والأصلُ: "مَا لم تريا" (١)، فهذا مثل الحديث على التأويل الأوّل؛ لكَونه حَذف ضَمير الفَاعل.
قوله: "والأصْنَام": معطُوفٌ على "بيع"، وكذلك "الميتة"، و"الخنزير"؛ فتكون منصُوبة؛ لأنّه لا يُعهَد بيع الأصنام في ملّة الإسلام، والمراد: "عبادة الأصنام".
ويحتمل الجر، أي: "وحرّم بيع الأصنام"؛ فيكُون قد حَذَف المضَاف، وأبقَى المضَاف إليه على إعرابه، وهو قليلٌ، كقراءة مَن قرأ في الشّاذ: "وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ" (٢) بالجر، أي: "ثواب الآخرة". ولكن النّصب فيه أوْجَه، والمعطُوفات ظاهرٌ إعرابها (٣).
قوله: "فقيل": تقدّم الكَلام على القول وبنائه للمفعول في الحديث الرّابع من "الجنائز". وحذف فاعل "قيل" للإبهام، أي: "قال بعض الحاضرين"، أو للجَهل به.
ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله، قيل: هو جملة الاستفهام، على مذهب مَن يجوِّز وقوع الفاعل جملة. وقيل: هو مُضمر يُفسِّره سياقُ الكلام، تقديره: "هو"، والجملة مفسِّرة للقول، فلا موضع لها. وقيل: القائم (٤) مصدرُ القول، أي: "قيل قول"، ثم فُسر بالجملة (٥).
وجملة قوله: "يا رسول اللَّه" مع ما بعدها معمُولة للقول.
стр. 1297
قوله: "أرأيتَ شحومَ الميتةِ": "أرأيت" هنا بمعنى: "أخبرني". وقد تقدّمت في الحديث الأوّل من "باب صفة الصلاة"، وتقدّمت قريبًا.
ومفعولها الثاني من شرطه أن يكون مقرونًا باستفهام، وهو هنا محذوفٌ يدلّ عليه الكلام، تقديره: "أرأيت شحوم الميتة أنستعملها، فإنها تُطلى بها السفن؟ "؛ فـ "تطلى بها" خبر "إن"، وصحّح الإخبار بها الضّمير في "بها"؛ لأنه لا بُد في الجملة الواقعة خبرًا من ضمير يعود على المبتدأ، واسم "إنّ" مبتدأ في الأصل، فتقدير الكلام: "الشحوم تُطلى بها السفن"، ثم أكّد الكلام بـ "إنّ"، والمعطوفُ على الخبر خبر.
قوله: "ويَستصبح بها الناسُ": مبني للفاعل، بخلاف "تُطلى بها السفن"، "وتُدهَن بها"؛ فإنهما مبنيان للمفعول، وسببُ ذلك أنهما يتعديان لمفعول به، و"استصبح" غير متعد لمفعول، لكنه لو قال: "يُستصبَح بها الناسُ" على بنائه للمفعول جاز؛ فيكون القائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله المجرور.
ويتخرّج رفع "الناس" على إضمار فِعْلٍ، كأنّه قال: "مَن يستصبح بها؟ " فقيل: "الناسُ". أي: "يستصبح بها النّاسُ"، كقوله تعالى: "يُسَبَّح لَه فيها بالغُدو والآصَال، رِجَالٌ" (١)، على قراءةِ مَن بنَاه للمفعُول، والتقدير: "يُسَبّحه رجَالٌ" (٢). ومنه:
стр. 1298
ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... . . . . . . . . . . (١)
قالوا: ويُستثنى من ذلك: "يُوعَظ في الدار زيد".
ثم أصل المسألة، قال الجَرمي وابن جني: ينقاس. وتُوبِعا. وقيل: سماعية. ومن مثلها: "أكل الطعام زيد"، و"شرب الماء عمرو"، و"أوقدت النار بكر" (٢).
قوله: "فقال: لا": أي: "فقال النبيُّ ﷺ : لا"، أي: "لا تفعلوا". [و"لا"] (٣) حرف جواب، تقدّم الكلام عليها في الأوّل من "كتاب الحيض".
قوله: "هو حَرامٌ": أي: "الذي ذكرتموه من الطلي، والاستصباح، وغير ذلك، حرام"؛ فالضّمير يعود على معلوم عندهم. والمراد: الجنس.
قوله: "ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك": "عند" هنا ظرف زمان، وتكون للمكان، وهو الغالبُ عليها، وذلك بحَسب ما يُضاف [إليه] (٤)، وتقدّمت في الحديث الأوّل من "باب السواك".
قوله: "ذلك": إشارة إِلَى ذكرهم وقولهم. فـ "عند" على هذا ظرف زمان.
стр. 1299
والعامل في "عند": "قال".
قوله: "قاتَل اللَّهُ اليهودَ": هذه الجملة معمولة للقول.
و"قاتل" جاء بمعنى "لعن". يقال: قاتلته قتالًا وقيتالًا. وجاء "فاعَل" لغير المفاعلة، نحو: "طارَقتُ النعلَ" و"عاقَبتُ اللصَّ" (١).
قوله: "إنَّ اللَّهَ لما حَرَّم شُحومَها": "إنّ" واسمها. و"لما" ظرف بمعنى "حين"، وقيل: حرفُ وجوب لوجوب، وقيل: وجود لوجود (٢). و"حرّم" في محلّ جرٍّ إن كانت "لما" ظرفًا، والجملة خبر "إنّ"، والأصل: "إنّ اللَّه حرّم"، فدخَلت "لما" لمعنى الظرفية، فصارت الجملة كلها خبرًا عن "إنّ".
و"جملوه" جوابُ "لما".
قوله: "ثم باعوه فأكلوا ثمنه": عطف بـ "ثم" ثم بـ "الفاء"، أمّا "ثم" فلِما في الكلام من المهلة، لأنّ البيع لا يُتصوّر فيه التعقيب، والأكل يُتصوّر فيه التعقيب، وأيضًا فيه تنبيه على اختيارهم المخالفة، وسُرعة مبادرتهم إِلَى ذريعة الأكل. ولذلك قال: "فأكلوا ثمنه"، ولم يقُل: "ثمنها"، فالضّمير يعود على "المحَرّم".
وإنما قال: "فأكلوا "، ولم يقُل: "أخذوا ثمنه" ولا "تملكوا ثمنه"؛ [تنبيهًا] (٣) على خَسَاسة قَدْرِهم وسُوء نَظَرهم.
стр. 1300
الحديث السّادس:
[٢٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ. فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (١).
قوله: "قَدِمَ رسولُ اللَّه ﷺ ": جملة في محلّ معمولِ القولِ.
قوله: "وهم يُسلِفون في الثمار": الجملة في محل الحال من محذوف، أي: "قدم على أهل المدينة وهم يُسلفون".
و"السَّلَمُ" و"السَّلَفُ" واحدٌ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتسليمه رأسَ المال بغير عِوَض حاضر. ومنه سُمِّي: سَلَفًا. و"السَّلَف": ما تقَدّم. ومنه سُمِّيَ "سَلَف الرجُل" للمُتقدِّم من آبائه (٢).
قال عياض: كَره ابنُ عُمر أنْ يُسَمَّى "السّلفُ" سَلمًا، يقول: "السّلَمُ إِلَى اللَّهِ" (٣)، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]. كأنّه [ضَنّ] (٤) بالاسم أن يُمتهن في غير طاعة (٥).
وصاحبُ الحال: "أهل" المقدَّر. والعاملُ في الحال: الفعل الذي عمل في صاحب الحال، وهو "قَدِم" وقيل: معنى الجر. ويَحتمِل أن يكون الحال من "النبي ﷺ "، أي:
стр. 1301
"قدم وهم يُسلفون"؛ ويكون حالًا مقدَّرة.
