وعلى هذا يكون "شِئْنا" في محلّ جزم. ويحتمل أن يكون في محلّ رفع، كقولهم: "كيف تصنعْ أصنعُ".
قلت: والجزم بـ "كيف" اختيار سيبويه (١). وأنت مخيّر في إدخال "ما" عليها.
وتقدّم الكلام على "كيف" في الحديث العاشر من "صفة الصّلاة".
قوله: "قال فسأله رجل": فاعل "قال" غير مذكور في اللفظ، وهو الراوي عن أَبِي بكرة، والضّمير في "فسأله" يعود على "أَبِي بكرة"، والمفعول الثاني لـ "سأل" المتعدّي إليه بحرف الجر محذوف، أي: "فسأله رجل عن معنى ذلك: أَيَدًا بِيَدٍ؟ "، أي: "أَأَمَرَ بذلك رسول اللَّه متقابضين؟ "، فيكون نصبًا على الحال. وإنما قدّرنا "همزة" الاستفهام، لأنّ مفعول "سأل" يأتي استفهامًا كثيرًا، فيكون مُعلقًا لها، كأفعال القلوب (٢)، وقد تقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثاني [عشر] (٣) من "باب صفة الصّلاة".
قوله: "فقال": أي: "أبو بكرة": "هكذا" الهاء للتنبيه، و"الكاف" للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة مجرور بالإضافة إلى الكاف في محل نصب بـ "سمعت"، أي: سمعت كذا، أي: مثل ذا.
стр. 1332
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى اللفظ الذي حكاه أبو بكرة.
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى القول الذي وقع به السؤال، أي: "كذا سمعت النبي ﷺ يقول: يدًا بيد". واللَّه أعلم.
* * *
стр. 1333
باب الرهن وغيره
الحديث الأوّل:
[٢٧٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (١).
قوله: "اشترى من يهودي طعامًا": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"أنَّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
وجملة " ﷺ " معترضة لا محلّ لها، والجملُ التي لا محلّ لها تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"من يهودي" يتعلق بـ "اشترى". وتقدّم ذكر "يهود" في الثّاني عشر من "الجنائز".
و"طعامًا": مفعول بـ "اشترى".
و"الطعام" يُطلق على "كُلّ ما يتطعم"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقد يخص بقرينة إلى "القمح" أو "الشعير"، وهو المراد هنا. ومِن ذلك قوله في حديث زكاة الفطر: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" (٢).
قوله: "ورهنه": معطوفٌ على "اشترى".
والضّمير المنصوب في "رهنه" يعود على "اليهودي". وضمير الفاعل يعود
стр. 1334
على "النبي ﷺ ".
ومصدر "رَهَنَ": "رَهْنًا"، ويستعمل "الرّهن" بمعنى "المرهون" في نحو قولهم: "هذا رَهْنٌ في كذا"، أي: "مرهون فيه"، ويقال أيضًا: "رهينة في كذا"، كقوله ﷺ : "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ" (١)، فـ "الهاء" فيه للمبالغة، كـ "الشتيمة" (٢).
وجمع "رَهْن": "رِهَان"، وقيل: "رُهُن" و"رِهَان". قيل: الأَوْلَى الأَوَّل، لأنّ "فَعْل" لا يُجْمَعُ على "فُعُل" إلّا شاذّا، كـ "سَقْف" و"سُقُف". قال الأخفش: قد يجمع "رَهْن" بفتح "الراء" على "رِهَان"، ثم يُجمع "رِهَان" على "رُهُن".
ويقال: "رَهَنْتُ الشيءَ"، و"أَرَهَنتهُ"، و"رَهَنْتُهُ"، بمعنى (٣).
قوله: "دِرْعًا": مفعول ثان لـ "رهن".
وتعدّى "رهن" إِلَى مفعولين؛ لأنّ فيه معنى "أعطى".
و"من حَديد": يتعلّق بصفة لـ "درعًا"، أي: "كائنًا من حديد". و"من" هنا لبيان الجنس (٤). ويصحُّ أن يتعلّق بحال من "درعًا"، وتقدّر له صفة محذوفة؛ للعلم بها، أي: "درعًا كائنًا من حديد".
و"درع الحديد" مؤنثة، و"درع المرأة" مُذكّر، ويجمع "درع الحديد" على "أَدْرُع" في القليل، و"أَدْرَاع" في الكثير، فإذا كثُرت جُمع على: "دُرُوع"، وتصغيره: "دُرَيْع" على غير قياس؛ لأنّ قياسه: "دُرَيْعَة" بالهاء. وحكى أبو عبيدة أنه يُذَكَّرُ ويؤنّث.
стр. 1335
و"درع المرأة" يجمع على: ["أَدْرَاع"] (١)(٢).
قيل: إنّما رهنه عند يهودي ليُبَيِّنَ الجوَاز. وقيل: لأنّ أصحَاب النبي ﷺ لا يقبلون الرّهن منه، ولو أعطَوه دَينًا ما أخَذوه منه، فكَره ذلك ﷺ .
الحديث الثَّاني:
[٢٧٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٣).
قوله: "مطلُ الغنى ظلم": جملة اسمية من مبتدأ وخبر، في محلّ مفعول القول، و"قال" في محلّ خبر "أنَّ"، و"أن" فُتحت؛ لأنها معمولة لما تعلّق به حرف الجر (٤). (٥)
و"مطل": مصدر مُضاف إِلَى الفاعل (٦)، وهو: "غنيّ".
و"غنيّ": "فعيل" (٧)، أصله: "غَنِيْي"، [اجتمعت الياءان] (٨) وسَبَقت إحداهما بالسّكون؛ فأدغمت.
وأصلُ "المطل" في اللغة: "المدّ"، تقول: "مطلتُ الحديدة" إِذَا "ضربتها
стр. 1336
ومدَدتها". فمعنى "مطله بحقّه": "مدّه في الأجل" (١).
و"أُتْبع": فعل ماض لما لم يُسمَّ فاعله، و"أحدُكم" المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله. و"على مليء": "المليء" بالهمزة: "الثقة الغنىّ"، وقد "مَلُؤ" فهو "مليء": "بَيِّن الملاء" و"الملاءة". قال ابنُ الأثير: وقد أولع النّاس فيه بترك الهمز وتشديد "الياء" (٢).
قوله: "فإذا أُتْبع أحدُكم": "إِذَا" ظرف لما يَسْتَقْبِل من الزمان (٣). وجوابها: "فليتبع"، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من الأوّل، وتقدّم الكلام على "أحدكم" فيه أيضًا.
قوله: "فليتبع": "اللام" لام الأمر، و"يَتْبَع" مجزوم بها. قال ابن الأثير: قال الخطّابي: أصحابُ الحديث يروونه: ["اتُّبع"] (٤)(٥).
قال الشيخ تقيّ الدّين: "إِذَا أُتْبِع" مضموم "الهمزة"، ساكن "التاء"، مكسور "الباء"، "فَلْيَتْبَعْ" مفتوح "الياء"، ساكن "التاء"، مفتوح "الباء" الموحدة، مأخوذ من قولهم: "أَتْبَعْتُ فلانًا"، إِذَا "جعلتُه تابعًا". والمراد ههنا: [تبعيته] (٦) في طلب الحقّ بالحوالة (٧).
قلت: وعلى هذا يكون الصّواب سكون التاءين في الفعلين وتخفيفهما.
стр. 1337
الحديث الثّالث:
[٢٧٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" (١).
"أو": هنا للشّك من الرّاوي.
