← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من استنانه". قال في "الصّحاح": يُقال: "عَدَاه"، أي: "جَاوَزه". يُقال: "ما عَدَا فلان [أنْ صَنَع كذا] (١) " و "ما لي عن فلان مَعْدًى"، أي: "لا تجاوز [لي] (٢) إلى غيره" (٣). إذا ثبت ذلك: فقوله: "أن فرغ" في محلّ مفعول بـ "عَدَا"، أي: "فما عدا هو - أي: الاستياك- فَراغَ رسول الله ﷺ "؛ فـ "الاستياك" فاعل، و "أن فرغ" مفعول به. ويكون "رَفَع يديه" بدَل من "فرغ"، بَدل شيء من شيء؛ لأنه يرجع إليه في المعنى، أي: "فما جاوز الاستياك رَفع يديه قوله: في الرفيق الأعلى" (٤). ويجوز فيه وَجْه آخر، وهو أن يكون فاعل "عَدَا" [ضمير عائد] (٥) على "النبي ﷺ "، و "أنْ فرغ" بَدَل من ضمير النبي ﷺ ، بدل اشتمال، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، (٦)، ويكون "رفع يديه" مفعولًا بـ "عَدَا"، على تقدير "أن"، كما تقدّم في الوجه الثاني. وقد جاء حذف "أن" كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الشورى: ٣٢] أي: "أن يُريكم"، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ (٧) [البقرة: ٨٣]، أي: " [بأن] (٨) لا تعبدوا". وكذا:

стр. 177

ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الْوَغَى ... ... ... ... ... ... ... ... ... . (١) أي: " [عن] (٢) أنْ أحضر" (٣). وقوله: "أو [إصبعيه] (٤) ": "أو" للشّك من الرّاوي. ولها مَعَان انتهت إلى اثني عشر، أحدها: الشّك، كقوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. الثاني: الإبهام، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن هشام (٥): الشاهد [في] (٦) "أو" الأولى. الثالث: التخيير، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يمتنع به الجمع، نحو: "تزوج هندًا أو أختها". الرابع: الإباحة، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه الجمع، نحو: "جالس العُلماء أو الزهّاد"، و "تعلّم الفقه أو النحو".

стр. 178

الخامس: الجمع المطلَق، كـ "الواو"، قاله الكوفيون. السادس: الإضراب، [كـ "بل"]، (١). وعن سيبويه إجازة ذلك بشرطين: تقدّم نفي أو نهي، وإعادة العامل، نحو: "ما قام زيد أو ما قام عمرو"، و "لا يقم زيد أو لا يقم عمرو" (٢). السابع: التقسيم، نحو: "الكلمة اسم أو فعل أو حرف"، ذكره ابن [مالك (٣)، وعبّر عنه] (٤) بالتفصيل. الثامن: تكون بمَعنى "إلّا" في الاستثناء، وهذه تنصب المضارع بعدها [بإضمار] (٥) "أنْ"، كقولهم: "لأقتلنه أو يُسلم". التاسع: تكون بمعنى "إلى"، فتنصب المضارع أيضًا، نحو: "لألزمنك أو تقضيني حقّي". العاشر: التقريب، نحو: "ما أدري أسلّم أو ودعّ". الحادي عشر: الشرطية، نحو: "لأضربنه عاش أو مات". الثاني عشر: التبعيض، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥]، نقله ابن الشّجري (٦) عن بعض الكوفيين، انظر "المغني" لابن هشام (٧).

стр. 179

فـ "أو" هنا في الحديث للشّك من الراوي، أو من "عائشة" ﵂. فائدة: إذا قلت: "أزيد عندك أو عمرو" حمل على أنّ السائل لم يثبت عنده أن أحدهما المسئول عنه؛ فيكون جوابه: "لا" أو "نعم". فلو قال: "أزيد عندك أم عمرو" حمل على أنّ السائل علم أنّ أحدهما عند المسئول، ولكنه جهل تعيينه؛ فجوابه: "زيد" أو "عمرو"، ولا يجاب بـ" لا" و "نعم". فـ "أم" للتعيين، بخلاف "أو". ويدلّ على ذلك جواز قولهم: "رأيت زيدًا أو عمرًا" وامتناع "رأيتُ زيدًا أم عمرا". (١) ***** قوله: "في الرفيق الأعلى": حرْفُ الجر يتعلّق بمحْذوف، أي: "أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى"، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أخرى (٢). و"الأعلى": "أفعَل" من "علا". ويحتمل أن يكون مذكر "فُعلى". وُيراد بـ"الرفيق": "الجماعة العليا" (٣). وقد جرى مثل هذا في "الفردوس الأعلى".

