← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

من "باب الصفوف"، وفي العاشر من "كتاب الصّلاة". و"بين": ظرف مكان، وتقدّم الكلام عليها وعلى مواضعها وحكمها إذا اتصل بها "ما" في الثالث من "باب السواك". والعامل في "بين": "أرمينّ". و"بها" يتعلّق به أيضًا. أو تكون "بين" في محلّ حال من الضّمير في "بها"، أي: "لأرمينّ بها كائنة بين أكتافكم"، فتتعلق "بين" بصفة لحال محذوفة، أي: "لأرمينّ بها سُنَّةً -أو كلمةً- كائنة بين أكتافكم". ويُروى: "بَيْنَ أكْنَافِكُم" بالنّون، رواها يحيى بن يحيى في "الموطأ" (١). قال الشّيخ تقيّ الدّين (٢): معنى ذلك: أني أقولها لكُم، وأصرّح بها بينكم، وأوجعكم بالتوبيخ على ترْك ما رُغِّب فيه من ذلك، كما يُرمى بالشيء فيضرب به بين الكتفين (٣). قلت: وأمّا رواية "الموطأ": فمعناها: "لأرمين بها بينكم فيما بين جوانبكم". و"الكنف": "الجانب" (٤). الحديث الثّاني عشر: [٢٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1367

تقدّم الكلام على "الحادي" و"الثّاني" في "باب الصّلاة". قوله: "قيد شبر": إشارة إلى ما يكون بين الشيئين، يقال: "قيد رمحٍ"، و"قيد شبرٍ"، و"قاد رمحٍ" (١). وهو منصوبٌ على المفعولية. والتقدير: "من ظلم الناس قيد". فـ "قيد" مفعول ثانٍ لـ "ظلم" على التضمين، ضُمِّنَ معنى "نقص" أو "غصب". وقيل: ["ظلم"] (٢) هنا متعدٍّ إلى واحد، و"قيد شبر" نعت لمصدر محذوف، أي: "ظلم الناس ظلمًا قيد"، كما تقول: "لا أظلم قليلًا ولا كثيرًا"، أي: "ظلمًا قليلًا وكثيرًا". و"القاف" فيه مكسُورة، يُقال: "قِيد" و"قَاد" (٣). قوله: "من الأرض": يتعلّق بصفة لـ "شبر"؛ فيكون في محلّ جر. قوله: "طوقه": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو جوابُ "مَن" الشرطية، وفيه ضمير مرفوع قائم مقام الفاعل يعود على "مَن". وأصل بناء الفعل: "طوَّقَهُ اللَّه القيد"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه، وهو الضّمير العائد على "من". قوله: "من سبع أرضين": يتعلّق بـ "طوقه". و"أرضين": جمع "أرض". و"الأرض" مؤنثة، ولذلك سقطت العلامة من عَدَدها. وعلامة الجر في "أرضين": "الياء"؛ لأنه حمل على جمع المذكّر السالم، كما حمل عليه "سنون"، و ["أولو"] (٤) و"عشرون".

стр. 1368

وإنّما جمع "أرض" بالعلامتين: لأنها مؤنثة، والمؤنث حقّه أن يكون بعلامة التأنيث، فلما لم يصِلوا به العلامة عوّضوه منها أنْ جمعوه بالواو والنون، حملوا حُكمه على حكم المذكّر السالم. قالوا: وذلك مُطّرد في كُل ثُلاثي حُذفت لامه، وعُوّض منها "هاء" التأنيث، ولم يُكَسَّر، نحو: "عِضَة" و"عِضِين"، و"عِزَة" و"عِزِين"، و"ثُبَة" و"ثُبِين" (١). * * *

стр. 1369

باب اللقطة الحديث الأوّل: [٢٩٠]: عن زيد بن خالد الجهني قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". وَسَأَلهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها". وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (١). قوله: "سُئل رسول اللَّه ﷺ ": مبني لما لم يُسمّ فاعله، وتقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصّلاة". والمفعول الذي لم يُسم فاعله: "رسُول اللَّه". و"عن اللقطة" يتعلّق بِـ "سُئل". قوله: "الذّهَب أو الوَرِق": بدَلٌ من "اللقطة"، ولو جاء منصوبًا بإسقاط الخافض جاز، كما تقدّم من قولهم: "كلمتُه فاه إلى فيّ"، أي: "من فيه إلى فيّ". (٢) قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ": "اعرِفْ وكاءها" الفاعل ضمير "الملتقط السّائل"، بمعنى: "إذا وجَدتها اعرف عفاصها". "العفاص": "الوعاء الذي تكون فيه النفقة، من جلد أو خِرْقة وغير ذلك"، من "العَفْص"، وهو "الثَّنْيُ" و"العَطْف"، وبه سُمّي "الجلد الذي يجعل على رأس القارورة" عفاصًا، وكذلك غُلافها يُسمّى بذلك (٣).

стр. 1370

قوله: "ثم عَرِّفْها": أي: "عَرِّف اللقطة". و"سَنَة": ظرف، أي: "في سَنة"، وأصلها: "سَنْهَة"؛ لأنّك تقول في تصغيره: "سُنيهَة" أو "سُنَيَّة"، على اختلافهم في قولهم: "سانهت" و"سانيت" (١). وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الحيض". قوله: "فإنّ لم تُعْرَف فاستنفقها": الفعل مجزوم بـ "لم"؛ لأنها أقرب وأشد اتصالًا. ولم تقع "لم" إلا مُلازمة للفعل المستقبل (٢)، بخلاف "إنْ"، وجعل بعضهم التنازع في الحروف كما هو في الأفعال (٣). و"الفاء" في قوله: "فاستنفقها" جواب الشرط. قوله: "ولْتكن": "اللام" لام الأمر، وعلامة الجزم السكون على "النون"، واسم "كان" مستتر فيها يعود على "اللقطة". وخبر "كان": "وديعةً". و"عندك" معمول "الوديعة"؛ لأنها "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أو يتعلّق بصفة لـ "وديعة". قوله: "فإن جاء طالبها يومًا من الدّهر": "يومًا" ظرف زمان، العامل فيه: "جاء"، و"من الدهر" يتعلّق بصفة لـ "يوم". وجملة "فأدِّها" جوابُ الشّرط، وفي الكلام محذوفٌ، أي: "وإذا جاء طالبها فعرف عفاصها ووكاءها فأدِّها". قوله: "وسأله": ضمير الفاعل في "سأله" يعود على الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن اللقطة أوَّلًا، وهنا أيضًا محذوف، أي: "فأدِّ مثلها إليه". وقيل: "الواو"

стр. 1371

بمعنى "أو"، أي: "فاستنفقها أو أدِّها إليه"، فتكون "الواو" بمعنى "أو"، بخلاف الأصل. قوله: "عن ضالة الإبل": حرفُ الجر يتعلّق [بـ "سأل"] (١)، وتقدّم الكلام على "سأل" قريبًا. قوله: "فقال: ما لَك ولها؟ ": فاعلُ "قال": ضمير يعود على "النبي ﷺ "، و"ما" هنا استفهامية، مبتدأ، والخبر في المجرور، أي: "ما كائن لك؟ "، "ولها" معطوفٌ على "لك". وهذه "الواو" هي في الأصل واو "مع"، فلو كان في موضع "لها" اسم ظاهر وجبت معه "اللام"؛ لأنّه لا يُعطف على الضّمير المجرور إلا بعد إعادة الخافض (٢)، فتقول: "مَا لَك ولضَالّة الإبل؟ "، ولا يجوز على الصحيح: "ما لك وضالة؟ " بالجر. ويجوز النصب على أنّ "الواو" واو "مع". وأمّا هنا في الحديث: فتتعيّن "اللام" لأجْل العطف، ولأنّ الضّمير مُتصل، والمتصل لا يُمكن انفصاله إلا منصوبًا، أو مرفُوعًا، فلو قال: "ما لك وإياها؟ " صحّ، فلما جاء بـ "اللام" تعيّن الجر للعطف. وإنما جاء النصب بواو "مع"، ولم يجز الجر؛ لأنّ واو "مع" مُعدِّية للفعل كـ "الباء" و"الهمزة"، وإن كان أصلها العَطف كما ينتصب الاسم المتعدّي إليه الفعل بواسطة، في مثل: "فَرَّحْتُ زيدًا"، أو "أذهبت زيدًا" (٣)، فكذلك انتصب مع "الواو". ويدلُّك على أنها مُعدِّية أنها توصل الفعل اللازم إلى العَمل في مثل: "قمتُ

