← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

و"سُنَن": جمع "سُنَّة". و"السُّنة" وما تصرّف منها: "الطريقة"، وإذا أطلقت في الشّرع فإنّما يُراد بها ما أمَر به النبي ﷺ ونهى عنه ونَدَب إليه قولًا وفعلًا مما لم ينطق به الكتاب العَزيز، ولهذا يُقال في أدلّة الشرع: "الكتاب والسّنة"، أيْ: "القرآن والحديث". قوله: "خُيِّرَتْ": بَدَلٌ من "ثَلاث"، بتقدير: "تخييرها على زوْجها"، وبتقدير: "أنْ خُيِّرَت". وحذْفُ "أنْ" المصدَريّة كثيرٌ، منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أي: "أنْ يريَكم" (١). أو يكون "خُيِّرت" خبر مبتدأ محذوف، أي: "أحدُها: أنها خُيِّرت". والفعلُ مبنيٌّ لما لم يُسمّ فَاعِله، ومفعُوله الذي لم يُسمّ فاعله: ضميرُ "بَرِيرَة"، ولا بُدّ من تقدير الجملَة بمصْدَر ليكُون خَبرًا مُفردًا. قوله: "على زوجها": يحتمل أن تكُون "على" بمعنى "في"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٢). ويحتمل أن تكُون "خُيّرت" تعدّى بـ "على"؛ لأنه ضُمِّن معنى "التبدية"، أي: "بُدِّيت عليه" [بالتحتية] (٣). قوله: "حين عتقت": تقدّم الكلام على "حين" في الخامس من "صفة الصّلاة". وهي ظرفُ زمان مُضَاف إلى ماض؛ فيختار بناؤه (٤)، كقوله:

стр. 1402

على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ (١) قوله: "فدخَل عليّ رسول اللَّه ﷺ ": "الفاء" هنا لا تعقيب فيها ولا تسبيب، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (٢). قوله: "والبُرْمة على النار": قال ابن الأثير: "البُرمة": "القِدْرُ" مُطلقًا، وجمعها: "بِرَام"، وهي في الأصل: "المتخذة من الحجَر المعروف بالحجاز واليمن" (٣). والجملَة في محلّ الحال من فاعِل "دَخَل"، و"الواو" واو الحال. قوله: "فدَعَا بطَعَام": "دَعَا" هنا بمعنى: "سأل" و"طلب"، و"الباء" زائدة، أي: "فسأل طعامًا". ويحتمل أن يكُون "دَعَا" على بابها، وفي الكلام محذوف، أي: "فدَعَا الخَادِم ليأتيه بطَعَام"، فحَذَف المدعو ومُتعلّق حرف الجر لدلالة سياق الكَلَام عليه. قوله: "فأُتي بخُبز وأدم من أدم البيت": الفعلُ مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو من "أتى، يأتي" المتعدّي لواحدّ، وفيه ضَمير المفعول القائم مقَام الفاعِل. و"الباء" في "بخبز" باء المصَاحَبة فيهما، أي: "فأتيته [مُصاحبه] (٤) "، أو: "أتاه الخادم مصاحبًا لخبز"، فهي "باء" الحال. و"أدم" معطوفٌ عليه، وهو جمع: "إدام"، كـ "إزار، وأزر". قال ابن الأثير: "الإدَام" بالكسر، و"الأُدْمُ" بالضَّمِّ: "ما يُؤكَلُ مع الخُبْزِ"، أيّ شيء كان. ومنه الحديث: "سَيّدُ إدَاِم أهْل الدّنْيا والآخِرَة: اللَحْم" (٥) جَعَل "اللحم"

стр. 1403

أدْمًا، وبعض الفُقهاء (١) لا يجعَلهُ أدْمًا. (٢) قوله: "من أدم البيت": يتعلّق بصفة لـ "أدم"، والإضافة إضافة تخصيص. قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "ألم أر البرمة عَلَى النَّارِ؟ ": "الهمزة" للتقرير، والفعل مجزوم بـ "لم"، وعلامة الجزم: حذفُ "الألِف" المنقلبة عن "الياء"، و"على النار" يتعلّق بحَال من "البرمة". قوله: "وفيها لحم": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر في المجرور، وهو في محلّ حال أخرى، والحالُ تتعدّد كما يتعدّد الخبر، ومنعه بعضهم (٣)، فتكون حالًا من الضّمير في الحال السابقة التي تعلّق بها "على"، أي: "ألم أر البرمة كائنة على النار؟ "، ففي "كائنة" أو "مُستقرة" ضَمير يصلح أنْ ينتصب عنه الحال. قوله: "فقالوا: بلى": تقدّم الكَلام على أنّ "بلى" حرف جواب، في الحديث الثّالث من "باب الذِّكر"، وهي لإثبات ما نُفي في السّؤال. قوله: " [ذلك] (٤) لحم": مبتدأ وخبر. وأتت الإشارة للبعيد بمعنى ما تعتقده من بُعده من أجْل ما فيها، أو تكون استعملت "ذلك" موضع "ذا"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] أنها بمعنى "ذا" للقريب (٥).

стр. 1404

قوله: "تُصُدِّق به على بريرة": جملة في محلّ صفة لـ "لحم"، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله. و"تَفَعَّل" و"تَفَاعَل" يُضمّ فيه الثّاني إذا بُني لما لم يُسمّ فاعله، نحو: "تُعُلّم العلم" و"تُضُورِب بالسّوط"؛ لأنّه لو لم يُضمّ الثّاني من "تُعُلِّم" واقتُصر على ضم "التاء" وحدها، لم يجب قَلب ألِفه واوًا، فيصير مُلبسًا بقولهم: "تُضارِب" للمُخاطب مُضارع "ضَارَب" إذا سُمّي فاعله في الوقف. وإنما قيل في الوقف هذا؛ لأنّ الماضي مبني على الفَتْح والمضارع مُعرَب، فتميز في غير الوقف أحدهما عن الآخر (١). والمفعول الذي لم يُسمَّ فاعله في المجرور الثّاني؛ لأنّ الفائدة فيه. ويتعلّق "به" بالفعل، أو يكون "به" القائم مَقَام الفاعل. و"على بريرة" يتعلّق بالفعل، وهو الظّاهر. قوله: "فكرهنا أن نُطعمك": "أنْ" حرفُ نصب، و"نطعمك" منصوبٌ بها، وهي مَصدَريّة تقدّر مع منصُوبها بمصْدَر، والتقدير: "فكرهنا إطعامَك". وتقدّم الفرق بين "أنْ" المصدَريّة مع فِعْلها وبين المصدَر الخليِّ من "أنْ" الصّريح، في العاشر من الأوّل. قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "هو عليها صَدَقة": "هو" مبتدأ، و"عليها" يتعلّق بصفة لـ "صَدَقة"، تقدّم، فانتصب على الحال، و"صدقةٌ" الخبر. قوله: "وهو منها لنا هَديّة": "هو" مُبتدأ، و"هَديّة" خبره، و"منها" يتعلّق بصفة لـ "هَديّة"، تقدّم، فانتصب على الحال، وبه يتعلّق حرف الجر، و"لنا" يتعلّق به أيضًا،

стр. 1405

ويجوز أن يتعلّق بحال من ضَمير الاستقرار المقَدّر في "منها". قوله: "وقال النبي ﷺ فيها: إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ": أي: "في بريرة". ويتعلّق حرف الجر بـ "قال". و"إنما" حرف ابتداء، ويقال فيها كافة ومكفوفة (١)، وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"الولاء" مبتدأ، وخبره في "لمن أعتق" أي: "كائن أو مستقر لمن أعتق"، وبه يتعلّق حرف الجر، و"من" موصُولة، و"أعتق" في محلّ الصّلة، والعَائد ضَمير الفاعل. * * *

