← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وقَالَ بعضُهم: "عَقْرَىً حَلْقَىً" بالتنوين؛ لأنه أشْعَر أنّ الموضِع مَوضِعُ دُعَاء، فأجراه مجرى كلام العَرَب في الدُّعَاء بالفَاظ المصَادر، فإنها مُنَوّنة، كقَولهم: "سَقْيًا" و"رَعْيًا" و"جَدْعًا" و"كيًّا". وقيل: "عَقْرَى" بمَعنى "عَقَرَهَا اللَّه". وقيل: أرَاد "عَقَرَ قَومَها". وقيل: "جَعَلها عَاقرًا لا تَلِد". وأمّا "حَلْقَى": فإمّا بمعنى "حَلَق شَعْرها"، أو بمعنى "أصابها وَجَع في حَلْقها"، أو بمَعنى "تحْلِقُ قَومَها بشُؤمِهَا". وقيل: هَذا من الكَلام الذي كثر على ألسِنة العَرَب، حَتَّى لا يُرَاد به أصْل مَا وُضِع له، كقولهم: "تَرِبَت يَدَاك"، و"قَاتَلُه اللَّه"، و"أفْلَحَ وأبيه"، وغير ذلك من الألفاظ. (١) قوله: "حَجَجْنَا مَع النبي ﷺ فأفَضْنا": المعنى: "شَرَعْنا في أفعَال الحَجّ، فأفَضْنا"، فالفِعْل في الحقيقة على المقَدّر. و"يَوم" ظَرْفٌ، العَامِلُ فيه: "أفَضْنا". والضّميرُ في "أفَضْنا" ضَمير الفَاعِل، وهُو كِنَاية عَن "عَائشة وأزْوَاجه"؛ لأنّ النّاس كُلّهم لم يُفيضوا في ذلك اليوم. وفيه: أنّ أزواجه إفاضتهن لم يكُن للنبي عِلْم بمَن تأخّر مِنْهُن عَن الإفَاضَة، حَتَّى قالت له عَائِشَة: "إنها أفاضَت". وعليه مِن الإشْكَال: أنّه إِذَا شَكّ في إفاضة صَفية، كيف طَلبها لحاجَته قبل إفاضَتها؟ إلا أنْ يحمَل أنّه عَلم بإفاضَتهن من حيث الجُمْلَة، فلَمَّا أخبر بحيضتها خَشِي أن تكُون تأخّرَت عَنهُن بسبب حيضتها فلم تُفِض؛ فقَالَ ذَلك، فأخبرته أنّ

стр. 1227

الحيضَة جَاءَت بعْد إفَاضَتها. قوله: "فَأرَاد منها ما يُريد": "مَا" مَوصُولَة مفْعُولَة، والعَائِدُ عَليهَا ضَميرٌ منصُوب محذُوف، التقدير: "الذي يُريده الرّجُل". وتقَدّم أنّ ضَمير المفعُول يحذَف غَالبًا مَع "شَاء" و"أرَاد" (١). و"مِن أهْله" يتعلّق بـ "يريد". قوله: "فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إنّها حَائِض": الجملَة كُلّها معمُولة للقَول. وقَال: "حَائض"، ولم يقُل: "حَائِضَة"؛ لأنّها صِفَة لا يشركها فيها الذّكَر، كـ "طَامِث" و"مُرْضِع" (٢). قوله: " قَالَ: أحَابستنا هِي؟ ": "أحابستنا" مبتدأ معتَمد على "همزة" الاستفهام، ووَقَع هُنا صِفَة مُطَابقة لمفْرَد؛ فيجُوز فيها ما يَجوز في: "أقَائمٌ زَيدٌ؟ " من الرّفع على الابتداء، و"زَيدٌ" فَاعِل سَدّ مَسَد الخبر، أو الرّفْع على الخبر، و"زَيدٌ" مبتدأ. (٣) ونظيرُ هَذه المسألة: قولُه ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " (٤). (٥) وَلَا يَجوز أن يكون "حابستنا" مبتدأ، و"هي" خبره؛ لأنّ "حابستنا" إضافته غير معرفة؛ لأنّ اسمَ الفَاعِل لا يتعرّف بالإضَافة إِذَا كان بمعنى الحال أو

стр. 1228

الاستقبال (١)، والمعنى هُنا على الاستقبَال. وإنَّما جاز أن يكُون مُبتدأ؛ لكونه اعتمَد على همزة الاستفهام. وإنَّما منعناه من أن يكون خَبرًا عن ["هي"؛ لأنّه لا يَجوز أن يخبر عن] (٢) النّكرة بالمعرفة (٣)؛ فلذلك قُلنا: يَجوز في "هِي" الوَجْهَان من الرفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الصّفة قد اعتَمَدت، أو الرّفع على الابتداء. وهَذان الوَجْهَان جائزان فيه، وفيما هو على المثال. بخِلافِ قَولك: "أقَائمٌ الزّيْدَان؟ "، فإنّه لا يجوزُ في "أقائم" إلّا الرّفع على الابتداء، وفي "الزيدان" الرّفع على الفَاعِلية؛ لأنّ الوَجْه الآخَر -وهو أن يكون "الزيدان" مُبتدأ، و"قَائِم" خبر مُقَدّم- مُتعَذّر؛ لأنّ المبتَدأ المثنّى لا يُخبر عنه بمُفْرَد؛ وإذا تعَذّرَت المطَابَقَة امتَنَع الابتدَاء في "الزّيدان". (٤) ويبقى هُنا [سُؤال] (٥)، وهو على "ابن الحاجب" في قَوله في كافيته: "أو الصِّفَة. . . رَافعَة لظَاهر" (٦)، يعني: أنّ شرط الصّفة المعتَمدة على نفي أو استفهام أن

стр. 1229

تكون رِافعَة لاسم ظَاهر، لا رَافعة لاسم مُضمَر، وهذا هُنا اسمٌ مُضمَر، ويجوز فيه ما يَجوز في الاسم الظّاهر من جَواز [الوَجْهين] (١) مع المطَابقة في رَفع المضمَر؟ قال النّيلي (٢): الظّاهر أنّه أرَاد بـ "الظّاهر" المنفَصل؛ لأنّ الاتفاقَ على أنّ "أقائمٌ هُو؟ " جَائز على أنّ "هُو" مُرتفع بـ "قَائم". (٣) وقَالَ السّيد: الصّوابُ أنْ تقُول: "رافعة لغَير ضَمير مُستتر"؛ ليخرج منه مثل: "أقائمان الزيدان؟ "، ويدْخُل: "أقائم الزيدان؟ " و"أقائمٌ أنتم؟ ". (٤) ويُمكن أنْ يُجاب: بأنّ المرادَ بـ "الظاهر" الظّهور اللغوي، لا الاصطلاحي؛ وحينئذ لم يتوَجّه النقض بمثل: "أقائم أنتم؟ "؛ لأنّ "أنتم" ظَاهِرٌ في اللفظ. قولُه: "قالوا: يا رَسُولَ اللَّه. . . أفَاضَت يَوم النّحر": هذا يدُلّ على أنّه كَان مع "عَائِشَة" غيرها من أزواجه. وذكر الضّمير، وكَان من حَقّه أنْ يُقَال فيه: "قُلن: يا رَسُولَ اللَّه"، لأنَّها أرَادَت ["الحبس"] (٥)، والمعنى: "فلا حَبْس بسَببها". وهذا يدُلّ على أنّه أمْر مَشْهور عندهم، مَعْلُوم من خَبره ﷺ أنّ الحائضَ لا تطُوفُ بالبيت. قوله: "قَالَ: اخرُجُوا": المعنى: "تجهّزوا للتوَجّه"، أو [تقول] (٦): "اخرجوا [لتتجهوا] (٧) "، أو يحمَل على ظَاهِره (٨).