стр. 1372

وزيدًا"، و"جاء زيد وعمرا" (١). فإن قيل: الحروفُ المعدِّية تجر ما بعدها، مثل: "ذهبتُ بزيد"، وهذه "الواو" نصبت. فالجواب: أنّ من شرط العامل الاختصاص بما يعمل فيه، و"الواو" لا اختصاص لها. واعلم أنّه ليس المراد بهذا الكَلام -الذي هو: "ما لك ولها"- الاستفهام عن ذاتي الاسمين، بل المراد الاستفهام عن المعنى الجامع بينهما على سبيل الإنكار. قالوا: وفي الحديث جاءت للعَطف، لا بمعنى "مع"، كقوله: تُكَلِّفني سَوِيقَ الكَرْمِ جَرْمٌ ... وما جَرْمٌ وما ذاكَ السَّوِيقُ (٢) أي: "ما الجرم وذاك السويق"، إنكارًا عليها. هذا البيت من أبيات سيبويه (٣) أتى به شاهدًا على زيادة "ما" [في قوله] (٤): "وما ذاك". قوله: "دعْها، فإنَّ معها حِذَاءَها": "إنَّ" واسمها وخبرها، الخبر في الظرف، و"سقاءها" معطوفٌ على "حذاءها". وهذا من المجاز (٥)، عبَّر النبي ﷺ بعبارة يُفهم منها المنع من التقاطها لأجْل الحذاء والسقاء، وهو عبارة عن خُفِّها وكِرْشها مع صبرها حتى يجدها ربها، والسّقاء

стр. 1373

يتوصّل به إلى ورود الماء وأكْل الشّجر. ويصحّ أن يكون: "ترد الماء وتأكل الشجر" بدلًا من اسم "إنَّ" وخبرها، أي: "أنها ترد الماء وتأكُل الشجر". قوله: "حتى يجدها ربها": "حتى" حرف غاية ونصب، و"يجدها" منصوبٌ بإضمار "أنْ". و"وجد" يتعدّى إلى واحد؛ لأنها بمعنى "يُصيبها". قوله: "وسأله عن الشّاة": معطوفٌ على ما قبله. و"الشّاة" تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الزّكاة". و"عن الشّاة": يتعلّق بـ "سأل". قوله: "فقال النبي ﷺ : خُذها": تقدّم الكلام على الأمر من "أخَذ" في السّادس من "باب الاستطابة". وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"هي": مبتدأ، والخبر في المجرور. قوله: "أو لأخيك": أعاد في المعطُوف حرف الجر؛ لأنّه عطف على ضمير مجرور، وكذلك: "أو [لِلذِّئْب] (١) ". * * *

стр. 1374

باب الوصايا الحديث الأوّل: [٢٩١]: عن عبد اللَّه بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امرئ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِيَ [فيه] (١) يَبِيتُ لَيْلتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٢). زَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ ابنُ عُمَرَ: مَا مَرَّت عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي (٣). قوله: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ ": فُتحت "أنَّ" لأنها معمولة لحرف الجر. وجملة: "قال" في محلّ خبر "أن". و"ما حق امرئ مُسلم": قيل معناه: "ما الأحزم له والأحوَط إلا هذا". وقيل: "ما المعروف في الأخلاق الحسنة إلا هذا"، لا من جهة الفرض. وقيل: معناه أنّ اللَّه حكم على عباده [وجوب] (٤) الوصية مُطلقًا، ثم نسَخ الوصية للوارث، فبقي حَقّ الرجُل في ماله أن يُوصي لغير الوارث، وهو ما قدّره الشّارع بالثُّلث (٥). قلت: أظهرها الأوّل؛ فيكون المعنى: "ما الأحقّ له" بمعنى "ما الأحزم له والأحوط"، فيكون بمعنى: "ما أحق على نفسك".

стр. 1375

و"ما الأحسن لك إلا كذا" و"ما جيد إلا كذا"، بمعنى: "ما الأحسن" و"ما الأجود"، كما جاء "أفعل" بمعنى "فعيل"، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] بمعنى: "هيِّن عليه" (١). قوله: "ما حق امرئ مسلم": "ما" نافية، و"حقُّ" مبتدأ، و"امرئ" مُضاف إليه، وهو مسوّغ للابتداء مع النفي. و"امرئ" تقدّم في الثّالث من "الزكاة". قوله: "له شيء": جملة من مبتدأ وخبر، المبتدأ: "شيءٌ"، والخبر في المجرور، والجملة في محلّ صفة أيضًا. وجملة "يُوصي فيه" في محلّ صفة لـ "شيء". وجملة "يبيت ليلتين" في محلّ خبر المبتدأ. و"ليلتين" ظرف زمان، العاملُ فيه: "يبيت". (٢) و"بات" ليست من أخَوات "كان" التي تنصب الاسم وترفع الخبر. (٣) ويحتمل وجْهًا آخر، وهو أن تكون "وصيته" الخبر، وتكون "الواو" زائدة في الجملة الخبرية، كما قيل بزيادتها في قول كعب: . . . . . . . . . . . ... أَضْحَى وهْوَ مَشْمُولُ (٤)

стр. 1376

تشبيها للجملة الخبرية بالجملة الحالية. وهذا الوجْه إنما يجيزه أبو الحسن والكوفيون، وتابعهم ابن مالك. (١) قال ابن مالك: يكثر ذلك بشرطين: - ١ - كون العامل في الخبر "كان" أو "ليس". ٢ - وكون الخبر مُوجبًا بـ "إلا"، كقوله: ما كان من بَشَر إلَّا وميتَتُه ... محْتومةٌ، لكن الآجالُ تَخْتَلِفُ (٢) وهذا البيت نظير ما خرّجناه من وقوع الخبر مصحُوبًا بـ "واو" الحال بعد "إلّا". قال: ويقِلّ في غير ذلك. (٣) قوله: "زاد مُسلم": هذه جملة لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "قال ابن عمر. . . إلى آخره" مفعول بـ "زاد" على الحكاية. وجملة: "ما مرت. . . إلى آخره" معمُولة للقَول. و"عليَّ" يتعلّق بـ "مرّت"، و"ليلة" فاعل "مرّت". قوله: "منذ سمعت": اعلم أنّ "مذ" و"منذ" لابتداء الغَاية، أو للغَاية كُلّها بمنزلة "مِن"، ولا يدخُلان إلا على الزّمان الحاضر، نحو: "مُذ يومنا"، إمّا ظاهرًا وإمّا مُقدّرًا.