стр. 1406

كتاب النكاح الحديث الأوّل: [٢٩٨]: عَن عَبْد اللَّه بن مَسْعُود قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ منكم الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (١). قوله: "يا معشر الشّباب": "معشر" واحد "المعاشر"، وهم "جماعات الناس، من الرجال أو النساء أو الصبيان". و"الشباب": جمع "شاب"، ويجمع على: "شيبة"، كـ "كاتب" و"كَتَبَة". و"معشر" مُنادى مُضاف، والمنادَى المضاف والمطول والنكرة غير المقصودة منصوبات بتقدير: "أدعو". و"مَن" مُبتدأ شرطية، والخبر في فعلها، وقيل: في جوابها، وقيل: حيث كان العائد (٢). ومحلّ الفعل الأوّل جزمٌ بالشرط، ولا يظهر فيه؛ لأنّه ماض مبني، والفعلُ الثاني مجزوم اللفظ والمحلّ بـ "لم"؛ لأنها أخصّ بالفعل، ولها قوة الاتصال دون غيرها؛ لأنها لا تدخُل على الفعْل المستقبل. و"استطاع": يُقال فيه: "اسطاع"، [و"استطاع"] (٣)، و"استتاع"، مُضارعها: "يستطيع"، و"يسطيع"، و"يستيع"، و"يستتيع"، أربع لُغات (٤).

стр. 1407

وأصل "استطاع": ["أَسطاع"] (١) على وزن "استفعل"، والمحذوف "تاء" الافتعال؛ لوجود "الطاء" التي هي أصل، ولا حاجة إلى أن يُقال: المحذوف "الطاء"، وهي "فاء" الفعل، ثم أبدل من "تاء" الافتعال "طاء" (٢). و"الباءة": "النكاح". قوله: "فليتزوج": جوابُ الشّرط، و"اللام" لام الأمر، و"اللام" مع "الفاء" ساكنة، وجاء تحريكها بالكَسر (٣). قوله: "فإنّه": "الفاء" سببية، و"إنَّ" هنا مكسورة؛ لأنها في ابتداء الكلام (٤)، و"أغضّ" خبرها، وهو أفعل التفضيل، واستُعمل بـ "مِن" مُقدّرة، أي: "أغضّ من غيره". ويحتمل أن لا يكون فيه مُفاضَلة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وكما قيل: "الخلّ أحلى من العَسَل" (٥). قال الشّيخ تقيّ الدّين: يحتمل التفضيل، بمعنى أنّ "التقوَى" سَبب لغَضّ البصر وتحصين الفرْج في مُعارضتهما الشّهوة والدّاعي إلى النّكاح، وبعد النّكاح تضعُف هذه المعارَضَة، فيكُون أغضّ للبصر وأحْصَن للفرْج مما إذا لم يكُن، فإنّ

стр. 1408

وقوعَ الفعل -مع ضعف الدّاعي إلى وقُوعه- أندَر من وقُوعه مع وجود الدّاعي. والحوالة على الصّوم؛ لما فيه من كسر الشّهوة، فإنّ شهوة النّكاح متابعة لشَهوة الأكل، تقوَى بقُوّتها، وتضْعُف بضَعفها (١). و"الباءة": فيه أربع لُغات، الأولى: "الباءة" بالمد، والثانية: "الباه" بالقصر، والثالثة: "الباء" بالمد بلا "هاء"، والرابعة: "الباهة" بهاءين بلا مَدّ (٢). قوله: "فإنَّه": الضّمير يعود على "الزواج"، وكذلك ضمير "أغض" و"أحصن". قوله: "ومَن لم يستطع": تقدّم مثله. وقيل في قوله: "فعليه بالصّوم": إنّه إغراء للغائب (٣). وقد منعه قوم من أهل العربية (٤)، قالوا: لأنّ "الهاء" في "عليه" لمن خصَّه من الحاضرين بعدم الاستطاعة لتعذر خطابه بـ "كاف" الخطاب، فهي لحاضر قطعًا لا لغائب، وإن كان وضع "الهاء" أن تكون للغائب، وهذا كما تقول لرجال: "مَن قام الآن منكم فله درهم"، فهذه "الهاء" لمن قام من الحاضرين لا لغائب (٥). ومتى قيل: هو من باب الإغراء، فإعرابه كإعراب: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] (٦)، وقد تقدّم الكلام على ذلك في الحديث الرّابع من "باب الصّوم

стр. 1409

في السّفر". ويكون "عليه" بمعنى: "فليُلزم نفسه الصّوم"، تقول: "ألزمته كذا"، و"ألزمته بكذا". و"الهاء" مجرورة بـ "على"، كما كانت قبل الإغراء. وقيل في "عليك"، و"رويدك"، و"هيهات": إنّ موضعها رفع، وقد سدّ فاعلها مسدّ الخبر. وقيل: موضعها نصب؛ لأنها عبارة عن لفظ الفعل؛ فأشبهت المصادر النائبة عن الفعل (١). فإن قدّرت أنّ اللفظة ليست من باب الإغراء: "فعليه" جار ومجرور، والضّمير يعود على "مَن"، والتقدير: "فعلى مَن لا يقدر على الباءة كسر الشهوة بالصّوم؛ فإنه له وجاء"؛ فيكون "بالصّوم" متعلّقًا بالمصدَر المقدّر، والجملة المحذوفة مفهُومة من سياق الكلام. ومعنى قوله: "أحْصَن للفرج": "أَعَفُّ"، ولم يرد به أفعل التفضيل؛ لأنه لا يكون من رباعيٍّ، ولا يُقال: "حصنت المرأة"، ولا: "حصن الرجل"، ويقال: "أَحصَنا"، و"أُحصِنا"، ويقال: ["محصَنات"] (٢) بفتح "الصّاد"، و"محصَنات" بكسرها. ويُقال: "حصُنت المرأة"، بضم "الصّاد"، "حُصْنا"، بضم "الحاء" وسكون "الصاد"، إذا "عفَّت"، فهي: "حاصِن" و"حَصَان" (٣). قوله: "فإنّه له وجاء": "إنّ" واسمها، و"وجاء" خبرها، و"له" متعلّق بصفة، تقدّمت، فانتصبت على الحال. و"وجاء" بالمد. و [الوَجْء] (٤): أن "تُرَضَّ أُنْثَيَا الفحل رضًّا شديدًا يُذهب

стр. 1410

شهوة الجماع"، ويتنزل في قطعه منزلة الخَصِيِّ، وقد "وُجِئَ"، "وَجْئًا" فهو "موجوء". وقيل: هو أن "تُوجأ العُروق والخصيتان بحالهما". أراد أنّ الصّوم يقطع النّكاح كما يقطعه "الوجء". ويُروَى: "فَإنّ لَه وَجًا" بوزن "عَصًا"، يُريد: "التّعب والحَفَى"، وذلك بعيد، إلا أنْ يُراد [منه] (١) معنى "الفتور"؛ لأنّه من "وُجِيَ" إذا " [فتر] (٢) عن المشي"، فشبَّه الصّوم في باب النكاح بالتّعب في باب المشي (٣). الحديث الثاني: [٢٩٩]: عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِى السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. [فبلغ ذلك النبي ﷺ ] (٤)، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَام قَالُوا كَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّى وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّي" (٥). قوله: "أنّ نفرًا": "النفر" اسم جمع، كـ "القوم"، ويقع على "الجماعة من الرجال خاصّة"، يُقال: "نفر" بـ "الفاء"، و"نفير" للقوم الذين يتقَدّمون في الأمر، و"نَفَرَ القوم نفورًا"، و"نَفَرَ الحاج نَفْرًا" بسكُون "الفاء" وفتحها. و"النَّفَر": "ما بين الثّلاثة إلى