قوله: "السنةَ، والسنتين، والثلاثَ": ظروف زمان، أي: "إِلَى منتهى السنة، والسنتين، ومنتهى ثلاث سنين". و"ثلاث" عَدَد الظروف، وعَدَد الظرف ظرف، والعاملُ فيها: "يُسلفون".
قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ "، معطوفٌ على "قَدِم".
قوله: "مَن أَسْلَف": مبتدأ، والخبر في الفِعْل. و"في شيء" يتعلَّق بـ "أسلف". وتقَدّم الكلام على "شيء" في الثاني من "باب المرور". وجوابُ الشرط: "فليسلف". وتقدّم الكَلام على "مَن" الشّرطية، ومحلّ خبرها في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "في كَيْلٍ": أي: "في مكيل"؛ فـ "الكيل" مصدر بمعنى "مفعول"، أي: "مكيول" و"مَعْلوم" لهما.
ويَحتمل أن تكون "الواو" (١) بمعنى "أو"، أي: "في كيل معلوم، أو وزن معلوم"، كقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، أي: "مثنى، أو ثلاث، أو رباع" (٢).
ويحتمل أن تكون "الواو" بمعنى "الباء" أي: "فليسلف في كيل معلوم بوزن معلوم". وقد جاءت "الواو" بمعنى "الباء" كثيرًا، من ذلك قولهم: "أنت أعْلَم ومالك"، أي: "بمالك". وكقولهم: "بعتُ شاة ودرهمًا"، أي: "بدرهم"، وإنما نصب "درهمًا" لأجل العطف، وكذلك لو قلت: "بعتُ الشاة شاة ودرهم" بالرفع؛ لأجْل العطف (٣).
стр. 1302
وعلى هذا: تكون الإشارة إلى وزن المسْلِم للمسْلَم له.
ويَحتمِل أن يكون الوزن المعلوم هو المسْلَم فيه، فلا يصح تقدير "الباء".
قوله: "إِلَى أَجَلٍ معلوم": يتعلّق بـ "يُسلف"، وهو الظاهر.
وَلَا يصح أن يتعلق بـ "معلوم" الأول؛ لأنه يفيد العلم بالكيل إلى أَجَل، والعلم به بزمن الأَجَل.
ولا يتعلّق بـ "كيل"؛ لأنّ الكيل لا يستمر إِلَى أَجَل معلوم. ولا يتعلّق بحالٍ من ضمير الأوّل؛ لأنه يُفيد الكيل والعلم به بزمن الأَجَل.
ولا يتعلّق بـ "معلوم" الثاني؛ لأنّ الوزن لا يلزم أن يكون معلومًا إلى أَجَل. فإن جَعلْتَ الوزن المذكور من جهة المسلَّم له، أي "في موزون معلوم إلى أَجَل" صحّ أن يتعلّق "إلى أجل" بـ "معلوم" الثّاني، أو بحال من ضميره.
* * *
стр. 1303
باب الشروط في البيع
الحديث الأوّل:
[٢٦٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلٍّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيكون وَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيهم، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "خُذِيهَا وَاشْرطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ ! كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّما الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١).
قوله: "جاءتني بريرة": الجملة معمُولة للقول.
وجملة: "فقالت" معطُوفة على "جاءت".
و"بريرة" اسم منقول، على وزْن "فعيلة"، فيحتمل أن تكُون "فعيلة" بمعنى "فاعلة"، أو بمعنى "مفعُولة"، وامتنع للعَلَمية والتأنيث.
وإنما قُلت: منقُولًا؛ لأنّ "بريرة" واحدة "البرير"، و"البرير": "ثمر الأراك" (٢)، فليس من الصّفة في شيءٍ، ولذلك لم يُغيِّره النبي ﷺ كما غيَّر "برة" بـ "زينب" (٣). (٤)
стр. 1304
وجملة "كاتبت" معمولة للقول.
وتقدّم الكلام على "أهل" في الحديث الخامس من "كتاب الصيام".
و"على تسع" يتعلّق بـ "كاتبت" أي: "على أداء تسع". "أواق" مُضافٌ إليه، وهو تمييز العَدد؛ ولتأنيثه سَقَطت العَلامَة.
قوله: "في كُلّ عَام": "العَام" اسم للسنة. سُميَ عامًا لأنّ الشّمس والقمر، والليل والنهار تعوم فيها في الفلك، قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. وهو مصدر "عام، يعوم" "عومًا" و"عامًا". وسُمِّي حَوْلًا؛ لأنّ الأشياء تحول فيه (١).
والمجرور يحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "أواق"، وتكون "أوقية" فاعل بالمجرور؛ لأنه اعتمد على الصفة، وهو اختيار سيبويه.
وقد تقدّم أنّ الظروف والمجرورات إِذَا اعتمدت -بأن تكُون صفة لموصُوف، أو خبرًا لذي خبر، أو حالًا لذي حال، أو صلة لموصول- عمِلَتْ عَمَلَ الفعلِ (٢).
ويحتمل أن تكون "أوقية" مبتدأ، والخبر في المجرور، وبه يتعلّق حَرْف الجر، والجملة صِفَة و"أواق"، وَلَا بُد من عائد؛ فيقَدّر: "في كلّ عام أوقية منها".
وانظر هل [الوصف] (٣) لـ "تسع" المميّز، أو لـ "أواق" المميّز؟ وهل من فرق
стр. 1305
بينهما؟
الذي يظهر هنا: أنّ الوصف لـ "أواق"، لا لـ "تسع"؛ لأنّ وصف التمييز يَسري على المميز، ووصف العَدد المميز لا يَسري إلى تمييزه.
ويدُلّك على ذلك أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]: [إنّ] (١) "سمان" صفة لـ "بقرات" (٢).
قال أبو حيّان: فالعَدد مميز بنوع من الجنس، ولو نصب "سمانًا" لكان صفة لـ "سبع"، فيكون التمييز بالجنس لا بالنوع، ويلزم من وصف "البقرات" بالسمان وصف "السبع" به، ولَا يلزم من وصف "السبع" به وصف "البقرات" به (٣).
وفرق بين: "ثلاثةُ رجالٍ كِرَامٍ" بجر "كِرَام"، وبينه برفعها، فعلى الأوّل المعنى: "ثلاثةٌ من الرجالِ الكرامِ"؛ فيلزم وصف "الرجَال" بالكَرَم، وعلى الثاني: "ثلاثة كرامٍ من الرجَال"، فلا يلزم وصف "الرجَال" بالكَرَم (٤).
وذكْر "الأوقية" مع "الأواق" تقدّم في الحديث الثّاني من "الزكاة".
قالوا: و"الوقية" لُغة ليست بالعالية، والأفصح: "أوقية" (٥)، وسيأتي.
قوله: "فأعينيني": معطوفٌ على "كاتبت". وهو فعل أمر، وفاعل، ومفعول، ونون الوقاية، الفاعل "الياء" بين النونين، و"الياء" الأخيرة المفعول.
قوله: "فقلتُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ": "إِنْ" حرف شرط، و"أَنْ" مصدَرية مُقدّرة مع ما بعدها بمفعول لـ "أحب"، أي: "إن أحب أهلك عدّها لهم"، بمعنى:
стр. 1306
"أعجّلها لهم".
قوله: "ويكون ولاؤك لي": معطوفٌ على "أعدّها"، فتكون "النون" منصوبة بالعَطف على "أعدّ". ويجوز الرّفع على القطع، وهو أقوَى في المعنى هنا؛ لأنّ العطف يُدخل "الكَوْن" في المحبة، وليس هو المراد، إنّما المراد: "إن أحبوا العدّ كان الولاء لي"، فهو مقطوع.
