقديمُ بعضِه على بعْض. قولُه: "وَلَا أُخِّر": بزيَادة "لا" النّافية؛ تأكيدًا للنّفي في قولِه: "ما سُئل"، أي: "وَلَا سُئل عَن شيءٍ أُخِّر"، فحَذف الجملَة كُلّها لدلالَة النفي عليها، ولو لم تَأت "لا" لم يتَخَلّص هَذَا المعْنى. قوله: "إلّا قَالَ": إيجابُ للنّفي. و"قَالَ" في محلّ الحَال، وهو [أحَد] (١) الموَاضِع التي يجب حَذْف "قَد" فيها مَع الماضي الوَاقِع حَالًا. وقد تقَدّم أنّ مِثال ذَلك: "مَا تكَلّم إلّا قَالَ حَقًّا" (٢)، وذَكَرنا ذَلك في الحديثِ السّابع مِن أوّل الكتاب. وجملة "افْعَل وَلَا حَرَج" معمُولة للقَول. ويجوز في "الواو" في قَوله: "وَلَا حَرَج" أنْ تكُون بمعنى "البَاء"، أي: "افْعَل بلا حَرَج". وقد سُمِع مِن كَلامِهم: "بعْتُ شَاةً ودِرْهمًا"، أي: "بدِرْهَم". (٣) وقيل في قولِه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]: إنّ "الواو" بمعنى "الباء"، أي: "خَلَطُوا عَمَلًا صَالحًا بآخَر سَيئًا". (٤)

стр. 1221

الحدِيث السَّادِس: [٢٤٢]: عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الْجمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبقَرَةِ، ﷺ " (١). قوله: "أَنَّهُ حَجّ": فُتِحَت "أنّ" لأنّها معْمُولة للعَامِل في حَرْف الجر. وجملة "حَجّ" في محل خَبر "أن". و"مَع ابن مَسْعُود": مُتعَلّق بـ "حَجّ". و"مَع" تقَدّم الكَلامُ عَليها في الحديثِ الأوّل مِن "المسْح على الخُفَّيْنِ". وجملة "فَرَآه" معطُوفَة على جملة "حَجّ". والضّميرُ البَارِز في "رآه" يعُود على "ابن مَسْعُود"، والمستتر يعود على "عبد الرحمن". والرؤية بَصَريّة تتعَدّى إلى مفعُول واحِد. وعلى هذا: تكون جملة "يَرمي" في محلّ حَال من ضَمير "عبد اللَّه بن مسعود". و"الجمرة" مفعُولُ "يَرمى"، و"الكُبرى" صِفة "الجمرة". و"كُبْرَى": "فُعلى"، تَأنيثُ "أكْبَر" (٢)، تقَدّم الكَلامُ على هَذا المثَال في الثّاني من "باب دخُول مَكّة". ويحتمل وَصْفها بـ "الكُبرَى" أنْ يكُون لأجْل أنّها تختصّ بالرّمي في اليوم الأوّل دون أختيها، أو لأنّها في نَشَز (٣) من الأرْض بخلاف أختيها، أو لأنّها أقرَب إِلَى

стр. 1222

البيت؛ فلهَا شَرَفٌ زَائد بذَلك. (١) واللَّه أعلم. قوله: "بسَبع حَصَيات": هو جمعُ "حَصَاة"، مثل: "بَقَرَة" و"بَقَرات". ويُقَال: "حَصَاة" و"حَصَى". (٢) و"الباء" في "بسبع": "باء" الاستعانة. و"سبع": اسم جمع، وسقطت العَلامَة منه على القَاعِدة في عَدَد المؤنّث. قوله: "فجَعَلَ البيت": معطُوفٌ على مَا قبله، أي: "جهة منى"؛ لأنّه واقِفٌ في مِنى. قوله: "ثُمَّ قَالَ" أي: "عبد اللَّه بن مسعود". "هَذا مَقَامُ الذي أُنزِلَت": "المقَام": "مَفْعَل"، مِن"القِيَام"، ويكُون للمَصْدَر والزّمَان والمكَان (٣)، والمرادُ به هُنا: المكَان. و"هَذا" مُبتَدأ، و"مَقَام" خَبره. و"الذي أُنزِلَت": جملة "أُنزِلَت" صِلَة "الذي"، والعَائدُ الضّميرُ في "عَليه". و"سُورَة": مفعُولٌ لم يُسَمّ فَاعِله لـ "أُنزِلَت". والجمْلَة مِن الصِّلَة والموصُول في موضِع جَر بالإضَافة إِلَى "مَقَام". وإنَّما خَصّ "سُورة البقرة" لما اشتملت عليه من أحكَام الحَجّ. (٤)