стр. 1411

العَشرة"، ولا واحِد له من لفْظه (١). و"من أصحاب": يتعلّق بصفَة لـ "نفر". قوله: "سألوا أزوَاج النبي ﷺ عَنْ عمله في السِّرِّ": في موضع خبر "أنّ"، و"أزواج" مفعولٌ به، وجملة " ﷺ " مُعترضة لا محلّ لها، و"عن عمله" يتعلّق بـ "سَألوا". وتقدّم الكَلام على "سأل" وتعدِّيه، وأنه يُعلَّق عن العمل (٢)، كأفعال القلوب. و"في السر" يتعلّق بـ "عمله"؛ لأنّه مصدَر (٣). والضّمير في "عمله" يعود على "النبي ﷺ "، وإن لم يتقدّم له ذكر يعود عليه، فهو مفهُوم من المعنى. ويحتمل أن يكون "عن عمله" بَدلًا من "أزواج النبي"، ويكون التقدير: "أنّ نفرًا سألوا عن عمل النبي ﷺ ". والمصدر هنا يحتمل أن يكُون مُضافًا إلى الفاعل، ويحتمل أن يكون مُضافًا إلى المفعول، ويكُون السّؤال عن المعمُول. قوله: "فقال بعضُهم: لا أتزوج": هنا محذُوفٌ تقديره: "فأخبروهم بعمله، فاحتقروا عملهم مع عمل النبي ﷺ ، فقال بعضهم. . ."، فهذه الجملة معطوفة على جملة مُقدّرة، وكذلك المعطوفات التي بعدها معطوفات على معمول القول. قوله: "قال": فاعله ضمير "الرّاوي". "فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ": "ذلك" فاعل "بلغ"، و"النبيَّ" مفعوله، والإشَارة إلى ما وقع من قولهم.

стр. 1412

قوله: "فحمد اللَّه": هنا محذوف تقديره: "فقام خطيبًا فحمد اللَّه وأثنى عليه"، وقد جاء في حديث الفاتحة: "يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ يقول اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ يقول اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. ." (١)، وهذا تفسير حمده وثنائه. قوله: "وقال: ما بال أقوَام": "ما" استفهامية مبتدأ، والخبر: "بال"، أي: "أيُّ شيء"، وتضمَّن الكَلام معنى الإنكار. و"بال" تقدّم في الأوّل من "الشّروط في البيع". و"أقوام": جمع "قوم"، على غير القياس؛ لأنّ مفرده اسم جمع (٢). وجملة: "قالوا" في محلّ الحال من "أقوام". وصحّت الحال من النكرة؛ [لأنّ] (٣) المراد بهم المعرفة؛ لأنّه تقدّم ذكْرهم وعملهم وقولهم، فتقدير الكلام: "ما بال الذين تكلّموا بكذا؟ ". ويحتمل أن تكون الجملة صفة لـ "أقوام"، ويكون التقدير: "ما بال أقوام قائلين كذا لا يعملون بسنتي". وتقدّم القول على "كذا" في السّادس من "الزكاة". قال القاضي عياض: هذا من حُسن أخلاقه ﷺ ومعاشرته، وآدابه، وتركه مُواجهة الناس بما يكرهُون، وترك تسميتهم بأسمائهم على محضر من الجميع، ﷺ (٤).

стр. 1413

قوله: "لكني أُصلي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ": تقدّم الكلام على "لكن" في السّادس من "الزكاة"، واسمها هنا الضّمير المتصل بها، وخبرها في جملة "أصلي". و"أنام" معطوفٌ عليه، و"أصُوم" و"أفطر" مثله. قوله: "فمَن رغب عن سنتي فَلَيْسَ مِنِّي": أيْ: "زهد فيها ولم يُرِدْها". "مَن" مبتدأ، من أسماء الشرط. وحرفُ الجر يتعلّق بـ "رغِب"، وجَوابُ الشرط: "فليس مِنِّي"، ولما جاء جَواب الشرط "ليس" لزمت "الفاء"، ولا تأتي "ليس" جَوابًا للشّرط إلَّا مصحُوبة بـ "الفاء" إلَّا فيما قلَّ (١). الحديث الثالث: [٣٠٠]: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بن مظعون التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أذن له لَاخْتَصَيْنَا (٢). قوله: "ردَّ عليه التبتل": أي: "رد عليه اعتقاد مشروعية التبتل"، كأنه لما رآه عبادة -وليس كذلك- ردّه عليه؛ لأنّ كُل ما يفعله العبد تقربًا إلى اللَّه بقصد أن يتوصّل به إلى رضا اللَّه ورسوله وليس من الشرع فهو مردود، فرَدَّ النبي ﷺ ما كان من ذلك خارجًا عن شرعه وسُنته. و"التبتل": "القطع"، كأنه قطع مخالطة النّساء، فردّه عليه ﷺ ومنه: "البتول". قال الشيخ تقيّ الدّين: ظاهرُ الحديث يقتضي تعليق الحكم بمُسمّى "التبتل"،

стр. 1414

وقد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، فلا بُدّ أن يكون هذا المأمُور به في الآية غير المردود في الحديث؛ ليحصُل الجمع. وكأنَّ ذلك إشارة إلى [مُلازمة التعبد أو لكثرته؛ لدلالة] (١) السياق عليه من الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن والذّكْر، فهذه إشارة إلى كثرة العبادات. ولم يقصد معها ترك النكاح، ولا أمر به، بل كان النكاح موجودًا مع هذا الأمر. ويكون ذلك "التبتل" المردود: ما انضمّ إليه -مع ذلك- من الغُلو في الدّين، وتجنب النكاح وغيره، مما يدخُل في باب التشديد على النفس (٢). انتهى. قلتُ: و"عثمان" لا ينصرف للعَلَمية والزيادة، و"مظعون" مُنصرف؛ لأنّ "النون" أصلية، ولو كانت "النون" و"الواو" زائدتان لاحتمل منع الصّرف؛ قياسًا على "الألف" و"النون". وقد قيل ذلك في مثل: "حمدون"، و"سُحنون". قوله: "ولو أَذِنَ له لاختصينا": أي: "لو أذن لعثمان بن مظعون في ترك النكاح، لفعلنا ما يقطعه من أصله، وهو الخصاء". تقدّم الكَلام على "لو" وجوابها وأحكامها في الأوّل من "الصّلاة".

стр. 1415

الحديث الرابع: [٣٠١]: عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِك؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ ذَلِك لا يَحِلُّ لِي". قَالَتْ: إنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ ". قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: "إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أريه بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (١). الحِيبَةُ: الحَالَة. قوله: "بنت أبي سفيان": تقدّم الكلام على "بنت" و"ابنة" في أوّل حديث من "الحيض". وكان اسمها: "دُرّة"، وقيل: "ذُرّة" بـ "الذال" المعجَمة (٢). قوله: "انكح أختي": هو بكسر "الهمزة"؛ لأنّه من "نكح ينكح"، فثالث المضارع مكسور، ومتى كُسر ثالثه أو فُتح كُسِر الأمر منه. ومتى ضُمّ ثالثه ضُمّ الأمر منه، كـ "قتل يقتل"؛ الأمر: "اقتُل" بضمّ "الهمزة". (٣) قوله: "ابنة أبي سفيان": صفة لـ "أختي"، أو بدَل، أو عطف بيان. و"سُفيان" لا ينصرف؛ للعَلَمية والزّيادة. قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ": "أو تحبين ذلك؟ ": "الهمزة" للاستفهام.

