← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قوله: "بالبيع": "الباء" هنا سَببية (١)، أي: "بسبب البيع". أو بمعنى "اللام" (٢)، أي: "لأجل البيع". قوله: "إلى الرجل": يتعلّق بالمصدر، وهو "البيع". وقيل: ظرف للطرح. ويحتمل أن يعمل فيه "البيع"، فإن علّقت "إلى الرجُل" بـ "طَرْحُ" لم يجز؛ للفصل بين المصدر وما عمل فيه بمعمول المصدر الأوّل. وجملة: "أن يُقلّبه" في محل جر، أي: "قبل تقليبه". "أو [ينظر] (٣) إليه": معطوف عليه. ويحتمل أن يكون "أو" بمعنى "الواو". وضمير الفاعل في قوله: ["يُقلبه"] (٤) و"ينظر إليه" يعود على "الرجل المشتري". قوله: "ونهى عن الملامسة": أي: "النبيُّ ﷺ ". ثم بيَّن "أبو سعيدٍ" صفتَها، فقال: "والملامسةُ: لَمْسُ الثوبِ". فـ "لمس" مصدر مضاف إلى المفعول. قوله: "لا ينظُرُ إليه": جملةٌ في محل الحال من الفاعل المقدَّر للمصدر، أي: "أن يَلمِس الرجلُ الثوبَ في حالِ كونِه غيرَ ناظرٍ إليه".

стр. 1262

الحديث الثاني: [٢٥٤]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "هُوَ بِالخيَارِ ثَلاثًا" (٢). قوله: "لا تلقَّوا الركبان": "لا" ناهية. "تلقَّوا" أصله: "تتلقيوا" فحُذف منه "التاء" الأصلية، وبقيت "تاء" المضارعة؛ لأنها جاءت لمعنًى، ثم إنّ "التاء" لما تحرّكت وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، ثم حُذِفت؛ لسكونها وسكون "الواو". و"تلقي الركبان": هو أن [يَستقبِلَ] (٣) الحضَريُّ البدويَّ قبل وصوله إلى البلد، ويخبره بكَسَاد ما معه كذبًا؛ ليشتري منه سلعتَه بالوَكْسِ، أو أقل من ثمن المِثْل، وذلك تغريرٌ محرَّمٌ (٤). "ولا يبعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ": معناه: أن يحصُلَ التراضي بين المتبايعين، ويتراكنا، فيجيءُ مَن يُفسدُ ذلك التراضي، ويقول: عندي في السلعة كذا، لما هو أكثرُ من الذي تراضيا عليه. فـ "لا" ناهية، و"يبع" مجزوم بالنهي، و"بعضُكم" الفاعل. و"على بعض" متعلِّق بـ "لا يبع"، ومعنى الاستعلاء ظاهر في التفسير المتقدّم. قوله: "ولا تناجشوا": معطوفٌ على ما قبله.

стр. 1263

و"النَّجَشُ": "أن يمدَح السّلعة لينفقَها، أو يزيدَ في ثمنِها، وهو لا يُريد شراءها لنفع غيره فيها". والأصل فيه: "تنفيرُ الوحش من مكانٍ إلى مكانٍ". ومنه في الحديث: "لَا تَطلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى ينْجُشُها ثَلثمائة وَسِتّون مَلكًا" (١)، أي: "يَستثيرونها" (٢). قوله: "ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ": "حاضر" [صفة] (٣) لموصوفٍ محذوفٍ، أي: "لا يبع رجلٌ حاضرٌ لرجلٍ بادٍ". وحَذْفُ الموصوفِ إذا عُلِم جائزٌ (٤). وقد تقدّم ذكر المواضع التي يُحذف فيها الموصوف في الثاني من "التيمم"، وفي الثامن من "باب صفة الصلاة". قوله: "ولا تُصَرّوا [الإبلَ] (٥) ": قال القاضي: كذا ضبطنا هذا الحرف على المتقنين من شيوخنا "تُصَرُّوا" بضمِّ "التاء"، وفتح "الصاد" المهملة، وبعد "الراء" واو وألِف، وفتح "لام" "الإبل"، على المفعول. وكان بعضهم -وهو شيخنا (٦) أبو محمّد بن عتاب، وحكاه لنا عن أبيه- يقول؛ ليقرِّبَ فهمَه على الطلبة، ويرفعَ إشكالَه: هو مثل: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (٧). وهو الصّوابُ على مذهب الكافّةِ في شرح "المصرَّاة" واشتقاقها. قال القاضي: وقد رُوّيناه عن بعضهم في غير "مسلم": "لا تَصُرُّوا الإبلَ" بفتح

стр. 1264

"التاء" وضم "الصاد"، من "الصَّرِّ". وعن بعضهم: بضم لام "الإبل"، و"تُصَرّ" بغير "واو" بعد "الراء" على ما لم يسمَّ فاعلُه، من "الصَّر" أيضًا، وهو: "الربطُ" (١). قال الشيخ تقيّ الدّين: لا تصحّ هذه الرّواية (٢) مع اتصال ضمير الفاعل، وإنما تصحّ مع إفراد الفعل، ولا نعلم رواية حُذف فيها هذا الضمير. واللفظة مأخوذة من "صَريتُ في الحوض الماءَ"، إذا "جمعته"، و"صريته" بالتخفيف والتشديد. و"المصراة": هي "التي تربط أخلافُها ليجتمع اللبنُ". ولا خلاف أنّ التصرية حرام؛ لأجل الغش والخديعة للمشتري (٣). قلتُ: الأصل في "تصروا": "تصرِّيوا"؛ لأنه من "صريت"، استُثقلت الضمة على "الياء"، وقبلها كسرة، فحُذفت، ثم ضُمت "الراء" لأجل "الواو" (٤). وأمّا مَن رواه: "لا تَصرّوا" بفتح "التاء": فبيِّنٌ. والذي قاله الشّيخُ تقيُّ الدِّين صحيحٌ، أنها لا تجوز: "لا تُصرّوا الإبلُ" على بناء الفعل للمفعول، ورفع ["الإبل"] (٥)، على لُغةِ: "أكَلُوني البراغيث" (٦). فيَحتمِل أنْ يكون "الإبلُ" بالرّفع بَدَلًا من "الواو". ويَحتمِل أن يكون "الواو" علامةً، و"الإبل" مفعول لم يسمَّ فاعلُه. وعلى ما قاله القاضي: تكون من "صرَّى"، مثل "زكَّى" رباعيًّا؛ فيكون "الواو" فاعلًا في "تصروا"، و"الألِف" مفعول.

стр. 1265

قوله: "ومَن ابتاعها": "مَن" مبتدأ، مِن أسماء الشرط، والخبرُ في فعل الشرط، على المختار، وقد تقدّم الكلام على "مَن" الشّرطية، وعلى خبرها، في الحديث العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرابع منه. و"ابتاعها" فعل، وفاعل، ومفعول، الفاعل: ضمير مُستتر يعود على "من"، والمفعول: ضمير "المصرَّاة". قوله: "فهو": جوابُ الشرطِ. قوله: "بخير النظرين": حرف الجر يتعلق بالخبر، و"الباء" للإلصاق (١)، أي: "فهو مشترٍ بخير النظرين". ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى "في"، أو بمعنى "على" (٢). و"النظرين" مضاف إليه، وعلامةُ الجر: "الياء". و"النظرين" [بمعنى] (٣) "الأمرين"، إما إمساك المبيع أو رَدُّه، أيهما كان خيرًا واختاره فَعَلَه، وهذا نظرٌ معنويٌّ، لا صوريٌّ. قوله: "بعد أن يَحْلُبَها": العامل في "بعد" الخبرُ المقدَّرُ، أي: "فهو كائن بخير النظرين". و"بعد أن يحلبها" مَقدَّر بمَصْدر، أي: "بعد حَلْبِها". قوله: "إن رَضِيَها أَمْسَكَها": هذه الجملة مفسِّرة لـ "خير النظرين". فـ "أمسكها" جواب الشرط، وجوابُ [الثانية] (٤): "رَدَّها". [قوله] (٥): "وصَاعًا من تمرٍ": ويحتمل أن تكون "واو" العطف على الضّمير المفعول في "ردّها".