قوله: "فَعَلْت": جَوابُ الشّرط.
قوله: "فذهبت بريرة إِلَى أهْلِها": معطوفٌ على "فقلت". ولو قالت: "فذَهَبَت إِلَى أهلها" صَحّ؛ لأنّ المضمَر أوْلى من المظْهر، إلَّا لتعذّر المضْمر؛ لكن الموضع موضع بسْط عِلم، وتبيين حُكم؛ فالمظهر به أنْسَب.
قوله: "فقالت": معطوفٌ على "ذهبت"، و"لهم" يتعلّق بـ "قالت"، و"اللام" لام التبليغ. ومعمولُ القول محذوفٌ، أي: "فقالت لهم الذي قالت عائشة".
قوله: "فأبوا": معطوفٌ على "قالت"، و"عليها" متعلّق بـ "أبوا".
و"أبى" يتعدّى بنفسه، تقول: "أبى زيدٌ الطعامَ"، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧].
فلَمَّا كان في "أبى" معنى النفي ساغ تعدّيها بـ "على"، لأنّ معنى الكلام: "فامتنعوا من ذلك كله إلّا الولاء عليها".
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] إنّ "أبى" فيها معنى "الجحْد"؛ فلذلك جاء الاستثناء مُفرغًا (١).
قوله: "فجاءت من عندهم": أي: "فجاءت بريرة من عندهم"، معطوفٌ على ماقبله، و"من عندهم" يتعلّق بـ "جاءت".
стр. 1307
"ورسول اللَّه ﷺ جالس": الجملة [في] (١) محلّ الحال من ضَمير "جاءت"، و"الواو" واو الحال. وتقدّم الكلام على الجمَل الواقعة حالًا في الثالث من "المذي".
و"عند" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "السّواك". ويجوز في عينها الضم والفتح والكسر، وهو الأكثر، ولا تنجَر إلّا بـ "من"، كما جاءت هنا (٢).
قوله: "فقالت: إني عرضتُ ذلك": كُسرت "إنّ" بعد القول، و"عَرضت" في محلّ خبر "إن"، و"ذلك" مفعول "عرضت"، و"عليهم" يتعلّق بـ "عرضت"، و"أبوا" معطوفٌ على "عرضت"، والإشارة إلى ما ذَكَرت لها عائشة.
قوله: "إلّا أن يكُون لهم الولاء": تقدّم أنّ "أبى" فيها معنى "الجحْد"؛ ولذلك حَسُن بعدها "إلّا"، أي: "فامتنعوا إلّا بشرط الولاء".
ثم يحتمل أن يكون "إلّا" في محلّ نصب، أي: "فأبوا البيع إلا بأن يكون لهم الولاء"، و"الباء" باء الثّمَن، ثم حُذفت؛ فانتصب المحلّ.
قوله: "فأخبرت عائشةُ النبي ﷺ ": "أخبر" من الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، الثاني بحرْف الجر، أي: "أخبرت عائشة النبي ﷺ عن أهلها". وهذا يدلّ على أنَّه لم يسمع ما أتت به بريرة عن أهلها حَتَّى أخبرته عائشة ﵂.
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أخبرت". وتقدّم الكَلامُ على "أخبر" و"خبَّر" في الخامس من "فضل الجماعة".
قوله: "فقال: خُذيها": أي: "قال النبي ﷺ : خذيها". فـ "خذيها" فعل أمر، وفاعل، ومفعول، الفاعل "الياء"، والمفعول "الهاء". والجملة محكيّة بالقول. وتقدّم الكلام على "أخذ" في الحديث السّادس من "باب الاستطابة". والتقدير: "خذيها
стр. 1308
بالثمن الذي ذكرتيه لهم".
"واشترطي لهم الوَلَاء": قيل: "لهم" بمعنى "عليهم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، قيل: المراد: "فعليها" (١).
وقيل: المراد: "واشترطي لأجلهم الولاء"، أي: "لأجل معاندتهم ومخالفتهم للحقّ؛ حتى يعلم غيرُهم أنّ هذا الشرط لا ينفع" (٢).
قوله: "فإنّما الوَلاء لمن أعْتَق": "إنّما" هنا لحصر بعض الصفات في الموصوف، لا للحَصر التام؛ لأنّ الوَلاء يكون لمن أعتق، ولمن جَرّه إليه مَن أعتق (٣). وقد تقَدّم في أوّل حَدِيث من الكتاب الكلام على "إنّما" وعلى أدوات الحصر.
قوله: "ففعلت عائشة": أي: "اشترتها منهم".
قوله: "ثم قام رسول اللَّه ﷺ ": هنا حالٌ محذوفة، أي: "قام خطيبًا".
قوله: "في الناس" أي: "في مكان مجتمعهم"؛ فتكون "في" حقيقة في الظرفية. أو: "في جماعتهم"؛ فتكون مجازًا، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٤). وقد تكون ظرفية زمانية.
وقد اجتمع ذلك فيها في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] (٥).
стр. 1309
ولك أن تعلّق "في الناس" بالحال المقَدّرة، أي: "قام خطيبًا في الناس".
قوله: "فحمد اللَّه وأثنى عليه": أي: "قال: الحمد للَّه". وفي الحديث: "يقول العبد: الحمد للَّه رب العالمين؛ يقول اللَّه: حمدني عبدي. يقول العبد: الرحمن الرحيم؛ يقول اللَّه: أثنى عليَّ عبدي" (١). فهذا يفسّر معنى الحمدلة ومعنى الثناء.
وعطف "الثناء" على "الحمد" بـ "الواو"؛ لأنهما [لمعنًى] (٢)، وَلَا يكادان يفترقان، وعطف ما أتى به بعد "الحمْد" و"الثناء" بـ "ثُم" المرتّبة، فالمعنى: أنّه لم يَفْصِل بغير ذلك.
قوله: "أمّا بعد": اعلم أنّ "أما بعد" تُستعْمَل كثيرًا في الخطَب والرسائل لفصل كلام من كلام. وقيل: إنها فصل الخطاب المذكور في كتاب اللَّه، وأنّ أوّل من تكلّم بها داود ﵇. وقيل: أوّل مَن تكلّم بها نبينا ﷺ . وقيل: قُسُّ بن ساعدة. وقيل غير ذلك (٣).
والعامل فيها مُشكِل، فقيل في مثل "أمّا بعد: فإنّ زيدًا قائم": العاملُ "قائم"، وإن كان في صلة "أن"؛ لأنّ الظروف يُتسَاهَل فيها، ولذلك لا يَجوز: "أمّا زيدًا فإني ضارب"؛ لأنّه ليس بظرف (٤).
والذي يظهر لي: أنْ يُقَدّر فعْل يدلّ عليه معنى الكَلام، أي: "أمّا بعد كلامي
стр. 1310
فاسمَعوا أنّ الأمر كذا" (١).
وأمّا هنا فإنّه وقَع بعدها "ما" الاستفهامية، فقيل: العامِلُ ما في "أمّا" من معنى الشّرط؛ لأنّ الظروف يُتسع فيها.
قلتُ: وفي عمل معاني الحروف -من استفهام، ونفي، وشرط، وتمنٍّ- في الظروف والأحْوَال خِلاف.
وأمّا في حَديثنا هذا: فقد وَقَع استفهام يمنَع من عَمَل ما بعده فيما قبله، فلا يصحّ أن يعمل "يشترطون" لذلك، ولأنّه صفة لـ "رجَال"، و"رجَال" مُضَاف إِلَى خبر "ما" الاستفهامية، والخبر هو المبتدأ في المعنى، فتحرّر من ذلك تأكيد المنع من عَمل "يشترطون"، وتقَوّى أنْ يكُون العاملُ في "أمّا" ما في "أمّا" من معنى الشّرط، أو يُقدّر له فِعل.