стр. 180

وقيل: مؤنثة؛ لتأنيث صفتها، إن قيل: "فُعلى". وقيل: وزنه "أفعل"؛ فلا يدل على التأنيث. ومتى قلنا: "الرفيق" هو اسم من أسماء الله تعالى تعين التذكير، ولا يكون له مفهوم، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون قتلهم بحَق. (١) قال الشيخ تقيّ الدّين: يحتمل أن يُراد بـ "الرفيق": "الأعلى" وغيره. ثُم ذلك على وجهين: - أحدهما: أن يختص [الفريقين] (٢) معًا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم مُفرّقة؛ فيكون ﷺ طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق، وإن كانوا كلهم سعداء مرضيون. (٣) قلتُ: فعلى هذا يكون المراد بـ "الرفيق": "المتصفين بالسعادة في الآخرة"، ثم طلب أعلى مراتبهم. الثاني: أن يُطلق "الرفيق" بالمعنى الوضعي الذي يعم كُلّ رفيق، ثم يخصّ منه "الأعلى" بالطلب [وهو مُطلَق] (٤) "المرضيين"، ويكون "الأعلى" بمعنى "العالي"، ويخرج عنهم غيرهم، وإن كان اسم "الرفيق" مُنطلقًا عليهم. (٥)

стр. 181

قلت: يريد -والله أعلم- أنّ المؤمنين كلهم رفيق له من جهة أنهم مُصدِّقون له ﷺ مُؤمنون به، ولكن منازلهم على حسب أحوالهم وأعمالهم، فمنهم من خلفه عَمله عن منزلة غيره، ومنهم من قَدّمه عمله، فسأل النبي ﷺ أن يُلحقه بـ "الرفيق الأعلى" منهم، وهو بمعنى "العالي من المنزلة". وقوله: "ثلاثًا": مصدر؛ لأنه عَدَد "مرّات". و "مرات": جمع "مرة"، و "مرة" مصدر. وقيل: "مرّة" ظرف؛ فيكون "ثلاثًا" ظرف (١). قولها: "قَضَى": نحبه، أو يكون بمعنى "تُوفي" اللازم. قال في "الصّحاح": "قضى نحبه" "قضاء"، أي "مات". (٢) وقال الفرّاء: قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]، بمعنى: "امضوا إليّ"، كما يُقَال: "قضى فلان" أي: "مات ومضى". (٣) قال ابنُ الأثير: قال الأزهري: "القضاء" في اللغة على وجوه مرجعها إلى "انقطاع الشيء وتمامه". ومنه: "القضاء" [المقرون] (٤) بـ "القَدَر". والمراد بـ "القَدَر": "التقدير"، وب "القضاء": "الخلق"، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: "خلقهن". و"القضاء والقَدَر" أمْرَان مُتلازمَان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر؛ لأنّ أحدهما بمنزلة الأساس، وهو "القَدَر"، والآخر بمنز لة البناء، وهو "القضَاء"، فمَن أراد

стр. 182

الفصْل بينهما فقد رام هَدْم البناء ونقضه (١). قوله: " [وكانت] (٢) تقول": جملة مستأنفة. و"مات بين حاقنتي وذاقتتي": اسمُ "كان": "ضمير عائشة ﵂". والخبر في جملة "تقول". و "ذاقنتي" معطوفٌ على "حاقنتي". و"الحاقنة": هي "النُّقرة بين الترقوة [وحبل العاتق] (٣) ". و "الذاقنة": "طرف الحلقوم". ويُقال: "الحاقنة": "ما سفل من البطن"، [قاله الجوهري] (٤). (٥) وقال غيره: "الذاقنة": "أعلى البطن"، و "الحواقن": "أسفله" (٦). قوله: "بين": ظَرْف، ويُستعمل استعمال الأسماء المعربة، فتدخلها علامات الإعراب، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. وتكون بمعنى الوصل والقطع، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أي: "وصلكم". وتنتقل الزمانية إلى المكانية، نحو: "داري بين دارك ودار زيد".

стр. 183

وتدخُل عليها "ما"، فتقول: "بينما يفعل كذا"، أي: "بين أوقات فعله لكذا". وقد تلحق "الألِف"، فتقول: "بينا"، والتقدير كما تقدّم. واعلم أنّ "بينما" تتلقى تارة بـ "إذ" وتارة بـ "إذا" التي للمفاجأة، كقوله: ... ... ... ... ... ... ... ... ... . بيْنَما العُسْر إذْ دَارَت مَيَاسِير (١) وقوله: بَيْنَمَا المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِط ... إِذا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفوه الأَعاصِيرُ (٢) وأما "بينا" فلا تلتقي بواحدةٍ منهما. وربّما أضيفت "بينا" إلى مصدَر، نحو: "بينا تُعانقه الكُماة"، بخفض "تعانقه". قلتُ: وعجُز البيت لأبي ذؤيب: بَينا تَعانُقِهِ الكُماةُ ورَوْغِهِ ... يَومًا أُتيحَ لَهُ جَرئٌ سَلْفَعُ (٣) وهذا البيت ينشد بجر "تعانقه" ورفعه.