قوله: "سمعتُ": "سمع" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من الكتاب. وتعدَّت هنا إلى الذّات؛ فيجري الخلاف في جملة "يقول"، هل هي في محلّ المفعول الثاني، أو محل الحال من "النبي ﷺ "؟ والأوّل اختيار الفارسي، والثّاني اختيار ابن مالك وأبي حيّان (٢).
قوله: "مَن أدرك ماله بعينه": "مَن" هنا شرطية، مبتدأ، وخبرها في فعلها، وقيل: في جوابها، وقيل: فيهما، وقيل: في الذي فيه ضَمير من الجملتين (٣). وقد يقع في جملة الفعل ضمير يعود على "مَن"، وكذلك في الجواب. وتقدّم الكلام على "مَنْ" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب.
وجملة "مَن أدرك" على الرّواية [الأولي] (٤) مفعول لـ "قال"، وعلى الرّواية الثانية مفعول لـ "يقول".
وحرفُ الجر في قوله: "بعينه" يحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "أدرك ماله غيرَ
стр. 1338
مغيَّر وَلَا فائتًا". ويحتمل أن تكون "الباء" زائدة، و"عينه" بدَل اشتمال، أي: "مَن أدرك عين ماله". ولا يُقال في "بعينه": "عين الجارحة"؛ لأنّه قد يُدركه بشهادة شاهدين، فيكون أحق، وإن لم يره بعينه.
و"عند": معمول "أدرك"، و"رجل" مخفوض بالإضَافة، وتقدّم الكلام على "عند" في الحديث الأوّل من "باب السّواك".
قوله: "أو إنسَان": يحتمل أن تكُون "أو" للتفصيل من النبي ﷺ ؛ لأنّ الثّاني أعمّ من الأوّل. ويحتمل أن تكون للشّك من الرّاوي، هل قال النبي ﷺ : "عند رجل"، أو قال: "عند إنسان".
قوله: "قد أفلس": في محلّ صفة لـ "رجل".
قوله: "فهو أحقّ به من غيره": "الفاء" جواب الشرط، وهو مبتدأ، و"أحقُّ" خبره، و"من غيره" يتعلّق بـ "أحقّ". و"أحقّ" أفعل التفضيل، واستُعمل بـ "من"، وتقدّم الكلام على "أفعل" في الحديث الأوّل من "الصّلاة".
ومعنى "أفلس" أي: "ليس معه فلس"، كـ: "أقبر الرجل"، إذا "صار على حالة يقبر عليها".
وقال الجوهري: "أفلس": أي "صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا"، كما يقال: "أخبث الرجل" إذا "صار أصحابه خبثاء عليه" (١).
قال تاج الدّين الفاكهاني: رأيتُ في نُسخة مكان "أقبر": "أقهر"، إذا "صار إلى حالة يذلّ عليها" (٢).
стр. 1339
الحديث الرّابع:
[٢٨٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "جَعَلَ"، وَفي لَفْظٍ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فَي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ" (١).
اختلفت الرّواية في "جعل"، و"قضى"، لكن "قضى" يتعدَّى بـ "الباء"، و"جعل" يتعدى بنفسه، فالذي في لفظ الحديث مبني على "قضى"، وكان الواجب أن يعمل "جَعل"؛ لأنّ القاعدة في قولهم: "وفي لفظ" أنّ ذلك زيادة على أصل الحديث، فتقدير الحديث: "عن جابر بن عبد اللَّه قال: جعل رسول اللَّه ﷺ الشّفعة"، فحذف "الشفعة" من الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهو "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة"، ولا يكون هذا من باب التنازع (٢)؛ لأنه لم يرد أنّ اللفظين توجّها لمعمول واحد، وإنما أراد أن يجعل أحَد اللفظين في محلّ الآخر، و"في لفظ" رواية؛ فيكون المبتدأ [محذوفًا] (٣)، والخبر يدلّ عليه.
قوله: "في كُلّ ما لم يقسم": متعلّق بـ "قضى"، أو بـ "جعل"، إن قدّرت "جعل الشفعة"، ويجيء فيه خلاف التنازع.
و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة جملة: "لم يُقسم"، والعائد المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، وهنا محذوف، أي: "فيما لم يقسم من العقار".
ويحتمل أن تكون "ما" نكرة موصُوفة، والجملة صفتها، والصّلة والموصول أو الصّفة والموصوف في محلّ جر بحرف الجر.
قوله: "فإذا وقعت الحدود": تقدّم الكلام على "إِذَا" وفعلها وجوابها في ثاني
стр. 1340
حديث من أوّل الكتاب. وأمّا "وقعت": فمُضارعه: "يقع"، وأصله: "يَوْقِع" (١)، وكان حقّه أن يقول: "يَقِع" بكسر "القاف" في المضارع، كـ "يعد"، و"يجب"، و"يصل"، وهذا لازِم لما كان فاؤه واوًا (٢).
والجواب عما وقَع مفتوحًا، مثل: "يقع" و"يهب" و"يضع": أنّ الكسرة فيه مُقدّرة، والفتحة فيه عَارضة (٣)، وقد بسَطتُ القَول في ذلك في شرحي لقصيدة كعب المسمّى بـ "شفاء الفؤاد من بانت سعاد" عند قوله:
لَا يقَعُ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهِم ... . . . . . . . . . . (٤)
ومعنى "وقعت الحدود": أي: "نصبت بالقسم بين الشركاء".
وأتى بهذه العبارة -وإن كان نفس القسْم يمنع الشفعة وإن لم يقع حَد، ولم تصرَّف طريق- لأنّ كُل مقسوم لا بدّ له من حدّ يحده، وعلامة تعيّنه وتميزه، فعبر بـ "وقع" عن ذلك، لا [علي] (٥) حقيقة البناء والنصب. أو يكون "وقعت" بمعنى: "بنيت" و"نزلت"، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] (٦)، فالشّفعة منتفية.
стр. 1341
قوله: "صُرفت الطرق": مبني لما لم يُسم فاعله.
قوله: "فلا شفعة": هذه الجملة جواب "إذا"، فمن جعل الجواب العامل احتاج إلى تقدير الجملة الاسمية بفعل، أي: "فلا يشفع"، ومَن جعل العامل فيها فعلها لم يحتج إلى تقدير، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، التقدير: "لم يُرَدَّ" (١)، والمعربون على هذا.
والحُذَّاقُ من النحويين المتأخّرين جعلوا العامل فيها فعلها، وجعلوا فعلها في محلّ جزم بها (٢).
الحديث الخامس:
[٢٨١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفي الْقُرْبَى، وَفي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ. لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ.
وَفِي لَفْظٍ: "غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ" (٣).
قوله: "أصاب عُمر": أي: "ملك عمر"، فهو فعل وفاعل، و"أرضًا" مفعول به، "بخيبر" يتعلق بنعت لـ "أرض"، و"الباء" ظرفية.
و"خيبر": لا ينصرف للعلمية والتأنيث (٤).
стр. 1342
قيل: اسم هذا المال: "ثُمغ"، بالثاء المثلثة، و"الميم"، و"الغين" المعجمة.
قوله: "فأتى النبيَّ ﷺ ": فاعل "أتى" ضمير "عمر"، وجملة "يستأمره" في محل الحال من فاعل "أتى". والضّمير في قوله: "فيها" يعود على "الأرض" على تقدير مضاف، أي: "يستأمره في أمرها من المتصدق بها والخروج عنها للَّه تعالى".