стр. 1230

قوله: "وفي لَفْظٍ": أي: "ورُوي في لفظٍ". "قَالَ النبي"؛ فتكُون جملة "قَالَ" وما بعدها مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله. ويحتمل أن تكون في محلّ رَفع بالابتداء، والخبرُ في المجرور، أي: "قولُه كَذا إِلَى آخِره ثابتٌ في لفظ". وتقَدّم الكَلامُ على "عَقْرَى" و"حَلْقَى". قوله هنا: "أطافت يوم النحر؟ " يُؤيّد ما تقَدّم مِن عَدم إحاطته بمَن طاف مِن نسائه ومَن لم يطف. قوله: "نَعَم": تقَدّم القَولُ على "نعم" في الحديثِ الرّابع من "الجنابة". قوله: "قَالَ: انفري": يحتمل أنْ يكُون أمرًا لـ "صَفيّة" بأن تنفر معهم. ويحتمل أن يكون أمرًا لـ "عَائشة" الرّاوية للحَديث. قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "نَفَر الحَاجّ مِن مِنى"، "نَفْرًا". و"نَفَر القَوم في الأمْر"، "نُفُورًا". و"نَفَرَت الدّابّة"، "تَنْفُر" و"تَنْفِر"، "نِفارًا" و"نُفورًا". (١) الحدِيث التّاسِع: [٢٤٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ" (٢). قولُه: "أُمر النّاس": الفعلُ مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، و"النّاس" مفعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله. وتقَدّم الكَلامُ على "ناس" ومَادّته في السّابع من "الإمامة". و"أُمِر" يتعَدّى لوَاحِد، وللثّاني بحَرْف الجر، الثّاني هُنَا: "أنْ يكون"، والتقدير: "بأنْ يكُون". وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" وتعَدّيه في الحديث الأوّل مِن "بَاب السِّوَاك". وتقَدّم الكَلامُ على "كَان" في الحديث الأوّل من الكتاب. وهي هُنا النّاقِصَة،

стр. 1231

اسمها "آخِر" بالرّفع، وخبرها في المجرور، أى: "أن يكون آخِرُ عَهْدِهم كَائنًا بالبيت". ويحتمل أن يكُون "آخِر" منصُوبًا على أنَّه خَبرها، واسمُها مُتأخِّر مُقَدَّر يتعَلّق به حَرْف الجر، تقديره: "أن يكُون آخِرَ عَهْدهم كائنًا في البيت". ويحتمل أنْ يكون "آخِر" منصُوبًا على أنَّه خبرها، واسمها مُتأخّر مُقَدّر يتعَلّق بحَرْف الجر، تقديره: "أنْ يكُون آخِر عَهْدهم [الطّوَاف] (١) بالبيت". (٢) ويجوز أن تكُون "البَاء" في "بالبيت" زائدة، أي: "آخِر عَهْدهم البيت". والمعنى على "أن يكُون آخِر ما يعهَدونه مِن مَنَاسِك الحَج: البيت". و"العَهْدُ" يكُون بمَعنى "الأمَان"، وبمَعنى "اليَمين" و"الموْثِق" و"الذّمّة" و"الحِفَاظ" و"الوَصيّة". و"العَهْد": "المطر يكون بعد المطر". (٣) وانظر قوله: "المرأة الحائض"، ولو اقتصَر على: " [الحائض] (٤) " كَفَى؛ لأنّ "الحائض" صِفَة مختصّة بالنّساء. والجوَابُ: أنّ الكَلامَ جَاء على الأصْل، فانتفى السّؤال. ولو جَاءت الصِّفة دون الموصُوف احتيج إِلَى الجوَاب، بأنْ يُقَال: الموصُوفُ إنَّما حُذف لدلالة الصِّفَة عَليه. قوله: "إلَّا أنّه خُفف عَن المرأة الحائض": الأصْلُ أنّ الاستثناءَ مُتّصِل في التقدير؛ لأنّ تقدير الكَلام: "أُمر النّاسُ بأنْ يكُون آخِر عَهدهم بالبيت، إلّا المرأة الحائض، فإنّه خُفّف عنها"، فـ "المرأة" مُستثنَاةٌ مِن "النّاس" المأمُورين بالطّواف، ثُم جَاء التركيب "إلَّا أنّه خُفّف"، فيحتمل أن تكون "الهاء" في "أنّه" ضَمير الأمر

стр. 1232

والشّأن، أي: "إلَّا أنّ الأمْر والشّأن خُفّف ترك الطّوَاف عن المرأة الحَائِض". ويكُون الاستثناءُ مُنقَطعًا بهذا الاعتبار، متّصِلًا بالاعتبار الأوّل. ويحتمل أن يكُون الضّمير في "أنّه" يعُود على "الطّوَاف"، أي: "إلّا أنّ الطّوافَ خُفّف"، وتكُون "إلّا" بمَعنى "غَير"، أي: "غير أنّه"، وهُو مُنقَطِعٌ أيضًا. ويحتمل أنْ يكُون الضّمير في "أنّه" يعُود على "النّبي ﷺ "، أي: "غير أنّ أمْر النّبي ﷺ خُفّف"؛ ففي "خُفّف" ضَمير يعُود على الأمْر المفهُوم من "أُمر النّاس"، والآمِر هو: "النبي ﷺ ". الحدِيث العَاشِر: [٢٤٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ [لَيَاليَ مِنًى، مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ] (١)؛ فَأَذِنَ لَهُ" (٢). قولُه: "استأذن العبّاس": تقَدّم في الحديثِ الأوّل مِن "الاستسقاء" ذِكْر أبنية "استَفْعَل". والمعنى: أنّه طَلَب الإذْن مِن النّبي ﷺ في المبيت بمَكّة وبترك المبيت بمِنى. والمبيتُ بمِنى واجِبٌ (٣). و"الإذن": مصدَر "أذِن"، والأمرُ منه: "إئذَنْ" بالكَسر. [و"آذن"] (٤) بمعنى "أعْلَم"، قَالَ تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. ويُقَال: "أَذِن" بمعنى "استَمَع". (٥)

стр. 1233

قولُه: "أنْ يبيت بمَكّة": التقدير: "في أنْ يبيت بمَكّة". و"بَات" مِن أخَوات "كَان" ترْفَع الاسم وتنْصِب الخبر، بشرط أنْ لا تكُون بمَعنى "نَزَلَ"؛ فإنّها تصير تامّة، كقَولك: "بات الحاجّ بمنًى". وأمّا إِذَا قُلت: "بَات زَيد قائمًا"؛ فإنها تكُون النّاقصَة. (١) وإنْ قَدّرت هُنا [أنّه يبيت] (٢) بمَكّة سَاقيًا للحَاج، أو مُستمرًا على السّقي: كانت النّاقِصَة. وإنْ قَدّرت أنّه ينزل بمَكّة لأجْل السِّقَاية: فلا عَمَلَ لها. و"البَاء" في "بمَكّة" ظَرْفيّة. وأقسَام "البَاء" تقَدّمَت. و"مَكّة" مُرَادِف لـ "بَكّة"، والعَرَبُ تُعاقِب بين "البَاء" و"الميم"، كـ "لازم" و"لازب"، و"رَاتب" و"رَاتم". (٣) وقيل: بـ "الميم" الحرَم كُلّه، وبـ "البَاء" [مُزدحم] (٤) النّاس حيث يتباكّون، وهُو المسْجِد ومَا حَولَ البيت. (٥)