стр. 184

فمن جر جعل "الألِف" للإشباع، لأن الأصل: "بين يعانقه" على الإضافة، ومن رفع [رفعه] (١) على الابتداء وجعل "الألف" زائدة. قالوا: ويقع بعدها اسم الإشارة مفردًا مثنى في المعنى، وهو الأصل؛ لأنّ تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس حقيقيًا، فالأصل إفراده وتذكيره لفظًا، كقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) [البقرة: ٦٨]. قيل: التقدير: "بين ذلك وهذا"، أي: "بين الفارض والبكر"، أو تكون الإشارة إلى معنى ما ذكر (٣). وسيأتي شيء من الكلام على "بينما" في الحديث الثاني من "استقبال القبلة"، وفي الحديث السابع من "الصيام". قوله: "وفي لفظ: فرأيته ينظر إليه": الرؤية هنا بصرية تتعدّى إلى واحد، وجملة "ينظر إليه" في محل الحال. وقوله: "وعرفت أنه يحب السواك": جملة "يحب السواك" في محل خبر "أن"، و "أن" مع اسمها وخبرها في محل مفعول "عرفت"، و "عرفت" في محل الحال من الفاعل في "رأيته"، و "قد" هنا معه مقدّرة، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة لا محل لها. قولها: "فقلت: آخذه لك": "الفاء" سببية. وجملة "آخذه" معمولة للقول. و"آخذه": أصله "أأخذه؟ "، فحذفت "همزة" الاستفهام، وحذفها كثير إذا قام

стр. 185

عليه دليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: "أو تلك" (١)، وتقدّم الكلام على مادة "أخذ" في السادس من "الاستطابة". قولها: "فأشار برأسه أن نعم": أن هنا مفسرة، وقد تقدمها شرطها، [وهو] (٢) معنى القَول، وسيأتي القَول عليها في الخامس من "الأطعمة"، وسيأتي القول على "نعم" في الرابع من "الجنابة". والله أعلم. الحديث الرابع: [٢٠]: عن أبي موسى قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك وطرف السواك على لسانه يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع" (٣). قوله: "أتيت النبي ﷺ ": التقدير: "أنه قال"؛ ليقوم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله. وجملة "أتيت": "أتيت" في محلّ معمول القول. وقوله: "وهو يستاك": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من النبي ﷺ ، والرابط "الواو" والضّمير. و"هو": من المضمرات الموضُوعة للمُذكّر الغائب، وهو كُلي وضعًا؛ إذ ما من مُذكّر غائب إلا ويُطلق عليه "هو"، وجرى استعمالًا لخصوصه بمن يُطلق عليه، والمشهور لُغة تخفيف واوه وتحريكها، [وهمدان] (٤) تشدّدها، وأسد وقيس تسكّنها.

стр. 186

وحذفها مُختصّ بالشعر. و "الواو" زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع نحو: "هما" و "هم"، و "الهاء" أصل (١). وقال أبو عبد الله القرطبي: "هو" اسم من أسماء الله الحسنى، ينفتح به من العلوم الباطنة ما لا ينفتح للعَالم بطريق النظر. وقال الأقلبشي: لم يَرد فيه أثر، ولا هو من الأسماء التامة في اللسان العربي، بل هو اسم يحتاج إلى صلة وعائد ليكون مُفيدًا، فإنك إذا قلت: "هو" وسكتّ لم يكن الكلام مُفيدًا حتى تقول: "هو أخي" أو "هو قائم"، لكن أرباب القلوب الصافية وأهل المقامات العالية جَرَت عندهم هذه الكلمة مجرَى الأسماء [الذاتية] (٢)، فقالوا: "يا هو" كما قالوا: "يا الله" (٣). قال منصور بن عبد الله: "الهاء" تنبيه على معنى ثابت، و "الواو" إشارة إلى مَن لا تُدرَك حقائق نعوته وصفاته بالحواس. قال ابن فورك: "الهاء" تخرج من أقصى الحلق، وهو أوّل المخارج، و "الواو" من الشفة، وهو آخر المخارج، فكأنه يشير إلى أنّ كِلا طرفي الأمور بيده، وهو الأوّل والآخر. قال الأقلبشي: [كلها] (٤) إشارات الأولياء خارجة عن ظاهر العلم الحاصل