стр. 1377

وإن دخَلا على الزّمان الحاضر لزمتهما الحرْفية، وكذلك إن دخَلت على "كم"، نحو: "مُذ كم سرت؟ ". وإن دخَلا على جملة اسمية أو على جملة فعلية لزمتها الاسمية، نحو: "مذ قام زيد"، و"مذ زيد قائم". وما عَدا ذلك: فالأكثر في "مُذ" أن تكُون اسمًا، والأكثر في "مُنذ" أن تكُون حرفًا، فمتى كانت إحداهما اسمًا رفعت ما بعدها، ومتى كانت حرفًا خفضت ما بعدها، نحو: "مذ يومان"، و"مذ يومين". فإذا رفعت "اليومان" جاز لك في إعرابه وجْهان، أحدهما: الابتداء والخبر في الظرف. والثاني: أن يكون الخبر الاسم، والمبتدأ "مذ". فإذا قُلت: "مذ يومان"، معناه: "أمَدُ ذلك يومان". وإذا قُلت: "مذ يوم الجمعة"، فمعناه: "أوّل ذلك يوم الجمعة" (١). إذا ثبت ذلك: فـ "مُذ" هنا وقع بعدها جملة فعلية، فتعيَّن فيها الاسمية، والتقدير: "مُذ زمن سماعي"، فهو مُضاف لزمن محذُوف، والعاملُ فيها: "مرّت". أو تكون صفة لـ "ليلة"؛ فيعمل فيه: "كائن" أو "مُستقر"، كالظروف المتعلّقة بالأفعال. وتقدّم الكلام على "سمع" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأن جملة "يقول" في محلّ المفعول الثاني عند الفارسي ومَن وافقه، أو في محلّ حال عند ابن مالك ومَن وافقه (٢).

стр. 1378

و"ذلك" مفعول بالقول؛ لأنّ الإشارة إلى المفعُول. قوله: "إلا وعندي وصيتي": "إلّا" إيجابٌ للنفي، وهو استثناءٌ مفرَّغ، و"وصيتي" مبتدأ، خبره مُقدّم عليه في الظرف. والجملة في محلّ حال من الضّمير في "عليَّ"، وهو ضَمير "ابن عُمر". و"الواو" واو الحال، دخلت على الخبر لمَّا تقدّم على المبتدأ، ولو تقدّم المبتدأ لجاء الكلام: "إلّا ووصيتي عندي". وإنما قدّم الظرف تأكيدًا للحصر بـ "إلّا"، فكأنَّ الكلام اجتمع فيه تأكيدان: الأوّل بـ "إلا"، والثّاني بتقديم الظّرف. الحديث الثاني: [٢٩٢]: عن سعد بن أبي وقاص قَالَ: جاءني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فَقُلْتُ: يا رسول اللَّه قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ ما ترى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فالشَّطْر يا رسول اللَّه؟ قَالَ: لَا. قلت: فالثلث؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلْثُ كَثيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّه، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ. قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تبتغي به وجه اللَّه إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةَ، ولَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، [اللَّهُمَّ أَمْضِ] (١) لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه [وسلم أَنْ مَاتَ] (٢) بِمَكَّةَ (٣). قوله: "جاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني": جملة "جاءني" في محلّ معمول للقول.

стр. 1379

وجملة: "قال" مُقدّرة بـ "أنَّ" معمُولة لمتعلّق حرف الجر. وجملة: " ﷺ " مُعترضة، لا محلّ لها. وجملة: "يعودني" في محلّ حال من "رسول اللَّه". قوله: "عام حجة الوداع": "عام" ظرف زمان، العامل فيه: "يعودني". قوله: "من وجع": يتعلق بـ "يعودني". و"مِن" هنا سَببية، أي: "بسبب وجع"، أو بمعنى التعليل، أي: "لأجل وجَع". ويحتمل أن يتعلّق بـ "جاءني"، ويجري في الاختيار الخلاف المعروف في باب التنازع بين البصريين والكوفيين (١). وجملة: "اشتد بي" في محلّ صفة لـ "وجَع". قوله: "فقلت: يا رسُول اللَّه": جملة القول معطُوفة على "جاءني"، وجملة "يا رسُول اللَّه" معمُولة للقول. و"قد بَلغ بي من الوجَع ما ترى" من تمام المقول. و"بي" يتعلّق بـ "بلغ"، ولولا أنّ الصّلة تتقدّم على الموصُول لكان تعلّقه بـ "ترى" متمكنًا. ويصحّ على مذهب ابن مالك والكوفيين أنْ تكون "مِن" زائدة في الإثبات، والتقدير: "قد بلغ بي الوجع ما ترى". وفي الكتاب العزيز: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وفي موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]. (٢) والرّؤية هنا بَصرية، مفعولها هو العائد على "ما".

стр. 1380

ومتى جعلنا الفاعل "ما" وصلتها، كان التقدير: "وقد بلغ ما تراه". ويحتمل أن يكون الفاعل محذوفًا يدلّ عليه قوله: "من الوجع"، والتقدير: "وقد بلغ بي جهد من الوجع"، ثم حذف الموصُوف، وأقام الصّفة مقامه. قال ابن مالك: وهذا الحذفُ يكثر قبل "من"؛ لدلالتها على التبعيض. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، أي: "ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين". (١) ويحتمل أن يكُون الفَاعل محذُوفًا معلومًا من مجيء النبي ﷺ ليعوده، والتقدير: "وقد بلغ بي ما سمعت من الوجع ما ترى"، أي: "الذي تراه". وهذا عندي له وَجْه. ويحتمل قوله: "وأنا ذو مال" أن يكُون في محلّ الحال من ضَمير "النبي" في "تراه"، والرابط: "واو" الحال. ويحتمل أن يكون الحال من فاعل "اشتد". ويحتمل أن تكون الجملة مُستأنفة، لا محلّ لها. قوله: "أفاتصدق بثلثي مالي؟ ": "الهمزة" للاستفهام، والفعل معها مُستفهَم عنه، و"الفاء" عاطفة، وقيل: زائدة، وكان حقّها أن تتقدّم، فعارضها الاستفهام؛ لأنّ له صَدْر الكَلام. وتقدّم الكَلام على أدوات الاستفهام في الرّابع والخامس من "الجنابة". و"بِثُلُثَيْ": يتعلّق بـ "أتصدّق". قوله: "لا": حرفُ جَواب (٢)، وهي بمعناها تسدّ مَسَدّ الجمْلة، أي: "لا

стр. 1381

تتصدّق بكُل الثلثين". وتقدّم حُكم "لا" في الأوّل من "الحيض". قوله: "قلت: فالشّطر": الرّفع على الابتداء، والخبرُ محذُوفٌ، أي: "فالشّطر أتصدّق به؟ ". ولو جاء: "فالشّطرَ" بالنّصب صَحَّ، بتقدير: "أفأتصدّق بالشّطر؟ "، ثُم حذف حرْف الجر. (١) ويجوز فيه الجر، كما قيل في قوله: "خيرٍ" في جواب: "كيف أصبحت؟ ". وفي الحديث: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفي سُوقِهِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا" (٢). وفي الحديث: "إِنَّ لِي جَارينِ، فَإِلَى أيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: أقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا" (٣)، أي: "إلى أقربهما". (٤) قوله: "قال: قلت: فالثّلث؟ ": مثل الذي قبله، يحتمل الرفع والنصب والجر. قوله: "قَال: الثّلث، والثّلث كثير": أي: "الثّلث تصدّق به"، "والثّلث كثير" مُبتدأ وخبر. قال القاضي عياض: الرّفع في الأوّل على أنه فاعِل بفعْل مُضمَر، أي: "يكفي