стр. 1416

والكلام على حروف الاستفهام تقدّم في الرّابع من "الجنابة". و"الواو" عاطفة على ما قبل "همزة" الاستفهام عند سيبويه، وعلى مُقدّر بعد "الهمزة" عند الزمخشري ومُوافقيه. فعلى مذهب سيبويه: معطوفٌ على "انكح أختي". وعلى مذهب الزمخشري: "أأنكحها وتحبين ذلك؟ ". (١) و"تحبين": فعل مُضارع، وفاعل، و"النون" علامة الرفع. و"ذَلكِ" بكسر "الكاف"، مفعول "تحبين". وتقدّم الكلام على اسم الإشارة في الحديث الثّالث من "استقبال القبلة". قوله: "فقُلت: نَعم": تقدّم الكلام على "نعم" في الرّابع من "باب الجنابة". وهي حرفُ جَواب مُقرّرة لما سبقها نفيًا كان أو إثباتًا (٢). قوله: "لست لك بمخلية": "ليس" واسمها، و"مخلية" الخبر، و"الباء" زائدة في النفي، و"لك" [متعلق] (٣) بـ "مخلية"، وهو بكسر "اللام" وضم "الميم" وسكون "الخاء"، أي: "خالية من ضرة غيري". قال ابن الأثير: "المخلية": "التي تخلو بزوجها وتنفرد به" (٤)، أي: "لست لك بمتروكة لدوام الخلوة به". وهذا البناء إنما يكون من "أخليت". ويقال: "أخلت المرأة"، فهي "مخلية".

стр. 1417

فأمّا من "خلوت" فلا، وقد جاء: "أخليت" بمعنى "خلوت"، قاله الجوهري (١). وقال ابن الأثير في موضع آخر: "لست لك بمُخلية": أي: "لم أجدك خاليًا من الزوجات غيري". وليس من قولهم: "امرأة مخلية" إذا "خلت من الزوج". (٢) قلت: وهذا الذي ذكَره بيِّن في القياس؛ لأنه يُقال: "محرِم" لمن "دخَل الحرَم"، و"مُنجد" لمن "دخل نجد"؛ فكذلك "مخل" لمن "دخل الخلاء". فكانت نفت أن تكون مُتصفة بخلوة من النبي ﷺ . قوله: "وأحبّ مَن شاركني في خير أختي": "أحَبّ" مبتدأ، وهو أفعل التفضيل، مُضاف إلى "مَن". و"مَن" نكرة موصوفة، أي: "وأحب شخص شاركني". فجملة "شاركني" في محلّ صفة لـ "من"، كقول عنترة: يَا شَاةَ مَنْ قَنَصٍ لمنْ حِلَّتْ لَهُ ... حَرُمَتْ عِلِيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ (٣) ويحتمل أن تكون موصولة، والجملة صلتها، والتقدير: "أحب المشاركين لي في خير أختي". و"في خير" متعلّق بـ "شاركني"، و"أختي" الخبر. ويجوز أن تكون "أختي" المبتدأ، و"أحَبّ" خبر مُقدّم؛ لأنّ "أختي" مُعرّفة بالإضافة، و"أفعل" لا يتعرّف بها في المعروف.

стр. 1418

ويُروى: "شَرِكني" (١) بكسر "الراء" الخفيفة. (٢) وكان اسم أختها: "عزة". (٣) قوله: "فقال النبي ﷺ ": معطوفٌ على ما قبله. وجملة: "إنّ ذلك" معمولة للقول، و"الكاف" في "ذلك" مكسُورة؛ لأنّ الخطاب لمؤنّث. وجملة "لا يحلّ لي" في محلّ خبر "إن". قوله: "قَالَت: فإنّا نُحَدّث": أي: "قالت أم حبيبة". و"نُحَدّث" بضمّ "النون". و"إنّا نُحَدّث" في محلّ معمُول القول. وكُسرت "إنّ" لأنها بعد القول. واستعمل القول في الجمَل المتقدّمة بحَرف العَطف، وجاء هنا بغيرها، وقد تقدّم أنّ الجمل المفتتحَة بالقَول الأفصح فيها ترْك حرف العطف، كما جاء في آيات الشعراء عند قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ﴾ (٤) [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] إلى آخرها. (٥) وفُتحت "أنّ" بعد "نُحدّث" لتسد مَسَدّ مفعوليها. وجملة "نُحدّث" في محلّ خبر "إنّ". وجملة "تريد" في محلّ خبر "أنَّ". وجملة "أنْ تنكح" في محلّ مفعول "تريد". قوله: "قال: بنت أمّ سلمة": "قال" [فاعله] (٦): ضميرُ "النبي ﷺ "، "بنت أمّ"

стр. 1419

مفعول بفعل مُقدّر، أي "أأنكح بنت أم سلمة"، أو "تعنين. . .". ويجوز الرّفع على الخبر، [أي] (١): "هي بنت. . .". وفي عُدوله عن "أبي سلمة" إلى "أم سلمة" توطئة لقوله: "إنها لو لم تكُن ربيبتي"، أو غير ذلك. قوله: "فقُلتُ: نعم": تقدّم الكلام على "نعم" قريبًا. قوله: "إنها لو لم تكُن ربيبتي": "لو" حرف لما [كان] (٢) سيقع لوقوع غيره (٣)، تقدّم الكَلام عليها في الحديث الأوّل من "الصّلاة". وتقدّم الكَلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي". ودَخَلت "لو" على "لم" ليثبت بهما الكلام؛ لأنّ "لو" للنفي، و"لم" للنفي، والنفي إذا دَخَل على النفي صَار إثباتًا. وهذا التركيب مثله قوله ﷺ (٤): "نعم العبد صهيب، لو لم يخف اللَّه لم يعصه" (٥)، . . . . . .

стр. 1420

فانظُره وقِسْه عليه. (١) والجزم في "تكن" بـ "لم". واسم "كان": ضمير "بنت أم سلمة"، و"ربيبتي" خبرها. و"ربيبة": "فعيلة"، بمعنى ["مفعولة"] (٢)؛ لأنّ زوْج الأمّ يربها. (٣) وقال القاضي عياض: "الربيبة" مُشتقة من "الرب"، وهو "الإصلاح"؛ لأنّه يربها، ويقوم بأمورها، وإصلاح حالها. ومَن ظنّ من الفُقهاء أنه مُشتق من "التريبة" فقد غلط؛ لأنّ شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، والاشتراك فيها، فإن آخر "رب" باء مُوحّدة، وآخر "ربى" ياء مُثنّاة من تحت. انتهى. (٤) و"الحجر" بالفتح أفصح، ويجوز الكسر. قوله: "في حجري": تأكيد، وهي في حجره ولو كانت بعيدة منه، وهذا التقييد هنا وفي كتاب اللَّه العزيز تنبيه على الغالب. وداود الظّاهري تعلّق بهذا الظّاهر؛

стр. 1421

فأحلّ الربيبة البعيدة التي لم تكُن في الحجر. (١) ويحتمل أن يكون "في حجري" بدَلًا من "ربيبتي"، ويحتمل أن يكون خبرًا بعد خبر، ويحتمل أن يكون في محلّ حال، أي: "كائنة في حجري". وجَوابُ "لو": "ما حلّت لي". وكثيرًا ما يأتي جوابُ "لو" بغير "لام"، وهو فصيحٌ. قوله ﷺ : "إنها لابنة أخي": "اللام" في قوله: "لابنة" الدَّاخلة في خَبر "إنّ". قوله: "مِن الرّضَاعة": يتعلّق بحال من "أخي"، أو يتعلّق بـ "أخي"؛ لأنه بمعنى "مؤاخ". قوله: "أرضعتني وأبا سلمة": جملة مُفسّرة لا محلّ لها، ولا يجوز أن تكُون بدلًا من خبر "إنّ"، ولا يجوز أن تكون خبرًا بعد الخبر؛ لعَدَم الضّمير. و"أبا سلمة" معطوفٌ على المفعول ويحتمل أن يكُون مفعولًا معه. و"الرّضَاعة" بفتح "الراء"، لم يذكُر في "الصّحاح" غير الفتح. (٢) قوله: "فلا تعرضن": "لا" ناهية، و"تعرضن" فعل مُضارع، وفاعل، الفاعل: "النون" الخفيفة، وهي "نون" جماعة المؤنث، والفعل معها مبني، ومع أختيها الشّديدة والخفيفة. وشرط ابن مالك أن تكون مُباشرة، مثل: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة: ٤]. فإن لم تكن مباشرة - نحو: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦]، و ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]- فهو مُعرب.