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أتى" أو "يستأمر".
وجملة النداء وما بعده معمولة للقول.
قوله: "إني أصبت أرضًا بخيبر": هذا اللفظ يُؤذِن أنه كان يتطلّب أرضًا نفيسة يجعلها صدَقة، فلما أصاب هذه الأرض بخيبر أصاب غرضه، فقال: "إني أصبت"، ولم يقل: "إني ملكت". وكُسرت "إنّ" لأنها بعد القول (١). وجملة "أصبت" في محل خبر "إن". و"بخيبر" تقدّم قريبًا.
قوله: "لم أصب": صفة أخرى لـ "أرض"، والعائد على الموصوف من هذه الجملة: الضّمير في "منه". وذكّر الضمير؛ لأنه سماها مالًا من أمواله، وفضَّلها على تلك الأموال، وذكّر الضمير باعتبار المعنى.
وتقدّم الكلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي"، والثّالث من "باب الجنابة".
قوله: "قط": تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الإمامة".
وجملة "هو أنفس عندي": في محلّ صفة لـ "مال" والعائد منها ضمير "هو". و"أفعل" التفضيل استُعمل هنا بـ "من". وتقدّم الكلام على "أفعل" التفضيل في الأوّل من "الصّلاة". و"عندي": يتعلّق بـ "أنفس".
стр. 1343
و"أنفس": من: "نفِس بالشيء"، بكسر "الفاء" إِذَا ["ضنَّ] (١) به". ويقال: "نفست عليه الشيء"، "نفاسة" إذا "لم تره يستأهله"، و"نفست عليّ بخير قليل"، أي: "حسدت"، و"نَفُسَ الشيء" بالضم "نفاسة"، أي: "صار مرغوبًا فيه". وهو هنا في الحديث من هذا، أو من ["الضنَّ] (٢) به"، أي: "هو أعز عندي منه" (٣).
قوله: "فما تأمرني؟ ": "ما" استفهامية مبتدأ، وخبرها في جملة "تأمرني". و"به" يتعلّق بفعل محذوف، أي: "ما تأمرني أن أعمل به؟ "، فهو متعلّق بالمحذوف. و"أنْ" معمول "تأمرني" بحذف حرف الجر.
و"الباء" في "به" ظرفية، والتقدير: "ما تأمرني أن أفعل فيه؟ "، أو يتعلّق بـ "تأمرني"، أي: "بفعله".
قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ".
تقدّم الكلام على "شئت" في السّادس من "باب الإمامة".
و"حبست": جوابُ الشرط، وجاء ماضيًا؛ لأنّ فعلها كذلك، وكذلك يختار المضي في الجواب إذا صحب الشرط "لم"، نحو: "إن لم يقم زيد قام عمرو" (٤)، ولتحصل المشاكَلة؛ لأن "لم" تُصَيِّر المستقبل ماضيًا.
والضّمير في "أصلها" يعود على "الأرض"، والضّمير في "بها" يعود على "الثمرة".
ومفعول "شئت" محذوف تقديره: "إن شئت فِعْل الخير"، أو: "إن شئت الصّدقة حَبستَ".
стр. 1344
قوله: "قال: فتصدّق بها": فاعل "قال" ضمير "عبد اللَّه"، وقال: "تصدّق بها" يعود على "عمر". وضمير "بها" يعود على "الأرض"، أو على "الثمر"، أي: "وتصدّق بثمرها".
قوله: "غير أنّه": "غير" هنا منصوبة على الاستثناء المنقطع (١)، لأنّ التقدير: "لكن لا يباع أصلها". وقد أضيفت "غير" إلى "أنَّ"، وتقدّم أنّ "غير" و"مثل" إذا أضيفا إلى "أنَّ" و"إنَّ " و"ما" جاز فيها البناء والإعراب (٢).
والضمير في "به" يحتمل أن يعود على "عمر"، ويكون "لا يباع" مفعولًا بفعل مقدّر، أي: "وشرط"، أو "قال: لا يباع أصلها"، إلى آخر الكلام.
وتكون الجملة محكيّة مفعولة بـ "شَرَط" المقدّر، أو بـ "قال".
ويحتمل أن يكون ما بعد "قال" كله حكاية ما فعله عمر ﵁، أي: "فقال ابن عمر: فتصدق بها غير أنه لا يباع"، وتكون "الهاء" في "أنه" ضمير الأمر والشأن (٣)، أو ضمير الشرط، ويكون التقدير: "قال ابن عمر ما حكايته: فتصدّق بها"، على الابتداء والخبر، وتكون "الفاء" في "فتصدق" واقعة فيما اقتضاه الكلام في كتابة الكتاب أو لفظه، بحيث أنه قال بعد البسملة: "أما بعد، فتصدّق بها عُمر في الفقراء والقربى"، هذا يكون جرى منه حكاية لما وقع لعُمر في تبيين المصروف عليهم.
وأعاد العامل في المعطوفات إلّا في المعطوفين الأخيرين، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ إلى آخره [التوبة: ٦٠]، ففي الآية جَرى على الأفصَح، وإن كان الكُل جاء في القرآن، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
стр. 1345
قوله: "لا جناح على مَن وليها": "لا" واسمها مبنيٌّ معها. و"على من وليها" متعلّق بخبر "لا"، والجملة من تمام ما حُكي على ما تقرّر. وجملة "وليها" صلة "مَن" أو صفتها.
قوله: "أن يأكُل": "أن" في محلّ نصب أو جر بإسقاط الخافض، على الخلاف بين سيبويه والخليل (١)، أي: "في أن يأكل منها".
والضّمير في "منها" يعود على "الصّدقة"، ويحتمل البدَل من قوله: "على من وليها"، بدل اشتمال، أي: "لا جناح في أكل واليها منها بالمعروف".
قوله: "غير متمول": نصب على الحال من ضمير "يأكل"، وفيه محذوف، أي: "غير متموّل منها"، وتكون حالًا مُقدّرة (٢).
قوله: "وفي لفظ": أي: "روى في لفظ"، "غير متأثِّل" مفعول لم يسمّ فاعله على الحكاية.
و"المتأثِّل": "الآخذ أصل المال". يقال: "تأثلت المال" أي: "اتخذته أصلًا" (٣)، وهو في أصل الحديث منصوبٌ على الحال، أي: "أن يأكل في حال كونه غير متأثل".
стр. 1346
الحديث السادس:
[٢٨٢]: عَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرَيهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لا تَشْتَرِهِ، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، "إِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ في هِبَتِهِ [كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ" (١).
[٢٨٣]: وَعَن ابْن عَبّاس ﵄ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْعَائِدُ، في هِبَتِه، كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ" (٢).
وَفِي لَفْظٍ: "فَإِنَّ الَّذِى يَعُودُ فِي صَدَقَتِه] (٣) كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (٤).
قوله: "حملتُ على فرس": أي: "حملتُ غازيًا على فرس"، وكنّى بذلك عن هبتها له، يدلّ على ذلك آخر الحديث. وقيل: إنه ﵁ في حبسها عليه، وفيه بُعد. وحمل على أنّ الفُرس هزلت، حتى صارت في حدّ لا ينتفع بها، فلذلك باعها.
و"على فرس" يتعلّق بـ "حملت". و"في سبيل اللَّه": متعلق بالمفعول المحذوف، أي: "حملت رجلًا غازيًا في سبيل اللَّه".