قال ابن الأثير: "أمّا بعد" تقديرُ الكَلام فيها: "أمّا بعد حَمَد اللَّه فكذا وكذا". و"بعد" من ظروف المكَان التي تلزمها الإضَافة (٢).
قلتُ: قد تقدّم الكَلام على "قبل" و"بعد" في الحديث الرابع من "تسوية الصفوف".
قال في كتاب "صناعة (٣) الكتاب": أجَاز هشام "أمّا بعد"، بفتح "الدال".
стр. 1311
قال: ويُقَال: "أمّا بعد، أطال اللَّه بقاءك، فإني"، فتدخُل "الفاء" على "إنّ"، وهذا اختيارُ النحويين. ويجوز: "أمّا بعد، فأطال اللَّه تعالى. . . "؛ فتدخُل "الفاء" على "أطال"، وهي الجملة المعترضة. ويجوز: "أمّا بعد، فأطال اللَّه تعالى. . . فإني"؛ فتدخُل "الفاء" فيهما جميعًا (١).
قوله: "ما بال رجَال": "ما" مبتدأ، و"بال" خبره، و"رجال" مضاف إليه.
و"البال": "القلب". يُقال: "ما خطر فلان ببالي"، أي: "بقلبي". و"البال": "رخَاء النفس"، يُقال: "فلانٌ رَخيُّ البالُ". و"البال": "الحال"، يقال: "ما بالك؟ ". ويُقال: "ليس هذا من بالي"، أي: "مما أباليه". صح من "الصّحاح" (٢).
قوله: "يشترطون شروطًا" في محلّ صفة لـ "رجال".
و"شروطًا": جمع "شرط"، والمراد: "المشروطات". والمصدر يقع بمعنى اسم الفاعل، وبمعنى اسم المفعول، كـ "ضَرْبِ الأمير"، بمعنى "مضروبه" (٣).
فالمراد هنا: "ما بال رجال يشترطون أمورًا".
ويجوز أن يكون "يشترطون" مُتضمّنًا معنى "يذكُرون" أي: "يذكُرون شروطًا ليست في كتاب اللَّه".
و"الشرط" يُجمع على "شروط"، وعلى "شرائط" (٤).
قوله: "ليست في كتابِ اللَّهِ": جملةٌ في محلّ الصفة لـ "شروط". و"ليس" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الحيض"، واسمها هنا مستتر يعود على
стр. 1312
"الشروط".
و"في كتاب اللَّه" يتعلّق بالخبر، أي: "ليست موجُودة في كتاب اللَّه".
قوله: "كلُّ شرطٍ": "كلُّ" مبتدأ متضمن معنى المجازاة، ولذلك دخَلت "الفاء" في الخبر؛ لأنه لا يجوز دخول "الفاء" في الخبر عند البصريين إلَّا إذا تضمّن المبتدأُ معنى الشرط، وذلك في موضعين: في الاسم الموصول بفِعل، أو ظرْف، والنكرة الموصوفة بهما، نحو: "الذي يأتيني فله درهم"، أو "الذي يأتيني في الدار فله درهم". وكذلك: "كُل رجل يأتيني فله درهم"، أو: "كُلّ رجُل في الدار، أو عندك، فله درهم" (١).
فـ "كُلُّ" هُنا لتضمّنها معنى الشّرط دخَلت "الفاء" في خبرها، وهو قوله: "فهو باطلٌ"، وقد تمَّ شرْطها بالصّفة في قوله: "ليس في كتاب اللَّه". وقد تقَدّم حُكم "كُلّ" إِذَا أضيفَت إلى نكِرَة في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "وإنْ كَان مائةَ شرطٍ": يحتمل أنْ يكُون معنى ذلك: "وإن أكَّد شرطه بتكراره مائة مرة"؛ فالتأكيد لا يُؤثر تحليلًا؛ لأنّه ليس في كتاب اللَّه.
والمراد: "أنّه ليس في كتاب اللَّه، ولا في سُنة رسُوله"؛ لأنّ "السّنة" في "كتاب اللَّه"؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقد نهى رسُول اللَّه ﷺ عن هذا الشّرط.
ويحتمل أن يكُون المراد: "وإن كان مائة شَرط قد اشتهرت بين الناس وشاعَت حتى صارَت بينهم عَادَة، كما كان الولاء واشتهاره، فهي كُلها باطلة".
وتحديده ذلك بـ "مائة شرط" لا مفهُوم له؛ لأنّ العَدَد لا مفهوم له (٢).
стр. 1313
قوله: "قضاءُ اللَّه": هو ممدودٌ، أي: "ما قضى به وشرعه" "أحقُّ" يعني: "بأن يُتَّبع من قضائهم وشرطهم"، فهو مبتدأٌ وخبرٌ، والخبر أفعل التفضيل، وقد تقدّم الكلام عليه في الأوّل من "الصّلاة".
وكذلك: "وشرطُ اللَّه أوثق": أي: "لمن [يُوثّق] (١) به وتمسّك"، لأنّ ما ليس في كتاب اللَّه لا تمسّك به، ولا ثبوت له.
قوله: "وإنّما الوَلاء لمن أعْتَق": "إنّما" تقدّم الكَلام عليها، و"الوَلاء" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"مَن" بمعنى "الذي"، وصِلتُه: "أعتق"، وفيه ضَمير يعُود على "مَن"، والموصُول وصلته في محلّ جَر بـ "اللام".
الحديث الثّاني:
[٢٧٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ فَأَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ". قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حمْلانَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَ لي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي إثْرِي، فَقَالَ: "أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ" (٢).
قوله: "فأراد أن يسيبه": فاعِل "فأرَاد" ضمير "جابر"، وكذلك فاعل "يسيِّبه"، و"أنْ" وصِلتها في محلّ مفعول بـ "أرَاد"، أي: "أراد إرساله"، لا أنْ يجعله سائبًا.
قوله: "فلحقني": فيه خُروج من ضمير الغَيبة إلى ضمير المتكلّم، لأنّ التقدير: "روي عن جابر أنه كان يسير"، فالرّاوي يخبر عن "جابر" بضمائر الغيبة، ثم انتقل إلى ضمائر المتكلّم، وهذا أسلوبٌ في علم البيان يُسمّى: "الالتفات" (٣).
стр. 1314
قوله: "فدَعَا لي": فَاعلُ "دَعَا" ضَمير "النبي ﷺ "، والجملة معطوفة على "لحقني".
قوله: "وضربه": معطوف على "دعا"، وروي: "فضربه بمحجن". فهو متعلق بـ "ضربه". و"الفاء" في قوله "فسار" بمعنى السببية (١)، أي: "بسبب ضربه". و"سيرًا" مصدر، العامل فيه: "سار"، والمصدر المطلَق لا يأتي إلّا للتأكيد أو للنوع أو للعدد (٢)، وهو هنا للنّوع؛ لأنه قال: "لم يسر مثله"، فبين النوع بالصفة، ويحتمل أنه أراد: "لم يسر مثله في ذلك السفر"، ويحتمل أنه "لم يسر مثله قبل ذلك السفر وبعده".
وجملة "لم يسر" في محلّ صفة لـ "سير"، و"مثله" نعت لمصدر محذوف، أي: "لم يسر سيرًا مثله" (٣).
قوله: "قال": أي: "قال النبي ﷺ ": "بعنيه بوقية".