стр. 187

بطريق النظر. (١) قوله: "بسواك": يتعلق بـ "يستاك"، وإنما قال: "بسواك" احترازًا؛ لأن الاستياك يكون بالثوب [والإصبع] (٢)، وليرتب عليه (٣): "وطرف السواك على لسانه". ويظهر أنّ في الكلام [قلبًا] (٤)؛ لأنّ المراد: "والسواك على طرف لسانه"؛ لأنه لا يمكن في الاستياك أن يكون إلا بطرفه، فلا فائدة في ذكر الطرف. ويحتمل أن يكون طرف السواك على آخر لسانه؛ ولذلك يقول: "أع أع"، وهو حكاية صوت التهوع، فيكون مثل "قب" حكاية وقع السيف، و"طاق طاق" حكاية صوت [الضرب] (٥)، وهذا النوع إنما بنيَ لعدم مُوجب الإعراب، وهو التركيب الإسنادي (٦). والجملة مِن "يقول" في محلّ الحال من فاعل "يستاك"، وفاعل "يقول": ضمير "النبي ﷺ "، ويحتمل أن يكون ضمير "السواك"، من باب قولهم: شكَا إليّ جملي طُولَ السُّرَي ... ... ... ... ... ... ... ... ... . (٧)

стр. 188

و: امتلا الإنَاءُ وَقَالَ: قَطْني ... مَهْلًا رُوَيدًا قَد مَلأتَ بَطْني (١) قلت: يُضعفه قوله: "كأنه يتهوع"، فإنه ضميره ﷺ قطعًا. و"على لسَانه" يتعلق بالخبر، أي: "كائن". قوله: "والسواك في فيه": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من ضمير "تقول". وتقدّم الكلام على "الفم" في الحديث الثّاني من "باب السّواك". قوله: "كأنه يتهوّع": جملة في محلّ الحال، أي: "مشبهًا للمتهوع"، وخبر "كان": الجملة. ***

стр. 189

باب المسح على الخفين [الحديث الأوّل] (١) [٢١]: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" (٢). [٢٢]: وعن (٣) حذيفة بن اليمان قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال وتوضأ ومسح على خفيه" (٤). الإعراب: أي: "هذا باب المسحُ". و"على الخفين" يتعلق بـ "المسح"؛ لأنه مصدر، وإن كان مُحلى بالألف واللام، وقد عمل في المفعول (٥) في نحو: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... فلم أَنْكُلْ عن الضْربِ مِسْمَعَا (٦)

стр. 190

والألِف واللام في "المغيرة" للمح الصفة، وبهما صار "المغيرة" منصرفًا. و"شعبة" لا ينصرف للعلمية والتأنيث. وجملة "﵁" لا محلّ لها لأنها معترضة، كجملة " ﷺ ". و"في سفر" يتعلق بخبر "كان" المتعلق به "مع"، و "كنت" معمول للقول. و"قال" مقدّر بـ، "أن" المصدَرية ليقوم مقام مفعول متعلّق "عند". ويحتمل أن يكون الخبر في قوله: "في سفر"، ويتعلق به "مع". ويحتمل أن تتعلق "مع" بصفة لـ "سفر" النكرة، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال، أي: "كنت في سفر كائن مع النبي ﷺ ". ويختلف المعنى باختلاف المتعلق. ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ﴾ (١) [الذاريات: ١٥، ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤]. وإنما كان كذلك؛ لأن الخبر مقصود الجملة، والغرض من ذكر "المجرمين" الإخبار عن تخليدهم؛ لأنّ المؤمن قد يكون في النار ثم يخرج منها. وأما آية "المتقين" فجعل في "جنات" خبرًا؛ لأنهم يأمنون الخروج منها، فجعل "آخذين" حالًا (٢). و"مع": اسم معناه الصحبة اللائقة بالمذكُور. وقيل: إذا سكنت عينه كان حرفًا، وهي لغة ربيعة إذا تحرك ما بعدها، نحو: "معكم"، وقرئ بها شاذًا.