стр. 1382

الثّلث" أو نحوه، أو خبر مُبتدأ محذُوف، أو مبتدأ وخبره مُضمر. قال: ويصحّ فيه النّصب على الإغراء، أو مفعُول بفعل مُضمر. وبالوَجْهين ضبطناه. (١) قوله: "إنك إن تذر": جاز في الفعل الجزم على أنّ "إنْ" حرف شرط، وجاز فيه النصب على أنّ "أنْ" المصدرية الناصبة للفعل. فعلى التقدير الأوّل: يكون جواب الشرط محذوفًا، تقديره: "فهو خير"، ويكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بـ "الفاء"، وأبقى الخبر. (٢) قال ابن مالك: وهذا فيما زعم النحويون مخصُوصٌ بالضرورة. وليس كذلك، بل أكثر استعماله في الشّعر، وقيل: في غيره. فمن وروده في غير الشعر: قراءة طاووس: "وَيَسْأَلُوَنَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ أَصْلِحْ لهم خَيْرٌ" (٣)، أي: "فهو خير". قال: وهذا إن لم يُصرّح فيه بأداة الشّرط، فإنّ الأمر مُضمَّن معنى الشرط، فكان ذلك بمنزلة التصريح بها في استحقاق الجوَاب، واستحقاق اقترانه بـ "الفاء"؛ لكونه جملة اسمية. ومَن خَصّ هذا الحذْف بالشّعر حَاد عن التحقيق، وضيَّق حيث لا تضيق. (٤) قلت: وأمّا مَن روى: "إنك أنْ تذر" بالنّصب فبَيِّنٌ، على أنَّ "إنك": "إنَّ"

стр. 1383

واسمها، و"أن تذر" محلّه رفع بالابتداء، وخبره "خير"، والجملة من المبتدأ والخبر خبر "إنّ"، والتقدير: "إنّك تركك ورثتك أغنياء خَير من أنْ تذرهم عَالة"، فـ "أنْ تذرهم" في محلّ جر بـ "مِن". واستُعمل مُضارع "وَذَرَ"، وهو و"وَدَعَ" مما استغنت العَرَب عنهما في الفصيح، وعن اسم فاعلهما بـ "تارك"، وعن اسم مفعولهما بـ "متروك"، وعن مصدرهما بـ "الترك"، وسُمِعَ: "وَذَرَ"، و"وَدَعَ" (١). قال القَاضي عياض: ضَبطنا "أَنْ تَذَرَ" بفتح "الهمزة"، وقد وَهِمَ بعضُهم؛ فقال: "إنْ" بالكَسر، وله وَجْه في الكَلام لا يبْعُد. ثم قَال في موضع آخر: رَوَيناه بالفتح والكَسر في "إنْ"، وكلاهما له معنى. (٢) قوله: "أغنياء": مفعول بـ "أنْ"، إن جعلت "وذر" بمعنى "صيَّر"، وإلا فهي حال، و"وذر" بمعنى "ترك"، و"ترك" من أفعال الصيرورة، كـ "جعل"، و"ردَّ"، و"اتخذ"، و"صير"، و"وهب" في قولهم: "وهبني اللَّه فداك" (٣). قوله: "عالة": هو مثل الأوّل، إما مفعول بـ "أنْ"، أو حال إن قدَّرت "تذرهم" بمعنى "تخليهم". وكذلك قوله: "يتكففون الناس" حالٌ ثانية مُؤكّدة. والحالُ تقع مُؤكّدة (٤)، بخلاف الخبر. قوله: "وإنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه": الجملة الكُبرى في محلّ خبر

стр. 1384

"إنَّ"، والجملة الصّغرى في محلّ صفة لـ "نفقة". والضّمير في "بها" يعود على "النفقة". و"وَجْه اللَّه" بمعنى: "ثواب اللَّه". و"نفقة" جَاءت هُنا بمعنى "مُنفَقًا". و"المنفق": اسم مفعول، كـ "الخلق" بمعنى "المخلُوق". قوله: "إلا أُجرت عليها": "أُجرتَ" فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، و"التاء" مفعول لم يُسمّ فاعله، و"عليها" يتعلّق به. والجملة في محلّ الحال من فاعل "تنفق". وهذه الحال الواقعة بعد "إلّا" على هذه الصّيغة لا تدخُلها "قد"، وكذلك إذا كان الماضي فيه معنى الشرط، نحو: "لأضربنه ذهب أو مكث"، أي: "إن ذهب أو مكث" (١)، أي: "ذاهبًا وماكثًا". وقد تقدّم في السّابع من أوّل الكتاب ذكر ذلك. قوله: "حتى ما تجعل فِي فِي امرأتك": "حتى" حرفُ غاية، وهي هنا داخلة على الاسم، وهو "ما" الموصُولة وصِلتها، والتقدير: "حتى [الذي] (٢) تجعله"، فيجوز أن تكُون [للغاية] (٣)، ويكون محلّ الصّلة والموصُول جَرًّا. ويحتمل أن تكُون حرفَ ابتداء، فتكُون الصّلة والموصُول في محلّ رفْع بالابتداء، والخبرُ محذُوف، والتقدير: "حتى الذي تجعله فِي فِي امرأتك تُؤجَر عليه" (٤). وقد تقدّم الكلام على "حتى" وأقسامها في الحديث [الثّاني] (٥) من أوّل

стр. 1385

الكتاب. وجاءت "حتى" هنا على شرطها من الغاية، وفي كون ما بعدها آخرًا لما قبلها، وأقلّ منه في الكمّية، وقد تقدّم ذلك. و"جعل" تقدّم الكَلام عليها وعلى أقسَامها في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكُون هنا بمعنى "صار"، وخبرها في المجرور. ويحتمل أن تكُون بمعنى "ألقى"، أي: "حتى ما تلقيه فِي فِي امرأتك". قوله: "فِي فِي امرأتك": "في" الأولى حرفُ جر، والثانية اسم "فم"، تقدّمت في الثاني من "الأذان"، وعلامة الجر فيها: "الياء". قال الشّيخ تقيّ الدّين: لفظُ "حتى" هنا يقتضي المبالغة في تحصيل الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يُقال: "جاء الحاج حتى المشاة"، و"مات الناس حتى الأنبياء". فيمكن أن يُقال: إنّ سبب هذا ما أشرنا إليه من توهّم أنّ أداء الواجِب قد يُشعر بأن لا يقتضي غيره، ولا يزيد على براءة الذّمة. ويحتمل أن يكون ذلك دفعًا لما عسَاه يتوهّم من أنَّ إنفاقَ الزّوج على الزّوجة واجبًا أو غير واجب، لا يُعارض تحصيل الثّواب إذا ابتغى بذلك وَجْه اللَّه تعالى (١). قوله: "قال: فقلتُ: يا رسُول اللَّه": أي: "قال سعد". "أُخَففُ بعد أصحابي؟ ": الجملة كُلها محكيّة بالقَول. والعامل في "بَعْدَ": "أُخلَّف". وفيه حذف همزة الاستفهام، أي: "أَأُخلَّف بعد أصحابي؟ ". قوله: "قال": أي: "النبي ﷺ ". "إنك لن تُخلَّف": جملة "لن تخلف" خبر "إنّ"، ورُوي: "إنّك إنْ تُخلَّف" (٢). وفي كلام الباجي وتفسيره ما يقتضي أنّ "لن" بمعنى "إنْ" الشّرطية؛ لأنّه