стр. 1422

والأكثرون على أنّ المؤكّد بـ "النون" مبني مُطلقًا، باشرته "النون" أم لم تباشره. وزعم آخرون أنّه مُعرَب مُطلقًا، باشرته أم لم تُباشره. والصّحيحُ: التفصيل الذي اختاره ابن مالك من جهة القياس. (١) وقد تقدّم الكلام على ذلك في الخامس من أوّل الكتاب. و"تعرضن" بسكون "الضّاد" و"نون" خفيفة بناء على أنه لم يتصل به "نون" تأكيد، إنّما اتصل بالفعل "نون" جماعة المؤنث. فإنْ رُوي: "فَلَا تَعْرضُنّ" بضم "الضّاد" فالخطاب للمُذكّرين؛ لأنّه لو كان لمؤنثات لكان: "فلا تعرضنان". ومتى قدّر أنّه اتصل به ضمير جماعة المذكّرين فتغليبًا لهم في الخطاب على المؤنثات الحاضرات؛ فأصله: "لا تعرضونن"، فاستثقل اجتماع ثلاث نُونات؛ فحذف "نون" الرّفع، فالتقى ساكنان؛ فحذفت "الواو" لاعتلالها، وبقي "النون" المشدّد لصحّتها. (٢) قوله: "عليّ بناتكن": "عليّ" يتعلّق بـ "تعرضن". وتقدّم الكلام على "على" في الحديث الخامس من "الجنابة". و"بناتكن": جمع "بنت"؛ لأنّ "التاء" في "بنت" بدل من "اللام" المحذوفة، وليست "تاء التأنيث"؛ لأنّ "تاء" التأنيث لا يسكن ما قبلها؛ فقلبت "هاء" في الوقْف، فـ "بنات" ليس جمع "بنت"، بل جمع: ["بنة"] (٣)؛ لأنّ أصله: "بنوة" أو "بنية"، فحذفوا "هاء" التأنيث، ثُم حذَفوا "الواو" و"الياء"، وعوّضوا "التاء" من "الياء"، وكسرت "الباء" تنبيهًا على المحذوف. وعلى ذلك جاء جمعها: "بنات"، وجمعُ

стр. 1423

"ابن": "بنون". وهو مذهبُ البصريين. أمَّا "أخت": فـ "التاء" فيها بَدَل من "الواو"؛ لأنها من "الأخوة". فأمّا جمعها: فـ "أخوات". فإن قيل: لم رُدّ المحذُوف في "أخوات"، ولم يُرد في "بنات"؟ قيل: حمل كُلّ واحد من الجمعين على جمع مُذكّره، فمذكّر "بنات" لم يرد فيه المحذوف، بل جاء ناقصًا في الجمع؛ لأنهم قالوا في جمع "ابن": "بنون"، وقالوا في جمع "أخ": "إخوة" و"إخوان"، فردّوا المحذوف، وكان أصله: "أخوة" بفتح "الخاء" و"الواو". فـ "بنت" أصلها: "بنية"، على أحد القولين المتقدِّمين. فثبت بهذا أنّ "بنات" و"أخوات" جمع مُؤنّث سالم، وأنّ الكَسرة فيه عَلامة النصب. (١) [وفي] (٢) أوّل حديثٍ من "كتاب الحيض" الكلام مبسوطًا أكثر من هذا. قوله: "قال عُروة: وثُويبة مولاة [لأبي] (٣) لهب، كان أبو لهب أعتقها": هذه الجملة مُعترضة لا محلّ لها من الإعراب. و"ثويبة" مبتدأ، و"مولاة" خبر، و"لأبي لهب" يتعلّق بـ "مولاة". وقد تقدّم قريبًا ذكر "المولى" ومواضعه.

стр. 1424

و"أبو لهب" مُضاف ومُضاف إليه، وقد تقَدّم ذكر الأسماء المركّبة تركيب إضافة في ثاني حديث من الأوّل. ويحتمل أن يتعلّق "لأبي لهب" بصفة لـ "مولاة"، وكذلك جملة: "كان أبو لهب أعتقها" صفة ثانية. وجملة "أعتقها" خبر "كان". قوله: "فأرضعت": معطوفٌ على "أعتقها". وتقدّم أنّ المعطوف والمعطوف عليه لا تلزم المشَاكَلة بينهما، ولا يُشترط اتفاق معانيها؛ فيجوز عطْف الخبر على غيره وبالعَكْس، هذا مذهبُ سيبويه. (١) ومن ذلك قول امرئ القيس: وإنّ شفائي عبْرَة لو سفحتها ... فَهَل عِنْد رسمٍ دارسٍ من معوّل (٢) وتقدّم في الثّالث من "المذي" ما يُغني عن إعادته هنا. ولو قال هنا: "كان أعتقها" كفى، إلا أنّه أراد زيادة بيان، وتمحّض بذكره ثانية نفي عِتْق النبي ﷺ لها أو غيره. قوله: "فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشَرّ حِيبة": ورُوي: "هَيْئَة" (٣)، والمعنى مُتقارِب. هذه الرؤيا حلمية، تتعدّى إلى مفعولين، كالعِلْمية، عند ابن مالك ومُوافقيه، فـ "بعض" المفعول القائم مقام الفاعل، والثّاني المتصل به.

стр. 1425

وقيل: يتعدّى لواحد؛ فيكون تعدّيه هنا إلى اثنين بالنقل بـ "الهمزة"؛ لأنّ أصله: "فَرُئ" أو "فرُؤي". ولابُد من تقدير: "في المنام"، وإنما حُذف للعلم به؛ لأنّ رُؤيته بعد مَوته لا تكُونُ إلَّا في المنام. (١) قوله: "بشَر حِيبة": "الباء" باء المصاحَبة، وهي "باء" الحال، أي: "مُتلبسًا بشَر حِيبة" أو "كائنًا بشر حِيبة". و"الحيبة" و"الحابة" و"الحوبة": "الهم" و"الحزن". و"الحيبة" أيضًا: "المسكنة". (٢) قوله: "قال له: ماذا لقيت؟ ": أي: "قال له الرّائي: ماذا لقيت؟ ". وتقدّم أنّ في "ماذا" [وَجْهين] (٣)، أحدهما: "ما الذي لقيت؟ "، والثاني: "أيّ شيء لقيت؟ ". فعلى الأوّل: تكون "ذا" موصُولة بمعنى "الذي"، وصلتها: "لقيت"، والعائدُ محذوف، أي: "لقيته". والصّلة والموصُول في محلّ رفع على أنّه خبر "ما" الاستفهامية. وإن جعلت "ماذا" مُركّبة بمعنى: "أيّ شيء" كانت في محلّ نصْب مفعُول "لقيت" (٤)، أي: "أيَّ شيء لقيت". وقد تقَدّم فيه زيادة بيان وأقوال واختلاف في الأوّل من "باب المرور"، فانظره هنالك. قوله: "قال له أبو لهب": "أبو" فاعل "قال". و"اللام" في "له" تُسمّى "لام"