стр. 191

وإذا لقيه ساكن، نحو: "مع الرجل"، فُتحت عينه عند عامة العرب، وكسرت عند ربيعة. وتستعمل ظرف مكان مرادفة لـ "عند"؛ فتقع خبرًا عن الجثث والأحداث. وإذا أفرد، نحو: "معًا"، نوِّن مفتوحًا، وهو ثلاثي مقصور، نحو: "عصا"، لا منقوص، نحو: "يد"، خلافًا ليونس. وكثر استعماله إذا أفرد، [وجعل] (١) كـ "جميعًا"، وهو أخصّ من "جميع"؛ لأنه يدلّ على اتحاد الزمان، و "جميع" يحتمله. وبهذا فرّق أحمد بن يحيى بينهما لما سأل أحمد بن قادم فوقف، انتهى من "المجيد" (٢). قوله: "فأهويت لأنزع خفيه": معطوفٌ على مُقدر، أي: "فتوضأ فأهويت". و"أنزع" بكسر "الزاي"، وإن كان حرف حلق. والضمير في "دعهما" للخفين. والضّمير في "أدخلتهما" للرِّجْلين. و"اللام" في "لأنزع" لام "كي"، والفعل معها منصوب بإضمار "أن" بعدها، ويجوز إظهارها، بخلاف "لام" الجحود، ويجب إظهارها إذا دخل "لا" بين "اللام" والفعل، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. (٣)

стр. 192

قوله: "قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين": فاعلُ "قَالَ" ضَميرُ "النبي ﷺ "، وفاعلُ "دعهما" ضمير "المغيرة". و "الفاء" في قوله: "فإني" سببية. وجملة "أدخلتهما" في محل خبر "إن". و "طاهرتين" حال من ضمير المفعول، وعلامة النصب: "الياء". والأصل في "إني": "إنني"، حذفت الأولى، وسكنت الثانية وأدغمت في الثالثة. وقيل: [حذفت] (١) الثانية، ورجّحه أبو البقاء؛ فحذفها في "أن" الخفيفة. وقيل: حذفت الثالثة (٢). قال (٣) الشيخ تقيّ الدّين: قوله: "دعهما فإني أدخلتهما" استدلّ به مَن يقول: لا بُد من كمال الطهارة في الرِّجلين قبل إدخالهما في الخفين، وذلك ضعيفٌ، ولا يمنع أن يُعبّر بهذه العبارة عن كون كُلّ واحدة منهما أدْخِلت طاهرة، بل ربما يُدّعي أنه ظاهر في ذلك، فإنّ الضمير في قوله: "أدخلتهما" يقتضي تعليق الحكم بكل واحدة منهما، نعم مَن روى "فَإنَّى أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" (٤) يتمسّك برواية هذا القائل من حيث إنّ قوله: "أدخلتهما" [إذا] (٥) اقتضى كُلّ واحدة منهما؛ .............................

стр. 193

[فقوله] (١): "وهما طاهرتان" حالٌ من كُل واحدة منهما فيصير التقدير: "أدخلت كُلّ واحدة في حال [طهارتها] (٢) "، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة. وهذا الاستدلال بهذه الرّواية من هذا الوَجْه قد لا يتأتى في رواية مَن روى: "أدخلتهما طاهرتين". انتهى. (٣) وهذا الذي ذكره الشيخ تقيّ الدّين إنّما أخذه من كون "الواو" في قوله: "وهما" هي "الواو" المقتضية للجَمع، وإن سُمّيت: "واو" [الحال] (٤)، والتقدير: "أدخلتهما في حال اجتماع طهارتهما". الحديث الثّاني: [٢٣]: عن حذيفة بن اليمان قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال، وتوضأ ومسح على خفيه" مختصرًا. قوله: "اليمان": بغير "ياء"، و "اليمان" لقب. واسمه: "حِسْل" بكسر "الحاء" المهملة وسكون "السين" المهملة، وقيل: "حُسِيل" بضم "الحاء"، تصغير "حِسل". وإنما لُقّب "اليمان" لأنه حالف "اليمانية"، و "اليمانية" بنو الأشهَل، من الأنصار، حالفهم لما أصاب دمًا في قومه وهرب إلى المدينة.

стр. 194

وعلامة الإعراب في "اليمان": الكسرة. قال ابن عبد البر: هو لقبٌ له (١). فعلى هذا يُعرَب بالحركات الثلاث. قوله: "فبال فتوضّأ": معطوفٌ على محذوف أي: "فتباعد فبال فتوضأ ومسح على خفيه". ولا يصح أن يكون "مسح" في محلّ حال مما قبله؛ لفساد المعنى، إلا أن يقدر: "توضأ": "كَمّل وضوئه"، فيكون التقدير: "كمّل وضوءه وقد مسح على خفيه"، وليس هو الظاهر ولك أن تقدّر أنه بدأ بمَسح الخفين، فنكّس، وكُلّ ذلك بعيد (٢). (٣) وقول الشيخ: "مختصرًا": أي: "ذكرتُه مختصرًا من [أطوَل منه] (٤) ". فـ "مُختصرًا": منصوبٌ على الحال، ويجوزُ فيه كسرُ "الصاد"، أي: "مُختَصرًا له"؛ فيكُون حَالا من فاعل "ذكرتُه". ***