стр. 1234

وأجَاز الزَّجّاج أنْ تكُون "الميم" بَدَلًا من "الباء"، وأنْ يكُون اشتقاقُ "مَكّة" من قَولهم: "امتَكّ الفَصيلُ [مَا في] (١) ضَرْع النّاقة" إِذَا "مَصّ مَصًّا شَديدًا حتّى لا يبقى فيه شَيء"؛ فسُمّيت بذَلك لشِدّة الازدِحَام فيها. والبَدَلُ عنده أحْسَن. (٢) قوله: "مِن أجْل سِقَايته": تقَدّم الكَلامُ على "مِن أجْل" في السّادس مِن "الإمَامة". و"لَيَالِي": جمعُ "لَيْلَة"، وزادوا فيه "اليَاء" على غَير قياس، ونظيره: "أهْل" و"أهَالِي". وقيل: الأَصْلُ في "لَيْلَة": ["ليلاة"] (٣) فحذفت؛ لأنّ تصغيرها: ["لييلية"] (٤). و"الليلُ" اسمُ جنس، تقُول: "لَيْلَة" و"لَيْل"، مثل: "تمْرة" و"تمْر". (٥) وتقَدّم ذِكْر "الليل" في العَاشر مِن "باب الصَّوْم". و"مِنى": سُمّيت "منى" لما "يُمْنَى فيها مِن الدّم"، على ما ذكره "محمد بن يزيد" (٦). ومِن هذا: "مَنَى الرّجُل" و"أمْنَى". . . . .

стр. 1235

إِذَا "سَالَ منه المني". (١) وقيل: هي مُشتقة مِن "مَنَى اللَّه علينا الشيء، يمنيه، منيًا"، إِذَا "قَدّره". و"المَنَى": "القَدر". ومنه قولُه تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦]، أي: "تُقَدّر". (٢) و"منى" مصروفٌ؛ لأنّه غَلَب عليه الموضِع، ولو أرَاد البُقْعَة لمُنِع مِن الصَّرْف. (٣) قولُه: "فَأَذِن لَه": أي: "أَذِن لَه النبي ﷺ في المبيت لأجْل السِّقَاية". و"أَذِن" قد تقَدّم الكَلامُ على الأمر منه في الأوّل من " [باب] (٤) حُرْمَة مَكّة". الحدِيث الحَادِي عَشر: [٢٤٧]: عَنْهُ -أيْضًا- قَالَ: "جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِـ "جَمْعٍ"، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إقَامَةٌ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا" (٥). تقَدّم الكَلامُ على "الحادي عَشر" ومَا بعْده مِن التركيبات في الحادي عَشر مِن باب "صِفَة الصّلاة". قوله: "عَنْه": أي: "عبد اللَّه بن عُمر". قوله: "أيضًا": مَصْدَر "آض". يُقَال: "أَض، يئيض، أيضًا"، إذا "رَجع". (٦)

стр. 1236

قولُه: "جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجَمْع": المرادُ: "بين صَلاتي المغرب والعشاء"، وتقَدّم الكَلامُ على "بين" في الثّالث من "باب السواك". والعَامِلُ في "بين": "جمع". قوله: "بجَمْع": "الباء" ظَرْفيّة. و"جمْع" عَلَمٌ على "المزدلفة"، سُمّيت به لأنّ آدَم وحَوَاء لما أُهْبطَا اجتمعا به. وهو مصْروفٌ إِذَا أرَدْت به الموضِع أو أرَدت به البُقْعَة؛ لأنّه ثُلاثي سَاكِن الوَسَط. (١) و"الباء" في "بجَمْع" تتعَلّق بـ "جَمَعَ"، و"بإقَامَة" يتعَلّق به أيضًا. وحَرفا الجر مختلفا المعنى؛ "الباء" الأولى ظَرفيّة، والثّانية للإلصَاق. ويحتمل أنْ تكُون "الباء" في "بإقَامَة" للحَال، أي: "جَمَعَ النّبي مُقيمًا لهما". وأمّا قوله: "لكُلّ واحِدة منهما" فيتعَلّق بصِفَة لقَوله: "بإقامة"، تقَدّمت؛ فانتَصَبت على الحَال، أي: "بإقَامَة كَائنة لكُلّ واحِدةٍ منهما". و"منهما" يتعَلّق بصِفَةٍ لـ "واحِدَة". [وتقَدّم الكَلامُ] (٢) على "كُلّ" في الأوّل مِن الكتاب. وأمّا "واحِدة": فصِفَة لموصُوفٍ محذُوف، أي: "لكُلّ صَلاةٍ واحِدة". و"واحِدة" بمَعنى "مُنْفَرِدَة" (٣). قول: "ولم يُسَبّح": معْطُوفٌ على قوله: "جَمَعَ"، و"بينهما" ظَرْفٌ لـ "يُسَبّح"،

стр. 1237

والضّميرُ يعُود على "المغرب والعِشَاء". قوله: "وَلَا على إثْر واحِدةٍ منهما": أي: "وَلَا سَبّح على إثر واحِدة منهما". إن أراد بـ "واحدةٍ منهما" "العشاء الآخرة" لم يكُن في اللفظ تكرار. وإن أراد "المغرب والعشاء، جاء فيه تكرار للمَغرب، لأنّ قولُه: "بينهما" يقتضي نفي التسبيح بعد "المغرب". قوله: "إثْر": بكَسْر أوّله وسكُون ثانيه، أو بفَتحَتين على أوّله وثانيه. ونظيره مما جَاء على "فِعْل" و"فَعَل": "قِيْد رُمْح" و"قَاد رُمْح"، و"قِيْبَ قوس" و"قَابه"، و"قِلتُ قِيلًا" و"قَالًا". (١) * * *

стр. 1238

باب المحْرِم يَأكُل مِنْ صَيْد الحَلال الحدِيث الأوّل: [٢٤٨]: عَنْ أَبِي قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : خَرَجَ حَاجًّا؛ فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ -[فيهِمْ] (١) أَبُو قَتَادَةَ- وَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ". فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إلَّا أَبَا قتَادَةَ، لَمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إذْ رَأَوْا [حُمُرَ وَحْشِ] (٢)، فَحَمَلَ أَبُو قتَادَةَ على الْحُمُرِ؛ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا. [ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا] (٣)، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أو أَشَارَ إلَيْه؟ " [قَالُوا] (٤): لا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (٥). وَفِي رِوَايَةٍ: فقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " فَقُلْت: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، [فَأَكَلَهَا] (٦). (٧) قوله: "أنّ رَسُولَ اللَّه ﷺ خَرَجَ حَاجًّا": فُتحت "أنّ" لأنّها معمُولة، وتقَدّم الكَلامُ على المواضِع التي تُفتَح فيها "أنّ"، والمواضِع التي تُكسَر فيها في الرابع من أوّل الكتاب. وجملة "خَرَجَ" في محلّ خبر "أنّ". و"حَاجًّا" منصُوبٌ على الحَال، مِن فَاعِل "خَرَج".