قال ابن الأثير: "وقية": لغة ليست بالعالية، والفصيح: "أُوقية"، بضم "الهمزة" وتشديد "الياء"، والجمع يشدد ويخفف، يقال: "أواقِيُّ" و"أواقِي" (٤).
و"بعنيه" تعدّى إلى مفعولين، المفعول الأول: "الياء" المتصلة بالفعل، والمفعول الثاني: "الهاء" في آخر الفعل، و"النون" نون الوقاية. وتعدّى لاثنين؛ لأنه في معنى: "أعطى"، وباب "أعطى" يتعدّى لاثنين (٥).
قوله: "قلتُ: لا": لأنه لما رأى جَودة سيره ببركة النبي ﷺ تمسّك به. ويحتمل
стр. 1315
أن يكون امتناع جابر لما فهم من مزح النبي ﷺ معه، وإلّا لو علم من النبي ﷺ غرضًا جازمًا ما قال له: "لا". وتقدّم أنّ "لا" حرف جواب، وأنها تكفي عن ذكر ما يأتي بعدها (١)، فالمعنى هنا: "لا أبيعه".
قوله: "ثم قال: بعنيه": أي: "قال النبي ﷺ ". "بعنيه" جملة معمولة للقول. ولما كرّر النبي ﷺ الطلب خاف أن يكون ذلك لغرض فيه، فباعه منه، واستثنى حملانه. واستعمل في "أوقية" الثّانية اللغة الفصيحة.
قوله: "واستثنيتُ": معطوفٌ على "بعته". و"حملانه": مصدر: "حمل"، "حملًا" و"حملانًا"، كالغفران والشّكران.
قال ابن مالك: هذا الوزن كثير في جمع "فَعْل" كـ "ظهر" و"ظهران"، ويكثر في "فِعْل" بكسر أوله كـ "جِذْع" و"جذعان"، وفي "فَعيل" كـ "رغيف" و"رغفان".
قالوا: وفي "أفعل" نحو: "أسود" و"سودان"، و"فاعل" كـ "راكب" و"ركبان" (٢).
قوله: "إِلَى أهلي": يتعلّق بـ "حملان".
قوله: "فلما بلغت": تقدّم أنّ "لما" حرف وجوب لوجوب، وقيل: ظرف بمعنى "حين"، واختار ابن مالك أنها بمعنى "إذ" (٣).
قوله: "فأتيته": جوابُ "لما".
قوله: "فنقدني ثمنه": أي: "عجّل لي ثمنه".
قوله: "ثم رجعتُ إلى أهلي": يحتمل أن يكون المعنى "شرعت في الرجوع ولم ينته من الرجوع إلى أهله".
стр. 1316
"فأرسل": معطوفٌ على "رجعت"، و"في إِثْري" يتعلّق بـ "أرسل".
و"إِثْر" بسكون "الثاء" مع كسر "الهمزة"، وبفتح "الثاء" مع فتح "الهمزة" (١)، وتقدم في الحديث الحادي عشر من "فسخ الحج إلى العمرة".
قوله: "فقال": معطوف على "أرسل".
قوله: "أتُراني": هو بضم "التاء"، أي: "تظنني"، و"ماكستُك" في محلّ مفعولها الثاني، والمفعول الأوّل: "الياء"، والفاعل: ضمير "جابر"، وتقدّم الكلام على "أخذ" في السادس من "الإمامة".
قوله: "لآخذ": "اللام" لام "كي". و"آخذ" فعل مضارع منصوب بإضمار "أَنْ"، ولو ظهرت "أن" جاز، أي: "لأن آخذ". ويجب إظهارها مع "لا"، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] (٢).
وضبطه بعضهم: "لأَخْذِ جملك" بسكون "الخاء" على المصدر، و"اللام" في الموضعين "لام" التعليل، ويتعلّق بـ "ماكستُك".
قوله: "ودراهمك": معطوفٌ على "جملك"، ويحتمل أن تكُون "الواو" واو "مع"؛ فيكون مفعولًا معه، أي: "مع دراهمك".
قوله: "فهو لك": يحتمل أن يكُون هذا إنشاء هبة من النبي ﷺ لجابر بعد ما مَلَكَهُ النبي ﷺ . ويحتمل أن يكُون المعنى: "فأنت مُستمر على تملُّكِكَ"، ويدلّ على هذا قوله: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ "؛ معناه: "لآخذه بالمعاقدة التي وقعت".
قوله: "فهو لك": ولم يقل: "فهما لك"؛ لأنّ الدراهم أخذها وملكها ولم ينو إلَّا "الجمل".
стр. 1317
الحديث الثالث:
[٢٧١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَلا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا" (١).
تقدّم الكلام على هذا الحديث في أوّل حديث من "باب ما ينهى عنه من البيوع" إلا قوله: "ولَا تسأل المرأة طلاق أختها".
و"أن يبيع": في محلّ نصب أو جر بإسقاط الخافض على الخلاف بين سيبويه والخليل (٢)، وهنا محذوف تقديره: قال: "نهى عن أن يبيع".
وقال: "ولَا تناجشوا، ولَا يبع الرّجُل": "لا" ناهية، والأفعال بعدها مجزومة بها (٣).
والمراد بـ "البيع على البيع" و"الخِطبة على الخِطبة": عند حالة التراكن والتوافق، وكذلك عند التقارب.
قوله: "لتكفئ": تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّامن من أوّل الكتاب.
و"الصحْفة" هنا: "إناء كالقصعة المبسوطة" ونحوها، وجمعها: "صحاف" (٤).
وهذا مثل يريد به الاستئثار عليها، فتكون كمَن استفرغ صَحْفَةَ غيره وقلب ما في إنائه إلى إناء نفسه، ومَثَّل هذا بعضهم بأن يخطب الرجُل المرأة، وله زوجة، فتقول: "لا أتزوجك حتى تطلق التي معك". وحمل بعضهم الصحفة كناية عن
стр. 1318
"الوطء"، وأنها أرادت أن يكون الرجل كُله لها، لا يقسم معها. وفي هذا التفسير نظر.
قوله: "لتكفئ ما في صحفتها": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة في المجرور، و"ما" مع صلتها في محل نصب بـ "تكفئ" واللام في "لتكفئ" متعلق بـ "تسأل".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: استعمل في هذا الحديث مجازات، جعل طلاق المرأة بعد عقد نكاحها بمثابة تفريغ الصّحفة بعد امتلائها.
وفيه معنى آخر، وهو الإشارة إِلَى الرزق؛ لما يوجبه النكاح من النفقة، فإنّ الصحفة وملئها من باب الأرزاق، وإكفاؤها قلبها (١).
* * *
стр. 1319
بابُ الرّبا والصّرف
الحديث الأوّل:
[٢٧٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاء وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "هاء" موضوعة لِلتقابضِ، وهيَ ممدودَة مَفتوحَة.
وقد أَنشدَ بعْض أَهْلِ اللغَة في ذلِك:
لَمَّا رَأَتْ فِي قَامَتِي انْحِنَاءَ ... وَالْمَشْيَ بَعْدَ قَعَسٍ أَجْنَاءَ
أَجْلَتْ وَكَانَ حُبُّهَا إجْلَاءَ ... وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقِي مَاءَ
تَمْزُجُ لِي مِنْ بُغْضِهَا السِّقَاءَ ... ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاءَ
دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إلْقَاءَ ... ثُمَّ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ دَاءَ
لَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ شِفَاءً (٢)(٣)
قلت: هذه الأبيات ذكرها ابن جني في كتابه "سر الصّناعة"، وسكَّن آخرها كُلّها، وذكر أنّه كذلك سمعها، وجعلها دليلًا على تسكين المهموز، فقال:
لما رأت في قامتي انحناءْ ... والمشي بعد قَعَسٍ [إحناءْ] (٤)(٥)
إلى آخرها. وذلك خِلاف ما ذكر الشّيخ.