стр. 1266

قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ". أو يكون متعلقًا بخبر عن الجملة على الحكاية. وقد تكرّر له نظائر كثيرة. قوله: "وهو بالخيارِ": "هو" ضمير المشتري، و"بالخيار" يتعلق بخبر عنه، و"ثلاثًا" منصوب على الظرفية، أي: "ثلاث ليال". وغَلّب في العدد الليالي على الأيام، ولو غَلَّب الأيام فقال: "ثلاثة". الحديث الثالث: [٢٥٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ"، وَكَانَ بَيْعًا يَتبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ -وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ- بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ (١). قال الشّيخ تقيُّ الدِّين: في تفسير "حَبَل الحبَلة" وجهان: - أحدُهما: أن يبيع إلى أن تحمل الناقةُ وتضعُ، ثم تحمل هذا البطن الثاني. وهذا باطل؛ لأنه بيع إلى أجْل مجهول. والثاني: أن يبيع نتاج النتاج. وهو باطلٌ أيضًا؛ لأنّه بيع معدوم (٢). و"الحبلة" جمع "حابل". وأمّا "حبل المرأة": فجمعه: "نساء حبلة" (٣). قوله: "وكان بيعًا يتبايعه أهلُ الجاهلية": "بيعًا" خبر "كان" واسمها ضمير يعود على "بيع حبل الحبلة"، و"يتبايعه" جملة في محلّ الصفة، وبها تم المعنى، و"أهل"

стр. 1267

فاعل "يتبايعه". وتقدّم الكَلام على "أهل" في الخامس من "كتاب الصيام". قوله: "كان الرجلُ يبتاعُ الجزورَ": جملة "كان الرجل" جملة كبرى، وجملة "يبتاع الجزور" صغرى، [وكلاهما] (١) مفسِّرة للجُملة التي قبلها، والجملة التي قبلها مفسِّرة للجملة التي قبلها. قوله: "إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها": هذا الفعل مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، يقال: "نُتِجَتْ" فهي "منتوجة"، و"نَتَجَتْ نِتَاجًا"، وقد "نَتَجَها أهلُها نَتْجًا". ويقال: "نَتُوجًا"، ولا يقال: "مُنْتِج" (٢). ومن ذلك أفعالٌ لم تبن للفاعل، كـ "جُنَّ"، و"لُقِيَ" و"غُمّ الهلال" و"عُنِيتُ بحاجتك" (٣). قوله: "التي في بطنها": محلّه رفع، مفعول لم يُسمَّ فاعله، والعائدُ الضمير في الاستقرار المتعلِّق به حرف الجر. قوله: "قيل: إنه كان": الضمير في "إنه" يعود على الرجل؛ لتقدُّمِ ذكرِه، والجملةُ في موضع المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلُه لـ "قيل"، ويحتمل أن يكون المفعولُ محذوفًا، أي: "قيل قولٌ". وتقدّم الكلامُ عليه في الرابع من "الجنائز". وجملة "كان" في محل خبر "إن"، وجملة "يبيع" خبر "كان"، و"الشارف" مفعول "يبيع"، واسم "كان" ضمير يعود على "الرجُل البائع" المتقدِّم ذكرُه. قوله: "وهي: الكبيرةُ المُسنَّة": تفسير للشارف، و"المسنة" خبر بعد الخبر، أو صفة على مذهب من يجيز تعدّد الخبر وصفة الصفة. ويجوز أن تكون "المسنة" بدلًا،

стр. 1268

أو عطف بيان. قوله: "بنتاج": "الباء" باء المقابلة (١)، و"نتاج" مصدر مُضاف إلى مفعوله، وحرف الجر يتعلق بـ "يبيع". و"الذي" مع صلته صفة للجنين، و"في بطن" يتعلّق بالصلة، والعائد الضمير في الاستقرار المقدَّر. الحديث الرّابع: [٢٥٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ" (٢). قوله: "نهى عن بيع": الجملة في محل خبر "أن"، و"بيع" مصدر مضاف إلى المفعول، أي: عن أن تباع الثمرة. وجملة "أن رسول اللَّه" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر، أي: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ " محكي إلى آخر الحديث. قوله: "حتى يبدوَ صلاحُها": "حتى" حرف غاية ونصب؛ لأنها مُقدّرة بـ "إلى أن"، والفعل معها مستقبل (٣). قال محيي الدّين النواوي: تقع في كثير من كتب المحدِّثين: "حتى يبدوَا" بالألِف في الخطّ، وهو خَطأ، والصّوابُ حذفُها (٤). قلت: فيجوزُ أن تكُون لُغةً. وقد قُرئ: "أَوْ يَعْفُوَا الذي بيَدِه عُقْدَة النّكَاح". (٥)

стр. 1269

ومن ذلك قوله: فآليت لَا أَرْثي لها مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفًى حَتَّى يُلَاقِيَ مُحَمَّدا (١) وقُرئ: "وإني خِفْتُ المواليْ" بسكون "الياء" (٢). وتقدّم الكلام على "حتى" في الثاني من الأوّل، وعلى "يبدو" في الحديث الحادي عشر من "صفة الصلاة". وتتعلق "حتى" بـ "بيع"؛ لأنه مصدر منحل إلى "أن" والفعل. وفي تعلّق "حتى" بـ "نهى" بُعْد من جهة المعنى؛ لأنّ نهيه ﷺ لم يكن مستمرًّا مع الزّمان إلى غاية بُدوِّ الصّلاح، وأمّا منع البيع فينتهي إلى بدوِّ الصّلاح. و"الصّلاح": ضد "الفساد". يُقال: "صَلَحَ، يَصْلُحُ، صُلُوحًا"، مثل: "دَخَلَ، يَدْخُلُ، دُخولًا". وحكى الفرّاء: "صلُح" بالضم (٣). قال في "الصحاح": و"الصِّلاح" بكسر "الصاد"، مصدر "المصالحة"، والاسم: "الصُّلْحُ"، يُذكَّر ويُؤنَّث (٤). قوله: "نهى البائعَ والمشتري": هذه الجملة بدل من جملة قوله: "نهى عن بيع

стр. 1270

الثمرة" وفيها تفسيرٌ لما أُجمِل؛ لأنَّ "البيعَ" يُطلق على "الشراء"، يقال: "بعتُ الشيءَ"، بمعنى: "اشتريته" (١)، فجاءت الجملة مبيِّنةً لهذا الإجمال. الحديث الخامس: [٢٥٧]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حتَّى تُزْهِيَ". قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: "حتَّى تَحْمَرَّ". قَالَ: "أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يسْتَحلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ! " (٢). جملة "نهى" في محلّ خبر "أنّ". وتقدّم الكلام على "حتى" ومتعلّقها. قوله: "وما تُزهي؟ ": "ما" استفهامية، و"تُزهي" الخبر عن "ما"، أي: "وما إنماؤها؟ ". فـ "تُزهِي" هنا محكي لفظه، كقوله لمن قال: "رأيتُ زيدًا": "مَن زيدًا؟ "، فـ "زيدًا" خبر عن "من"؛ لأنه حكى لفظ "زيد" الأوّل (٣). وكذلك هنا حكى "تُزهِي" الأوّل؛ فجعله اسمًا خبرًا. والأصل: "تزهُو"؛ لأنه من "الزهو". فكان لقلب الواو "ياء" مُوجبان، أحدُهما: وقوعها رابعة. والثاني: كسر ما قبلها، فهو كـ "يُدْعي" و"يُغْزي" إذا عُدِّيت بهمزة النقل، فلما انقلبت الواو "ياءً" صار "تُزْهِي" (٤). ويُقال: "زهى النخل" زهوًا. و"أزهى" لُغة (٥).