стр. 1239

قوله: "فخَرَجُوا معه": الضّمير يعُود على "الصّحابة" وإنْ لم يتقَدّم لهم ذِكْر؛ لأنّ المعنى مفْهُوم. و"معه" يتعَلّق بحَال، أي: "فخَرَجُوا حَاجّين معه". قوله: "فصَرَف طَائفة منهم": أي: "مِن أصْحَابه"، فيهم أَبُو قتادة. يحتمل أنْ يُريد بـ "صَرْفِهم": "تمييزهم وتبيينهم"، أي: "مَيّزهم مِن الناس"، ومنْه في الحديث: "إِذَا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ. . . " (١)، أي: "بُيِّنَت". وإنّما قُلنَا ذَلك لأنّه لم يَذْكُر مُتعَلّق الفِعْل، فلم يقُل: "صَرَفَهم إِلَى كَذا"، ويدُلّ على ذَلك قولُه: "وقَالَ: خُذوا سَاحِل البحر"؛ فيكُون هذا القَول بعْد التمييز. ويحتمل أنْ يكُون التقدير: "فصَرَف طَائفة إِلَى جِهَة غير جِهَة سَاحِل البحر" [تورية] (٢)، ثم حَذَف الرّاوي ذِكْر الجهَة، وذَكَرَ المقْصُودَ مِن الحديث. قوله: "فيهم أَبُو قَتَادة": يتعَلّق حَرْف الجر بخَبر عَن المبتدأ، وهو "أبو قتادة". و"خُذُوا" هُنا بمَعنى "تَوجّهوا". وتقَدّم الكَلامُ على "أخَذ" والأمر منه في السّادس مِن "بَاب الاستطابة". فإنْ قَدّرت "خُذوا" بـ "توَجّهوا" يكُون "سَاحِل البحر" ظَرْفًا بمعنى "توجّهوا جهَة سَاحِل البحر إِلَى أنْ نلتقي معكم". ويحتمل الفِعْل الرّفع، أي: "خُذوا سَاحِل البحر (حَتَّى) نحن (نلتقي) مَعَكُم". فعلى الأوّل: يكُون لسَيرهم غَاية، وهو "لُقى النّبي ﷺ "، وتكُون "الياء" مفتُوحَة (٣). وعلى الثّاني: لا يكُون "لُقى النّبي" غَايَة لسَيرهم، إنما القَصْد به حِفْظ سَاحِل البَحْر، وتكُون "اليَاء" سَاكِنة، ويُرَجّح هَذا كَونهم ذَبَحُوا الصَّيد وأكَلُوا

стр. 1240

وسَاروا حتّى بَلغُوا النّبي ﷺ . ونظيرُ هَذا: قوله: "حَتى يَقُولُ الرّسُولُ" (١) بالرّفْع. ومنه قَولهم: "مرض حتّى لا يرْجُونه" أي: "هُم لا يَرْجُونه". (٢) قَال ابنُ مالك: في قَول البراء: "إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ" (٣) إشْكَالٌ؛ لأنّ "حتّى" فيه بمعنى "إِلَى أنْ"، والفعلُ مُستقبل؛ فحَقّه أن يكُون بلا "نُون"؛ لاستحقاقه النّصب، لكنّه جَاء على لُغَة مَن يَرفَع الفِعْل بعد "أنْ"، [حملًا على "أنْ" المخَفّفة] (٤)، كقراءة مجاهد: ﴿لَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٥) بضَمّ "الميم". وإذا جَاز تَركُ إعْمالها ظَاهِرَة؛ فترْكُ إعْمالها مُقَدّرَة أوْلَى بالجَوَاز. انتهى. (٦) قُلتُ: والعَملُ بعد هَذا على الرّوَاية. وقَد تقَدّم الكَلامُ على "حتّى" وأقسَامها في الحدِيث الثّاني مِن أوّل الكتاب. قوله: "فلَمَّا انصَرَفُوا": تقَدّم أنّ "لمّا" عند سيبويه حَرف وجوب لوجوب،

стр. 1241

وعند الفَارسيّ ومَن تبعه ظَرْف بمَعنى "حين"، وقَدّرها ابن مالك بـ "إذْ". (١) والعَامِلُ فيها جَوَابها، وهو: "أحْرَمُوا". وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الرّابع مِن "المذْي"، وفي السّادِس مِن "باب صِفَة الصّلاة". قوله: "كُلّهم": تأكيدٌ للضّمير المرْفُوع. و"إلّا" حَرْفُ استِثناء. و"أبا قَتَادة": إنْ كَان منصُوبًا فعلى الاستثناء، والمرَادُ: "الطّائفَة الذين أمَرَهم النّبي ﷺ أن يأخُذوا سَاحِلَ البَحْر". وإنّما تعَيّن النّصب على الاستثناء؛ لأنّه (٢) مِن مُوجَب. وقد رأيتُه في بعض النُّسَخ: "أبو قتَادة" (٣) مرفُوعًا. وذكر ابنُ مالك (٤) أنّه كَذلك، ووَجّه الرّفْع؛ فقَالَ: "إلّا" بمعنى "لكن"، و"أبو قتادة" مُبتدأ، و"لم [يُحْرِم] (٥) " خَبره. قال: ونظيرُه في كتابِ اللَّه قَراءَة ابن كَثير وَأَبِي عَمرو: ﴿وَلَا يَلْتَفِت مِنْكُم أحَدٌ إلَّا امْرَأَتُكَ إنّه مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ (٦)، فـ "امْرَأَتُكَ" مرفُوعٌ بالابتِدَاء، والجمْلَة خَبره. وَلَا يجُوزُ أنْ تجعَل "امْرَأَتُكَ" بَدَلًا؛ لأنّها لم [تسِر] (٧) مَعَهُم فيتضَمّنها ضَمير

стр. 1242

المخَاطَبين، ودَلّ على أنَّها لم تسِر معهم قِراءَة النّصْب. (١) قوله: "لم يُحرِم": جملة مُؤَكِّدة لما قَبْلها؛ فلا محلّ لها. ويحتمل أنْ تكُون في محلّ خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "وهُو لم يُحْرِم". ويحتمل أنْ تكُون في مَوضِع الحَال، وفيه بُعْد. قوله: "فبينما هُم يسيرون": ["بين"] (٢) إِذَا لَزِمَتها "مَا" انقَلَبت مِن المكَانية إِلَى الزّمَانية، وكذلك "الألِف"، والتقدير عندهم: "بين أوقات كذا"، ويزولُ عنها الاخْتصَاص بالأسماء؛ فيليها إذ ذَاك الجمْلَتان (٣)، وقد وَقَع بعد "بين" هُنا الجمْلَة الإسمية، والتقدير: "بين أوقات سَيرهم". قوله: "إذْ رَأوا حُمُر وَحْش": "إذْ" هُنا الفُجَائيّة عند الأكثَرين. وبعضُ البصريين يمْنَع مجيئها فُجَائيّة. (٤) والعَامِلُ في "بينما": "يَسيرون"، وهي جملة من فِعْل وفَاعِل مرفوع بـ "النّون"، في محلّ خَبر "هُم". وتقَدّم الكَلامُ على "هُم" قريبًا. والعَامِلُ في "إذ" مَعنى المفَاجَأة، أو الفِعْل الواقِع بعدَها وهُو

стр. 1243

"رأوا". (١) وقد تقَدّم الكَلامُ على "إذْ" الفُجَائية مُستَوفى في الحديثِ الثّاني من "باب استقبال القِبْلَة" وفي السّادِس مِن "الجنَائز"، وفي السّادِس مِن "الصيام" ذكر العَامِلُ فيها مُستَوفى. والرّؤية هُنا بَصَريّة. و["حُمرَا"] (٢) مفعُوله. و"حُمُر" جَمعُ "حمار". قولُه: "فحَمَلَ أَبُو قتَادة": جملة من فِعْل وفَاعِل، معطُوفة على "رَأوا". و"على الحُمُر" يتعَلّق بـ "حَمَل". وجملة "فعَقَر" معطُوفَة على "حَمَلَ". و"منها" يتعَلّق بصِفَة لـ "أتَان" تقَدّم فانتصَب على الحَال. و"أتانًا" مفعُول "عَقَر". و"الحمار" يقَع على الذّكَر والأنثى، و"الأتَان" لا يقَع إلّا على الأنثى خَاصّة، وَلَا يُقَالُ فيه: "أتَانَة"، وإنْ كَان قَد جَاء في بعْض الأحَادِيث (٣). قاله ابنُ الأثير. (٤) قولُه: "فنزلنا": أي: "عن دوابّنا". ويحتمل أن يكون نزولهم عن مكان كانوا فيه. وههنا محذُوفٌ يدُلّ عليه سِياقُ الكَلام، أي: "فنزلنا، فطَبَخْنَا -أو شَوَينا- فأكَلنَا". ويحتمل أنْ يكُون "أَبُو قتَادة" توَلّى العَمَلَ كُلّه، ولم يكُن نُزولهم إلّا للأَكْل. و"مِن لحمِهَا" يتعَلّق بـ "أكَلنَا". قوله: "ثُم قُلنا": في "ثُمّ" هُنا مَعنى "الاستبعاد". وذَكَر الزمخشري أنّه أحَد مَعَانيها (٥)، أي: "استبعدوا أنْ يحل أكْل لحْم الصّيد للمُحْرِم"، وهُو مِن [المعنى] (١).