стр. 1386

فسرها بـ "إنك إنْ يُنسأ في أجلك"، أو: " [إنْ] (١) تخلَّف بمَكّة". وإنما أراد أن يخرج الكلام على الخبر بالتأويل؛ لأنّ "لن" لنفي المستقبل محققًا، والمرادُ هنا احتماله وتوقّعه. (٢) قال أبو [عمر] (٣): يحتمل أنّ سعدًا لما سَمع قَوْل النبي ﷺ : "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه"، و"تنفق" فعل مُستقبل أيقن أنّه لا يمُوت من مَرضه ذلك، أو ظنّ ذلك؛ فاستفهمه: "هل يبقى بعد أصحابه؟ "، فأجابه رسول اللَّه ﷺ بنوع من قوله: "إنّك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وَجْه اللَّه"، وهو قوله: "إنك لن تخلف فتعمل عَملًا صالحًا إلا ازدَدت به، ولعلّك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون"، وهذا كُلّه ليس تصريحًا، ولكنّه قد وقَع كُلّ ما قاله النبي ﷺ (٤). قوله: "فتعمل": معطوفٌ على "تخلَّف". ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار "أنْ" في جَواب النفي، لأنّ "الفاء" فيها معنى السّببية، فيكون التقدير: "إنّك إن تخلف يكن ذلك التخلف سببًا لفعل خَير"، وهي "زيادة الدّرجَات"، ويحسُن ذلك مع تقدير الشّرط. ويجوز أن يكون في الكلام شرط مُقدّر؛ لأنّه لما سأل، فقال: "أَأُخلَّف عن أصحابي فتبطل هجرتي؟ "، قال له النبي ﷺ : "إنك إن تخلف بسبب المرض عنهم"، ويكون علمًا من أعْلام النبوة، ثُم حذف ["إن تخلف"] (٥)، وعطف عليه: "فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه اللَّه إلّا ازددت به دَرَجة". ويدلّ على هذا الحذف قوله بعد هذا: "ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون". وقد وَرَد في الكتاب العزيز حذْف حرف الشرط وجَوابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 1387

لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، تقديره: "إن أقمت على الطاعة فلك ألا تجوع" (١). تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ. قال أبو البقاء: ومنه في الحديث قوله ﷺ : "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ. . . وَلَو بشِقّ تمْرَة" (٢). قال: يحتمل أن يكون أراد الشرط، أي: "إن تصدق رجُل ولو بشيءٍ حقير من ماله أثيب عليه"، فحذف حرف الشرط وجَوابه للعلم به، كالآية (٣). أمَّا في حديثنا هذا: فيتوجّه أن يكُون "ازددت" جَواب "إنْ" الشّرطية، و"إلّا" زائدة، كما قيل بزيادتها في [قوله] (٤): حراجيجُ لا تنفك إلا مُنَاخَةً ... على الخَسْفِ أوْ [نرمي] (٥) بها بلدًا قال الأصمعي وابن جني وابن مالك: و"الحَرَاجِيجُ": جمع "حُرْجُوج"، وهي "الناقة الطويلة العُنق" (٧)، و"على الخَسْف" بفتح "الخاء": "قلة العلف". قالوا: والشاهد فيه برفع ["نرمي"] (٨) وكان حقّه النصب بإضمار "أنْ" بعد "أو". والشّاهد الثاني: زيادة "إلّا"؛ لأنّ "إلّا" لا تدخُل في خبر "ينفك"؛ لأنّ "لا"

стр. 1388

للنفي، و"ينفك" للنفي، فمعنى الكَلام الإثبات، فإذا دخَلت "إلّا" صار نفيًا، وكذلك منعوا: "ما زال زيد إلّا قائمًا" (١). وعلى هذا التخريج: النّصب في "فتعمل" بالعَطف على "تخلف" لفظًا، والمعنى على الجزم. وتقدّم الكلام على ["لن"] (٢) في الحديث الثّاني من "باب العيدين". قوله: "عملًا": مفعول بـ "تعمل"؛ لأنّ المصدر جاء [بمعنى] (٣): "شيئًا معمولًا"، [أو: "خيرًا] (٤) معمولًا". قوله: "تبتغي به وجْه اللَّه": جملة في محلّ صفة لـ "عملًا". قوله: "ازددت": إن صحّ [تخرّجت] (٥) جوابًا، وإلا [فهو] (٦) في محلّ الحال من فاعل "تبتغي"، و"درَجَة" مفعولٌ بـ "ازددت"، و"رفعة" معطوف عليه. قوله: "ولعلّك": "لعلّ" من أخوات "إنَّ"، تنصب الاسم وترفع الخبر، "الكاف" اسمها، و"أن تخلف" خبرها. وتقدّم في السّادس من "الاستطابة" الكّلام على "لعلّ". ولها أربع مواضع: - ١ - تكون للتوقّع لأمر ترجُوه أو تخافه، نحو قولك: "لعلّ زيدًا يأتينا"،

стр. 1389

و"لعلّ العدو يُدركنا"، ولا تدلّ على قطع أنه يكُون ولا يكُون. ٢ - وتكون شكًّا بمعنى "عسى"، كقولك: "لعل زيدًا في الدار"، و"لعل زيدًا أن يقوم"، وهي هنا بهذا المعنى، إلا أنّ ذلك كان يقينًا ببركته ﷺ . ٣ - وتكون استفهامًا، نحو قولك للرجل: "لعلك تشتمني"، تريد "هل تشتمني؟ ". ٤ - وتكون بمعنى "كي"، كقولك: "زرني لعلي أنفعك". قال اللَّه تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. (١) قوله: "حتى ينتفع": "حتى" حرفُ غاية ونصب، أي: "إلى أن"، والفعل معها مستقبل. ويجمع "قوْم" على "أقوام" (٢)، وإن كانت أسماء الجموع لا تثنى ولا تجمَع إلا لتنوّعها. و"أقوام": فاعل "ينتفع". و"آخرون" مفعول لم يسم فاعله لـ "يُضَرَّ". و"آخرون": جمع "آخر"، ومُفرده لا ينصرف، وجمعه مُعرَب بالحروف. و"آخر" في التفضيل لا فعْل له. وإنما جمع لأنّه لم يُستعْمَل بـ "مِن"، وتقدّم في الثّالث من "العيدين". قوله: "اللُّهم أمض": تقدّم الكلام [على] (٣) "اللهم" في الأوّل من "الاستطابة". و"أمضِ": أمر من "أَمْضَى". و"هجرتهم": مفعول به، و"لا تردهم" معطوفٌ عليه، والفعلُ مجزومٌ بالدّعاء. وفي "ردَّ" وما هو مثله إذا جُزم ثلاثةُ أقوال: الضّم، والفتح، والكسر (٤).

стр. 1390

قوله: "على أعقابهم": المعنى: "لا تردهم إلى حالتهم الأولى من ترك الهجرة"، و"على" يتعلّق بحال، أي: "لا تردهم ناكصين على أعقابهم"، أي: "إثر أعقابهم". قوله: "لكنِ البائسُ سَعد بن خولة": هذا من كلامه ﷺ يُقال: "بئس"، "يبأس"، "بؤسا" و"بأسًا": "افتقر"، و"اشتدّت حاجته"، والاسم منه: "بائس" (١). وتقدّم الكلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض". و"البائس" مبتدأ، و"سعد" بَدَل منه أو عَطْف بيان، و"ابن خولة" صفة لـ "سعد". وخبر المبتدأ محذوف، أي: "أتوجَّع له"، أو: "يغفر اللَّه له". ثم فسّر الرّاوي ما حَذفه النّبي ﷺ فقال: "يرثي له رسول اللَّه ﷺ أنْ مات بمكّة"، فـ "أن" معمُولة لـ "يرثي"، على أنّ المحلّ مجرور بـ "لام" التعليل، أي: "لأجل أنْ مات بمكّة"، فهو مفعول له. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون قوله: "أنْ مات بمكّة" من قول النبى ﷺ و"يرثي له رسول اللَّه ﷺ " من قول غيره (٢). وعلى هذا: يكُون قوله "أن مات بمكّة" مُتصلًا بقوله: "لكن البائس سعد بن خَولة"، ويكُون الخبر محذوفًا، كما تقدّم، ويكون قوله: "يرثي" مُتأخرًا في المعنى. قال القاضي: ورُوي في حديث آخر: "لكن سعد بن خولة البائس قد مات فى الأرْض التى قد هَاجر منها". (٣)