стр. 1271

فقوله: "قال": أي: "النبي ﷺ ": "حتى تحمر"؛ فـ "حتى" حرفُ غاية، و"تحمر" منصُوبٌ بإضمار "أن" بعدها، ويتعلّق بـ "بيع"؛ لأنّه مصْدَر، أي: "عن أن تبيعوا حتى تُزهِي". قوله: ثم "قال ﷺ : أرأيت إن منع اللَّه الثمرة": "أرأيت" هنا بمعنى: "أَخبِرْني"؛ فهي عِلْمية، تتعدّى إلى مفعولين، الثاني [استفهام] (١). ومتى كانت بمعنى "أخبرني" جاز أن لا تلحقها "الكاف"؛ وتختلف "التاء" باختلاف المخاطَب، وجاز أن تلحقها؛ ويكون الاختلاف في "الكاف"، وتبقى "التاء" مفتوحة (٢). ومذهبُ البصريين أنّ "التاء" ضمير الفاعل، و"الكاف" حرف، أغنى الاختلاف فيهما عن اختلاف "التاء". ومذهبُ الكسائي أنّ "التاء" فاعل، و"الكاف" ضمير المفعول الأوّل. ومذهبُ الفرّاء أنّ "التاء" حرفُ خطاب، كهي في "أنت"، و"الكاف" بعده في موضع الفاعل استعيرت من ضمائر النصب للرفع (٣). إذا ثبت ذلك: فيحتمل أن يكُون المفعُول الأوّل -على مذهب الكسائي- محذوفًا، تقديره: "أرأيتكم". والمفعولُ الثّاني من معنى قوله: "بم يأخُذ أحَدكم" أي: "يأخُذها بلا عوض". قوله: "بم": حُذفت "الألِف" من "ما" الاستفهامية على القَاعِدة (٤). وحرف الجر يتعلّق بـ "يستحلّ"، وكان حقّه أن يتأخّر عن العَامل، إلا أنّ

стр. 1272

الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وتقدّر "الفاء" في قوله: "بم يستحل؟ "، أي: "فبم يستحل؟ "؛ فيكون جَوابًا. وحَذْفُ "الفاء" من الجواب كثير (١)، منه قوله: مَن يَفْعَل الحسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ... . . . . . . . . . . (٢) ومنه قوله في الحديث: "إنّك إنْ تَذَرَ وَرَثتَكَ أَغْنيَاءَ خَيرٌ مِن أنْ تَذَرَهُم عَالةً" (٣)، أي: "فهو خيرٌ" (٤). والصّوابُ الذي اختاره أبو حيّان أن يكُون الجواب في مثل هذا محذوفًا (٥)، أي: "إن منع اللَّه الثمرة فأخبروني ماذا يصنع. . .؟ ". ونظيره: "أنت ظالم إن فعلت"، أي: [". . . إن فعلت فأنت ظالم"] (٦). وقد اختار الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ (٧)

стр. 1273

[الأنعام: ٤٠] أن يكُون جَوابُ الشّرط: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] (١). ورُدَّ: بأنّ جوابَ الشرط لا يكون استفهامًا (٢). وقال الحوفي: جوابُ الشرط: "أرأيتكم"، وقُدّم لدخُول "همزة" الاستفهام (٣). واختار أبو حيّان إضمار الجواب (٤)، كما تقدّم. ويحتمل أن تكون "أرأيت" هنا بمعنى: "أتأمّلت"؛ فلا يكون لها مفعول. وقد اختار ذلك ابن عطية في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] (٥). وقد تقدّم الكلام على "أرأيت" هذه التي بمعنى "أخبرني" في الحديث الأوّل من "باب صفة صلاة النبي ﷺ ". الحديث [السادس] (٦): [٢٥٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ". قَالَ (٧): فَقُلْتُ لابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا (٨). قوله: "نهى": التقدير: "أنه نهى". فجملة "نهى" في محلّ خبر "أن". و"أن تُتلقى

стр. 1274

الركبان" في محلّ نصب، أو في محلّ جرّ، على الخلاف بين سيبويه والخليل (١). قوله: "وأن يبيع حاضر": معطوفٌ على "أن تُتلقى". والفعلان منصوبان بـ "أن"، والأوّل مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وعلامة النصب فتحة مُقدّرة. قال ابن الأثير: "الحاضر": "المقيم في المدن والقرى"، و"البادي": "المقيم بالبادية". والمنهيُّ عنه: أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوتٌ يبغي التسارع إلى بيعه، فيقول له الحضريُّ: "اتركه عندي لأغالي في بيعه". فهذا الصنيع محرّم؛ لما فيه من الإضرار بالغير (٢). قلت: وهذا التفسير خلافُ تفسير ابن عباس. وهاهنا سُؤالٌ: إن قيل: لِمَ جاء "تُتلقى" مبنيًّا للمفعول، "وأن يبيع" مبنيًّا للفاعل، ولم يجئ الكلام: "أن يَتلقى حاضرٌ باديًا" ولا "أن يُباع لبادٍ"؟ والجواب: أنّ التغليظ في تلقي الركبان جاء أشدّ منه في بيع الحاضر للبادي، حتى قيل: يُفسَخ البيع؛ فأتى الفعلُ مبنيًّا ليفيد معنى التشديد، وذلك أنّ قولك: "افعل ما قيل لك" أبلغ من قولك: "افعل ما قلتُ لك". قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ [الحديد: ٨]، قُرئ بالوجهين (٣). قالوا: وبالبناء أبلغ. قوله: "ما": استفهامية في محلّ رفْع بالابتداء، والخبرُ المستفهمُ عنه، وهو

стр. 1275

المضاف والمضاف إليه، والجملة معمولة لـ "قلت"، و"ما" أقسامها تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من "التيمم". قوله: "قال": أي: "ابن عباس": "لا يكون له سمسارًا": جملة "لا يكون له سمسارًا" معمُولة للقول، والتقدير: "تفسيره -أو معناه-: لا تكون". فـ "لا تكون" في الأصل خبر مُبتدأ محذوف. و"سمسارًا" خبر "كان"، واسمها ضمير يعود على "الحاضر" الذي تقدّم ذكره. و"له" يتعلّق بـ "كان" عند من أجاز عمل "كان" في الفضلات (١)، أو الصّفة لـ "سمسارًا"، تقدّم، وانتصب على الحال، والتقدير: "لا يكون سمسارًا" أي: "مُتقدِّمًا له في البيع". و"السمسار": "القيِّم بالأمر". و"القيِّم بالأمر": "الحافظُ له". وهو في البيع: "اسمٌ للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع" (٢). [الحديث السابع] (٣): [٢٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا. وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ" (٤). قوله: "قال: نهى": جملتان إحداهما -وهي الأولى- في محلّ معمول متعلّقٌ حرف الجر، والثانية معمُولة للقول.