قوله: "فأضاعه الذي كان عنده": الصّلة والموصول في محلّ الفاعل، واسم "كان" ضمير يعود على "الفرس"، والعائد على "الذي" الضّمير في "عنده". والعامل في "عنده": خبر "كان" المقدّر.
قوله: "فاردتُ أن أشتريه": معطوف على "أضاعه". و"أنْ" وفعلها مفعول "أردت" أي: "أردتُ شرائه".
стр. 1347
قوله: "وظننتُ أنه يبيعه برخص": فتحت "أنَّ" بعد "ظننت"؛ لأنها سدّت مسدّ مفعوليها؛ لأنّ "ظننت" أصلها المبتدأ والخبر (١)، واسم "أنَّ" وخبرها أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا ولي "ظنَّ": "أنَّ" قطعت عمل الظّن، وتولى العمل "أنَّ" (٢)، ثم تُفتح علامة على ذلك.
والضّمير في "يبيعه" يعود على "الفرس". والضّمير في "أنه" يعود على "الرجل". وجملة "يبيعه" في محلّ خبر "أنَّ". و"برخص" يتعلّق بـ "يبيعه"، وهو على النسب، أي: "بثمن ذي رخص". و"الرخص": ضد "الغلاء" (٣).
قوله: "فسألت النبي ﷺ ": المفعول الثاني لـ "سألت" محذوف تقديره: "أأشتريه؟ "؛ لأنّ الغالب في "سأل" [أنّه يتعلق] (٤) باستفهام، كأفعَال القلوب (٥). ويحتمل أن يكُون التقدير: "فسألتُ النبي ﷺ عن شرائه".
قوله: "فقال النبي ﷺ لا تشتره": "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وعلامةُ الجزم حذف "الياء" (٦).
و"لا تَعُدْ": معطوفٌ عليه، والجملة كُلّها -المعطوفة والمعطوف عليها- معمولة للقول. و"إنْ" حرف شرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: "وإن أعطاكه بدرهم فلا تشتره".
قوله: "فإنّ العائد في هبته": حرف الجر يتعلّق بـ "العائد"، و"كالعائد" في محل
стр. 1348
خبر "إنَّ". وإنْ قدَّرت "الكاف" اسمًا كان ما بعدها مجرورًا بالإضافة.
قوله: "في قيئه": يتعلّق بـ "العائد".
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ". "فإنّ الذي يعود": الجملة كلها معمولة المحل لـ "رُوى" على الحكاية. وفاعل "يعود" الأوّل يعود على الموصول، وفاعل "يعود" الثّاني يعود على "الكلب". وهذا من تمام التمثيل، لأنّ عادة "الكلب" أنه يأكُل ما يتقيأ.
ويحتمل أن تكون جملة "يعود" في محلّ حال من "الكلب"، ويحتمل أن تكون صفة، ولا يمنع من ذلك التعريف؛ لأنها للجنس، فتكون كهي في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١) [الجمعة: ٥]، في جَواز الوجهين. وتقدّم إعراب ما بقي من الحديث.
الحديث السابع:
[٢٨٤]: عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرِ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلق أبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليُشْهِدَه عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ : "أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ". فَرَجَعَ أبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (٢).
وَفي لَفْظٍ: قال: "فَلا تُشْهِدونِي إذن؛ فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٣).
وَفي لَفْظٍ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٤).
قوله: "تصدق عليَّ أبي ببعض": فاعل "تصدّق": "أبي"، وعلامة الرفع ضمة
стр. 1349
مقدّرة، لأنه مما أضافه المتكلّم إلى نفسه.
وحرفا الجر يتعلّقان بـ "تصدق". والياءان في "عليّ" و"أبي" مجرورتان، إحداهما بحرف الجر، والأخرى بالإضافة.
قوله: "فقالت أمي عمرة بنت رواحة": "بنت" صفة لـ "عَمْرَة". و"عمرة" بدل من "أمي"، أو عطف بيان. و"أمي" فاعل "قالت".
وجملة "لا أرضى حتى تُشهد" معمولة للقول. و"حتى" حرف غاية ونصب (١)، لأنها مقدّرة بـ "إلى أن"، والفعل معها مستقبل.
وجملة "فانطَلَق" معطوفة على "قالت". و"اللام" في قولها: "ليُشهده" لام "كي"، والفعل معها منصوب بإضمار "أنْ"، ويجوز إظهارها (٢).
وهنا محذوف، أي: "فجاءه فأخبره، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أفعلت؟ "، هذه الجملة محكية بالقول.
و"الباء" في قوله: "بولدك" بمعنى "اللام"، أي: "لولدك"، والتقدير: "أفعلت مثل هذا؟ فحذف المضاف، وأقام المضَاف إليه مقامه. وأكّد بـ "كُل"؛ لأنّ "الولد" يقع على الواحد وأكثر منه، فلما أراد جملة أولاده أكّد بـ "كُل".
و"كُل" من ألفاظ التأكيد، وتقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "قال: اتقوا اللَّه": الفاعل ضمير يعود على "النبي ﷺ ". وأصل "اتقوا": "اتقيوا"، لأنّه من "وقى، يقي"، أبدلت "الواو" تاء، وأدغمت في "التاء" (٣). والمراد:
стр. 1350
"اتقوا ما كرهه اللَّه".
قوله: "واعدلوا في أولادكم": التقدير: "واعدلوا في القسم بين أولادكم".
قوله: "فرجع أبي": أي: "إلينا". وجملة "فَرَدَّ" معطوفة على "رجع". و"تلك" مفعول بـ "رَدَّ". و"الصّدقة" صفة لـ "تلك"، أي: "ردَّها إلى ملكه، ونزعها مِنِّي".
قوله: "وفي لفظ: فلا تُشْهدني إذن": هذا في جواب قوله: "أَفَعلت هذا بولدك كلهم؟ قال الرجل: لا. قال النبي: فلا تُشهدني إذن". فـ "إذن" حرف جواب. واختُلف: هل هي بسيطة أو مركّبة؟
وقد تتمحّض للجواب، بدليل أنه يُقال: "أحبُّك"، فتقول: "إذن أظنُّك صادقًا". وقال سيبويه: معناها الجواب والجزاء في كُلّ موضع (١). وقال الفارسي: في الأكثر (٢).
ولما كان الكلام هنا متضمنًا معنى الشرط حَسُن الجواب بـ "إِذَن"، والتقدير من كلام النبي ﷺ بعد قوله: "لا": "إنْ لم تفعل فلا تشهدني إذن". فـ "إذن" وإن تأخرت فهي متقدّمة في المعنى، أي: "فإذن لا تشهدني".
قال مكي: لا يجوز كتابة "إذن" عند الحذّاق إلّا بـ "النون"؛ لأنها مثل "لن". وأجاز الفرّاء كتابتها بـ "الألف" (٣).
قالوا: الأكثر في مجيء "إذن" جوابًا أن يتقدّمها "لو" أو "أن"، حتى تكون جوابًا لهما.
ويصح أن يكون التقدير: "لو فعلت شهدت إذن" (٤).
стр. 1351
قوله: "فإني لا أشهَد على جور": "الجور" بمعنى "الميل" (١)، وقد جاء بمعنى "الظلم" (٢).
قوله: "وفي لفظ": أي: "وروي في لفظ أنه قال؟ "، أي: "وروي".
قوله: "فإن" وما بعدها مُقدّرة لمصدر، هو المفعول الذي لم يُسمّ فاعله (٣) لـ "رُوي".
قوله: "فأشهد على هذا غيري": أي: قال ذلك بعد قوله: "لا".