стр. 1391

الحديث الثالث: [٢٩٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبَّاس قالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ إلَى الرُّبْعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١). قوله: "لو أنّ الناس": "لو" هنا حرْف لما [كان] (٢) سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف تقديره: "لكان أحوط بهم" أو "لكان حَسَنًا". ويحتمل أن تكُون "لو" للتمني؛ لأنّ المعنى: "وددت لو غضّوا"، و"لو" للتمني بعد "وَدَّ" غالبًا (٣). ومن النّادر قول قُتَيْلَة: مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما ... مَنَّ الفَتَى وهُو المَغِيظُ المُحْنَق (٤) وإذا كانت "لو" للتمني، فهل تحتاج إلى جَواب أم لا؟ فقيل: إنّه لا بُدّ لها من جَواب، كجَواب الشّرط، وقد يأتي له جَواب منصوب كجواب "ليت" (٥). وقال بعضهم: هي "لو" الشرطية، أُشربت معنى التمني (٦)، ولذلك نصب الفعل المضارع في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٢]، بالنصب، كما نصبت جَواب "ليتني" في قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣]. (٧)

стр. 1392

واختار ابن مالك وغيره أن يكُون الواقع بعد "لو" إذا كان "أنَّ" واسمها أنّه في موضع رفْع بالابتداء، ولا حَاجَة إلى ذِكْر خبره؛ لأنّ الكَلام لما اشتمل على مُسند ومُسند إليه لم يحتج إلى الخبر (١). و"الغَضُّ": "النَّقص" (٢)، ولكن المعنى هنا: "انتقلوا من الثلُث إلى الربُع"، فالفعل مُضمَّن هذا المعنى، ويكون التقدير: "لو أنّ الناس غضّوا من الثلث وانتقلوا إلى الرّبع"، فيتعلّق "إلى الرّبع" بـ "انتقلوا" المقدّر، ويتعلّق "من الثلث" بـ "غضّوا"، والمعنى يدلّ على هذا التقدير، وآخر الحديث يُفسّره أيضًا. قوله: "فإنّ رسول اللَّه ﷺ ": "الفاء" فاء السببية؛ لأنّ المعنى: "بسبب أنّ رسُول اللَّه ﷺ ". "قال: الثّلث، والثّلث كثير": هذا يجري على الإعراب المتقدّم، إمّا مرفوع على الفاعلية، أي: "يكفي الثّلث" أو "الثّلث يكفي"، أو يكُون منصوبًا بتقدير: "أخرج الثّلث"، وما بعد القول مفعُول به على الحكاية. * * *

стр. 1393

باب الفرائض الحديث الأوّل: [٢٩٤]: عَنِ عبد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ، عن النبي ﷺ قال: "ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ". وفي رواية: "اقسموا المالَ بيْنَ أهلِ الفَرائِضِ علَى كِتَاب اللَّه، فَما ترَكَتْ فلِأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ". (١) قوله: "عن النبي": يحتمل أن يكُون بدَلًا من "عن" الأولى، أو يُقدّر: "رُوي عن عبد اللَّه أنّه روى عن النبي ﷺ "، فتكون "قال" في محلّ مفعول بـ "رُوي"، وتقدّر معه "أنّ" المشدّدة، أى: "أنه قال". ومِنْ حَذْف "أنّ" المشدّدة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، أي: "أنّه يُريكم" (٢). وجملة: "ألحقوا الفرائض بأهلها" في محلّ معمول القول. و"الفرائض": جمع "فريضة"، وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة". و"الفرائض": الأنصباء المقدّرة في كتاب اللَّه، النصف ونصفه، وهو الرُّبع، ونصف نصفه، وهو الثّمن، والثلثان ونصفهما، وهو الثّلث، ونصف نصفهما، وهو السّدس (٣). ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": "أوجِبُوها لأهْلها، واحكُموا بها لهم". وجاءت العبارة النبوية في غاية الفَصَاحَة والبلاغَة مع استعمال المجَاز فيها؛ لأنّ المعنى: "أنيطوها وألصقوها بمُستحقّيها".

стр. 1394

قوله: "فما بقي": "ما" هنا شرطية في محلّ رفع على الابتداء، و"بقي" الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ (١)، لكن "ما" في محلّ نصب بـ "ننسخ"، و"ننسخ" مجزوم بـ "ما"، وكُلّ واحد منهما عمل في الآخر. ويجوز أن تكون "ما" موصُولة أُشربت معنى الشّرط، والعائد عليها فاعل "بقي"، أي: "فالذي بقي من الفرائض لأَوْلَى عصبته"، والصّلة والموصُول في محلّ رَفْع بالابتداء، والخبر الجواب. ويصح أن يكون الخبر الصّلة، كما أنّ جملة الشّرط هى الخبر، وعلى هذا تكُون جملة الصّلة لها محلّ من الإعراب، وقد عَدُّوها من الجمل التي لا محلّ لها، قيل: هي مسألة يحاجَى بها، فيُقال: أين تكُون الصّلة لها محلّ من الإعراب. قوله: "فهو لأولى عصبة ذكر": "الفاء" جواب الشرط، والمبتدأ يعود على "ما"، والخبر: "لأولى عصبة" أي: "كائن لأولى". و"أَوْلَى" أفعل التفضيل. قال المازري: المراد بـ "أَوْلى" هنا: "أقرَب"، ولا يراد به: "أحَقّ"، كما قالوا في: "زيد أولى بماله"، ولو حُمل على هذا لخَلا من الفائدة المرادَة به؛ لأنّه لا يعلم مِن هذا مَن يكُون أحَقّ، وهو المراد بيانُه (٢). قال: ومما أولع الناس بالسّؤال عن مثله قوله ههنا: "فلأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ"، وقوله في حديث الزكاة: "فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ" (٣).

стр. 1395

والتأكيد إنما يحسُن إذا كان [يفيد] (١)، ومعلوم أنَّ الرجُل لا يكون إلا ذَكَرًا، كما أنّ المرأة لا تكون إلا أُنثى، فلِمَ حَسُن ههنا وصْف الرّجُل بأنه ذَكَر مع العلم بأنّه لا يكُون إلا [ذَكَرًا] (٢)؟ (٣). وقد أجاب بعض الناس بجواب ذكره المازري ولم يستحسنه، ثم قال: والذي يلوح لي في ذلك جَواب [ينتظم] (٤) الحديثين جميعًا، وهو أنّ قاعدة الشّرع قد استقرّت على أنّ الانتقال من سنٍّ إلى أعلى منها إنما يكُون عند الانتقال [من] (٥) عَدَد إلى أكثر منه، والعَدَد الكثير يقتضي المواساة، فإذا زاد العَدَد زاد قدْر المخرج، ولهذا كانت في الخمسة والعشرين بنت مخاض، وفي الستة والثلاثين بنت لبون التي هي أسنُّ من ابنة مخاض، فلما استقر الأمر على هذا وتوقّع أن يهجس في النفوس أنّ الذي [وقع] (٦) في ابن لبون [خارج] (٧) عما أصّل؛ لأنّ ابن اللبون وإنْ كان أعلى سنًّا فهو أدْنى قَدْرًا لأجْل الذّكورية؛ فنبَّه بقوله: "ذكر" على أنّ ذلك يبخسه حتى يصير كـ "بنت مخاض" التي هي أصْغر سنًّا، لكنها أنثى. وأمّا قوله هنا: "فلأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ" لما عُلم أنّ الرجال هم أرباب القيام بالأمُور، وفيهم معنى التعصيب، وكانت العَرب ترى لهم القيام بأمُور لا تراها للنساء، ذكر ﵇ الذّكورية ليجعلها كالعلّة التي لأجلها خُصَّ بذلك، لكنه ذُكِر ههنا تنبيها على الفضل، وفي الزّكاة تنبيها على النَّقْص (٨). هذا مُلخّص ما قاله