стр. 195

باب في المَذْي وغيره الحديث الأوّل: [٢٤]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمِكَانِ ابْنَتِهِ [مِنِّي] (١)، فَأَمَرْتُ المقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ". وَللْبُخَارِيِّ: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ" (٢). وَلمِسْلِم: "تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ" (٣). قوله: "كنتُ رَجُلا مَذّاءً": "كان" واسمها وخبرها في محلّ مَعمُول القَول، و "مَذّاء" صفة لـ "رجُل". ولو قال: "كُنتُ مَذّاء" صَحّ، إلا أنّ ذِكْرَ الموصُوف مع صفَته يكُونُ لتعظيمه، نحو: "رأيتُ رَجُلا صالحًا"، أو لتحقيره، نحو: "رأيتُ رَجُلا فَاسِقًا". ولما كان المذْي يَغلُب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذِكْرُ الرُّجُولية معه؛ لأنّه يَدُلُّ على مَعْناها (٤). ويُقال: "مَذْي"، بالتخفيف، و "مَذِي"، [بسُكُون "الياء"] (٥)، وكسر "الذال" (٦). (٧) ورَاعَى هُنا في "مَذّاء" الثاني (٨)، وهو خِلافُ الأشْهَر عندهم؛ لأنَّ

стр. 196

["كان"] (١) تَدخُل على المبتدأ والخبر. فـ "رجُلا" خَبرٌ، وضَميرُ المتكلِّم هو المبتدأ في المعنى، فلو رَاعَاه لقَال: "كُنتُ رَجُلا [أُمْذي] (٢) ". وقَد جَاءَ مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ فرَاعَى الضَّميرَ في "إنِّي"، ولو رَاعَى "قَريبٌ" لقَال: "يُجيبُ". (٣) قال أبو حيّان: ومن اعتبار الأوَّل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. ومن اعتبار الثّاني: "أنا رَجُلٌ يأمُر بالمعْروف"، و "أنت امرؤ يأمُر بالخير". (٤) قوله: "فاستحييتُ أنْ أسْأل رسُولَ الله ﷺ لمكان ابنته": "استحييت" جَرى على اللغة الفصيحة. ويُقال: "استَحَيتُ". (٥) قالوا: ولم يُستَعْمَل مُجرّدًا عن السين والتّاء (٦). وقال الزمخشري: يُقال منه: "حَيي" (٧). فعلى هذا يكُونُ "استفعل" منه مُوافقًا [للفِعل] (١) المجرّد.

стр. 197

والأكثرون على أنّ المحْذُوف من "استحييتُ" ياء واحدة، هي الأولى، وقيل: الثانية، وهي "لام" الكَلمة، ثم نُقلَت حَرَكَةُ "الياء" الباقية إلى "فاء" الكَلمة؛ فصَار وَزْنُه: "يستفل" على أنَّ المحذوفَ عَينُه، أو: "يستفع" على أنَّ المحْذُوفَ لامُه (٢). وهذا الفعلُ يُستعمَل لازمًا ومُتعدّيًا، تقول: "استحييته"، و "استحييت منه" (٣). فإن كان هنا مُتعدِّيًا بنفسه كانت "أنْ" في محلِّ نَصْب. وإن كان مُتعدِّيًا بحَرْف الجرّ جَرَى على الخلاف بين سيبويه والخليل. فسيبويه يقول: جرّ، والخليل: نصب (٤). وعَكَسَ ابنُ مالك وأبو البقاء (٥) هذا [النقْل] (٦)، فنسبا إلى سيبويه النصب (٧). قوله: "لمكان ابنته": "اللام" لام العلة، أي: "لأجْل"، ويتعلّق بمَحذوفٍ، أي: "فَعلتُ ذلك"، أو: "قُلتُ ذلك"، ويتعلّق بـ "استحييت". والمعنى عليه، ولا يتعلّق بـ "أسأل" لفساد مَعْناه.