стр. 1276

و"عن المزابنة": تتعلّق بـ "نهى". قوله: "أن يبيع": بدَلٌ من "المزابنة"، فمَحلّ "أن" جَر، ويحتمل القطع، أي: "وهي أن يبيع"؛ فيكون محلّ "أَنْ" رفعًا، وفاعل "يبيع" مُقدَّر، أي: "يبيع أحدكم تمر حائطه". فالضمير في "حائطه" يعود على ذلك المقدَّر. قوله: "إن كان نخلًا": "إن" حرف شرط. و"إن كان نخلًا": "كان"، واسمها، وخبرها، اسمها ضمير يعود على "الحائط"، و"نخلًا" خبرها. والجملة معترضة لا محلّ لها، وجوابُ الشرط مُقدّر، أي: "إن كان نخلًا فقد نهى عنه"، أو: "فالنهي عنه". وكذا يُقدّر فيما بعده من الإعراب. وقد تقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "بتمرٍ": يتعلّق بـ "يبيع"، و"كيلًا" مصدر "كال" "يكيل". وفي الكلام حالٌ محذوفٌ، أي: "تمر حائطه رطبًا، إن كان نخلًا، بتمرٍ يَكيله كيلًا"، [فالضّمير] (١) في "يكيله" يعود على "التمر"، والضّمير في "حائطه" يعود على "أحدكم". وضمير الفاعل في "يكيله" يحتمل أن يعود على "أحدكم"، أي: "يكيله لنفسه من المشتري". ويصحّ أن يكون "يكيله" بمعنى: "يكتاله". ويحتمل أن يعُود على "البائع"؛ لأنّ الكيل عليه، والبائع مفهوم من المعنى. والشرط جوابه محذوف، أي: "إن كان نخلًا فقد نهى عن أن يبيعه". قوله: "وإنْ كان كَرْمًا أن يبيعه بزبيب": أي: "وإن كان الحائط كَرْمًا، فقد نهى أن يبيعه بزبيب". فـ "أن" في محلّ نصب، أو جَر، على ما تقدّم. وجوابُ الشّرط: "فقد نهى".

стр. 1277

قوله: "وإن كان زرعًا أن يبيعه": يُقدَّرُ فيه ما قُدِّر في الذي قبله. و"بكيل" يتعلّق [بـ "يبعه"] (١)، و"طعام" مُضاف إليه، وفيه إضَافة الصّفة إلى الموصوف، أي: "بطعامٍ مكيلٍ". فـ "كيل" بمعنى: "مكيل"، أو بمعنى: "ذي كيلٍ". وإن كانت الرواية بالتنوين: "بكيلٍ طعامٍ" كان بَدَلًا، وهو حَسَنٌ. قوله: "نَهى عن ذلك كلِّه": جملةٌ مستأنَفةٌ، والإشارة إلى "المزابنة" وصفاتها، و"كُلّه" تأكيد لذلك، وأكّد ذلك بـ "كُلّ"؛ لأنّ المشار إليه مُتعَدّد. و"المزابنة": مأخوذة من "الزَّبْنِ"، وهو "الدَّفْعُ"، كأنّ كُلّ واحد من المتبايعَيْنِ يَزْبِنُ صاحبَه عن حقِّه بما يزداد منه. وإنَّما نُهِي عنه لما في ذلك من الغَبْنِ والجهَالةِ (٢). الحديث الثّامن: [٢٦٠]: عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ" (٣). قوله: "نَهى عن ثمنِ الكلبِ": خبر "أن". وما بقي من الحديث معطوفات على ما قبلها. وهل هذا ومثله من باب عطف المفردات، أو من باب عطف الجمل؟ الأكثرون على أنه من باب عطف المفردات؛ فيكون "ومهر" معطوفٌ على "ثمن"، "وحلوان" معطوفٌ عليه. وإن كان من عطف الجمل، يكون التقدير: "نهى عن ثمن الكلب، ونهى عن

стр. 1278

مهر البغيِّ، ونهى عن حُلوان الكاهن". وعلى هذا الخلاف ينبغي حكمُ العمل، هل هو فيها كُلها للعامل الأوّل، أو لكُل واحد من المعطوفات عامل مُقدَّر يفسره الأوّل؟ والتقدير في الجميع: "نهى أُمتَه عن كذا"؛ فالمفعولُ محذوف. وحرف الجر يتعلّق بـ "نهى". يُقال: "بَغَتِ المرأة"، "تبغي"، "بِغاءً"، إذا "زَنَتْ" (١). قال الشّيخ تقيّ الدّين: "مَهْرُ البغيِّ": "ما يُعطَى على الزنا"، سُمِّيَ مهرًا على سبيل المجاز، أو استعمالًا للوضع اللغوي. ويَحتمِل أن تكُون من مجاز التشبيه إن لم يكُن "المهْر" في الوضع "ما يُقابل به النكاح". و"حُلْوَان الكَاهِن": هو "ما يُعطاه على كهانته". والإجماعُ قائمٌ على تحريم هذين (٢). و"البغيّ" وزنه "فعول"؛ لأنّ أصله: "بَغُويٌ"، فلما اجتمعت "الواو" و"الياء"، وسُبقت إحداهما بالسكون، قُلبت "الواو": "ياءً"، وأدغمت "الياء" في "الياء"، وكسرت "الغين" اتْباعًا لكسرة "الياء" قبلها لتصحّ السّاكنة (٣). و"فعول" هنا بمعنى "فاعلة"، ولذلك أتى بغير "هاء" التأنيث، وهي صفة لمؤنّث، كما يأتي "فعيل" للمُؤنث بغير "هاء"، إذا كان بمعنى "مفعول" نحو: "امرأة قتيل" (٤).

стр. 1279

وجمع "بغيٍّ": "بغايا". [و"حُلوان] (١) الكَاهِن": "ما يُعطى على كهانته". يُقال منه: "حلوته حُلوانًا"، إذا "أعطيته"، أصله من "الحلاوة"، شُبِّه بـ "الشيء الحلو"، من حيث إنه يأخُذه سهلًا بلا كُلفة، ولا في مُقابلة مشقّة. يقال: "حَلَوْتُه"، إذا "أطعمته الحلوى"، و"عسَلتُه" إذا "أطعمته العَسلَ" (٢). الحديث التاسع: [٢٦١]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ المُزَابَنَةِ، وَعَن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَّا العَرَايَا" (٣). هذا الحديث لم يذكره الشّيخ تقيّ الدّين، وهو ثابت في نُسخ "العُمدة" كُلّها، ولعلّ الشّيخ ترك الكَلام عليه لأنّ معناه في الأحاديث قبله. ولو سلم: فكان الواجب عَدَّه في جملة ما عدَّ من الأحاديث، ويَعتذر على ترك شرحه والكَلام عليه، مع أنه محلّ الكلام فِقهًا ولغةً وأصلًا، وسأذكرُ ما ظهر من ذلك. قوله: "المُحاقلة": "بيعُ الحِنطةِ في سنبلها بحنطةٍ" (٤). قوله: "نَهى النبيُّ": التقدير: "أنه قال: . . . " ليكون معمول متعلّقٌ حرف الجر. وجملة "نهى" في محلّ معمول القول. و"عن المخابرة": يتعلّق بـ "نهى".

стр. 1280

و"المخابرة": قيل: هي "المزارعة على نصيبٍ مُعيّن، كالثلث والربع". و ["الخُبْرَة"] (١): "النصيب". وقيل (٢): "الأرض الرِّخْوة ذات الجحَرَةِ". أرض "خَبرَة" و"خَبْرَاءُ". و"الخَبَارُ": "الأرضُ الرَّخْوَة" (٣). وقيل: أصلُ "المخابرة" من "خيبر"، لأنّ النبي ﷺ أقرّها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: "خابرهم"، أي: "عَامَلَهم في خيبر" (٤). و"المحاقلة": ذكَر صاحب "العُمدة" فيها أنها "بيع الحنطة في سنبلها بحنطة" (٥)، ولعلّه من تمام الحديث. ويُسمّيها الزّارعون: "المحارَثة" (٦). وقيل: هي "المزارعَة على نصيبٍ معلوم، كالثّلث، والرّبع، ونحوهما". وقيل: هو "بيعُ الطّعام في سنبله بالبُرِّ". وقيل: هي "بيعُ الزّرع قبل إدرَاكه". وإنما نُهي عنها لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثلٍ، ويدًا بيدٍ، وهذا مجهولٌ لا يُدرى أيهما أكثر كيلًا، وفيه النسيئة (٧). و"المحاقلة": مُفاعلة من "الحقل"، وهو "الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلُظ ساقُه".