стр. 1426

التبليغ. و"أبو" فاعل "قال"، وعلامة الرّفع فيه "الواو"، وقد تقدّم الكلام على "أب" في الحديث الثّاني من الأوّل. قوله: "لم ألْق بعدكم خيرًا": "لم" حرفُ جزم لنفي الزمان المنقطع من زمان الحال، والجملة كُلّها معمُولة للقول. وعلامةُ الجزم في الفعْل حذف "الألِف" المنقلبة من "الياء". و"خيرًا" هنا مفعولٌ به، وليست التي للتفصيل. قوله: "غير أني سُقيت": "غير" منصوبٌ على الاستثناء المنقطع. و"أنّ" واسمها وخبرها في محلّ جَر بالإضافة. و"سُقيت": مبني لما لم يُسمّ فاعله، في محلّ الخبر. وتقدّم أنّ "غير" و"مثل" إذا أضيفا إلى "ما" أو "أن" جاز فيهما البناء والإعراب. (١) و"في هذه" يتعلّق بـ "سُقيت"، والإشارة إلى "نقرة الظفر". (٢) و"الباء" في "بعتاقتي" للسّببية. و"عتاقة": مصدر "عتق". يُقال: "عتق"، "يعتق" بالكسر، "عتقًا" و"عتاقًا" و"عتاقة". (٣) والمصْدَرُ هنا مُضَافٌ إلى الفَاعِل. و"ثُويبة": مفعُولٌ للمصْدَر.

стр. 1427

الحديث الخامس: [٣٠٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١). قوله: "قال رسول اللَّه ﷺ : لا يجمع": خبر بمعنى النهي، أي: "لا تجمَعُوا". والفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله. و"بين": ظرف قائم مقَام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، والتقدير: "لا تجمعوا المرأة وعمتها في نكاح"، ثم بُني الفعل؛ فجاء: "لا تُجمع المرأة وعمتها". وقد تُشبّع حركة "بين"؛ فيزاد عليها "ألف"، ولكنه يتغير الحُكم والمعنى. قال ابنُ الأثير: يُقال: "بينا"، والأصل: "بين"، أُشبعت الحركة، فصارت ألِفًا، يقال: "بينا" و"بينما". وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجَأة، ويُضافان إلى الجملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جوابٍ يتمّ به المعنى. والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه "إذ" ولا "إذا"، وقد [جاءا] (٢) في الجواب كثيرًا؛ يُقال: "بينما زيد جالس دخل عليه عمرو" و"إذ دخل عليه" و"إذا دخل عليه". (٣) وقد تقدّم الكلام على "بين" و"بينا" مُستوفًى في الحديث الثّالث من "السواك". وجملة "لا يُجمَع" معمُولة للقول. قوله: "ولا بين المرأة وخالتها": أتى بـ "لا" في المعطوف تأكيدًا للنفي الأوّل، وزاد "بين" أيضًا تأكيدًا. ولو قال: "لا يجمَع بين المرأة وعمتها أو خالتها" أجزأ، لكن يذهَب معنى التأكيد، وفائدة الجمع بالواو، ويذهب [البينية] (٤) من الطرفين، ولها

стр. 1428

معنى؛ فليس قولك: "لا يجمع في [عصمة] (١) المرأة وعمتها" كقولك: "لا يجمع في [عصمة] (٢) بين المرأة وعمتها"؛ لأنّ "البين": "القطع"، والمراد الشّرعي؛ فنهى ﷺ عن جمع ما قطَعه الشّرع. الحديث السادس: [٣٠٣]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" (٣). قوله: "عن عقبة بن عامر": تقدّم له نظائر، وتكرر الكلام عليه. والتقدير: "أنّه قال: قال رسُول اللَّه ﷺ "، "قال" الأولى معمولة للمُقدّر قائمًا مقام الفاعل، و"قال" الثّانية معمُولة للقول. و"إنّ أحَقّ. . . إلى آخره" معمُول للقول الثّاني. و"أحَقّ" اسم "إنّ"، وهو "أفعل" التفضيل، و"الشّروط" مُضاف إليه. واستُعمل "أفعل" بالإضافة إلى المعرّف بـ "اللام". و"أنْ تُوفوا به": يحتمل أن يكُون بدَلًا من "الشّروط"، بدل اشتمال. ويحتمل أن يكُون منصوبًا على إسقاط حرف الجر. و"به" يتعلّق بـ "توفوا". وأفرَد الضّمير وذَكَّره، ولو قال: "أنْ تُوفوا بها" جاز، لكنه أراد "أحَقّ"، و"أحَقّ" أفعل التفضيل، وأفعل التفضيل بعض ما يُضاف إليه، ولأنّه أراد "ما" في قوله: "ما استحللتم"، و"ما" خبر عن "أحَقّ"، والخبر هو المبتدأ في المعنى. وقد جاء من ذلك قولهم: "عندي من الخيل ما أكثره سابق". ولو قال:

стр. 1429

"أكثرها" أو "أكثرهن سابق" جاز. ومن ذلك قول ابن الحاجب في مُقدِّمته: "المرفُوعات: هو ما اشتمل على علم الفاعلية". (١) و"أنْ" حرفُ نصب، "تُوفوا" منصوبٌ بها، وعلامة النصب حذف "النون". و"وفَى" و"أوفى" بمعنى، يتعدّى [بالفاء] (٢). وأمّا "أوفيته" بمعنى "أعطيته": فليس من هذه المادّة. وجاء منها قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، ولم يذكُر مُتعلّقه؛ قالوا: ليتناول كُلّ ما يصلح له. (٣) و"ما" هنا يحتمل أن تكُون موصُولة مُقدّرة بـ "الذي". ويحتمل أن تكُون نكرة موصُوفة مقدّرة بشرط، أي: "إنّ أحَقّ الشّروط أنْ تُوفوا به شَرطًا استحللتم به الفروج". الحديث السّابع: [٣٠٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ" (٤). وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا الصَّدَاقُ. قوله: "نهى عن الشِّغَار": جملة في محلّ خبر "أنّ"، و"عن الشّغار" يتعلّق به. وفاعل "نهى": ضمير "النبي ﷺ ". قوله: "والشّغار: أن يُزوّج": تفسير من "نافع".