стр. 1223

الحدِيث السّابِع: [٢٤٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ (١). قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ" (٢). قوله: "اللهم": مُنَادَي، عُوّض من حَرْف النِّداء "الميم" عند البصريين؛ ولذلك لم يجمَعُوا بينهما إلّا في ضَرورة، كقوله: إنِّي إذَا مَا حَدَثٌ ألَمَّا ... أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا (٣) خلافًا للفَرّاء (٤)؛ فإنه يقُول: الأصْلُ: "يا اللَّه أُمّنَا بخَير". ورُدّ هَذا بقَوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ لما فيه مِن التنَاقُض. (٥) وتقَدّم ذِكْرها في الحديثِ الأوّل مِن "الاستطابة". قوله: "ارْحَم المحَلّقين": قَالَ ابنُ الأثير: "المحَلِّقُون": "الذين حَلَقوا شُعورهم

стр. 1224

في الحج أو العُمرة". وإنّما خَصّهم بالدّعَاء دون "المقَصّرين" -وهم الذين أخَذُوا مِن أطْرَاف شعورهم، ولم يحلِقُوا- لأنّ أكثر مَن أحْرَم مع النبي ﷺ لم يكُن [لهم] (١) هَدْيٌ، وكَان النبي ﷺ قد سَاقَ الهَدْيَ، ومَن معه هَدْي فإنّه لا يحلِق حَتَّى ينحَر هَدْيَه، فلمّا أمر مَن ليس معه هَدْي أن يحلِق ويُحِلّ وَجَدوا في أنفسهم مِن ذلك، وأحَبّوا أن يأذَن لهم في المقام على إحْرَامهم حَتَّى يُكْمِلُوا الحَجّ، وكانت طَاعَة النبي ﷺ أوْلى [بهم] (٢)، فلَمَّا لم يكُن لهم بُدّ مِن الإحْلال كَان التقصير في نفوسهم [أخَفّ] (٣) مِن الحَلْق؛ فمالَ أكثرهم إليه، وكَان فيهم مَن بادَر إِلَى الطّاعَة وحَلَق ولم يُراجِع؛ فلذلك قَدّم المحَلّقين وأخَّر المقَصِّرِين. (٤) قوله: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه، والمقَصِّرين؟ قَالَ: والمقَصِّرين": هَذَا معطُوفٌ على محذُوف، تقديره: "يا رَسُولَ اللَّه، قُل: اللَّهُمَّ ارْحَم المحلّقين والمقصرين". ويحتمل أن يكُونوا أرادوا "واو مَعَ" لا "واو العَطْف"، فقالوا: "يا رسول اللَّه مع المقصِّرين". والأوّل أظهَر؛ لأنه في الآخرة أجابهم بطِبْق سُؤالهم. (٥) وانظر كيف قَالوا أوّل مُرَّة: "والمقَصّرين يا رسُولَ اللَّه" وفي الثّانية: "يا رسُولَ اللَّه والمقَصِّرين"، فقَدَّموا "المقَصّرين" في أوّل سُؤَالهم، وأخَّروهم في المرّة الثّانية، وهَذا فيه [ضَرْبٌ] (٦) من التلطّف ودَفْع المعَارَضَة؛ لأنّهم في الأولى قدّموا ما هُم عليه

стр. 1225

أحْرَص وثنّوا بتنبيهه بحَرْف النداء وتعظيمه بصفته العُظمَي، وفي الثّانية بدَؤوا بتعظيمه والتضرّع إليه وثنّوا بمَقصودهم ومُعظم حَاجتهم، [ولعَلّ] (١) ذلك [أنْ] (٢) يكُون من الأسباب المليّنة له في إجابتهم. واللَّه أعلم. فقوله: "والمقَصِّرين" معْطُوفٌ على "المحَلّقين"، وإن فَصَل بين الكَلامَين كَلامهم وسُؤَالهم. الحدِيث الثَّامِن: [٢٤٤]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ. [قَالَ] (٣): "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: "اخْرُجُوا" (٤). وَفِي لَفْظٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "انْفِرِي" (٥). قال الشيخُ تقيّ الدِّين: ["عَقْرَى"] (٦) مفتُوحُ "العَين" سَاكنُ "القاف"، و"حَلْقى" مفتوح "الحاء" سَاكن "اللام". وآخِر اللفظَين بـ "ألِف" التأنيث المقصُورة مِن غَير تنوين.