стр. 1320
قلتُ: يقال: "رجل أَجْنَأ": "بَيِّنُ الجَنَأِ"، أي: "أحدَب الظّهر" (١).
و"أَجْلَتْ": "تركتْ". "وكان حُبها إجلاء"، "الإجلاء": من "أَجْلى القوم عن المكان"، أي: "تركوه" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣].
و"هآء": اسم فعل بمعنى: "خُذْ" و"اقْبِضْ". وقيل: معناه: "هاك: خذ"، كـ "هات" بمعنى: "أعط" (٣)، وهو مثل قوله: "يدًا بيد".
قال الخطّابي: أهل الحديث يروونه: "ها وها" ساكن "الألِف"، والصّواب مَدُّها وفتحها، لأنّ أصلها: "هاك"، أي: "خُذْ"، فحذف "الكاف"، وعوض منها المَدة. يقال للواحد: "هاءَ"، وللاثنين: "هاؤما"، وللجمع: "هاؤم" (٤).
قلت: ويقال للمرأة: "هاءِ"، بهمزة مكسورة من غير "ياء"، وللنساء: "هاؤنَّ" (٥).
قال أبو حيّان: وزعم القتبي أنّ "الهمزة" في "هَاءَ" بدَل من "الكاف"، وهو ضعيفٌ، إلا إن عنى أنها تحلّ محلّها في لُغة مَن قال: "هاكَ" و"هاكِ" و"هاكُما" و"هاكُم" و"هاكُن"، فيمكن، لا أنه بدَل صناعيٌّ؛ لأن "الكاف" لا تبدل من "الهمزة"، ولَا "الهمزة" منها (٦).
قوله: "ربا": "الربا" كُتب في القرآن بـ "الواو" و"الألف" بعدها، ويجوز أن يُكتب بالياء للكسرة، وبالألف. وتبدل "الباء" ميمًا، قالوا: "الرِّما"، كما أبدلوها في:
стр. 1321
"كَتَبَ"، فقالوا: "كَتَمَ". ويثنى: "رِبَوَان" بالواو عند البصريين؛ لأنّ ألفه منقلبة عنها. وقال الكوفيون: يثنى بالياء، وكتبوه بالياء (١).
والتقدير في الحديث: "بيع الذهب بالورق ربا إلا في حال المناجزة والمناولة"، فتكون "ها" في محلّ نصب بالاستثناء من الأحوال، أي: "نهى عنه في جميع أحواله إلا حالة المناجزة". ويحتمل أن يكون مستثنى من البيع، أي: "نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا بيع المناجزة"، فهو متصل على التقديرين.
و"الذهب": مبتدأ بتقدير: "بيع الذهب"، و"ربا" خبره، وهو مقصور، إعرابه مقدّر في الأحوال الثلاثة (٢). وجاء في الرّواية الأخرى: "إلّا يَدًا بيَد"، وهو مثله مُقدّر بحال، أي: "إلا متقابضَين في حالة واحدة"، ويحتمل الاستثناء الانقطاع، أي: "لكن يدًا بيد".
الحديث الثّاني:
[٢٧٣]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، [وَلا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ] (٣)، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ" (٤).
وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا يَدًا بِيَدٍ" (٥).
وَفِي لَفْظٍ: "إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ". (٦)
قوله: "قال: لا تبيعوا" الجملة في محلّ خبر "أنَّ".
стр. 1322
قوله: "بالذهب": "الباء" باء المقَابلة (١).
قوله: "إلَّا مثلا بمثل": منصوبٌ على الحال، فالاستثناء مفرَّغ له، أي: "إلّا متماثلًا". ويحتمل أنَّ "مِثْلا" خبر "كان" مُقدّرة، أي: "إلا أن يكون البيع مثلا بمثل"، أو يكون مفعولًا به، أي: "إلا أنْ تبيعوا مثلا بمثل".
قوله: "ولا تشفوا بعضها على بعض": "بعضها" مفعول بـ "تشفوا"، و"على بعض" يتعلق بـ "تشفوا". والضّمير في "بعضها" يعود على "أجناس الذهب".
و"الشّف": من الأضداد، يقع على الزّيادة والنقصان (٢).
و"تشفوا": من "أَشَفَّ" يقال: "شَفَّ يشِفُّ" بكسر "الشين" إذا "نقص"، و"أَشَفَّه غيرُه". وأمّا قولهم: "شَفَّه الهمُّ" (٣)، "يُشِفُّه"، "شَفًّا"، فالبضم في المضَارع، والفتح في المصدر (٤).
قوله: "ولَا تبيعوا منها": أي: "من جنسها"، أو "من المتماثلات"، "غائبًا".
و"من" يحتمل أن تتعلق بـ "تبيعوا" أو بحال من "غائبًا" على أنَّه صفة تقدّمت، و"غائبًا" نعت لمفعول محذوف، أي: "شيئًا غائبًا"، فهو لقيامه مقامه تعدَّى إليه الفعل، وأُعْرِب بإعرابه، فهو مفعول به (٥).
قوله: "بناجز": أي: "بشيء ناجز"، فهو صفة أيضًا، و"الباء" باء المقابلة.
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: "وجاء في لفظ"، ويختلف
стр. 1323
إعراب الجملة الواقعة بعد المجرور باختلاف متعلّقه، فإن كان "جاء" كانت الجملة فاعلًا على الحكاية، وإن كان "رُوي" كان في محلّ مفعول لم يسمّ فاعله، وقد تكرّر التنبيه على ذلك.
قوله: "إلّا يدًا بيد": هذا الاستثناء كما تقدّم [مُفرغ] (١)، أي: "إلا متقابضين"، فـ "يدًا" حال باعتبار معناه.
قوله: "إلّا وزنًا بوزن": وهو مثل "يدًا بيد"، والمعنى: "إلّا متوازنين"، فالإعراب كالإعراب. ويحتمل أن يكون مصدرًا في محلّ الحال، أي: "إلَّا موزونًا بموزون". ويحتمل أن يكون التقدير: "إلا أن يُوزن وزنًا"، فيكون مصدرًا مؤكِّدًا دالًا على الفعل المحذوف، كما قالوا: "فُلان شرب الإبل"، أي: " [يشرب] (٢) شرب الإبل" (٣).
الحديث الثّالث:
[٢٧٤]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ بِلالٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " قَالَ بِلالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمَرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِيَطْعَمَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ هذا: "أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ" (٤).
قوله: "جاء بلال": الجملة معمولة للقول، والقول في محلّ معمول متعلق حرف الجر. و"بتمر" متعلّق بـ "جاء". و"التمر": اسم جنس، واحدهُ: "تمرة" (٥).
стр. 1324
ويحتمل أن يتعلّق بحال؛ فتكون "الباء" باء المصاحبة (١)، أي: "جاء بلال إِلى رسول اللَّه ﷺ ، مصاحبًا تمرًا برنيًا"، أو: "معه تمر برني".
قوله: "من أين هذا": "أين" هنا سُؤال عن جهة ما أتى به، أو عن الكيفية، أي: "كيف تهيأ لك هذا؟ "، أو: "كيف عَامَلت في هذا؟ ".
و"البرني": معروف، وقد أبدَلوا من يائه جيمًا في الوقف، فقال الراجز:
المُطْعِمانِ اللحْمَ بِالعشِجِّ ... وبالغداة فلق الْبِرْنِجِّ (٢)
وكأنه منسوبٌ إلى "البرنية"، التي هي "الإناء"، في تصوّره على هيئتها.