стр. 198

ويحتمل أنْ يكُون هذا من كَلام عَليّ للمُقدَاد، [وعَليّ] (١) حَكَاه عند أمره له (٢). ويحتمل أنْ يكُون مما ذَكَره عند [عبارَة الرّاوي] (٣) بما وَقَعَ منه بسَبَب حَيائه [لمكان ابنة] (٤) رَسُول الله ﷺ . ولا يعمل فيه: "فأمَرْتُ المقداد" لأجْل أنَّ "الفاء" لا يَعمَلُ ما بعْدَها فيما قبلَها (٥)، ولأجْل الضَّمير في "ابنته" أيضًا. و"ابن الأسود": نَعْتٌ للمقداد. وجُمل "سأله" و "قال" [معطوفتان] (٦). [والضّمير] (٧) في "سأله" يعودُ على "المقداد". والضّمير في "فقال" يعُود على "النبي ﷺ ". [وهنا] (٨) محذوفٌ تقديره: "أمَرتُ المقداد أنْ يسأله فسألُه، فقَال: يَغسِلُ ذَكَرَه"، الفعلُ مَرفوعٌ على الخبر، ويجوزُ فيه الجزمُ بتقدير "لام" الأمر، أي: "ليغسل". ومثله قوله:

стр. 199

مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسِ ... .................................. (١) أي: "لِتَفْد" (٢). ويكُون "يتوضّأ" [مَجْزومًا] (٣) بالعَطْف عليه، إنْ جُزم. والظاهِرُ أَنَّهُ مرفوعٌ، وهو أحْسَنُ (٤). قالوا: والسرُّ في العُدول عن الأصل في ورود الأمر بمعنى الخبر، وورود الخبر بمعنى الأمْر: أنَّ الخبرَ يستلزم ثبوت مُخبره ووقوعه، بخلاف الأمر، فإذا عبَّر بالخبر عن الأمر كان ذلك آكَد لاقتضاء الوقوع حَتَّى كأنه واقع. وأمَّا التعبيرُ عن الخبر بالأمْر: فإنَّ الأمْرَ شأنُه أنْ يكُون بمَا فيه دَاعية للأمْر، وليس الخبر كذلك، وإذا عبّر بالأمْر عن الخبر أشْعَر ذلك بالدّاعية، فيكُون ثبوته وصدْقُه أقرَبَ (٥). قولُه: "وللبخاري": أي: "ورُوي للبخاري"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفعل المقدّر، والجملة مرفوعًا المحلّ على الحكاية؛ وكذلك يُقَدَّر متعلق "ولمسلم"؛ فيكون "تَوَضَّأَ وانضح" في محلّ رفع مفعول لم يُسَمّ فاعله.

стр. 200

والضَّاد من قولُه: "وانضح" مكْسُورة لا غير؛ لأنه من: "نضح، ينضِح"، فالأمْر فيه: "انضح" (١). وفي قولُه: "اغسل ذَكَرَك" و"تَوَضَّأَ وانضح فرْجَك" بالخِطَاب في رواية البخاري ومُسلم يحتمل أنْ يكُون لعَليّ؛ لأنه كان حاضرًا وعَلِم النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ الذي يَقَع منه ذلك. ويحتمل أنْ يكُون الخطابُ للمقداد مع غَيبة "عَليّ"؛ لأنه السَّائل (٢). ويأتي القَول على "أمَرَ" في الثَّالِثِ من "فَضْل الجمَاعة". وتقدَّم القولُ على "باب" و "الحديث الأوّل" في أوَّلَ حَديث من الكتاب، ومُتعلّق حرف الجر، وكَون جُملتي "النَّبِيّ ﷺ " و"﵁" لا مَحَلَّ لهُما. الحديثُ الثَّاني: [٢٥]: عَنْ عَبَّادِ بن تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن زيدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ ﵁ قَالَ: شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (٣). قولُه: "شُكي": فعلٌ ماض مَبني لما لم يُسَمَّ فَاعِله، والمفعول الذي لم يُسَمّ فاعله مُضافٌ محذوف، أي: "شُكي حالُ الرجُل"، فـ"الرجُل" قائمٌ مقام المحذوف؛ لأنَّ الذي شُكي حَالُه، لا ذاته. (٤)

стр. 201

و"شَكَى": ألِفُه مُنقلبة عن "ياء"، و"الياءُ" مُنقَلبةٌ عن "وَاو"؛ لأنّه من "شَكَوت"، وإنّما قُلبَت "الواو" ياءً لانكسَار ما قبْلها. وقيل: هو من "شَكَي، يَشْكي"؛ فَلا قَلْبَ إذَن. (١) وسيأتي في الثاني عَشر من "الجهَاد" طَرَفٌ مِنْ ذَلك. وقوله: "يُخيَّل إليه أَنَّهُ يجد الشيءَ في الصلاة": ["يخيل": أي] (٢) "يُشَبَّه له" و"يُخايَل". (٣) قَالَ في الصحاح: يُقال: "تخيّلته"، "فتخيّل لي"، كما يُقال: "تصوّرتُه، فتصَوّر لي"، و"تبيّنته، فتبيّن" (٤). وهو هُنا مَبني لما لم يُسَمّ فاعِله، والمفْعُولُ الذي لم يُسَمّ فَاعله: "أَنَّهُ يجد الشيءَ". والتقديرُ: "يخيَّل إليه وجدان الشيء" (٥). و"وَجَد" هُنا يتَعَدّى إِلَى مَفعُولين، المفعُولُ الأوّل "الشيء"، والثاني في المجْرور، به يتعَلّق حَرْف الجرّ، أي: "كَائنًا في الصَّلاة". والمرادُ بالحدَث: "المانعُ من أداء الصلاة". وتقدَّم القَولُ عَلى "وَجَدَ" في الثاني مِن "باب الاستطابة". والجُمْلة من "يجد" وما يتعلّق به في محلّ خبر أنّ، و "أَنَّهُ" في محلّ مَفعُول لم يُسَمّ فاعله لـ"تخيل"، و"إليه" يتعلّق به.