стр. 1226

وقَالَ بعضُهم: "عَقْرَىً حَلْقَىً" بالتنوين؛ لأنه أشْعَر أنّ الموضِع مَوضِعُ دُعَاء، فأجراه مجرى كلام العَرَب في الدُّعَاء بالفَاظ المصَادر، فإنها مُنَوّنة، كقَولهم: "سَقْيًا" و"رَعْيًا" و"جَدْعًا" و"كيًّا". وقيل: "عَقْرَى" بمَعنى "عَقَرَهَا اللَّه". وقيل: أرَاد "عَقَرَ قَومَها". وقيل: "جَعَلها عَاقرًا لا تَلِد". وأمّا "حَلْقَى": فإمّا بمعنى "حَلَق شَعْرها"، أو بمعنى "أصابها وَجَع في حَلْقها"، أو بمَعنى "تحْلِقُ قَومَها بشُؤمِهَا". وقيل: هَذا من الكَلام الذي كثر على ألسِنة العَرَب، حَتَّى لا يُرَاد به أصْل مَا وُضِع له، كقولهم: "تَرِبَت يَدَاك"، و"قَاتَلُه اللَّه"، و"أفْلَحَ وأبيه"، وغير ذلك من الألفاظ. (١) قوله: "حَجَجْنَا مَع النبي ﷺ فأفَضْنا": المعنى: "شَرَعْنا في أفعَال الحَجّ، فأفَضْنا"، فالفِعْل في الحقيقة على المقَدّر. و"يَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه: "أفَضْنا". والضّميرُ في "أفَضْنا" ضَمير الفَاعِل، وهُو كِنَاية عَن "عَائشة وأزْوَاجه"؛ لأنّ النّاس كُلّهم لم يُفيضوا في ذلك اليوم. وفيه: أنّ أزواجه إفاضتهن لم يكُن للنبي عِلْم بمَن تأخّر مِنْهُن عَن الإفَاضَة، حَتَّى قالت له عَائِشَة: "إنها أفاضَت". وعليه مِن الإشْكَال: أنّه إِذَا شَكّ في إفاضة صَفية، كيف طَلبها لحاجَته قبل إفاضَتها؟ إلا أنْ يحمَل أنّه عَلم بإفاضَتهن من حيث الجُمْلَة، فلَمَّا أخبر بحيضتها خَشِي أن تكُون تأخّرَت عَنهُن بسبب حيضتها فلم تُفِض؛ فقَالَ ذَلك، فأخبرته أنّ

стр. 1227

الحيضَة جَاءَت بعْد إفَاضَتها. قوله: "فَأرَاد منها ما يُريد": "مَا" مَوصُولَة مفْعُولَة، والعَائِدُ عَليهَا ضَميرٌ منصُوب محذُوف، التقدير: "الذي يُريده الرّجُل". وتقَدّم أنّ ضَمير المفعُول يحذَف غَالبًا مَع "شَاء" و"أرَاد" (١). و"مِن أهْله" يتعلّق بـ "يريد". قوله: "فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إنّها حَائِض": الجملَة كُلّها معمُولة للقَول. وقَال: "حَائض"، ولم يقُل: "حَائِضَة"؛ لأنّها صِفَة لا يشركها فيها الذّكَر، كـ "طَامِث" و"مُرْضِع" (٢). قوله: " قَالَ: أحَابستنا هِي؟ ": "أحابستنا" مبتدأ معتَمد على "همزة" الاستفهام، ووَقَع هُنا صِفَة مُطَابقة لمفْرَد؛ فيجُوز فيها ما يَجوز في: "أقَائمٌ زَيدٌ؟ " من الرّفع على الابتداء، و"زَيدٌ" فَاعِل سَدّ مَسَد الخبر، أو الرّفْع على الخبر، و"زَيدٌ" مبتدأ. (٣) ونظيرُ هَذه المسألة: قولُه ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " (٤). (٥) وَلَا يَجوز أن يكون "حابستنا" مبتدأ، و"هي" خبره؛ لأنّ "حابستنا" إضافته غير معرفة؛ لأنّ اسمَ الفَاعِل لا يتعرّف بالإضَافة إِذَا كان بمعنى الحال أو

стр. 1228

الاستقبال (١)، والمعنى هُنا على الاستقبَال. وإنَّما جاز أن يكُون مُبتدأ؛ لكونه اعتمَد على همزة الاستفهام. وإنَّما منعناه من أن يكون خَبرًا عن ["هي"؛ لأنّه لا يَجوز أن يخبر عن] (٢) النّكرة بالمعرفة (٣)؛ فلذلك قُلنا: يَجوز في "هِي" الوَجْهَان من الرفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الصّفة قد اعتَمَدت، أو الرّفع على الابتداء. وهَذان الوَجْهَان جائزان فيه، وفيما هو على المثال. بخِلافِ قَولك: "أقَائمٌ الزّيْدَان؟ "، فإنّه لا يجوزُ في "أقائم" إلّا الرّفع على الابتداء، وفي "الزيدان" الرّفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الوَجْه الآخَر -وهو أن يكون "الزيدان" مُبتدأ، و"قَائِم" خبر مُقَدّم- مُتعَذّر؛ لأنّ المبتَدأ المثنّى لا يُخبر عنه بمُفْرَد؛ وإذا تعَذّرَت المطَابَقَة امتَنَع الابتدَاء في "الزّيدان". (٤) ويبقى هُنا [سُؤال] (٥)، وهو على "ابن الحاجب" في قَوله في كافيته: "أو الصِّفَة. . . رَافعَة لظَاهر" (٦)، يعني: أنّ شرط الصّفة المعتَمدة على نفي أو استفهام أن