стр. 1430

قال تقيّ الدِّين: و"الشّغار" بكسر "الشّين" وبـ "الغين" المعجَمة، اختلفوا في أصله في اللغة، فقيل: هو من "شغر الكلب" إذا "رفع رجْله ليبول"، كان العاقدُ يقول: "لا ترفع رجْل [ابنتي] (١) حتى أرفع رجْل ابنتك". وقيل: مأخُوذٌ من "شغر البلد" إذا "خلا"، كأنّه سُمّي بذلك لشغُوره من الصّدَاق. (٢) وقال ابنُ الأثير: كان يقول الرّجُل: "شاغرني"، أي "زوّجني أختك أو ابنتك أو من تَلي أمرها، حتى أزوّجك أختي أو ابنتي أو من إليَّ أمرها"، ولا يكون بينهما مهر. وقيل: "الشغر": "البعد"، وقيل: "الاتساع". ومنه في الحديث: "فَإذَا نَام شَغَر الشَّيْطَانُ برِجْلِه فَبَالَ فِي أُذُنِهِ" (٣). (٤) قوله: "والشّغار": هو مُبتدأ، والخبر في قوله: "أن يُزوّج". قوله: "على أنْ يُزوّجه ابنته": في الكلام محذُوف يعُود عليه الضّمير في قوله "على أنْ يزوّجه"، التقدير: "أنْ يزوّج الرّجُل ابنته" يعني "المزوج"؛ فالألِف واللام لمعهُودٍ مُقدّر، وفاعلُ "يزوّجه" يعود على "الرّجُل" المفهُوم من المقَابَلَة. ولابُدّ من مُضاف محذُوف، تقديره: "أنْ يُزوّج الرّجُل ابنته على شَرْط أنْ يزوّجه الآخَر". وتقدّم

стр. 1431

الكلام على "ابن" و"ابنة" قريبًا، وفي أوّل حديث من "الحيض". قوله: "وليس بينهما صداق": "ليس" واسمها، والخبر في الظرف، وهو مُسَوّغ مع النّفي في كون الاسم نَكِرَة. والجملة في محلّ الحال من الفاعل، ويصحّ من المفعول، ومنهما كليهما. وتقدّم الكلام على "على" في الخامس من "الجنابة". الحديث الثامن: [٣٠٥]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ" (١). قوله: "نهى": جملة "نهى" في محلّ خبر "أنّ". والمفعولُ محذُوف، أي: "نهى أمته" أو "الناس". و"نكاح": اسم مصدر "نكح"، "ينكح"، "نكاحًا"، اسم للوطء أو اسم للعَقد. والمصدر: "النِّكح" و"النُّكح" بكسر "النون" وضمّها، لُغتان. (٢) والفرقُ بين المصْدَر واسم المصْدَر مُشكِل، قلَّ مَن يعرف الفرْق بينهما. قال بعضهم: الفرقُ أنّ المصدَر -كـ "الإعطاء" مثلا- موضوعٌ للحَدَث المعين، وهو "دَفْعُ الشيء إلى غيره". و"العَطاء" مثلًا موضوعٌ لحروف الحَدَث المعين، أعني للهَمزة و"الطاء" و"الألِف" و"الهمزة" الدّالة على الدّفع. وعلى هَذا فقِس. (٣)

стр. 1432

ولم يُفسّر هنا "نكاح المتعة" كما فسر "نكاح الشّغار". قال الشّيخ تقيّ الدِّين: هو "تزوج المرأة إلى أجَل"، وقد كان ذلك مُباحًا ثمَّ نُسِخ، والرّوايات تدلّ على أنّه أبيح بعد النهي عنه ثم نُسِخَت الإباحَة. (١) قال: وما حكَاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز فهو خَطأ قطعًا. (٢) قلتُ: ذكره صاحب "الهداية" (٣)، ولم يُوجَد لغيره، ولا شَكّ في خطئه. قوله: "يوم خَيبر": ظرفٌ لِـ "نهى". و"خيبر" تقدّم الكَلام عليها. وهي من الأسماء التي أُريد بُقعتها؛ فلا تنصرف للعَلَمية والتأنيث (٤)، وقد تقدّم في الحديث السّادس من "الزّكاة" ذِكْر ما ينصرف وما لا ينصرف من أسماء البلدان. وتقدّم أنّ "اليوم" يُطلَق لمعَان، وأنّه ليس من الأسماء ما فاؤه وعَينه حرفا عِلّة غير "يوم" و"يوح" اسم للشمس (٥)، وفي الثّالث من "باب الاستطابة" جملة من ذلك. قوله: "وعن لحوم الحُمر الأهْليّة": أي: "ونهى عن أكْل لحوم الحمُر الأهلية". وجمع "اللحم" ليُطابق نوعه، ولو قال: "عن لحم" جاز، كما جاء (٦):

стр. 1433

كُلُوا فِي نصْف بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... . . . . . . . . . . . . . . . (١) و"الأهْليّة" نعت للحُمُر. و"الحُمُر الأهلية": التي "تألَف البيوت، ولها أصْحَاب"، وهي مثل "الإنسية"، فهي منسُوبة إليهم. (٢) الحديث التاسع: [٣٠٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ" (٣). قوله: "أنّ رسول اللَّه ﷺ ": في محلّ رفع، مفعول لم يُسمّ فاعله لمتعلّق حرف الجر. وجملة "قال" ومعمولها في محلّ خبر "أنّ". وجملة "لا تُنكَح" في محلّ نصب بالقول. و"الأيّم": مفعول لم يُسمّ فاعله لـ "تُنكح". وجمعه: "أيامى"، وتُطلق على "المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا" وعلى "الرجُل الذي لا زوج له". وأصل "أيامى": "أيائم"، فقُلبت. ويُقال: " [آمَتْ] (٤) المرأة من زوْجها"، "تيئم"، "أَيْمًا"

стр. 1434

و"أيْمَة". (١) قوله: "حتى تُستأمر": الفعلُ منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "حتى"؛ لأنّه مُستقبل، و"حتى" مُقدّرة بـ "إلى أنْ". وتقدّم الكَلام على "حتى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. قوله: "ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن": هذا خبر بمعنى النهي فيهما، أي: "لا تنكحوا البكر"، وقد تقَدّم مثل إعرابه. قوله: "قالوا: يا رسُولَ اللَّه، فكيف إذنها؟ ": "كيف" هنا سُؤالٌ عن حال (٢)، وتقدّم الكَلامُ عليها في الحديث الرّابع من "كتاب الصّلاة". وهي هنا في محلّ رفع خبر عن قوله: "إذنها". ووجَب تقديم الخبر؛ لأنّه وقع اسم استفهام، أي: "إذنها كائنٌ في أي حال؟ ". ودخولُ حرف الجر على "كيف" قليلٌ شاذّ، والشّرط بـ "كيف" قليل، ومذهب سيبويه (٣) أنها ظرف حيث وقعت. (٤) قوله: "قال": أي "النبي ﷺ ".

стр. 1435

و"أنْ تسكُت" خبر مُبتدأ محذُوف يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذنها سكاتها". يُقال: "سكت"، "سكتًا" و"سكوتًا" و"سكاتًا". فقوله: "أن تسكت" مُؤوّل بالمصدَر؛ أيّ مصدَر قدّرته صحّ المعنى عليه. و"الأيم": اسم فاعل، فعله: "أيَم" بفتح "الهمزة" و"الياء". ويجمع على: "أيامى". وتقدّم أنّ أصله: "أيائم" فقلبت؛ لأنّ الواحد: "رجُل أيم". (١) قال في الصّحاح: يُقال: "قد آمت المرأة من زوجها"، "تئيم"، "أيمًا" و"أيمة" و"أيومًا". و"تأيّمت المرأة"، و"تأيم الرّجُل". (٢) الحديث العاشر: [٣٠٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ [سَعِيدٍ] (٣) بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى يا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلَى هَذِهِ، مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٤). قوله: "جاءت امرأة رفاعة": في محلّ نصب بالقول، أي: "أنها قالت. . ."؛ فيكون القول ومعمولها [مرفوع] (٥) على الخبر لـ "أنّ".