стр. 1244

قوله: "أنأكُل لحْم صَيد؟ ": هذه الجمْلَة معمُولة للقَول. و"الهمزة" هُنا فيها مَعنى الإنكَار. و"صَيْد" بمَعنى "مَصِيد" (٢). والجملة كُلّها معمُولَة للقَول. وجملة "ونحن مُحرِمُون" في مَوضِع الحَال مِن فَاعِل "نَأكُل". قوله: "فحَملنَا مَا بقيَ مِن لحْمِها": "مَا" مَوصُولَة، وصِلَتها: جملة "بَقيَ". و"مِن لحمِهَا" يتعَلّق بـ "بَقيَ". والصّلَة والموصُول في مَوضِع مفْعُول "حملنَا". و"مِن" في المواضِع الثّلاثة للتبعِيض، وقد تقَدّم الكَلامُ على "مِن" وأقسَامها في العَاشر من أوّل الكتاب. قوله: "فأدرَكنَا رَسُولَ اللَّه ﷺ ؛ فسَألناه عَن ذلك؟ ": معطُوفٌ على "أدرَكنا". وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" وتعَدّيه وتعْليقه في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة صَلاة النّبي ﷺ ". و"عَن ذَلك" يتعَلّق به. قولُه: "فقَالَ: مِنْكُم أحَدٌ أمَرَه؟ ": "أحَدٌ" هُنا مُبتدأ، ومُسَوّغ الابتِداء به استفْهَام مُقَدّر، أي: "أأحَد منكم أمَره؟ "، والصِّفة أيضًا بـ "منكم" وإنْ تقَدّمَت وصَارَت حَالًا فإنّها مُسَوِّغَة. (٣) وحَذْفُ همْزة الاستفهام في الكَلام كَثير. ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، اي: "أوَتلك؟ ". ومنه في الحديث: "عَيَّرتَهُ بِأُمِّهِ يَا أَبَا ذَرٍّ؟ " (٤)، والأصْلُ: "أعَيّرته؟ ". (١)

стр. 1245

فـ "منكُم" يتعَلّق بصِفَة لـ "أحَد". وجملة "أمَرَه" في محلّ الخَبر. ويحتمل أنْ يتعَلّق "منْكُم" بـ "أمَرَه"، أي: "وهَل أحَدٌ أمَرَه منْكُم" [المعنى] (٢). و"مِن" للبيان. ويضعف أنْ يكُون "منكُم" مُتعلّقًا بخَبر عَن "أحَد"، ويكُون "أمَرَه" في مَوضِع الصِّفَة؛ لأنّ الاستفهامَ إنَّما هُو عن الأمْر، ولَو كَان صِفَةً لم يكُن مُسْتفْهَمًا عَنه. قوله: "أنْ يحمل عَليها": التقدير: "بأنْ يحمل عليها"، فحذف حَرف الجر، والمحَلّ منصُوبٌ بـ "أمَرَ". ولحذف "الباء" هُنا مُسَوِّغان، أحَدهما: كَون الفِعْل مِن الأفعَال التي يُحذَف معها حَرْف الجر. والثّاني: كَونه مع "أنْ"، و"أنْ" يجُوز معها حَذف حَرف الجر إِذَا لم يُلبس. (٣)

стр. 1246

قوله: "أو أشَارَ إليه": الضّمير يعُود على "الصّيد". ويُروَى: "أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ " (١) بمَعنى "جماعة الحُمُر". قوله: "قَالُوا: لَا": "لَا" حَرفُ جَوابٍ، أي: "لا، لم نُشر وَلَا أمَرْنَا". وقد تقَدّم الكَلامُ على "لا" جَوابًا في الأوّل من "كتاب الحيض". قوله: "قَالَ: فكُلوا ما بَقي مِن لحمها": "كُلوا" أصله "أأكلوا" (٢)، وتقَدّم في السّادس مِن "الزّكَاة" الكَلامُ على "أكَلَ" و"أمَر". و"مَا" مَوصُولة، و"بَقي" الصِّلَة، والعَائدُ الفَاعِل، و"مِن لحمها" يتعَلّق بـ "بَقي". و"مِن" للتبعيض أو للبَيَان. قوله: "وفي روايةٍ: فقَالَ: هَل مَعَكُم منْه شَيء؟ ": يحتمل أنْ يتعَلّق حَرْف الجر بخَبر عَن الجمْلَة القَوليّة على الحِكَايَة. ويحتمل أنْ يتعَلّق بـ "رُوي"، أي: "ورُوي في روايةٍ" أو "جَاء في روايةٍ". و"شَيء" مرْفُوعٌ بالابتِدَاء، و"مَعكُم" الخبر. و"منْه" يتعَلّق بصِفَة لـ "شَيء"، تقَدّم؛ فانتَصَب على الحَال، أو يتعَلّق بمُتعَلّق "مَعكم"، أو [بحَال] (٣) مِن الضّمير في [الاستقرار] (٤). ويحتمل أن [يرتفع] (٥) "شَيء" بـ "معكم"؛ لأنّه اعتَمَد على الاستفْهَام. ويحتمل أن يتعَلّق "منه" بخَبر عن "شيء"، و"معكم" يتعلّق بمُتعَلّق الخبر، أو يتعَلّق "معكم" بصِفَة لـ "شيء" تقَدّم فانتصَب على الحال. ولا يصحّ أن يكُون "معكم" حَالًا من

стр. 1247

الضّمير في "منه" إِذَا جُعل خَبرًا عن "شيء"؛ لأنّ الحالَ لا تتقَدّم على عَامِلها المعنَوي (١). وتقَدّم الكَلامُ على "شَيء" في الحديثِ الثّالِث مِن "بَاب المرور". قوله: "فقُلت: نَعَم": أي: "نَعَم، مَعَنا منه شَيء"، [فقَامَ] (٢) حَرفُ الجَوَاب مقَامَ الجمْلَة المحْذُوفَة. قوله: "فنَاوَلتُه العَضُد": "نَاوَل" يتعَدّى إِلَى مفعُولين، تقُول: "ناولتُه الشيءَ". ويجيء مُتعدّيًا لوَاحِد؛ تقُول: "تنَاوَله زَيد". (٣) وهُو هُنا مُتعَدٍّ لاثنين، الثّاني: "العَضُد". والمنَاوِل للنّبي ﷺ : "أبو قتَادة"؛ لأنّه الذي [ملك] (٤) الصّيد، وإنْ كَان سُؤاله ﷺ للطّائفة كُلّها؛ لأنّ الحَديثَ كَان مَعَهُم.