الحديث الثامن:
[٢٨٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ" (٤).
قوله: "عامل أهل خيبر": "المعاملة" هنا بمعنى "المساقاة". وجاء في بعض الأحاديث: "دَفَعَ ﷺ إلَى أَهْلِ خَيْبَر أرْضَهُم عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِن أمْوَالِهم" (٥)، وكُلها من "العمل".
و"أهل خيبر": إضافة تخصيص، لأنّ "خيبر" صارت لمن افتتحها، وبهذا صحّت "المساقاة" عليها. و"أهل" تقدّم الكلام عليها في الحديث الخامس من "كتاب الصيام". و"خيبر" تقدّم ذكرها قريبًا.
قوله: "بشطر ما يخرج منها": "الشطر": "النصف". و"الباء" باء المقابلة. و"ما"
стр. 1352
موصولة بمعنى "الذي"، والعائد الفاعل. والضّمير في "منها" يعود على "خيبر". و"من" لابتداء الغاية.
و"من تمر": يحتمل أن تكون "من" للابتداء أيضًا؛ فيكون "من تمر" بدلًا من "منها". ويحتمل أن تكون "من" للتبعيض؛ فتتعلق بـ "يخرج"، وصحَّ ذلك؛ لأنّ معنى "من" غير مُتَّحِدٍ (١)، ومتى اختلف معنى الحرف جاز أن يتعلّقا بعامل واحد، ولو تعدّد.
قوله: "أو زرع": يحتمل أن تكون "أو" بمعنى "الواو"، والمراد: "من المجموع"، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع.
قوله: "أو زرع": يريد: "أو حَبَّ زرع"؛ لأنّ "الزرع" لا يُساقى عليه، إنما "المساقاة" على ما تخرجه الأرض من الغَلّات والثّمار مع ما يتبعها.
الحديث التاسع:
[٢٨٦]: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا، وَكُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذهِ وَلَهُمْ هَذِهِ، [فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ] (٢) وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا بِالْوَرِقِ: فَلَمْ يَنْهَنَا (٣).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهِ. إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأَقْبَالِ الجْدَاوِلِ وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، ويسلم هذا ويهلك هذا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا. وَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلا بَأْسَ بِهِ (٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1353
قوله: "كنا أكثر الأنصار حقلًا": "كان" واسمها، و"أكثر" خبرها، و"حقلًا" تمييز. وتقدّم الكلام على "كنّا" في الحديث الخامس من "جامع الصّلاة"، وعلى "أفعل" التفضيل في الأوّل من "الصّلاة".
و"الحَقْلُ": "الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلظ سُوقه". وقيل: "الحقل": "الأرض التي تُزرَع". وفي الحديث: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ " (١)، أي: "بمزارعكم"، واحدها: "محقلة"، من "الحقل"، وهو "الزرع" (٢).
قوله: "وكنا نكري الأرض": معطوفٌ على ما قبله، و"نكري" جملة في محلّ خبر "كان"، وهو من "أكرى". و"الكراء" مصدر: "كاريت".
قال في "الصّحاح": والدّليلُ على ذلك أنك تقول: "رجل مكار"، و"مفاعل" لا يكُون إلّا من "فاعلت"، وهو من ذوات ["الواو"] (٣). (٤)
قوله: "على أن": "على" حرف جر عملت في محلّ "أن" واسمها وخبرها، و"لنا" يتعلق بخبرها، و"هذه" من أسماء الإشارة.
قوله: "ولهم هذه": معطوفٌ على اسم "أنَّ" وخبرها.
قوله: "فربّما": تقدّم الكلام على "رُبّ" في الحديث الأوّل من "باب السهو". و"ما" مع "رُبَّ" مهيئة، هيأت دخُول "رُبَّ" على الفعل (٥). وقيل: هي نكرة موصوفة مجرورة بـ "رُبَّ"، والعائد محذوف، فيكون التقدير هنا: "رُبَّ شيء
стр. 1354
أخرجته". والكوفيون يرون "رُبَّ" اسمًا حيث وقعت.
والمشهور: أنها للتقليل. وقيل: إنها للتكثير مُطلقًا، ذكره ابن مالك (١).
ومن مجيئها للتكثير: قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] (٢).
قوله: "أخرجت هذه ولم تخرج هذه": الإشارة بقوله "هذه" إلى متعقّل في الذّهن يتصوّر في الوجُود، فـ "هذه" فاعل فيهما، والإخراج إسناد لفظي، لا معنوي.
قوله: "فنهانا عن ذلك": "نهانا" فعل وفاعل ومفعول، الفاعل ضمير "النبي ﷺ ".
قوله: "وأمَّا الورق: فلم ينهنا": "أمَّا" تقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "باب الاستطابة"، وهي حرف تفصيل، ولا يقع بعدها إلا المبتدأ (٣).
فيحتمل إعراب قوله: "الورق" وجهين، أحدهما: الرفع على الابتداء، أي: "أمَّا الورِق فلم ينهنا عن البيع به"، فيكون "الورق" مبتدأ، وجملة: "فلم ينهنا" في محلّ الخبر، والتقدير: "مهما يكن من شيء فلم ينهنا عن البيع بالورق". ويحتمل أن يكون التقدير: "أمّا البيع بالورق فلم ينهنا عنه". ولو جاء: "أمّا الورقَ" بالنصب على إسقاط الخافض جاز، ويكون التقدير كما تقدّم.
ومِن حذف الخافض قولهم: "كلمته فاه إلى في"، أي: "مِن فيه إلى في" (٤)،
стр. 1355
فحذف "من" وعدَّى الفعل إليه بنفسه. وقالوا: "خير"، في جَواب مَن قال: "كيف أصبحت؟ ". (١)
وعلى هذا التقدير: يكون قوله: "فلم ينهنا" جوابَ "أمَّا".
قوله: "ولمسلم": أي: "وروي". ومعمول "روي": "عن حنظلة" إلى آخر الحديث. أو يتعلّق "عن حنظلة" بـ "رَوَى"، أي: "ورَوَى مسلم الحديث المذكور عن حنظلة، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض"، أي: "أنه قال"، كما تقدّم.
و"سأل" تقدّم أنها تتعدّى إلى مفعول صريح، وإلى الثّاني بحرف الجر، وقد تعلّق عن الثاني بهمزة الاستفهام، أو باسم استفهام، كما تعلّق أفعال القلوب، وقد تقدّم ذكر ذلك وتعليله في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصّلاة".
قوله: "بالذّهب": يتعلّق بـ "كراء"؛ لأنه اسم يعمَل عمل المصدر.
قوله: "لا بأس به": "لا" واسمها مبني معها، و"به" يتعلّق بالخبر، والجملة كُلها معمولة للقول.
وقد وَقَع في كلامهم حذف "بأس" دون "لا"، فقالوا: "لا عليك"، أي: "لا بأس عليك" (٢). وتقدّم الكلام على "لا" مع اسمها المبني معها في الأوّل من "باب التيمم".
قوله: "إنما كَان النّاس": "إنما" كافَّة ومكفوفة، و"كان" واسمها، وخبرها جملة "يؤاجرون". وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب.
стр. 1356
ويصح أن تكون "ما" موصولة، أي: "إن الذي كان الناس يفعلونه يؤاجرون"، فيكون خبر "كان" محذوفًا، تقديره: "يفعلونه". و"يؤاجرون" خبر "إن".
والأوّل أَجرَى على الإعراب، غير أنّه لا حصر في "إنما" هنا إلّا حصر صفة.