стр. 1436

و"رفاعة": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث. و"القُرظي": منسوبٌ إلى "بني قريظة"، بضم "القاف" وفتح "الراء" وفتح "الظاء" المشالة. وهو رفاعة بن سِمْوال، بـ "سين" مُهمَلة مكسُورة ثم "ميم" ساكنة، هو خال صفيّة أمّ المؤمنين ﵂. (١) قوله: "فقالت": معطوفٌ على "جاءت". "كُنتُ عند رفاعة القرظي": "كان" واسمها، وخبرها في الظرف. وجملة "فطلّقني" معطوفة على جملة "كُنت"، وكذلك "فبتّ" معطُوفة على "طلّقني". و"طلاقي" مفعولُ "بتّ". "فتزوّجت" معطوفة على "بتّ". و"بعده" ظرْف، ومخفُوض به، العَامل فيه: "فتزوّجت". و"عبد الرّحمن بن الزَّبير" مفعول "تزوّجت"، و"ابن" نعت لـ "عبد الرحمن". و"الزَّبير" بفتح "الزّاي" وكسر "الباء". (٢) قوله: "وإنّما معه مثل هدبة الثوب": "إنّما" حرفُ ابتداء، و"مثل" مبتدأ، والخبر متعلّق "معه". وقد تقدّم الكلام على "إنما" في أوّل حديثٍ من الكتاب. ومُسوّغ الابتداء بالنّكرة هنا تقدّم الخبر، والحصر بـ "إنما". قوله: "مثل": تقدّم الكَلام عليها في الرّابع من "باب الأذان". قوله: "هدبة الثّوب": "هُدْبُ الثّوب" و"هُدَّابُه": "طرفه مما يلي طُرّته". أرادت "متاعه"، وأنّه رخو مثل طَرف الثّوب، لا يُغني عنها شيئًا. (٣)

стр. 1437

قوله: "فتبسّم رسُول اللَّه ﷺ ": يُقال: "بَسَم" بفتح "السّين"، "يبسِم" بكسر "السّين"، "بسمًا"، فهو "باسمٌ". و"ابتسَم" و"تبسّم"، وهو "دون الضّحك" (١)، وكذلك قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]؛ لأنّ "التبسم": مبتدأ الضّحك (٢). فيكون "ضاحكًا" حال مُقدّرة. قوله: "وقال: أتريدين": معطوفٌ على "تبسم"، "الهمزة" للاستفهام، وفيها معنى التوبيخ. وتقدّم ذكر أدوات الاستفهام في الرّابع من "الجنابة". و"تريدين" فعل مضارع، وفاعل، و"النون" علامة الرفع، وتقدّم أنها تكون علامة في الفعل المضارع إذا اتصل به ضمير تثنية أو ضَمير جماعة المذكّرين العاقلين أو ضمير الواحدة المؤنّثة (٣). قوله: "أنْ ترجعي": في محلّ مفعول "تريدين"، أي: "تريدين الرجوع". و"أنْ" حرف نصب، و"ترجعي" منصوبٌ بها، وعلامة النّصب حذفُ "النون". و"الياء" فاعل "ترجعي". قوله ﷺ : "لا": هي النافية، واسمها محذوف يدلّ عليه الكلام، أي: "لا رجوع لك" أو "لا ترجعين". وتتعلّق "حتى" بالخبر. و"عسيلته" مفعول بـ "تذوقي". قوله: "وأبو بكر عند رسول اللَّه ﷺ ": الجملة في محلّ الحال، أي: "قالت ذلك

стр. 1438

وأبو بكر عند رسول اللَّه"، فالحال من فاعل "قالت". و"خالد بن سعيد" معطوفٌ عليه، والمعطوفُ على الحال حال. وجملة "ينتظر أن يُؤذن له" في محلّ الحال من "خالد". و"بالباب" في موضع الخبر لـ "خالد". ويحتمل أن تكون جملة "ينتظر" الخبر، و"بالباب" متعلّق به، أو حال من "خالد". ولا يصحّ أن يتعلّق بـ "يُؤذَن له"؛ لأنه صلة المصدر، فلا يتقدّم معموله عليه. و"أن يؤذن له" في محلّ المفعول لـ "ينتظر". قوله: "فنادَى" يعني: " [خالد بن سعيد] (١) ": "يا أبا بكر". يحتمل أن تكون الجملة الندائية معمولة لـ "نادى" بمعنى "قال". ويحتمل أنّ في الكلام محذوفًا، أي: "فنادى قائلًا: يا أبا بكر". قوله: "ألا تسمع": "ألا" حرفُ استفتاح وتنبيه، تقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من "باب التشهد". وتقدّم الكلام على "سمع" وما يتعدّى إليه في أوّل حديث من الكتاب، وقد تعَدّى هنا إلى صَوت، أي: "ألم تسمع كلام هذه الذي"، "تجهر به" بَدَلًا من "هذه"، أي: "ألم تسمع هذه المرأة؟ "، فتعدّى إلى ذاتٍ، وقد تقدّم بسْط ذلك في الحديث الأوّل. و"ما" مصْدَرية، أي: "ألم تسمَع قولها؟ ". وعلى كِلا الوجْهين: فليس هنا جملة قَوْلية يجري فيها الخلاف في المفعُوليّة، والحال لا تتقدّم، وتُكُلِّف.

стр. 1439

الحديث الحادي عشر: [٣٠٨]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا. وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا ثُمَّ قَسَمَ". قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى رسول اللَّه (١) ﷺ " (٢). قوله: "من السّنة": يحتمل أن يتعلّق حرف الجر بفِعل مُقدّر، أي: "جاء من السُّنة"، وتكون "إذا" وجوابها فاعل "جاء" على الحكاية. ويحتمل أن تكون الجملة الشّرطية في محلّ رفع بالابتداء؛ فيتعلّق الحرف بمُقدّر خبرًا عنه، أي: "إقامةُ الزّوج [سبعًا] (٣) عند زوجه البكر كائنٌ من السُّنة"، على مذهَب مَن يقول إنّ "إذا" متصرفة. ويحتمل أن يكون المبتدأ المصْدَر المفهُوم من "أقام"، والخبر في المجرور، أي: "إقامته من السُّنة". ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] (٤). ويحتمل أن يُريد اللفظ، أي: "إذا تزوّج الرجل البكر على الثيّب أقام. . . إلى آخر الحديث، كائنٌ من السّنة". والمعنى: "من السنة قولي كذا". ولا يجوز أن تتعلّق "من" بفعل الشّرط؛ لأنه إمّا في محلّ جر؛ فلا يعمل فيما قبله، أو في محلّ جزم بالشّرط، والشرط لا يعمَل ما بعده فيما قبله، ولا يعمَل الجوابُ

стр. 1440

أيضًا فيما قبل الشّرط؛ لأنه معمُول للشّرط، فلا يعمل فيما قبله؛ لأنّ الشّرط له صَدْر الكَلام. قوله: "إذا تزوج": فاعله محذوفٌ يدلّ عليه الكلام، أي: "إذا تزوج أحدكم البكر". قوله: "على الثيب": عدَّى "تزوّج" بـ "على"؛ لأنه ضمَّنه معنى "أخذ"، أي: "إذا أخذ الرجل البكر على الثيّب". و"أقام" جوابُ "إذا"، و"عندها" معمولة. و"سبعًا" ظرف؛ لأنّه عَدَد زمان (١). وحَذَف علامة التذكير؛ لأنّه أراد: "سَبع ليال". قوله: "ثمَّ قسم": معطُوفٌ على "أقام"، أي: "قسم الإقامة"، فمفعول "قسم" محذُوفٌ يدلّ عليه الكَلام. قوله: "قال أبو قلابة": "أبو قلابة" هذا هو الرّاوي عن "أنس"، ولم يذكُره الشّيخ. و"لو" حرفٌ لما [كان] (٢) سيقع لوقوع غيره (٣). وجوابها: "لقلت". و"إن أنسًا" بكسر "الهمزة"؛ لأنّه بعد القول، وقد تقدّم ذكْر المواضع التي تُكسر فيها "إنّ"، والمواضع التي تُفتَح فيها، في الرّابع من أوّل الكتاب.
следующие страницы →