و"هذا": مبتدأ، والخبر في المجرور، أي: "هذا كائنٌ من أي جهة؟ ".
وأسماء الاستفهام كُلّها مبنية، لا يظهر للعَامل عمل فيها (٣)، إلّا "أيّ"، فإنها تنجرُّ؛ لأنها حملت على نقيضها، وهو "كُلّ"، ونظيرها، وهو "بعض"؛ فأعربت، إلّا إذا كانت موصولة وحُذِف صَدرُ صِلتها (٤).
قوله: "قال بلال: كان عندنا تمر رديء": هو اسم "كان"، والخبر في الظرف. و"رديء" نعتٌ لـ "تمر".
قوله: "فبعتُ منه صاعين بصاع": تقدّم الكلام على "الصاع"، ويجمع على: "أصوع"، وإن شئت أبدلت من "الواو" همزة.
و"الصّواع" لُغة في "الصّاع" (٥).
стр. 1325
قوله: "ليطعم النبي ﷺ ": هو بفتح "الياء" و"العين". و"اللام" لام "كَيْ". و"يطعم" منصوب بإضمار "أنْ" بعدها (١)، ويتعلّق بـ "بعتُ".
[وفي] (٢) عدوله عن قوله: "ليطعم" بالخطاب إِلى الغَيبة [لقصد] (٣) الإجلال والتعظيم. والظّاهر أنّ قوله: " ﷺ " من قول "بلال" في ذلك الوقت، ويحتمل أن يكُون من قول الرّاوي.
ومن هذا: ما يستعمله الكُتّاب الآن من العُدول عن [الخطاب] (٤) إلى الغيبة، فيقولون: "أحسَن اللَّه إليه"، و"أطال اللَّه بقاءه"، وهم يريدون: "أحسن اللَّه إليك"، و"أطال بقاءك" (٥).
و"منه": يتعلّق بصفة لـ "صاعين"، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال، أو يتعلّق بـ "بعت".
قوله: "فقال النبي ﷺ عند هذا": "عند" هنا ظرف زمان، أي: "عقيب زمن هذا القول"، ومنه قوله ﷺ : "الْصّبرُ عِنْدَ الْصَّدْمَة الأُوْلَى" (٦).
قوله: "أوَّهْ": اسم فعل معناه: "أتوجع"، ومحلّه عندهم نصب؛ لأنّ اسم الفعل أشبه المصدر النائب عن الفعل.
وقال بعضهم: موضعها رفع بالابتداء، وسد فاعلها مسد الخبر (٧).
стр. 1326
ولم يأت اسم [الفعل] (١) بمعنى المضارع إلا قليلًا، كـ "أُفٍّ" بمعنى: "أتضجر"، و"أوَّهْ" بمعنى: "أتوجع".
وقياسهما أن لا يُبنيا؛ لأنهما لم يقعا موقع المبنيِّ (٢). وقال بعضهم: وقعا موقع الماضي، أي: "كرهت" و"وجعت"، فلذلك بُنِيا.
وهي هنا مفعولة بالقول؛ لأنها عَين المقول.
وقال ابن الأثير: "أوْهِ" ساكنة "الواو" مكسورة "الهاء"، وربما قلبوا "الواو" ألفًا، فقالوا: "آه من كذا"، وربما شدّدوا "الواو" وكسروها وسكنوا "الهاء"، فقالوا: "أوِّهْ"، وربما حذفوا "الهاء"، فقالوا: "أوّ"، وبعضهم يفتح "الواو" مع التشديد و"الهاء"، فيقول: "أوَّه" (٣).
"عينُ الربا": أي: "هذا عين الربا"، فهو خبر مبتدأ محذوف.
قوله: "ولكن إذا أردت أن تشتري": "لكن" حرف استدراك، وقد تقدّم النفي على شرطها (٤)، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
ووقع بعد "لكن": "إذا" الشرطية، ولا يقع بعدها الشرط، حتى قالوا في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، التقدير: "ولكن منهم من شرح"، فتكون "مَن" موصولة.
وكذلك قال ابن عصفور في قول طُرفة بن العبد:
. . . . . . . . . . . . ... وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ الْقَوْمُ أَرْفِدِ (٥)
стр. 1327
قال: هذا ضرورة؛ لأنّ "متى" إذا وقعت بعد "لكن" لا تجزم؛ لأنها تبقى لا شرط فيها، ويبطل عملها (١). وخرّج الشيخ أبو حيّان قول طرفة على تخريجه في الآية، فقال: التقدير: "ولكن أنا متى يَستَرفِدُ القومُ أرفِدُ" (٢).
قلت: ويكون ذلك هنا كذا، إِذَا قدّرنا "إِذَا" شرطية، أي: "ولكن أنت إِذَا أردت ذلك فبع".
قوله: "ببيع آخر": أي: "بع بثمن آخر"، فأوقع "البيع" على "الثمن"، أو يكون التقدير: "فبع بشراء آخر لغيرك"؛ لأنّ "البيع" يقع بمعنى "الشراء".
و"آخر": لا ينصرف؛ لأنّ فيه العدل ووزن الفعل (٣).
الحديث الرّابع:
[٢٧٥]: عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنْ الصَّرْفِ؛ [فَكُلُّ] (٤) وَاحِدٍ منهما [يَقُولُ] (٥): هَذَا خَيْرٌ مِنِّي، وَكِلاهُمَا يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا" (٦).
قوله: "قال سألت": تعدّى "سأل" هنا إلى مفعول بنفسه، وإلى الثّاني بحرف الجر، وتقدّم أنه من الأفعال التي تعلّق عن المفعول الثاني بأدوات الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] (٧).
стр. 1328
و"أَرْقَم": لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل، ولو نُكِّر "أرقم" امتنع للصفة والوزن على مذهب سيبويه، وانصرف على مذهب الأخفش (١).
قوله: "فكُل واحد منهما يقول: هَذا خير مني": "كُلّ" مبتدأ، و"واحد" مُضاف إليه، و"منهما" يتعلق بصفة لـ "واحد"، و"يقول" في محلّ الخبر.
وجاء الخبر على طِبْق المضاف إليه، على قاعدة ما تُضاف "كُلّ " إليه من النكرات، فلو قلت: "كُلّ واحدة منهما"، لقُلت: "تقول"، بالتاء. ولو قلت منا: "كُل واحد يقولون"، لكان غير فصيح، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
[قوله] (٢): "هذا خير مني": "هذا" مبتدأ، و"خير" خبره. وتقدّم الكلام على "خير" في الثاني من "باب الجنابة".
قوله: "وكلاهما يقول": اختلف في "كِلا"، هل هي من قبيل المفردات؟ وهو الصّحيح، أو تثنية "كلو"؟ ، على قولين. والذي وَرَد به القرآن والسّنة أنّ "كِلا" مُفرد، و"كلتا" مفرد، ولذلك أخبر عنهما بالمفرد، قال اللَّه تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] (٣).
و"كلاهما" معرب بإعراب المثنَّى، بالألف رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًّا؛ لأنّه أضيف إلى المضمر، ولو أضيف إلى مظهر لأعرب بالحرَكات مُقدّرة (٤).
стр. 1329
و"كلاهما" هنا مبتدأ، والخبر في جملة: "يقول"، وجملة "نهى" إلى آخره في محلّ نصب بالقول، وقد تقدّم الكلام على "كِلا" في الثالث من "الحيض".
قوله: "عن بيع": يتعلّق بـ "نهى"، و"الذهب" مضاف إلى المصدر، وهو مفعول، أي: "عن أن يبيع الذهب"، والتقدير: "عن أن يبيع الرجلُ الذهب"، فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول. أو يكون التقدير: "عن أن يبيع الذهب الرجلُ"، فيكون مثل: "يُعجبُنِي ضرب الثوب القصار".