стр. 1248

الحديث الثّاني: [٢٤٩]: عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ اللَّيْثيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِه؛ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (١). وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "رِجْلَ حِمَارٍ" (٢). وَفي لَفْظٍ: "شِقَّ حِمَارٍ" (٣). وَفي لَفْظٍ: "عَجُزَ حِمَارٍ" (٤). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: الأصْلُ أن يتعَدّى "أهْدَى" بـ "إلى"، وقَد يتعَدّى بـ "اللام"، ويكُون بمعناها. ويحتمل أن تكُون "اللام" بمَعنى "لأَجْل"، وفيه ضَعفٌ. انتهى. (٥) و"وَحْشيًّا": صِفَة لـ "حمار". وجملة "وهُو بالأبْوَاء" في مَوضِع الحَال مِن ضَمير الفَاعِل في "أهْدَى"، أو مِن "النّبي ﷺ ". و"بالأبْوَاء" يتعَلّق بخَبر "هُو". و"وَدَّانَ" لا ينصرف؛ للعَلَمية وزِيَادة الألِف والنُّون. (٦) "فرَدّه عليه": أي: "رَدَّه النّبي ﷺ عَليه".

стр. 1249

قَالَ صَاحبُ "العُمْدة": إنَّما رَدّه عَليه؛ لأنّه ظَنّ أَنَّه صِيد لأَجْلِه، والمحْرِمُ لا يَأكُل مَا صِيد لأَجْلِه. (١) وقَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: حمل على أنّه كَان حَيّا، ويدلُّ عليه تبويب البُخَاري (٢). ويرُدّه ما ذُكر مِن الرّوايَات من قَوله: "عَجُز حمار" و"شِقّ حمار"؛ فإنّها قَويّة في الدّلالة على كَون المهْدَى بعضًا غير حَي؛ فيحمَل "حمارًا وَحْشيًا" على المجَاز وتسمية البعض باسم الكُلّ، أو فيه حَذْف مُضَاف. (٣) قُلْتُ: يُريد: يُقَدّر: "أهْدَى بعض حمار وَحْشي"، وفيه ضَعْفٌ. قَوله: "إنّا لم نَرُدّه عَليْك إلّا أنّا": "إنّ" الأولى مكْسُورة؛ لأنّها في ابتداء الكَلَام. و"أنّ" الثّانية مفتُوحَة؛ لأنّه حُذف منها "اللام" التي للتعليل، أي: "إلّا لأجْل أنّا حُرُم" (٤)؛ فتكُون "أنّا" في محلّ مفعُول لَه. قوله: "لم نَرُدّه": قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: المشهورُ عند المحَدِّثين فيه فتْحُ "الدّال". وهو خِلاف مَذْهَب المحقّقين مِن النُّحَاة، ومُقتضى مَذهَب سيبويه فيه الضّم، وكَذلك في كُلّ مُضَاعَف مجزُوم أو موقُوف اتّصَل به ضَمير المذَكّر. وذلك مُعلّل عندهم بأنّ "الهاء" حرفٌ خَفي، فكأنّ "الواو" تالية "الدّال"؛ لعَدَم الاعتِداد بـ "الهاء"، ومَا قبل "الواو" يُضَمّ، وعبّروا عن ضَمّتها بالاتباع لما بعدها. وحُكي في مثل الأوّل الموقُوف لُغَتَان أُخْرَيان، [إحداهما] (٥): الفَتْح، الثانية:

стр. 1250

الكَسر. وأُنْشِد فيه: قَالَ أَبُو لَيْلَى لِحبلى مُدِّهِ ... حتَّى إذا مَدَدْته فَشُدِّهْ إنَّ أَبَا لَيْلَى نَسِيجُ وَحْده (١). انتهى. (٢) قُلتُ: حَكى ثَعْلَب: "زُرّ القميص" و ["زُرَّه"] (٣) بالحرَكَات الثّلاث (٤). والأوْجُه المتقَدّمَة إنّما هِي فيما اتّصَل به ضَمير المذَكر. فإن اتّصَل به ضَمير مُؤنث: فالفَتح ليس إلّا، نحو: "ردّها" و"لم يردّها"؛ لأنّ "الهاء" حَرْفٌ خَفيّ، فكَأنّ "الألِف" وَلِيت "الدّال"، و"الألِف" لا يكُون قبلها إلّا [مفتُوحًا] (٥). (٦) واعلَم أنّ "رَدّ" إذا كَانت بمَعنى "صَيّر" تعَدّت إلى مفعُولين، كقوله تعالى: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]. (٧) وليست "رَدّ" هُنا بمَعنى

стр. 1251

"صَيّر". قوله: "فلمّا رَأى مَا في وَجْهه": تقَدّم الكَلامُ على "لمّا" قَريبًا. و"مَا" موصُولة بمَعنى "الذي"، وصِلتها المجْرور. وهُنا محذُوف، أي: "مِن الكَراهِيَة لرَدّه عَليه" (١). قوله: "إنّا لم نَرُدّه": جملة "لم نرُدّه" في محلّ خَبر "إنّ". قوله: "إلّا أنّا": الاستثناءُ مُفرغٌ، أي: "إلّا لأجْل أنّا حُرُم". قوله: "وفي لفظ لمسْلِم": المجرورُ الأوّل يتعَلّق بـ "رُوي"، أو يتعَلّق بخبر مُبتدأ عن الوَاقِع بعده على الحِكَاية. والمجرورُ الثّاني يتعَلّق بـ "لَفْظ"، أو بنَعْتٍ لـ "لَفْظ". و"رِجْل حمار" منْصُوبٌ بـ "أهْدَى" مُقَدَّرًا، يُفَسِّره الحديث قَبله، وكَذلك "شِقّ حمار" و"عَجُز حمار". * * *

стр. 1252

العدة في إعراب العمدة تأليف الشيخ الإمام العلامة بدر الدين أبي محمد عبد اللَّه ابن الإمام العلامة أبي عبد اللَّه محمد ابن فرحون المدني رحمة اللَّه عليه تحقيق مكتب الهدي لتحقيق التراث أبو عبد الرحمن عادل بن سعد

стр. 1253

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1254

العدة في إعراب العمدة الجزء الثالث

стр. 1255

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى رقم الإيداع: الرقم الدولي (ردمك): دار الإمام البخاري الدوحة - قطر الدوحة - قطر - طريق سلوى - بجوار إشارة الغانم الجديد ص. ب ٢٩٩٩٩ - هاتف: ٠٠٩٧٤٤٤٦٨٤٨٤٨ - فاكس ٠٠٩٧٤٤٤٦٨٥٥٨٨ albukharibooks@gmail.com

стр. 1256

كتاب البيوع الحديث الأوّل والثّاني: [٢٥٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (١). (٢) [٢٥١]: [عن] (٣) حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالخيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي [بَيْعِهِمَا] (٤). وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" (٥). قوله: "عن رسول اللَّه ﷺ ": "عن" هنا وما بعدها إلى آخر الحديثِ في محلِّ رفعٍ لمتعلِّق "عن" الأولى، التقدير: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر هذا اللفظ". ويَحتمِل أن يُقدَّر "أنه رُوي عن النبي". والأولُ أقلُّ في الحذف، وأَدقُّ إعرابًا، فيكون "أنه رُوي" جملةً محذوفةً معمولةً لـ "روي" المقدَّرِ، وسياق الكلام يدلّ على ذلك. ومتى قُدِّر "أنه رُوي" يكون "أنه قال" في محلّ مفعولٍ به للفعلِ المقدَّرِ. قولُه: "إذا تبايع الرجلان فكلُّ": "كلُّ" مبتدأ، والخبر في قوله: "بالخيار"، و"منهما" يتعلَّقُ بصفةِ لـ "واحد"، وجَوابُ "إذا": "فكلُّ". وجاء جوابها جملةً اسميةً بـ "الفاءِ"، وهذا مما رُجِّح به عملُ فعلِ "إذا" على جوابها، وفي مثل هذا يجعلون العامل