و"على عهد النبي ﷺ ": يتعلّق بـ "يؤاجرون".
قوله: "بما على الماذيانات": "ما" موصولة. و"الباء" تتعلق بـ "يؤاجرون"، والتقدير: "يؤاجرون على زمن النبي ﷺ ".
و"العَهد" بمعنى "الزّمن" (١).
و"على" يحتمل أن تكون بمعنى "في"، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢).
و"على الماذيانات" يتعلّق بالاستقرار المقدّر صِلَة.
و"الماذيانات": "الأنهار الكبار"، بالذّال المعجَمة المكسُورة، ورُوي فتحها، ثُم المثنّاة تحت، ثم "ألف" ثم "نون"، وهي "مسايل الماء". والإشارة إلى "ما ينبت على حافتي مسايل الماء". وقيل: "ما ينبت حول السواقي". وهي لفظة مُعربة، لا عربية (٣).
قوله: "وأقبال الجداول": "أقبال" بفتح "الهمزة": "أوائلها" و"رؤوسها"، جمع "قُبْل" (٤).
стр. 1357
و"الجداول": جمع "جَدول"، وهي: "الأنهار الصغار" (١).
قوله: "وأشياء من الزرع": تقدّم الكلام على "شاء"، و"شئت"، ومادتهما، في السّادس من "الإمامة"، و"شيء" في الثّاني من "المرور".
وأمّا "أشياء": فلا تنصرف للتأنيث اللازم. ومذهب سيبويه فيها والخليل أنها اسم جمع، كـ "طرفاء"، و"حلفاء"، وأصلها "شيئاء"، من مادة "شيء"، ثم قلب فصار: "أشياء"، على وزن ["لَفْعَاء"] (٢). وذهَب الكسائي وأبو حاتم إلى أنه جمع: "شيء"، كـ "بيت"، و"أبيات". وقال الفرّاء والأخفش: هو جمع على وزن "أفعلاء"، كما قالوا: "أهوِناء" في جمع "هَيْن" المخفّف من "هَيِّن". وقال الأخفش: ليس مخففًا، بل هو "فعل" جمع على "أفعلاء".
قال أبو البقاء: وفي هذه المسألة كلام كثير، محلّه كتب التصريف (٣).
فائدة:
قال سيفُ الدولةِ ليلةً: هل تعرفُون اسمًا ممدودًا جُمع مقصورًا، كما يأتي العكس، كـ "رَحًى"، و"أَرْحاء"؟
فقال قائل: حرفين، ولا أقولهما إلّا بألف دينار. فقال: لك ذلك. فقال: "صحراء" و"عذراء"، و"صحارى" و"عذارى".
فقال أحمد بن نصر: وثالث: "حلفاء"، و"حلافى".
فقيل له: "حلفاء" جمع "حَلِفَة"، وإنما سألنا عن واحد.
فقال الفارسيّ: أنا أعرف حرفًا: "أشياء"، و"أشاوَى".
стр. 1358
فقيل له: "أشياء" جمع، وضحكوا منه.
قال بعضهم: وُجِد ثالثٌ ورابعٌ، وهما "خَبْراء" للأرض اللينة، و"خَبَارى"، و"صَلْفَى" للأرض الصّلبة و ["صَلَافَى"] (١)(٢).
قوله: "من الزرع": يتعلّق بصفة لـ "أشياء".
قوله: "فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا": الإشارة إلى ما ثبت في الذّهن من تصوّر الواقع في الوجود، إذْ لا بدّ مع جريان الليل والنهار من هَلاك شيء وحياة غيره.
قوله: "ويسلم هذا": وهو بمعنى الأوّل، إمّا لمعنى مجاورة الهالك للسالم، فيهلك جانب من الزرع ويَسلَم جانب، فيجاور السالم هالك والهالك سالم. ويحتمل أن يكون هذا بالنظر إلى جملة الزّرع، فيه هالك وسالم، ففي جهةٍ سالمٌ، وفي جهةٍ هالكٌ، أي في موضع آخر. ويدخُل الغَرر في ذلك كُلّه باعتبار ما قدّره اللَّه بخلقه في خلقه.
قوله: "ولذلك زَجر عنه": أي: "ولأجل ذلك"؛ فاللام "لام" التعليل. والتقدير: "زجر الناس عنه".
"الزّجر": "النهي [يقترن] (٣) به قُوة" (٤).
والضّمير في "عنه" يعود على "الكراء".
قوله: "أمّا شيء معلوم": "شيء" مبتدأ، و"معلوم" صفته، و"مضمُون" صفة
стр. 1359
بعد الصّفة عند مَن أجاز تعدّد الصفة، أو صفة للصّفة عند مَن أجاز صفة الصفة.
قوله: "فلا بأس به": في محلّ الخبر، و"الفاء" جواب، وتقدّم مثله، وإعرابه كإعرابه.
وقد يُستدلّ بهذا على جَواز كراء الأرض بطعام مضمون، وقد منع من ذلك مالك (١) ﵁ في الصّحيح من مذهبه؛ لأحاديث ورَدت في النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وعن كرائها بطعام مُطلقًا.
الحديث العاشر:
[٢٨٧]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهَ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهَ ﷺ بِالْعُمْرَى [لِمَنْ] (٢) وُهِبَتْ لَهُ".
وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ فَإنَّهَا لِلَّذِي أعْطِيَهَا، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ".
وَقَالَ جَابِرٌ: إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا النبيّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، أَمَّا إذَا قَيلَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ، فَإنَّهَا تَرْجعُ إلَى صَاحِبِهَا.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "أَمْسِكُوا عَلَيكمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَإنَّها لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ".
قوله: "قضي رسول اللَّه ﷺ بالعمرى": " قضى" بمعنى "حكم" و"أوجب".
و"العُمرى" اسم المصدر، والمصدر: "إعمارًا" (٣).
قوله: "لمن وهبت له": يتعلّق بـ "العمرى" أو بحال من "العمرى"، أو "مستقرة
стр. 1360
لمن وهبت"، وتكون حالًا مقدّرة والأوّل أظهر.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]: إن "الخراب" اسم للتخريب، وأضيف إليه المفعول؛ لأنّه يعمل عَمل المصدر (١).
قوله: "وُهبت له": الفعل مبني لما لم يسمّ فاعله، والمفعول [الذي] (٢) لم يُسمّ فاعله ضمير يعود على "العمرى". والجملة من الفعل والفاعل صلة. والعائد الضّمير في "له".
قوله: "وفي لفظ: مَن أعمر عمرى": "مَنْ " مبتدأ، و"أعمر عمرى" جملة من فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: "من أعمر أخاه -أو رجلًا- عمرى أعطاه".
و"عُمرى" كما تقدّم اسم للمصدر؛ فيعمل فيه: "أعْمَر".
والجملة في محل الخبر والمبتدأ، والخبر في محلّ مفعول لم يُسمّ فاعله لمتعلّق "في لفظ"، والتقدير: "وروي في لفظ: من أعمر. . . إلى آخره".
والضّمير في "له" يعود على المفعول المحذوف: "مَن أعمر إنسانًا عمرى له ولعقبه"، فإنّ كانت الرواية: "أُعمر" على البناء للمفعول، فالمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير يعود على "مَن"، والضمير في "له ولعقبه" يعود على المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، و"له" يتعلّق بصفة لـ "عمرى".
و"العَقِب": بفتح "العين" وكسر "القاف"، قالوا: ويجوز إسكانها مع فتح "العين" (٣).