ويحتمل أن يكون التقدير: "أن يباع الذهب"، على بناء الفعل للمفعول، فيكون المصدر من فعل لم يُسم فاعله، فيكون أضيف إلى النائب عن الفاعل، وهو "الذهب".
قوله: "دَيْنًا": يحتمل أن يكون منصوبًا بإسقاط الخافض، ويتعلق بـ "يبيع". ويحتمل أن يكون حالًا، أي: "نهى عن البيع في حال كونه مُداينة" أو "ذا دَيْن".
الحديث الخامس:
[٢٧٦]: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا". قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؛ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ. (١)
قوله: "نهى عن الفضة": أي: "عن بيع الفضة".
قوله: "إلا سواء بسواء": هو مثل: "إلا مثلا بمثل". وتقدّم الكلام على "سواء" في الحديث الثامن من "باب الجنازة"، فالتقدير هنا: "إلا مستويين"، بالنصب على الحال. ويحتمل أن يقدر كونٌ محذوف، أي: "إلا أن يكون الوزن سواء بسواء"،
стр. 1330
ويُقَدَّر: "إلا أن يوزن وزنًا سواء بسواء"، فـ "وزنًا" مصدر يدلّ عليه السياق.
قوله: "وأمرنا أن نشتري": التقدير: "بأن نشتري".
قوله: "كيف شئنا": "كيف" ظرف عند سيبويه (١)، لأنّ المراد أحوال الشخص، والحال شبيهة بالظرف، تقول: "زَيْدِ" في حال جنسه إِذَا قيل: "كيف زيد؟ ".
والمختار عندهم في مثل هذا: أن تُضَمَّن "كيف" معنى الشرط (٢)، كما تقول: "كيف تكن أكن". ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: "كيف شئنا من شرائهما نشتر".
وقَدَّر هذا التقدير أَبُو حيّان في قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. (٣)
стр. 1331
وعلى هذا يكون "شِئْنا" في محلّ جزم. ويحتمل أن يكون في محلّ رفع، كقولهم: "كيف تصنعْ أصنعُ".
قلت: والجزم بـ "كيف" اختيار سيبويه (١). وأنت مخيّر في إدخال "ما" عليها.
وتقدّم الكلام على "كيف" في الحديث العاشر من "صفة الصّلاة".
قوله: "قال فسأله رجل": فاعل "قال" غير مذكور في اللفظ، وهو الراوي عن أَبِي بكرة، والضّمير في "فسأله" يعود على "أَبِي بكرة"، والمفعول الثاني لـ "سأل" المتعدّي إليه بحرف الجر محذوف، أي: "فسأله رجل عن معنى ذلك: أَيَدًا بِيَدٍ؟ "، أي: "أَأَمَرَ بذلك رسول اللَّه متقابضين؟ "، فيكون نصبًا على الحال. وإنما قدّرنا "همزة" الاستفهام، لأنّ مفعول "سأل" يأتي استفهامًا كثيرًا، فيكون مُعلقًا لها، كأفعال القلوب (٢)، وقد تقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثاني [عشر] (٣) من "باب صفة الصّلاة".
قوله: "فقال": أي: "أبو بكرة": "هكذا" الهاء للتنبيه، و"الكاف" للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة مجرور بالإضافة إلى الكاف في محل نصب بـ "سمعت"، أي: سمعت كذا، أي: مثل ذا.
стр. 1332
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى اللفظ الذي حكاه أبو بكرة.
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى القول الذي وقع به السؤال، أي: "كذا سمعت النبي ﷺ يقول: يدًا بيد". واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1333
باب الرهن وغيره
الحديث الأوّل:
[٢٧٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (١).
قوله: "اشترى من يهودي طعامًا": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"أنَّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
وجملة " ﷺ " معترضة لا محلّ لها، والجملُ التي لا محلّ لها تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"من يهودي" يتعلق بـ "اشترى". وتقدّم ذكر "يهود" في الثّاني عشر من "الجنائز".
و"طعامًا": مفعول بـ "اشترى".
و"الطعام" يُطلق على "كُلّ ما يتطعم"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقد يخص بقرينة إلى "القمح" أو "الشعير"، وهو المراد هنا. ومِن ذلك قوله في حديث زكاة الفطر: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" (٢).
قوله: "ورهنه": معطوفٌ على "اشترى".
والضّمير المنصوب في "رهنه" يعود على "اليهودي". وضمير الفاعل يعود
стр. 1334
على "النبي ﷺ ".
ومصدر "رَهَنَ": "رَهْنًا"، ويستعمل "الرّهن" بمعنى "المرهون" في نحو قولهم: "هذا رَهْنٌ في كذا"، أي: "مرهون فيه"، ويقال أيضًا: "رهينة في كذا"، كقوله ﷺ : "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١)، فـ "الهاء" فيه للمبالغة، كـ "الشتيمة" (٢).
وجمع "رَهْن": "رِهَان"، وقيل: "رُهُن" و"رِهَان". قيل: الأَوْلَى الأَوَّل، لأنّ "فَعْل" لا يُجْمَعُ على "فُعُل" إلّا شاذّا، كـ "سَقْف" و"سُقُف". قال الأخفش: قد يجمع "رَهْن" بفتح "الراء" على "رِهَان"، ثم يُجمع "رِهَان" على "رُهُن".
ويقال: "رَهَنْتُ الشيءَ"، و"أَرَهَنتهُ"، و"رَهَنْتُهُ"، بمعنى (٣).
قوله: "دِرْعًا": مفعول ثان لـ "رهن".
وتعدّى "رهن" إِلَى مفعولين؛ لأنّ فيه معنى "أعطى".
و"من حَديد": يتعلّق بصفة لـ "درعًا"، أي: "كائنًا من حديد". و"من" هنا لبيان الجنس (٤). ويصحُّ أن يتعلّق بحال من "درعًا"، وتقدّر له صفة محذوفة؛ للعلم بها، أي: "درعًا كائنًا من حديد".
و"درع الحديد" مؤنثة، و"درع المرأة" مُذكّر، ويجمع "درع الحديد" على "أَدْرُع" في القليل، و"أَدْرَاع" في الكثير، فإذا كثُرت جُمع على: "دُرُوع"، وتصغيره: "دُرَيْع" على غير قياس؛ لأنّ قياسه: "دُرَيْعَة" بالهاء. وحكى أبو عبيدة أنه يُذَكَّرُ ويؤنّث.
стр. 1335
و"درع المرأة" يجمع على: ["أَدْرَاع"] (١)(٢).
قيل: إنّما رهنه عند يهودي ليُبَيِّنَ الجوَاز. وقيل: لأنّ أصحَاب النبي ﷺ لا يقبلون الرّهن منه، ولو أعطَوه دَينًا ما أخَذوه منه، فكَره ذلك ﷺ .
الحديث الثَّاني:
[٢٧٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٣).
قوله: "مطلُ الغنى ظلم": جملة اسمية من مبتدأ وخبر، في محلّ مفعول القول، و"قال" في محلّ خبر "أنَّ"، و"أن" فُتحت؛ لأنها معمولة لما تعلّق به حرف الجر (٤). (٥)
و"مطل": مصدر مُضاف إِلَى الفاعل (٦)، وهو: "غنيّ".
و"غنيّ": "فعيل" (٧)، أصله: "غَنِيْي"، [اجتمعت الياءان] (٨) وسَبَقت إحداهما بالسّكون؛ فأدغمت.
وأصلُ "المطل" في اللغة: "المدّ"، تقول: "مطلتُ الحديدة" إِذَا "ضربتها