стр. 1281

وقيل: هو من "الحقل"، وهي: "الأرض التي تُزرَع". ويُسميه أهل العراق: "القَرَاح" (١). أمّا "المزابنة": فقد تقدّم الكلام عليها، وفسّرها في الحديث (٢). وألفاظ هذا الحديث كُلها معطُوفات. وتنوّعَت، فمنها ما اكتفي فيه بحَرف العَطف عن ذكْر العَامل، وهو "المحاقلة"، ومنها ما أعاد فيه العامل، وهو "وعن [المزابنة] (٣) "، "وعن بيع الثمرة حتى يبدو صَلاحها"، والأصلُ ترك إعادة العامل، إلّا في طول الكَلام، أو خَوفِ لَبْسٍ يدخُل على السّامع. قوله: "وأن لا تُباع": معطوفٌ أيضًا بإسقاط "عن"، أي: "وعن أن لا تُباع". فيجري الخلاف في محلّ "أن"، على ما تقدّم، فسيبويه يقول: جر، والخليل والكسائي يقولان: نصب. قوله: "حتى يبدو": الفعلُ منصوب بإضمار "أن" بعد "حتى"؛ لأنها بمعنى "إلى أن"، والفعلُ معها مستقبل. و"يبدو" تقدّم الكَلام عليه في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة". [قوله] (٤): "إلا بالدينار والدرهم": هذا الاستثناء مُفرغ؛ لأنّ المجرور بعد "إلّا" متعلِّق بـ "أن لا يباع"، ومتى عمل ما قبل "إلّا" فيما بعدها كان الاستثناء مُفرغًا (٥). قوله: "إلا العَرايا": أعلم أنه إذا تكرّر حرف الاستثناء، وكان الاستثناء الأوّل

стр. 1282

مفرغًا، عَمِل ما قبل الأوّل فيما بعده على حسب ما يقتضيه من رفع أو نصب أو جر، وما يأتي بعد ذلك من المستثنيات تنصب، لكن لا يتعيّن الأوّل؛ لتأثير العامل، وهذا في غير حديثنا يُمكن؛ لأنّ حرفَ الجر معناه في متعلّقه، فلا يدخُل على ما لا يكون لمتعلّقه فيه معنى. وأمّا في مثل: "ما قام إلا زيدٌ، إلا بكرٌ، إلا عمرٌو" فلك أن ترفع الأوّل بالفعل على أنه فاعل، وتنصب الباقي، ولك أن تقول: "ما قام إلا زيدًا، إلا عمرو، إلا بكرًا". ولكن الراجح: إعمالُ الفعل في الأوّل (١). أما إذا تكرّرت المستثنيات من المنفي غير المفرغ، فإن كان التَّكرار للتأكيد فلا يخلو من أن يقع بعد "إلا" الثانية اسم مماثل لما قبلها، نحو: . . . . . . . . . . لا ... تمرُر بهم إلا الفتى، إلا العَلَا (٢) فتلغى "إلا" الثانية؛ لأنّ "الفتى" مُستثنى من الضمير المجرور بـ "الباء"، والأرجَح كونه تابعًا له في جرّه. ويجوز كونه منصوبًا على الاستثناء، و"العَلا" بَدَل من "الفتى"، بَدَل كلٍّ من كلٍّ؛ لأنهما لمسمًّى واحد، و"إلّا" الثانية مُؤكّدة. أو يكون التَّكرار للتأكيد بعد أن يدخُل على الثّانية "الواو" العاطفة، نحو قولك: "ما جاء إلّا زيد، وإلا عمرو". فهذا تلغى فيه "إلا" الثانية، وتكون معطوفة

стр. 1283

بـ "الواو" على ما قبلها، و"إلّا" زائدة للتأكيد، ولا يلحَق هذا بالقسْم الأوّل المفرغ ما قبل "إلّا" لما بعدها؛ لأنّ الغرَض هُنا للتأكيد (١). إذا ثبت ذلك: فهذا التقسيم في الاستثناء الواقع بعد نفي للتأكيد، ولم يتقدّم على المستثنى منه. فإن تقدّم المستثنى على المستثنى منه، وتعدّدت المستثنيات نُصِبَتْ كلّها، نحو: "ما قام إلّا زيدًا، إلّا عمرًا، إلّا بكرًا أحدٌ". وإن تأخّرت، وكان الكلام مُوجبًا نصبتها كُلَّها، نحو: "قاموا إلّا زيدًا، إلّا عمرًا، إلّا بكرًا". وإن كان الكَلام منفيًّا غير مُوجب، ولم يكُن تأكيدًا، ولا مُفرَّغًا أُعطي واحد منها ما يُعطاه لو كان مُنفردًا لم يتكرّر، ونُصب ما عَداه، نحو: "ما قاموا إلا زيدًا، إلا عمرًا، إلا بكرًا". ولك في واحد منها الرفع، ولكن الرّاجح الأوّل، والنصب مرجوحٌ، ويتعيّن في الثاني النصب (٢). والألِف واللام في "الدينار" و"الدرهم" للجنس. الحديث العاشر: [٢٦٢]: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثْ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ" (٣). قوله: "ثمن الكلب": الألِف واللام للجنس، ويُخصُّ من ذلك كلبُ الصيدِ

стр. 1284

والماشيةِ؛ لأنه مُرخَّص في اتخاذه. كما خُصَّ كسبُ الحجَّام [بالكراهةِ] (١)، وقيل (٢) لمن يبيع دَم ما يفصده من الحيوان لمن يستجيز أكْله من الكَفَرة (٣). فـ "ثمن الكلب" مبتدأ، ومُضاف إليه، و"خبيث" خبره. يُقال: "خَبُثَ الرجلُ"، "خُبْثًا"، فهو "خبيثٌ"، أي: "خبٌّ رديء". و"أخبثَه غيرُه": "عَلَّمه الخُبْثَ وأفسده". و"أخبث" أيضًا "اتخذ أصحابًا خُبثاء"، فهو "خبيثٌ"، "مخْبثٌ" و"مخبثان". يُقال: "يا مخبثان". و"فلان لَخِبْثَة"، كما يقول: "لَزِنْيَة". ويُقال في النداء: "يا خُبَثُ"، كما يُقال: "يا لُكَعُ"، يُريد: "يا خبيثُ" (٤). قال الخطابي: قد يَجمعُ الكلامُ بين القرائن في اللفظ، ويُفرِّقُ بينهما في المعنى، ويُعرفُ ذلك من الأغراض والمقاصد. فأمَّا "مهرُ البغي" و"ثمن الكلب": فيراد بالخبيث [فيها] (٥) "الحرام"؛ لأنّ الكَلب [نجس] (٦)، والزنا حَرام، فَبَذْلُ العِوض عليها وأخْذُه حَرامٌ. وأمّا "كسْب الحجام": فيراد بالخبيث فيه "الكراهة"؛ لأنّ الحجامة مُباحَة. وقد يكون الكلام في الفصل الواحد بعضه على الوجُوب، [وبعضه على الندب] (٧)، وبعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، ويُفرّق بينهما بدلائل الأصول، واعتبار معانيها، انتهى (٨). ولو قال: "ثمن الكلب، ومهر البغى، وكسب الحجام خبيث" أدّى المعنى،