стр. 1396

صاحب "الإكمال" عن الإمام (١). إذا ثبت ذلك: فقوله: "لأولى رجُل" إذا جعلناها بمعنى "أقرب"، فوزنه من "ولِيَ، يلي"، وألِفُه منقلبة عن "ياء"؛ لأنّ فاءه "واو"، فلا تكون لامه واوًا؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلّا "واو" (٢). وقد استُعمل "أفعَل" هنا بالإضَافة. و"ذَكَرٍ" صفة للرجُل، وقيل: هو صفة لـ "أَوْلى"، فيكون في هذه الحالة مخفوضًا. ولو قُلت: "يرث المالَ أوْلى رجُل"، لقُلت: "ذَكَرٌ" بالرّفع. ولو قُلت: "أعْط المالَ أوْلى رجُل"، لقُلت: "ذكرًا" بالنصب، وكأنَّ قائل هذا أراد أن ينفي السّؤال؛ لأنّ الأولى يكُون ذَكَرًا، أو تكون أنثى إذا كَان بمعنى القَرَابة. قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية"، فيتعلّق حرف الجرب "جاء". وجملة "اقسموا المال": فاعل "جاء" على الحكاية. و"بين" ظرف، العامل فيه: "اقسموا". وتقدّم الكلام على "بين" في الحديث الثّالث من "باب السّواك". قوله: "على كتاب اللَّه": في محلّ حال من "الفرائض"، أي: "اقسموا الفرائض جارية على حكم اللَّه" أو "على فرائض كتاب اللَّه". قوله: "فما تركت الفرائض": تحتمل "ما" الوجْهين المتقدّمين من الشّرطية والموصُولة، وقد تقدّم الكلام على ذلك.

стр. 1397

الحديث الثاني: [٢٩٥]: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لنا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟ ثم قال: لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ" (١). قوله: "أَتَنْزِل غدًا في دارِك": "الهمزة" للاستفهام، وتقدّم الكلام عليها في الرابع من "الجنابة". و"الهمزة" إذا دخلت على الفعل كان الاستفهام عن الفعل؛ لأنّ الشّك فيه، كما هو هنا. فإذا دخَل الاستفهام على الاسم، نحو قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] أشْعَر بوقُوع الفعْل، ويكون الاستفهام عن صدور ذلك (٢). و"غدًا": ظرفُ زمان مُقدّر بـ "في"، وتقدّم الكَلام عليه في الحديث الأوّل من "باب حُرمة مكّة". و"في دارك" يتعلّق بـ "تنزل". و"بمكة" يحتمل أن يتعلّق بـ "تنزل" أيضًا، و"الباء" ظرفية. ويحتمل أن تتعلّق "بمكّة" [بقوله] (٣): ["بدارك"] (٤)؛ لأنها بمعنى: "مِلْكك بمكّة"؛ لأنّ الأسماء إذا قُدِّر معناها عاملًا جاز أنْ تتعلّق به الظّروف والمجرورات (٥).

стр. 1398

وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣]: إنَّ حرْف الجر يتعلّق بالجَلالة؛ لأنها بمَعنى "المعبود" (١). قوله: "قال": فاعله ضمير "النبي ﷺ ". قوله: "وهل ترك": "هل" حرفُ استفهام، وتقدّم في الرّابع من "الجنابة" ما قيل من الفرق بين "الهمزة" و"هل"، وفي السّابع من "الصيام". و"ترك" هنا بمعنى: "خلَّى" و"طرح"، فيتعدّى لواحد، وهو هنا "مِن رِباع"؛ لأنّ "مِن" زائدة، وجاءت على القاعدة بعد معنى النفي؛ لأنّ التقدير: "ما ترك لنا عقيل رباعًا". ويكون "لنا" مُتعلقًا بصفة لـ "رباع"، تقدّمت؛ فانتصب على الحال، أو يتعلّق بـ "ترك". ولـ "ترك" معنى آخر، وهو أن يكُون بمعنى: "صيَّر"، ولا يجئ هنا إلا بتعسّف. قوله: "ثم قال": "ثم" حرفُ عطف، وفاعل "قال": ضمير "النبي ﷺ ". "لا يرث الكافر المسلم": هذا كالتفسير لقوله: "وهل ترك لنا عقيل بها من رباع"، أي: "لأنّه كافر ورث كافرًا"، فهو كالتعليل لما قبله. وإنما قدّم ما كان بالتأخير أوْلى؛ لأنّ "الواو" لا ترتيب فيها (٢). وقد رأيتُ الحديث في "مُسلم" بتقديم الآخر: "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِر المُسْلِمَ" (٣)، وقد يكُون هذا اللفظ للبخاري. (٤)

стр. 1399

الحديث الثالث: [٢٩٦]: عن عبد اللَّه بن عمر أَنَّ النبي ﷺ : نهى عَنْ بَيْع الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ (١). قوله: "نهى": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"عن بيع" يتعلّق بـ "نهى"، وتقدّم الكلام على "عن" في الحديث الثّالث من "الصفوف"، وعلى "أنَّ" ومُوجبات الفتح فيها في الرّابع من أوّل الكتاب. وموجِب الفتح هنا: أنها معمولة للعامل في حرف الجر على حسب ما يُقدّر، فإن قُدِّر "رُوِيَ" كانت مع اسمها وخبرها في محلّ رفع، وإن قُدِّر "رَوَى" كانت في محلّ نصب على المفعولية (٢). و"بَيْع" هنا مصدَر مُضَاف إلى المفعول، وكذلك "هبته". وجملة " ﷺ " في سائر الأحاديث مُعترضة لا محلّ لها من الإعراب. و"الولاء": مصْدَر: "وَلي، يلي"، فهو "مَولى". ويقع "المولَى" على أشياء كثيرة. و"المولَى": "الرّبُّ سبحانه"، و"المالك"، و"السيّد"، و"المُنعم"، و"المعتِق"، و"الناصر"، و"المحِبُّ"، و"التابع"، و"الجار"، و"ابنُ العَمِّ"، و"الحليف"، و"العَقِيدُ"، و"الصِّهر"، و"العبد"، و"المعتَق" بفتح "التاء"، و"المنعَمُ عليه". وقد تختلف مصادرها، فـ "الوَلايةُ" بالفتح هي: "النَّسب"، و"النصرة"، و"المعتق". و"الوِلاية" بالكسر: في "الإمارة"، و"الولاء" في "المعتق"، و"الموالاة" من

стр. 1400

"ولي القَوم" (١). ومنه الحديث: "من كنتُ مَوْلاه فعَليٌّ مَوْلاه" (٢). وقال الشافعي: يعني بذلك "وَلاء الإِسلام"، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. وقال عُمر لعليّ: "أَصْبَحْتَ مَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ" (٣)، أَي: "وَلِيَّ كلِّ مؤْمن". وقيل: سَببُ ذلك أَنَّ أُسامةَ قال لعليّ ﵁: "لستَ مَوْلايَ، إِنما مَوْلايَ رسُولُ اللَّه ﷺ "، فقَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "مَن كَنْتُ مَوْلاهُ فعَليّ مَوْلَاه" (٤). الحديث الرّابع: [٢٩٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قالت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ، خُيِّرَتْ عَلى زَوْجِهَا حِينَ عتقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخبْزٍ وَأدم مِنْ الْبَيْتِ. فَقال: "ألَمْ أرَ البُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ ". فَقالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَاكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ. فَقالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ". وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: "إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" (٥). قوله: "كان في بريرة ثلاث سُنَن": الجمْلة من "كان" واسمها وخبرها في محلّ معمُول القَول، و"قالت" في محلّ خبر "أنَّ"، وخبر "كان" في المجرور، و"ثلاث" عَدَد مُؤنّث، ولذلك سَقَطت عَلامة التأنيث.