стр. 1257

من معنى الجملة، فالتقديرُ هنا: "إذا تبايع الرجلان اختار كلُّ واحدٍ منهما"، أو: "فلْيَخْتَرْ". قالوا: ويحذف جوابُ الشرطِ جوازًا إذا كان فعل الشّرط ماضيًا، كما وقع ههنا، أو كان منفيًّا بـ "لم"، نحو: "إن لم يقم زيدٌ فعمروٌ قائمٌ" (١). قولُه: "ما لم يتفرقا": "ما" هنا ظرفية مصدَريّة، والمراد هنا: "تأقيتُ الخيارِ". قولُه: "وكانا جميعًا": هذه الجملة مؤكِّدة لما قبلها، لكن الجملة الأولى منفيةٌ، والثانية مثبَتةٌ، فالمؤكِّد للمفهوم المنطوقُ. ويحتمل أنّ "الواو" للحَال، أي: "في حالِ كونِهما جميعًا"، فتكون حالًا مُؤكِّدة. وتقدّم الكَلام على ["جميعًا"] (٢) في الحديث الثّاني من "باب الجنابة"، وفي الثّالث من "باب صلاة الخوف". قوله: "أو يخيِّر أحدُهما الآخرَ": هذا معطوفٌ على قوله: "ما لم يتفرقا"، أي: "ما لم يتفرّقا، وما لم يخير أحدُهما الآخرَ"، فهو مجزوم بالعطف على "يتفرقا". قوله: "فيتبايعا على ذلك": معطوفٌ على قوله: "أو يخير" المجزوم، أي: "ما لم يتبايعا على ترك الخيار"، أي: "أوّل العقد". ويَحتمِل أن يكون الفعلُ مجزومًا بلام الأمر مقدَّرة، أي: "فليتبايعا على ذلك". وقد جاء من ذلك قوله: محمّدٌ تفْدِ نفْسَك كُلُّ نَفْسٍ ... . . . . . . . . . . . . . (٣) أي: "لتفدِ نفسَك" (٤). وهذا يُوافق مُقتضى الحديثِ، ويُؤكِّد معناه.

стр. 1258

قوله: "فقد وجب البيع": المعنى: "أو يتبايعا على أن لا خيار للمجلس، فقد وجب البيع، وسقط الخيار بهذا الشرط". فالجملة مؤكِّدة لقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، أو لقوله: "فيتبايعا على ذلك"، إلا إذا جعل "يتبايعا" [مجزومًا] (١) بـ "لام" الأمر؛ فإنّ المعنى لا يُساعده، وتكون "فقد وجب البيع" جوابَ الأمرِ. الحديث الثّاني: [٢٥٢]: عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا-[فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا] (٢) " (٣). "البيعان" مبتدأ، و"بالخيار" الخبر. و"ما" ظرفية، العامل فيها الخبر المقدَّر. و"الباء" في قوله: "بالخيار" بمعنى "على"، والتقدير: "البيعان مُقيمان على الخيار ما لم يتفرقا". و"الباء" تجيء بمعنى "على"، حتى قالوا في قولهم: "مررتُ بزيد": أنها بمعنى "على"، أي: "مررتُ على زيد" (٤). قوله: "البيعان": يريد: "البائع والمشتري"، يُسمَّى كلُّ واحدٍ منهما بيِّعًا وبائعًا (٥). قوله: "أو قال: حتى يتفرَّقا": الشّك من الرّاوي، أي: "أو قال النبي ﷺ : حتى يتفرَّقا"، فالفعلُ منصوب بإضمار "أن" بعد "حتى". و"حتى" هنا بمعنى "إلى

стр. 1259

أن"، والفعل معها مستقبل، وعلامةُ النصبِ حَذْفُ "النونِ". قوله: "فإن صَدَقا": يعني: "البيعان في بيعهما"، أي: "في قولهما، وذَكرا عيبَ سلعتهما"، وهو بمعنى: "وبيّنا". قوله: "بورك لهما في بيعهما": الفعل مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، وفعله: "بارك". وهذا الفعل من "بارك" استُعمل ماضيه ومضارعه. وأمّا "تبارك" فإنه لا يُستعمَل إلا مع اللَّه تعالى، وذلك إذا كان بمعنى التنزيه، فإن كان بمعنى "التبرك بالشيء"، مثل: "تباركت بقدوم زيد"، "أتبارك به"؛ فإنه يجوز، وإن كان إطلاقهم يأبى ذلك (١). وقد تقدّم في الحديث الثاني من "باب التشهد". و"بارك" لمّا بُني ضُم أوّلُه للبناء، فانقلبت "الألِفُ" واوًا؛ لأجْل الضّمة، كـ "ضارب" و"بائع". قوله: "وإن كتما وكذبا": يُقال: "كتمتُ الشيء كتمًا وكتمانًا، وأكتمه أيضًا". وجملةُ "محقت بركة بيعهما" جواب الشّرط، وهو مبني لما لم يُسمَّ فاعله. و"المَحْقُ": "المَحْو"، و"النقص". يُقَال: "مَحَقَهُ"، أي: "ذَهَب ببركته". و"أمحقه" لُغةٌ فيه رديئةٌ. (٢) قوله: "بركة بيعهما": "البيع" هنا المراد به المبيع من الطرفين كليهما، أو من أحدهما إن كان الكَتْمُ والكذب من جهة واحدة. * * *

стр. 1260

باب ما نُهيَ عنه من البيوع الحديث الأوّل: [٢٥٣]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنْ المُنَابَذَةِ"، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أن يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، "وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ". وَالمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لا يُنْظَرُ إِلَيْهِ (١). قوله: "نهى عن المنابذة": جملةٌ في محلّ خبر "أنّ". قوله: "وهي طرح الرجل ثوبه": مبتدأٌ وخبرٌ، و"ثوبه" مفعول لـ "طرح"، وفاعله "الرجل". فالمصدر مضاف إلى فاعله، والتقدير: "وهو أن يطرح الرجل ثوبه". وهذا تفسير من أبي سعيد للمُنابذة. وقد فُسرت بغير هذا، فقيل: "هو أن يقول الرجل: انبِذْ إليَّ الثوبَ، وأَنبِذُه إليك؛ ليجب البيع". وقيل: "هو أن تقول: إذا نبذتُ إليك الحصى فقد وجب البيع"؛ فيكون البيع مُعاطاة من غير عقد (٢). يُقال: "نبذتُ الشيءَ"، "أنبِذُه"، "نبذًا"، فهو "منبوذٌ"، إذا "رميته" و"أبعَدته" (٣). وكذلك قالوا في "الملامسة": "هي أن تقول: إذا لمستَ ثوبي، أو لمستُ ثوبَك فقد وجب البيعُ". وقيل: "هو أن يَلمِسَ المتاعَ من وراء ثوبٍ، ولا يَنظُر إليه، ثم يوقع البيع عليه". نُهي عنه؛ لأنّه غَرَر (٤).