стр. 1285

ولكنه أراد ﷺ تخصيص كُلّ نوع بالخبث. وقد يتوقّف الحكم في الذي يُجمع بالعطف على المجموع، لا على إفراده، كقولك: "إن دخل الدارَ زيدٌ، وعمرٌو، وبكرٌ، فلهم درهم". فلا يستحق مَن دخل منهم الدار على انفراده الدرهم، ولا شيئًا منه حتى يدخل مع قرينيه (١). ولهذا نظائر من الكتاب والسنة. فيتبين بذلك أنّ وصف كُلّ صنف في الحديث بـ "الخبث" له معنى زائد على العطف من غير تَكرار العامل. قلت: ومن هذا ما ابتلى به قُرّاء الحرم الشريف، فإنّ غالب عيشهم ورزقهم من وظائف يوقَف عليها أوقاف، ويشترط الواقف أن يكون عشرة أو ثلاثة يقرءون جميعًا في وقت واحد متراسلين، متفقين في مخارج الحروف والكلمات، فيتخلف من الوظيفة بعضُ مَن هو مِن الجماعة، ويحضر بعضُهم؛ فيقرأ مَن حضر، فيختل بذلك العدد المشروط والهيئة الاجتماعية، وعلى هذا لا يستحق مَن حضر وقرأ ما شُرط له؛ لتخلُّفِ الشرط. وهذه بلية عظيمة، ومحنة جليلة، لَطَفَ اللَّهُ بنا، ولا واخذنا، وقد أفتى بذلك جماعة من العُلماء لم تحضرني أسماؤهم، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1286

باب العرايا وغير ذلك الحديث الأوّل: [٢٦٣]: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا" (٢). قوله: "رخّص": جملة في محلّ خبر "أن"، "لصاحب" يتعلق بـ "رخَّص". و"العريَّة" مشدّدة "الياء": "النخلة"، "فَعِيلَة" بمعنى "مفعولة". وإنَّما دخلت فيها "الهاء"؛ لأنها أفردت وصارت في عِدَاد الأسماء، مثل: "النطيحة" و"الأكيلة" (٣). و"أن يبيعها": في محل نصب، أو جر، على ما تقدّم. وحَذْفُ حرفِ الجر مع "أن" جائز واقع كثيرًا، ومع غير "أن" في أفعال مخصوصة، وهي "أمر"، و"استغفر"، و"سمى"، و"كني"، و"دعا"، تقول: "أمرتُه الخيرَ"، و"أمرتُه بالخيرِ"، و"استغفرتُ اللَّهَ ذنبي"، و"استغفرتُ اللَّهَ من ذنبي"، وكذا ما بقي (٤).

стр. 1287

قوله: "بخَرْصِها": "الباء" في "بخرصها" باء المقَابلة (١)، والمراد: "أن يبيعها بقدْر خرصها"، أو "كيل خرصها". [قوله] (٢): "ولمسلم": يحتمل أن يتعلّق بفعل محذوف، أي: "وجاء لمسلم"؛ فيكون "بخرصها" فاعِل على الحكاية، وإن قَدَّرتَ "رُوي" فيكون مفعولًا لما لم يُسمَّ فاعله، على الحكاية أيضًا. ولك أن تجعل الجمْلة من "بخرصها تمرًا. . . إلى آخره" مبتدأ، والخبر متعلّق المجرور على الحكاية، أي: "ولفظ كذا لمسلم"، أي: "كائن لمسلم"، فيكون الإسناد إلى اللفظ، لا إلى المدلول. وحرفُ الجر في "بخرصها" يتعلّق بمحْذوف، أي: "رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها تمرًا يأكلونها رُطبًا"؛ فهو من تمام الكلام، إلا أنّه أفرد ما انفرد به مُسلم، وجمع ما اجتمع عليه البخاري ومُسلم، فالمجرور في المعنى متعلّقٌ بـ "يبيعها"، إلا أنّه بالقطع انتقل إعراب جملته من معنى الوضع إلى معنى الحكاية. و"بخرصها" مصدَر مُضَاف إلى المفعول. قوله: "يأكلونها": ضميرُ الفاعل في "يأكُلونها" يعُود على جنس المعرين لها؛ لأنهم الذين يُباح لهم ذلك عند مالك (٣) ﵁، أو على جنس المشترين، وإن لم يتقدّم لهم ذكْر؛ فالكلام يدلّ عليهم. والضّمير المنصوب يعود على العريّة المتقدّم ذكرها.

стр. 1288

فيكون تقدير الكَلام: "رَخّص لصاحب العريَّة -وهو الذي أُعطيها- أن يبيعها بخرص كيلها تمرًا من المعرِّي له يأكلها المعرَّى رُطبًا". فجملة: ["يأكلونها"] (١) مُضمّنة معنى التعليل، أي: "ليأكلوها رطبًا"، فلما حُذف حرف التعليل -وهي: "لام كي"- رُفع الفعلُ. وليس ذلك شرطًا، بل لهم أنْ يؤخّروها حتى يأكلوها تمرًا. وأمّا على مذهب الشافعي: فالتقدير: "رخّص لصاحب العرية -وهو مالكها- أن يبيعها بخرص كيلها تمرًا، من المشتري، بكيله [تحتها] (٢)؛ ليأكُلها المشتري رُطبًا" (٣). و"تمرًا" و"رطبًا": منصوبان على الحالِ. الحديث الثاني: [٢٦٤]: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ" (٤). قوله: "رَخَّص": جملة في محلّ خبر "أن" و"في بيع" يتعلَّق بـ "رخَّص"، وهو مصدر مضاف إلى المفعول. و"العرايا": جمع "عَرِيَّة". وتقدّم أنها "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، من "عَراه

стр. 1289

يَعروه"، إذا "قصده". ويحتمل أن تكون "فعيلة" بمعنى "فاعلة"، من "عريَ يَعْرَى"، إذا "خلع ثوبَه"، كأنها عَرِيَت من جملة التحريم، فـ "عريت"، أي: "خرجَتْ" (١). قوله: "في خمسةِ أَوْسُقٍ": بدَل من "العرايا"، ولا يتعلّق بـ "رخَّص"؛ لأنّ حَرفي جرٍّ لمعنًى لا يتعلّقان بعامل واحد (٢). ويَحتمِل أن يتعلّق "في خمسة" بحال من "العرايا"، أي: "كائنة في خمسة". قوله: "أو دون خمسةِ أَوْسُقٍ": وتقدّم الكَلام على "الوَسْقِ"، وهو: ستون صاعًا، وهو ثلثمائة وعشرون رطلًا عند أهْل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق، على اختلافهم في مقدار الصّاع والمُدُّ. والأصلُ في "الوَسْقِ": "الحِمْل"، و"كلُّ شيءٍ وَسَقْته" فقد "حملته". و"الوَسْقُ" أيضًا: "ضمُّ الشيء إلى الشيء"، ومنه في الحديث: "اسْتَوسِقُوا كَمَا يُسْتَوْسَقُ جُرْبُ الْغَنَمِ" (٣)، أي: "استجمعوا" (٤). وأُثبتت "التاء" في "خمسة"؛ لأنّه عَدَد مُذكّر. قوله: "أو دون خمسةِ أَوْسُقٍ": التقدير: "أو في دون خمسة أوسق". تقدّم الكلام على "دون" في الحديث الثالث من "الكسوف". و"أو" هنا للشك، والظّاهر أن الشّك من الرّاوي، ويدلّ على ذلك اختلافهم في "الخمسة" إذ لو لم يكن شكّ لما كان في "الخمسة" خِلاف (٥).