стр. 1401

و"سُنَن": جمع "سُنَّة". و"السُّنة" وما تصرّف منها: "الطريقة"، وإذا أطلقت في الشّرع فإنّما يُراد بها ما أمَر به النبي ﷺ ونهى عنه ونَدَب إليه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العَزيز، ولهذا يُقال في أدلّة الشرع: "الكتاب والسّنة"، أيْ: "القرآن والحديث". قوله: "خُيِّرَتْ": بَدَلٌ من "ثَلاث"، بتقدير: "تخييرها على زوْجها"، وبتقدير: "أنْ خُيِّرَت". وحذْفُ "أنْ" المصدَريّة كثيرٌ، منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: "أنْ يريَكم" (١). أو يكون "خُيِّرت" خبر مبتدأ محذوف، أي: "أحدُها: أنها خُيِّرت". والفعلُ مبنيٌّ لما لم يُسمّ فَاعِله، ومفعُوله الذي لم يُسمّ فاعله: ضميرُ "بَرِيرَة"، ولا بُدّ من تقدير الجملَة بمصْدَر ليكُون خَبرًا مُفردًا. قوله: "على زوجها": يحتمل أن تكُون "على" بمعنى "في"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢). ويحتمل أن تكُون "خُيّرت" تعدّى بـ "على"؛ لأنه ضُمِّن معنى "التبدية"، أي: "بُدِّيت عليه" [بالتحتية] (٣). قوله: "حين عتقت": تقدّم الكلام على "حين" في الخامس من "صفة الصّلاة". وهي ظرفُ زمان مُضَاف إلى ماض؛ فيختار بناؤه (٤)، كقوله:

стр. 1402

على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ (١) قوله: "فدخَل عليّ رسول اللَّه ﷺ ": "الفاء" هنا لا تعقيب فيها ولا تسبيب، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (٢). قوله: "والبُرْمة على النار": قال ابن الأثير: "البُرمة": "القِدْرُ" مُطلقًا، وجمعها: "بِرَام"، وهي في الأصل: "المتخذة من الحجَر المعروف بالحجاز واليمن" (٣). والجملَة في محلّ الحال من فاعِل "دَخَل"، و"الواو" واو الحال. قوله: "فدَعَا بطَعَام": "دَعَا" هنا بمعنى: "سأل" و"طلب"، و"الباء" زائدة، أي: "فسأل طعامًا". ويحتمل أن يكُون "دَعَا" على بابها، وفي الكلام محذوف، أي: "فدَعَا الخَادِم ليأتيه بطَعَام"، فحَذَف المدعو ومُتعلّق حرف الجر لدلالة سياق الكَلَام عليه. قوله: "فأُتي بخُبز وأدم من أدم البيت": الفعلُ مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو من "أتى، يأتي" المتعدّي لواحدّ، وفيه ضَمير المفعول القائم مقَام الفاعِل. و"الباء" في "بخبز" باء المصَاحَبة فيهما، أي: "فأتيته [مُصاحبه] (٤) "، أو: "أتاه الخادم مصاحبًا لخبز"، فهي "باء" الحال. و"أدم" معطوفٌ عليه، وهو جمع: "إدام"، كـ "إزار، وأزر". قال ابن الأثير: "الإدَام" بالكسر، و"الأُدْمُ" بالضَّمِّ: "ما يُؤكَلُ مع الخُبْزِ"، أيّ شيء كان. ومنه الحديث: "سَيّدُ إدَاِم أهْل الدّنْيا والآخِرَة: اللَحْم" (٥) جَعَل "اللحم"

стр. 1403

أدْمًا، وبعض الفُقهاء (١) لا يجعَلهُ أدْمًا. (٢) قوله: "من أدم البيت": يتعلّق بصفة لـ "أدم"، والإضافة إضافة تخصيص. قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "ألم أر البرمة عَلَى النَّارِ؟ ": "الهمزة" للتقرير، والفعل مجزوم بـ "لم"، وعلامة الجزم: حذفُ "الألِف" المنقلبة عن "الياء"، و"على النار" يتعلّق بحَال من "البرمة". قوله: "وفيها لحم": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر في المجرور، وهو في محلّ حال أخرى، والحالُ تتعدّد كما يتعدّد الخبر، ومنعه بعضهم (٣)، فتكون حالًا من الضّمير في الحال السابقة التي تعلّق بها "على"، أي: "ألم أر البرمة كائنة على النار؟ "، ففي "كائنة" أو "مُستقرة" ضَمير يصلح أنْ ينتصب عنه الحال. قوله: "فقالوا: بلى": تقدّم الكَلام على أنّ "بلى" حرف جواب، في الحديث الثّالث من "باب الذِّكر"، وهي لإثبات ما نُفي في السّؤال. قوله: " [ذلك] (٤) لحم": مبتدأ وخبر. وأتت الإشارة للبعيد بمعنى ما تعتقده من بُعده من أجْل ما فيها، أو تكون استعملت "ذلك" موضع "ذا"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] أنها بمعنى "ذا" للقريب (٥).

стр. 1404

قوله: "تُصُدِّق به على بريرة": جملة في محلّ صفة لـ "لحم"، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله. و"تَفَعَّل" و"تَفَاعَل" يُضمّ فيه الثّاني إذا بُني لما لم يُسمّ فاعله، نحو: "تُعُلّم العلم" و"تُضُورِب بالسّوط"؛ لأنّه لو لم يُضمّ الثّاني من "تُعُلِّم" واقتُصر على ضم "التاء" وحدها، لم يجب قَلب ألِفه واوًا، فيصير مُلبسًا بقولهم: "تُضارِب" للمُخاطب مُضارع "ضَارَب" إذا سُمّي فاعله في الوقف. وإنما قيل في الوقف هذا؛ لأنّ الماضي مبني على الفَتْح والمضارع مُعرَب، فتميز في غير الوقف أحدهما عن الآخر (١). والمفعول الذي لم يُسمَّ فاعله في المجرور الثّاني؛ لأنّ الفائدة فيه. ويتعلّق "به" بالفعل، أو يكون "به" القائم مَقَام الفاعل. و"على بريرة" يتعلّق بالفعل، وهو الظّاهر. قوله: "فكرهنا أن نُطعمك": "أنْ" حرفُ نصب، و"نطعمك" منصوبٌ بها، وهي مَصدَريّة تقدّر مع منصُوبها بمصْدَر، والتقدير: "فكرهنا إطعامَك". وتقدّم الفرق بين "أنْ" المصدَريّة مع فِعْلها وبين المصدَر الخليِّ من "أنْ" الصّريح، في العاشر من الأوّل. قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "هو عليها صَدَقة": "هو" مبتدأ، و"عليها" يتعلّق بصفة لـ "صَدَقة"، تقدّم، فانتصب على الحال، و"صدقةٌ" الخبر. قوله: "وهو منها لنا هَديّة": "هو" مُبتدأ، و"هَديّة" خبره، و"منها" يتعلّق بصفة لـ "هَديّة"، تقدّم، فانتصب على الحال، وبه يتعلّق حرف الجر، و"لنا" يتعلّق به أيضًا،

стр. 1405

ويجوز أن يتعلّق بحال من ضَمير الاستقرار المقَدّر في "منها". قوله: "وقال النبي ﷺ فيها: إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ": أي: "في بريرة". ويتعلّق حرف الجر بـ "قال". و"إنما" حرف ابتداء، ويقال فيها كافة ومكفوفة (١)، وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"الولاء" مبتدأ، وخبره في "لمن أعتق" أي: "كائن أو مستقر لمن أعتق"، وبه يتعلّق حرف الجر، و"من" موصُولة، و"أعتق" في محلّ الصّلة، والعَائد ضَمير الفاعل. * * *
следующие страницы →