стр. 1261

قوله: "بالبيع": "الباء" هنا سَببية (١)، أي: "بسبب البيع". أو بمعنى "اللام" (٢)، أي: "لأجل البيع". قوله: "إلى الرجل": يتعلّق بالمصدر، وهو "البيع". وقيل: ظرف للطرح. ويحتمل أن يعمل فيه "البيع"، فإن علّقت "إلى الرجُل" بـ "طَرْحُ" لم يجز؛ للفصل بين المصدر وما عمل فيه بمعمول المصدر الأوّل. وجملة: "أن يُقلّبه" في محل جر، أي: "قبل تقليبه". "أو [ينظر] (٣) إليه": معطوف عليه. ويحتمل أن يكون "أو" بمعنى "الواو". وضمير الفاعل في قوله: ["يُقلبه"] (٤) و"ينظر إليه" يعود على "الرجل المشتري". قوله: "ونهى عن الملامسة": أي: "النبيُّ ﷺ ". ثم بيَّن "أبو سعيدٍ" صفتَها، فقال: "والملامسةُ: لَمْسُ الثوبِ". فـ "لمس" مصدر مضاف إلى المفعول. قوله: "لا ينظُرُ إليه": جملةٌ في محل الحال من الفاعل المقدَّر للمصدر، أي: "أن يَلمِس الرجلُ الثوبَ في حالِ كونِه غيرَ ناظرٍ إليه".

стр. 1262

الحديث الثاني: [٢٥٤]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "هُوَ بِالخيَارِ ثَلاثًا" (٢). قوله: "لا تلقَّوا الركبان": "لا" ناهية. "تلقَّوا" أصله: "تتلقيوا" فحُذف منه "التاء" الأصلية، وبقيت "تاء" المضارعة؛ لأنها جاءت لمعنًى، ثم إنّ "التاء" لما تحرّكت وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، ثم حُذِفت؛ لسكونها وسكون "الواو". و"تلقي الركبان": هو أن [يَستقبِلَ] (٣) الحضَريُّ البدويَّ قبل وصوله إلى البلد، ويخبره بكَسَاد ما معه كذبًا؛ ليشتري منه سلعتَه بالوَكْسِ، أو أقل من ثمن المِثْل، وذلك تغريرٌ محرَّمٌ (٤). "ولا يبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ": معناه: أن يحصُلَ التراضي بين المتبايعين، ويتراكنا، فيجيءُ مَن يُفسدُ ذلك التراضي، ويقول: عندي في السلعة كذا، لما هو أكثرُ من الذي تراضيا عليه. فـ "لا" ناهية، و"يبع" مجزوم بالنهي، و"بعضُكم" الفاعل. و"على بعض" متعلِّق بـ "لا يبع"، ومعنى الاستعلاء ظاهر في التفسير المتقدّم. قوله: "ولا تناجشوا": معطوفٌ على ما قبله.

стр. 1263

و"النَّجَشُ": "أن يمدَح السّلعة لينفقَها، أو يزيدَ في ثمنِها، وهو لا يُريد شراءها لنفع غيره فيها". والأصل فيه: "تنفيرُ الوحش من مكانٍ إلى مكانٍ". ومنه في الحديث: "لَا تَطلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى ينْجُشُها ثَلثمائة وَسِتّون مَلكًا" (١)، أي: "يَستثيرونها" (٢). قوله: "ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ": "حاضر" [صفة] (٣) لموصوفٍ محذوفٍ، أي: "لا يبع رجلٌ حاضرٌ لرجلٍ بادٍ". وحَذْفُ الموصوفِ إذا عُلِم جائزٌ (٤). وقد تقدّم ذكر المواضع التي يُحذف فيها الموصوف في الثاني من "التيمم"، وفي الثامن من "باب صفة الصلاة". قوله: "ولا تُصَرّوا [الإبلَ] (٥) ": قال القاضي: كذا ضبطنا هذا الحرف على المتقنين من شيوخنا "تُصَرُّوا" بضمِّ "التاء"، وفتح "الصاد" المهملة، وبعد "الراء" واو وألِف، وفتح "لام" "الإبل"، على المفعول. وكان بعضهم -وهو شيخنا (٦) أبو محمّد بن عتاب، وحكاه لنا عن أبيه- يقول؛ ليقرِّبَ فهمَه على الطلبة، ويرفعَ إشكالَه: هو مثل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (٧). وهو الصّوابُ على مذهب الكافّةِ في شرح "المصرَّاة" واشتقاقها. قال القاضي: وقد رُوّيناه عن بعضهم في غير "مسلم": "لا تَصُرُّوا الإبلَ" بفتح

стр. 1264

"التاء" وضم "الصاد"، من "الصَّرِّ". وعن بعضهم: بضم لام "الإبل"، و"تُصَرّ" بغير "واو" بعد "الراء" على ما لم يسمَّ فاعلُه، من "الصَّر" أيضًا، وهو: "الربطُ" (١). قال الشيخ تقيّ الدّين: لا تصحّ هذه الرّواية (٢) مع اتصال ضمير الفاعل، وإنما تصحّ مع إفراد الفعل، ولا نعلم رواية حُذف فيها هذا الضمير. واللفظة مأخوذة من "صَريتُ في الحوض الماءَ"، إذا "جمعته"، و"صريته" بالتخفيف والتشديد. و"المصراة": هي "التي تربط أخلافُها ليجتمع اللبنُ". ولا خلاف أنّ التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة للمشتري (٣). قلتُ: الأصل في "تصروا": "تصرِّيوا"؛ لأنه من "صريت"، استُثقلت الضمة على "الياء"، وقبلها كسرة، فحُذفت، ثم ضُمت "الراء" لأجل "الواو" (٤). وأمّا مَن رواه: "لا تَصرّوا" بفتح "التاء": فبيِّنٌ. والذي قاله الشّيخُ تقيُّ الدِّين صحيحٌ، أنها لا تجوز: "لا تُصرّوا الإبلُ" على بناء الفعل للمفعول، ورفع ["الإبل"] (٥)، على لُغةِ: "أكَلُوني البراغيث" (٦). فيَحتمِل أنْ يكون "الإبلُ" بالرّفع بَدَلًا من "الواو". ويَحتمِل أن يكون "الواو" علامةً، و"الإبل" مفعول لم يسمَّ فاعلُه. وعلى ما قاله القاضي: تكون من "صرَّى"، مثل "زكَّى" رباعيًّا؛ فيكون "الواو" فاعلًا في "تصروا"، و"الألِف" مفعول.

стр. 1265

قوله: "ومَن ابتاعها": "مَن" مبتدأ، مِن أسماء الشرط، والخبرُ في فعل الشرط، على المختار، وقد تقدّم الكلام على "مَن" الشّرطية، وعلى خبرها، في الحديث العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرابع منه. و"ابتاعها" فعل، وفاعل، ومفعول، الفاعل: ضمير مُستتر يعود على "من"، والمفعول: ضمير "المصرَّاة". قوله: "فهو": جوابُ الشرطِ. قوله: "بخير النظرين": حرف الجر يتعلق بالخبر، و"الباء" للإلصاق (١)، أي: "فهو مشترٍ بخير النظرين". ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى "في"، أو بمعنى "على" (٢). و"النظرين" مضاف إليه، وعلامةُ الجر: "الياء". و"النظرين" [بمعنى] (٣) "الأمرين"، إما إمساك المبيع أو رَدُّه، أيهما كان خيرًا واختاره فَعَلَه، وهذا نظرٌ معنويٌّ، لا صوريٌّ. قوله: "بعد أن يَحْلُبَها": العامل في "بعد" الخبرُ المقدَّرُ، أي: "فهو كائن بخير النظرين". و"بعد أن يحلبها" مَقدَّر بمَصْدر، أي: "بعد حَلْبِها". قوله: "إن رَضِيَها أَمْسَكَها": هذه الجملة مفسِّرة لـ "خير النظرين". فـ "أمسكها" جواب الشرط، وجوابُ [الثانية] (٤): "رَدَّها". [قوله] (٥): "وصَاعًا من تمرٍ": ويحتمل أن تكون "واو" العطف على الضّمير المفعول في "ردّها".
следующие страницы →