стр. 1290

الحديث الثالث: [٢٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ (٢): "وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ المُبْتَاعُ" (٣). قال الشيخ تقيُّ الدِّين: يُقال: "أَبَرْتُ النخلةَ"، "آبرُها"، وقد يُقال بالتشديد. و"التأبيرُ": "التلقيحُ". انتهى (٤) يُقال: فهي "مؤبَّرة" و"مأبورة". ورجُل "آبر"، اسم فاعل، من "أبر" المخفّف (٥). و"النخل": اسمُ جنس. و"النخيل" جمعٌ، وليس بجنس. و"النخل" يُذَكَّر ويؤنَّث، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] و ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وقد سمّى النبيُّ ﷺ النخلةَ "شجرةً"، فقال: "مَا شَجَرَةٌ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا؟ " (٦). (٧)

стр. 1291

قوله: "مَن باع": تقدّم ذكر "مَن"، وأنها من أسماء الشرط، وموضعها رفع بالابتداء، والخبر في جملة "باع"، وجواب "مَن": "فثمرها للبائع". "إلّا أنْ يشترط المبتاع": الاستثناء هُنا من الأحْوال، أي: "فثمرتها للبائع في كُلّ حالة بيع، إلّا حالة اشتراط المبتاع". ويكون المحلّ منصوبًا على الاستثناء، أي: "فثمرتها للبائع". ويحتمل أن يكون الاستثناء مُنقطعًا، لأنّ الاشتراط ليس من جنس الثمرة، ولأنّ للاشتراط معنى، والثّمرة عين مال من الأموال. ويحتمل أن يكون التقدير: "فثمرتها للبائع؛ بسبب أنها أُبِّرت، إلا بسبب اشتراط المبتاع"، فيكون الاستثناء بهذا الاعتبار مُتصلًا. وجملة "قد أبرت" في محلّ الصفة لـ "نخل"، وتصحّ الصّفة بالماضي مُقترنًا بـ "قد"، كقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] إذا قدّر: "ومنهم طائفة"؛ ليسوغ الابتداء بالنكرة. وقيل: المسوِّغ "واو" الحال في قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾. (١) و"أُبِّرت": مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله. قوله: "فثمرها للبائع": هو جوابٌ للشرط، و"البائع" يتعلّق بخبر المبتدأ. قوله: "ولمسلم: ومَن ابتاع عبدًا": تقدّم قريبًا مثله. و"مَن" مبتدأ، و"ابتاع" في موضع الخبر، "عبدًا" مفعول به، "فماله" مبتدأ، والخبر في قوله: "للذي باعه"، والجملة معطوفة على "مَن ابتاع نخلًا" على رواية مسلم.

стр. 1292

قوله: "إلا أن [يشترط] (١) المبتاع"، وقد تقدّم. الحديث الرّابع: [٢٦٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ" (٢). وَفي لَفْظٍ: "حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٣). وَعَنْ ابْن عَبّاسٍ مِثْله (٤). قوله: "أنّ رسول اللَّه ﷺ ": في محلّ معمول متعلِّق حرف الجر، و"قال" في محل خبر "أن". وجملة "من ابتاع" في محلّ معمول القول، و"مَن" شرطية في محل رفع بالابتداء، والخبر في فعلها. وجوابُ الشرط: "فلا يبعه"، فـ "لا" ناهية، وعلامة الجزم في "يبعه" حذف "الياء". و"حتى" حرفُ غايةٍ ونصبٍ؛ لأنها بمعنى "إلى أن"، والفعلُ معها مُستقبل، وتقدّم الكلام على "حتى" وعملها وما جاء فيها في ثاني حديث من أوّل الكتاب. قوله: "وفي لفظ": متعلِّق بفعلٍ مُقدَّر، إمّا: "جاء"، وإمّا: "رُوي". ويختلف إعراب ما وقع بعد المجرور بحسَب اختلاف المقدَّر، فإن قَدَّرتَ: "جاء" كان "حتى يقبضه" فاعل على الحكاية، وإن قَدَّرتَ: "رُوي" كان مفعولًا لم يُسمَّ فاعلُه. ولك أن تُقدِّر الجملة مبتدأً، والخبر في قوله: "وفي لفظ". قوله: "وعن ابن عباس مثله": أي: "رُوي في لفظ". فـ "عن" يتعلَّق بـ "روي"،

стр. 1293

و"مثله" مفعول لم يُسمَّ فاعلُه لـ "روي". و"يستوفي" ماضيه: "استوفي"، وهو بمعنى: "توفّاه". والضّمير في "مثله" يعُود على "الحديث"، أي: "مثل حديث عبد اللَّه بن عمر". والتقدير: "وجاء في لفظ: حتى يقبضه". وتقدّم أنّ "مثل" و"شبه" و"ضد" و"ند" و"أفعل من" و"واحد أمه" و"عبد بطنه" واسم الفاعل المضاف بمعنى الحال أو الاستقبال، كلها لا تتعرّف بالإضافة، في المعروف (١). الحديث الخامس: [٢٦٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ: "إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالمَيْتةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: "لَا، هُوَ حَرَامٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (٢). قوله: "سمع رسُول اللَّه ﷺ يقُول": "سمع" في محلّ خبر "أن"، و"سمع" هنا متعلِّقة بالذوات، فيكون "يقول" في محلّ المفعول، على اختيار الفارسي ومَن تبعه، أو في محلّ الحال، على اختيار ابن مالك وأبي حيّان ومَن تبعهم (٣)، وقد تقدّم الكلام على

стр. 1294

"سمع" في أوّل حديث من الكتاب. قوله: "عام الفتح": ظرف الزمان مُقدَّرٌ بـ "في"، [أي] (١): "قال في عام الفتح". والعاملُ فيه: "سمع". قوله: "إنّ اللَّه ورسُوله": "إنّ" مكسورة؛ لأنها بعد القول [وقد. . . . . فتحها بعد القول في الصحيح؛ لأنّ. . .] (٢) إذا كان فعلًا مُضارعًا بـ "تاء" خطاب تقدّمته أداة استفهام لم يفصل بينهما بفاصل، وينصب حينئذ فعلين، نحو: "أتقول زيدًا مُنطلقًا؟ "، و: "أتقول إنّ زيدًا مُنطلقًا؟ " (٣). ويجب فتحها لتسد مسَدّ مفعولي "يقول". وتقدّم الكلام على المواضع التي تفتح فيها "أن" وتكسر في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "ورسوله": بالنصب، عطف على اسم "أن"، ويجوز الرفع عطفًا على المحلّ عند الكسائي، ويجري في إعرابه إذا رفع ما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، وفيه أوْجُه، منها القويُّ، ومنها الضّعيف (٤). قوله: "وحَرَّم بيعَ الخمرَ": جملة في محلّ خبر "أن".

стр. 1295

وفاعل "حرّم": ضمير "اللَّه" تعالى. ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، فأفرد الضمير؛ لأنّ اللَّه ورسوله في حُكم الواحد؛ لأنَّ رِضَا اللَّهِ عنه مُرتبطٌ برِضَا رسولِه (١). أو يكون التقدير: "إنّ اللَّه حَرَّم، وإنّ رسولَه حَرَّم"، فهما جملتان. ويحتمل أن يكون التقدير: "إن اللَّهَ ورسولَه حرَّما بيع"، ثم حذف "الألِف" التي هي ضمير الإثنين عندما وقف؛ لينفرد الفعل بضمير اللَّه تعالى. وفي ذلك تعظيم للنبي ﷺ ؛ حيث جعل تحريمه وتحريم الرسول واحد، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٢). وقد أجازوا في الوقف على المنصوب السّكُون، وهي لُغة ربيعة، فقالوا: "رأيتُ رجُل". فهذا هنا أسْهَل؛ لأنّه هنا أبقى الحركة التي كانت قبل الحذف. وحسَّن هذا الحذف دلالة ما قبله عليه. والأوّل أحْسَن (٣). وقد قال ﷺ للخطيب لما قال: "ومن يعصهما فقد غوى": "بِئْسَ خَطِيبُ القَوْم أَنْتَ" (٤)، كأنّه أنكر عليه جمعه بين ضميري "اللَّه" تعالى و"النبي" ﷺ (٥). ومن هذا قوله في الحديث: "مِن أعْظَمِ الفِرَى أن يُرِيَ عَيْنَيه مَا لم تَرَ" (٦).