قوله: "فإنها": الضّمير يعود على "العمرى".
стр. 1361
وقوله: "للذي أعطيها": حرفُ الجر يتعلّق بخبر "أن"، أي: "فإنها كائنة للذي"، و"أُعطيها" فعل مبني لما لم يسم فاعله، يتعدّى إلى مفعولين، الأوّل ضمير مستتر يعُود على "الذي"، والثّاني ضمير مفعول يعود على "العطية".
والصّلة والموصول في محلّ جَر باللام.
قوله: "لا ترجع إلى الذي أعطاها": الجملة في محلّ خبر ثانٍ، أو في محلّ حال من ضمير المفعول في "أعطيها" أي: "غير راجعة له".
قوله: "لأنّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث": "اللام" في "لأنه" لام التعليل (١). و"أعطى" جملة في محلّ خبر "أن".
و"عطاء": اسم المصدر، بمعنى "الإعطاء"، يُريد "الشيء المُعطى".
وتقدير الكلام: "لأنّه أعطى المعمر شيئًا وقعت فيه المواريث".
فـ "شيئًا" المفعول الثاني، وجملة "وقعت فيه المواريث" في محلّ الصفة.
وكنَّى عن انتقال المال إلى الوارث بالوقوع؛ لأنّه كالواقع على الوارث من غير أن يظنّ وقوعه عليه، كوَقْع المطر على مَن لا يتّقيه.
وتقدّم الكلام على تصريف "وقع" قريبًا في الحديث الرابع من "الإمامة".
قوله: "وقال جابر: إنما العمرى": تقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"العمرى" مبتدأ، والخبر قوله: "أن تقول".
قوله: "التي أجازها النبي": الصّلة والموصول صفة للعمرى. والعائد على الموصول ضمير المفعول في "أجازها".
وحرف الجر في "لك" يتعلّق بخبر ["هي"] (٢). "ولعقبك": معطوفٌ على
стр. 1362
ضمير المجرور. والجملة كُلها معمولة للقول.
و"أعمر" يتعدّى إلى مفعولين؛ لأنه بمعنى "أعطى". وإنما تعدّى هنا بحرف الجر: لأنّ في "اللام" معنى التعليل والتمليك (١)، أي: "أعمر لأجله ولأجل عقبه"، كما تقول: "أعطيته" و"أعطيت له".
قوله: "ولعقبك": معطوفٌ على "الكاف" المجرورة باللام، ولذلك أعاد حرف الجر؛ لأنّ الأفصح أنّ الضّمير المجرور لا يُعطف عليه إلّا بإعادة الخافض (٢).
قوله: "فأمّا إذا قال: هي لك ما عشت؛ فإنها ترجع إلى صاحبها": "أمَّا" حرف تفصيل يحتاج إلى جواب (٣).
و"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، فيه معنى الشرط؛ فيحتاج أيضًا إلى جواب (٤)، فقد اجتمع شرطان مُقتضيان للجَواب. وليس هنا ما يصلح لكُل واحد منهما إلّا قوله: "فإنها ترجع"، فالجوابُ هنا استحقّه الأوّل؛ لأن في الكلام مُقدّر مُتحتم مبتدأ بعد "أمَّا"؛ لأنه لا يقع بعدها إلا المبتدأ، فتقديره: "أمّا العمرى إذا قيل فيها: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إليه".
وأوقَع موقع "إليه": "صاحبها"، ولو قال: "إليه" كفى، ودلّ على المحذوف،
стр. 1363
وهذا فصيح كثير في كلامهم، ويأتي المظهر موضع المضمر لِمعانٍ تقدّم منها كثير.
وجملة "إن" واسمها وخبرها خبر الاسم الواقع بعد "أمَّا".
وجواب "إذا" يدلّ عليه "يرجع"، الذي هو خبر "إن". والتقدير: "إذا قال المعمِر: هي لك ما عشت، رجعتْ إلى صاحبها". ولا يصح أن يعمل في "إذا": "ترجع" المذكور في خبر "أن"؛ لأنه وقع في صِلتها، ولا يعمل ما هو من صلتها فيما قبلها.
ولو جاء الكلام: "أمَّا إذا قال: هي لك ما عشت، فترجع" صحَّ أن يكون عاملًا في "إذا".
ويجوز أن يجعل ["فإنها"] (١) جواب "إذا"، و"إذا" وجوابها خبر "أما"، و"الفاء" في جواب "إذا" تقوم عن "الفاء" في خبر "أمّا".
ولك أن تجعل الجواب لـ "أمَّا"، وتحذف جواب "إذا"؛ لقيام جواب "أمّا" مقامه.
قوله: "ما عشت": "ما" ظرفية مصدَرية، وقد تقدّمت في التاسع من "باب الصّوم في السّفر". والتقدير هنا: "مدّة حياتك" (٢).
قوله: "وفي لفظ لمسلم": تقدّم أنّ التقدير: "ورُوي في لفظ". و"لمسلم" يتعلّق بـ "لفظ" أو بصفة له. وجملة "أمسكوا عليكم أموالكم" هي المفعول الذي لم يُسم فاعله لـ "رُوي" المقدّر.
قوله: "ولا تفسدوها": معطوفٌ على قوله: "أمسكوا".
و"لا" ناهية، والفعل معها مجزوم، وعلامة جزمه حذف "النون" (٣).
стр. 1364
ويحتمل أن يكون معنى "الفساد" فيها "المنازعة الواقعة بين المُعمِر وورثة المُعمَر". ويحتمل أن يكون المراد: "فساد الهبة والإعمار"، إذا قُلنا إنّ التقييد بالحياة لا يصحّ.
قوله: "فإنه مَن أعمر عمرى": خبر "إن" جملة "من أعمر عمرى"، وقد تقدّم إعرابه قريبًا. واسم "إن" ضمير الأمر والشّأن، وقد تقدّم ذكره وشرطه في السّادس من "باب القراءة في الصّلاة".
ونظيره في الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: ٧٤].
وجوابُ الشّرط: "فهي للذي أعمرها".
و"حيًّا وميتًا": حالان، أي: "في حال حياته وفي حال مماته".
و"لعقبه": معطوفٌ على "الذي".
وخبر "هي" الاستقرار الذي تتعلّق به "اللام" في "للذي".
الحديث الحادي عشر:
[٢٨٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبهَ فِي جِدَارهِ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ (١).
قوله: "لا يمنعن": جملة في محل خبر "أنَّ". و"لا" ناهية.
و"يمنعنَّ" مؤكّد بنون التوكيد الشّديدة، وهي مختصّة بالأمر والنهي
стр. 1365
والاستفهام والشّرط (١)، وقد تقدّمت في الخامس من أوّل الكتاب.
قوله: "أن يغرز خشبة": محلّ "أنْ" نصب أو جر بإسقاط الخافض (٢)، والخلاف بين سيبويه والخليل مشهور، أي: "من أن يغرز". "خشبةً" مفعول به، ويُروى: "خُشبه" على الجمع (٣).
و"في جداره" يتعلّق بـ "يغرز".
قوله: "ثم يقول أبو هريرة": الجملة معطُوفة على ما قبلها.
وكان وَجْه الكلام أن يقُول: "ثُم قال أبو هريرة"، لكنّه راعى المعطوف عليه؛ فإنها أفعال مُستقبلة، وكثيرًا ما يأتي المستقبل بمعنى الماضي، كقوله تعالى: "وَزُلْزِلُوا حَتى يَقُولُ الرَّسُولُ" (٤) بالرفع؛ لأنّ المعنى على المضي، أي: "حتى قال الرسول" (٥).