стр. 1229

تكون رِافعَة لاسم ظَاهر، لا رَافعة لاسم مُضمَر، وهذا هُنا اسمٌ مُضمَر، ويجوز فيه ما يَجوز في الاسم الظّاهر من جَواز [الوَجْهين] (١) مع المطَابقة في رَفع المضمَر؟ قال النّيلي (٢): الظّاهر أنّه أرَاد بـ "الظّاهر" المنفَصل؛ لأنّ الاتفاقَ على أنّ "أقائمٌ هُو؟ " جَائز على أنّ "هُو" مُرتفع بـ "قَائم". (٣) وقَالَ السّيد: الصّوابُ أنْ تقُول: "رافعة لغَير ضَمير مُستتر"؛ ليخرج منه مثل: "أقائمان الزيدان؟ "، ويدْخُل: "أقائم الزيدان؟ " و"أقائمٌ أنتم؟ ". (٤) ويُمكن أنْ يُجاب: بأنّ المرادَ بـ "الظاهر" الظّهور اللغوي، لا الاصطلاحي؛ وحينئذ لم يتوَجّه النقض بمثل: "أقائم أنتم؟ "؛ لأنّ "أنتم" ظَاهِرٌ في اللفظ. قولُه: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه. . . أفَاضَت يَوم النّحر": هذا يدُلّ على أنّه كَان مع "عَائِشَة" غيرها من أزواجه. وذكر الضّمير، وكَان من حَقّه أنْ يُقَال فيه: "قُلن: يا رَسُولَ اللَّه"، لأنَّها أرَادَت ["الحبس"] (٥)، والمعنى: "فلا حَبْس بسَببها". وهذا يدُلّ على أنّه أمْر مَشْهور عندهم، مَعْلُوم من خَبره ﷺ أنّ الحائضَ لا تطُوفُ بالبيت. قوله: "قَالَ: اخرُجُوا": المعنى: "تجهّزوا للتوَجّه"، أو [تقول] (٦): "اخرجوا [لتتجهوا] (٧) "، أو يحمَل على ظَاهِره (٨).

стр. 1230

قوله: "وفي لَفْظٍ": أي: "ورُوي في لفظٍ". "قَالَ النبي"؛ فتكُون جملة "قَالَ" وما بعدها مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله. ويحتمل أن تكون في محلّ رَفع بالابتداء، والخبرُ في المجرور، أي: "قولُه كَذا إِلَى آخِره ثابتٌ في لفظ". وتقَدّم الكَلامُ على "عَقْرَى" و"حَلْقَى". قوله هنا: "أطافت يوم النحر؟ " يُؤيّد ما تقَدّم مِن عَدم إحاطته بمَن طاف مِن نسائه ومَن لم يطف. قوله: "نَعَم": تقَدّم القَولُ على "نعم" في الحديثِ الرّابع من "الجنابة". قوله: "قَالَ: انفري": يحتمل أنْ يكُون أمرًا لـ "صَفيّة" بأن تنفر معهم. ويحتمل أن يكون أمرًا لـ "عَائشة" الرّاوية للحَديث. قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "نَفَر الحَاجّ مِن مِنى"، "نَفْرًا". و"نَفَر القَوم في الأمْر"، "نُفُورًا". و"نَفَرَت الدّابّة"، "تَنْفُر" و"تَنْفِر"، "نِفارًا" و"نُفورًا". (١) الحدِيث التّاسِع: [٢٤٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ" (٢). قولُه: "أُمر النّاس": الفعلُ مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، و"النّاس" مفعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله. وتقَدّم الكَلامُ على "ناس" ومَادّته في السّابع من "الإمامة". و"أُمِر" يتعَدّى لوَاحِد، وللثّاني بحَرْف الجر، الثّاني هُنَا: "أنْ يكون"، والتقدير: "بأنْ يكُون". وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" وتعَدّيه في الحديث الأوّل مِن "بَاب السِّوَاك". وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب. وهي هُنا النّاقِصَة،
следующие страницы →