стр. 1296

والأصلُ: "مَا لم تريا" (١)، فهذا مثل الحديث على التأويل الأوّل؛ لكَونه حَذف ضَمير الفَاعل. قوله: "والأصْنَام": معطُوفٌ على "بيع"، وكذلك "الميتة"، و"الخنزير"؛ فتكون منصُوبة؛ لأنّه لا يُعهَد بيع الأصنام في ملّة الإسلام، والمراد: "عبادة الأصنام". ويحتمل الجر، أي: "وحرّم بيع الأصنام"؛ فيكُون قد حَذَف المضَاف، وأبقَى المضَاف إليه على إعرابه، وهو قليلٌ، كقراءة مَن قرأ في الشّاذ: "وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ" (٢) بالجر، أي: "ثواب الآخرة". ولكن النّصب فيه أوْجَه، والمعطُوفات ظاهرٌ إعرابها (٣). قوله: "فقيل": تقدّم الكَلام على القول وبنائه للمفعول في الحديث الرّابع من "الجنائز". وحذف فاعل "قيل" للإبهام، أي: "قال بعض الحاضرين"، أو للجَهل به. ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله، قيل: هو جملة الاستفهام، على مذهب مَن يجوِّز وقوع الفاعل جملة. وقيل: هو مُضمر يُفسِّره سياقُ الكلام، تقديره: "هو"، والجملة مفسِّرة للقول، فلا موضع لها. وقيل: القائم (٤) مصدرُ القول، أي: "قيل قول"، ثم فُسر بالجملة (٥). وجملة قوله: "يا رسول اللَّه" مع ما بعدها معمُولة للقول.

стр. 1297

قوله: "أرأيتَ شحومَ الميتةِ": "أرأيت" هنا بمعنى: "أخبرني". وقد تقدّمت في الحديث الأوّل من "باب صفة الصلاة"، وتقدّمت قريبًا. ومفعولها الثاني من شرطه أن يكون مقرونًا باستفهام، وهو هنا محذوفٌ يدلّ عليه الكلام، تقديره: "أرأيت شحوم الميتة أنستعملها، فإنها تُطلى بها السفن؟ "؛ فـ "تطلى بها" خبر "إن"، وصحّح الإخبار بها الضّمير في "بها"؛ لأنه لا بُد في الجملة الواقعة خبرًا من ضمير يعود على المبتدأ، واسم "إنّ" مبتدأ في الأصل، فتقدير الكلام: "الشحوم تُطلى بها السفن"، ثم أكّد الكلام بـ "إنّ"، والمعطوفُ على الخبر خبر. قوله: "ويَستصبح بها الناسُ": مبني للفاعل، بخلاف "تُطلى بها السفن"، "وتُدهَن بها"؛ فإنهما مبنيان للمفعول، وسببُ ذلك أنهما يتعديان لمفعول به، و"استصبح" غير متعد لمفعول، لكنه لو قال: "يُستصبَح بها الناسُ" على بنائه للمفعول جاز؛ فيكون القائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله المجرور. ويتخرّج رفع "الناس" على إضمار فِعْلٍ، كأنّه قال: "مَن يستصبح بها؟ " فقيل: "الناسُ". أي: "يستصبح بها النّاسُ"، كقوله تعالى: "يُسَبَّح لَه فيها بالغُدو والآصَال، رِجَالٌ" (١)، على قراءةِ مَن بنَاه للمفعُول، والتقدير: "يُسَبّحه رجَالٌ" (٢). ومنه:

стр. 1298

ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... . . . . . . . . . . (١) قالوا: ويُستثنى من ذلك: "يُوعَظ في الدار زيد". ثم أصل المسألة، قال الجَرمي وابن جني: ينقاس. وتُوبِعا. وقيل: سماعية. ومن مثلها: "أكل الطعام زيد"، و"شرب الماء عمرو"، و"أوقدت النار بكر" (٢). قوله: "فقال: لا": أي: "فقال النبيُّ ﷺ : لا"، أي: "لا تفعلوا". [و"لا"] (٣) حرف جواب، تقدّم الكلام عليها في الأوّل من "كتاب الحيض". قوله: "هو حَرامٌ": أي: "الذي ذكرتموه من الطلي، والاستصباح، وغير ذلك، حرام"؛ فالضّمير يعود على معلوم عندهم. والمراد: الجنس. قوله: "ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك": "عند" هنا ظرف زمان، وتكون للمكان، وهو الغالبُ عليها، وذلك بحَسب ما يُضاف [إليه] (٤)، وتقدّمت في الحديث الأوّل من "باب السواك". قوله: "ذلك": إشارة إِلَى ذكرهم وقولهم. فـ "عند" على هذا ظرف زمان.

стр. 1299

والعامل في "عند": "قال". قوله: "قاتَل اللَّهُ اليهودَ": هذه الجملة معمولة للقول. و"قاتل" جاء بمعنى "لعن". يقال: قاتلته قتالًا وقيتالًا. وجاء "فاعَل" لغير المفاعلة، نحو: "طارَقتُ النعلَ" و"عاقَبتُ اللصَّ" (١). قوله: "إنَّ اللَّهَ لما حَرَّم شُحومَها": "إنّ" واسمها. و"لما" ظرف بمعنى "حين"، وقيل: حرفُ وجوب لوجوب، وقيل: وجود لوجود (٢). و"حرّم" في محلّ جرٍّ إن كانت "لما" ظرفًا، والجملة خبر "إنّ"، والأصل: "إنّ اللَّه حرّم"، فدخَلت "لما" لمعنى الظرفية، فصارت الجملة كلها خبرًا عن "إنّ". و"جملوه" جوابُ "لما". قوله: "ثم باعوه فأكلوا ثمنه": عطف بـ "ثم" ثم بـ "الفاء"، أمّا "ثم" فلِما في الكلام من المهلة، لأنّ البيع لا يُتصوّر فيه التعقيب، والأكل يُتصوّر فيه التعقيب، وأيضًا فيه تنبيه على اختيارهم المخالفة، وسُرعة مبادرتهم إِلَى ذريعة الأكل. ولذلك قال: "فأكلوا ثمنه"، ولم يقُل: "ثمنها"، فالضّمير يعود على "المحَرّم". وإنما قال: "فأكلوا "، ولم يقُل: "أخذوا ثمنه" ولا "تملكوا ثمنه"؛ [تنبيهًا] (٣) على خَسَاسة قَدْرِهم وسُوء نَظَرهم.

стр. 1300

الحديث السّادس: [٢٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (١). قوله: "قَدِمَ رسولُ اللَّه ﷺ ": جملة في محلّ معمولِ القولِ. قوله: "وهم يُسلِفون في الثمار": الجملة في محل الحال من محذوف، أي: "قدم على أهل المدينة وهم يُسلفون". و"السَّلَمُ" و"السَّلَفُ" واحدٌ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتسليمه رأسَ المال بغير عِوَض حاضر. ومنه سُمِّي: سَلَفًا. و"السَّلَف": ما تقَدّم. ومنه سُمِّيَ "سَلَف الرجُل" للمُتقدِّم من آبائه (٢). قال عياض: كَره ابنُ عُمر أنْ يُسَمَّى "السّلفُ" سَلمًا، يقول: "السّلَمُ إِلَى اللَّهِ" (٣)، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]. كأنّه [ضَنّ] (٤) بالاسم أن يُمتهن في غير طاعة (٥). وصاحبُ الحال: "أهل" المقدَّر. والعاملُ في الحال: الفعل الذي عمل في صاحب الحال، وهو "قَدِم" وقيل: معنى الجر. ويَحتمِل أن يكون الحال من "النبي ﷺ "، أي:
следующие страницы →