قوله: "مالي أراكم": "ما" استفهامية، مبتدأ، والخبر في قوله: "لي"، أيْ: "أيُّ شيء كائن لي؟ "، فيتعلّق حرف الجر بالمقدّر. و"أراكم" جملة من فعل وفاعل ومفعول، في محلّ حال من الضّمير في الخبر، و"معرضين" حال من ضمير المفعول في "أراكم" إن كانت الرّؤية بصرية. وإن كانت علمية: فـ "معرضين" مفعول ثانٍ، وبهذه الحال تم معنى الكلام. و"عنها" يتعلق بـ "معرضين"، والضّمير يعود على السُّنَّة المفهومة من السياق.
وهو جمع "مُعْرض". و"مُعرض" اسم فاعل من "أعْرَض".
قوله: "واللَّه": "الواو" واو القسم، وتقدّم الكلام على أجوَبة القسَم في الثّاني
стр. 1366
من "باب الصفوف"، وفي العاشر من "كتاب الصّلاة".
و"بين": ظرف مكان، وتقدّم الكلام عليها وعلى مواضعها وحكمها إذا اتصل بها "ما" في الثالث من "باب السواك".
والعامل في "بين": "أرمينّ". و"بها" يتعلّق به أيضًا. أو تكون "بين" في محلّ حال من الضّمير في "بها"، أي: "لأرمينّ بها كائنة بين أكتافكم"، فتتعلق "بين" بصفة لحال محذوفة، أي: "لأرمينّ بها سُنَّةً -أو كلمةً- كائنة بين أكتافكم".
ويُروى: "بَيْنَ أكْنَافِكُم" بالنّون، رواها يحيى بن يحيى في "الموطأ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين (٢): معنى ذلك: أني أقولها لكُم، وأصرّح بها بينكم، وأوجعكم بالتوبيخ على ترْك ما رُغِّب فيه من ذلك، كما يُرمى بالشيء فيضرب به بين الكتفين (٣).
قلت: وأمّا رواية "الموطأ": فمعناها: "لأرمين بها بينكم فيما بين جوانبكم". و"الكنف": "الجانب" (٤).
الحديث الثّاني عشر:
[٢٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (٥).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1367
تقدّم الكلام على "الحادي" و"الثّاني" في "باب الصّلاة".
قوله: "قيد شبر": إشارة إلى ما يكون بين الشيئين، يقال: "قيد رمحٍ"، و"قيد شبرٍ"، و"قاد رمحٍ" (١). وهو منصوبٌ على المفعولية. والتقدير: "من ظلم الناس قيد". فـ "قيد" مفعول ثانٍ لـ "ظلم" على التضمين، ضُمِّنَ معنى "نقص" أو "غصب".
وقيل: ["ظلم"] (٢) هنا متعدٍّ إلى واحد، و"قيد شبر" نعت لمصدر محذوف، أي: "ظلم الناس ظلمًا قيد"، كما تقول: "لا أظلم قليلًا ولا كثيرًا"، أي: "ظلمًا قليلًا وكثيرًا".
و"القاف" فيه مكسُورة، يُقال: "قِيد" و"قَاد" (٣).
قوله: "من الأرض": يتعلّق بصفة لـ "شبر"؛ فيكون في محلّ جر.
قوله: "طوقه": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو جوابُ "مَن" الشرطية، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل يعود على "مَن". وأصل بناء الفعل: "طوَّقَهُ اللَّه القيد"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه، وهو الضّمير العائد على "من".
قوله: "من سبع أرضين": يتعلّق بـ "طوقه".
و"أرضين": جمع "أرض". و"الأرض" مؤنثة، ولذلك سقطت العلامة من عَدَدها.
وعلامة الجر في "أرضين": "الياء"؛ لأنه حمل على جمع المذكّر السالم، كما حمل عليه "سنون"، و ["أولو"] (٤) و"عشرون".
стр. 1368
وإنّما جمع "أرض" بالعلامتين: لأنها مؤنثة، والمؤنث حقّه أن يكون بعلامة التأنيث، فلما لم يصِلوا به العلامة عوّضوه منها أنْ جمعوه بالواو والنون، حملوا حُكمه على حكم المذكّر السالم.
قالوا: وذلك مُطّرد في كُل ثُلاثي حُذفت لامه، وعُوّض منها "هاء" التأنيث، ولم يُكَسَّر، نحو: "عِضَة" و"عِضِين"، و"عِزَة" و"عِزِين"، و"ثُبَة" و"ثُبِين" (١).
* * *
стр. 1369
باب اللقطة
الحديث الأوّل:
[٢٩٠]: عن زيد بن خالد الجهني قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". وَسَأَلهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها". وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (١).
قوله: "سُئل رسول اللَّه ﷺ ": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وتقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصّلاة". والمفعول الذي لم يُسم فاعله: "رسُول اللَّه". و"عن اللقطة" يتعلّق بِـ "سُئل".
قوله: "الذّهَب أو الوَرِق": بدَلٌ من "اللقطة"، ولو جاء منصوبًا بإسقاط الخافض جاز، كما تقدّم من قولهم: "كلمتُه فاه إلى فيّ"، أي: "من فيه إلى فيّ". (٢)
قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ": "اعرِفْ وكاءها" الفاعل ضمير "الملتقط السّائل"، بمعنى: "إذا وجَدتها اعرف عفاصها".
"العفاص": "الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خِرْقة وغير ذلك"، من "العَفْص"، وهو "الثَّنْيُ" و"العَطْف"، وبه سُمّي "الجلد الذي يجعل على رأس القارورة" عفاصًا، وكذلك غُلافها يُسمّى بذلك (٣).
стр. 1370
قوله: "ثم عَرِّفْها": أي: "عَرِّف اللقطة".
و"سَنَة": ظرف، أي: "في سَنة"، وأصلها: "سَنْهَة"؛ لأنّك تقول في تصغيره: "سُنيهَة" أو "سُنَيَّة"، على اختلافهم في قولهم: "سانهت" و"سانيت" (١). وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الحيض".
قوله: "فإنّ لم تُعْرَف فاستنفقها": الفعل مجزوم بـ "لم"؛ لأنها أقرب وأشد اتصالًا. ولم تقع "لم" إلا مُلازمة للفعل المستقبل (٢)، بخلاف "إنْ"، وجعل بعضهم التنازع في الحروف كما هو في الأفعال (٣).
و"الفاء" في قوله: "فاستنفقها" جواب الشرط.
قوله: "ولْتكن": "اللام" لام الأمر، وعلامة الجزم السكون على "النون"، واسم "كان" مستتر فيها يعود على "اللقطة".
وخبر "كان": "وديعةً". و"عندك" معمول "الوديعة"؛ لأنها "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أو يتعلّق بصفة لـ "وديعة".
قوله: "فإن جاء طالبها يومًا من الدّهر": "يومًا" ظرف زمان، العامل فيه: "جاء"، و"من الدهر" يتعلّق بصفة لـ "يوم".
وجملة "فأدِّها" جوابُ الشّرط، وفي الكلام محذوفٌ، أي: "وإذا جاء طالبها فعرف عفاصها ووكاءها فأدِّها".
قوله: "وسأله": ضمير الفاعل في "سأله" يعود على الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن اللقطة أوَّلًا، وهنا أيضًا محذوف، أي: "فأدِّ مثلها إليه". وقيل: "الواو"