стр. 202

والجمْلة من "يُخيّل" في محل حال من "الرجُل". ويحتمل أن تكُون في محل صفة للرجُل، وإن كان بالألف واللام، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. (١) وضَعَّف هذا أَبُو حَيّان (٢)، وقال: هذا هَدْمٌ للقَاعِدَة النَّحوية؛ لأنَّ النكرةَ لا تنعتُه إلَّا بنكِرَة، وإنْ كَان قَاله الزّمخشري (٣) وابن مالك (٤) في قَوله: وَلَقَدْ أمُرَّ على اللَّئِيم يَسُبُّني ... .................................... (٥) قولُه: "قال: لا يَنصرفُ": "لا" نافية. وتقدَّم القَول عليها في الأول من "باب الاستطابة". و"يَنصرف": فعل مُضَارع، ورَافعُه التجرّد من العَوَامِل، وقيل: وقوعُه مَوْقع الاسم. وقيل: مَرفُوعٌ بحَرْف المضَارعة، وهو ضَعيفٌ (٦). ويحتمل أنْ تكُون "لا" ناهية؛ فيكُونُ الفعلُ مَجزُومًا (٧).

стр. 203

وعلى الأوّل: يَكُون الخبرُ بمَعنى النَّهي، وهو أبْلَغُ (١)، وقد تقدّم قريبًا تعليلُ ذلك. وقوله: "حَتَّى يَسْمَع صَوتًا": "حتّى": حَرْف غاية، أي: "إِلَى أنْ يَسْمَع صَوتًا" (٢). قال أثيرُ الدين أَبُو حيّان: قال أَبُو البقاء: "حتّى" تكُون بمعنى: "إلَّا أنْ". وَلَا أعْلَمُ أحَدًا من مُتقدِّمي النّحويين ذَكَر لـ"حَتَّى" هذا المعنى (٣). وذَكَرَ "ابنُ مَالك في "التسهيل" (٤)، وأنْشَدَ عليه في غيره: ليس العَطَاءُ من الفُضول سَماحَة ... حَتَّى تجُود ومَا لَدَيك قليل (٥) أي: "إلَّا أنْ تَجُود" (٦). قلتُ: يتمكّن معنى "إلَّا أنْ" هُنا؛ أي: "فلا يَنصرف إلّا أنْ يَسْمَع صَوْتًا". وقد تقدَّم القولُ على "حَتَّى" في الحديث الثاني من أوَّلَ الكتاب. وتقدَّم القولُ على "سَمِع" في الحديث الأوّل.

стр. 204

وإعرابُ السَّنَد تقدَّم. و"عن" الثانية في سند هذا تتعلّق بمَحذوف يُقدَّر: "رُوي عن عبَّاد بن تميم أَنَّهُ رَوَى عن عبد الله، أنّه قَالَ ... "؛ فتكُون "أنَّ" الأوْلى في مَحَل رَفْع بـ "رُوي" المبني، و "أنَّ" الثانية في مَحَل رَفْع بالفاعلية. الحديث الثالث: [٢٦]: عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلم يَغْسِلْهُ (١). [٢٧]: وحديثُ عَائِشَة: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فبالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ". وَلِمُسْلِم: "فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ". قولُه: " [أنَّها] (٢) أتَت": "أنَّ" واسمها، وخَبرها في الجُمْلة من "أتت". و "بابن": يتعلق بـ"أتت". و"لها": يتعلّق بصفة لـ"ابن". و "صَغير": صفةٌ أخرَى لـ"ابن" (٣). وتقديمُ الصِّفة المقَدَّرَة على الصِّفة الصّريحة الظّاهِرَة جَائزٌ، خِلافًا لابن عصفور. ورُدَّ عَليه بظاهِر القُرآن والسُّنة وكَلام العَرَب (٤). ويُقَدِّر القائل بتأخير الصِّفة الظّاهرة أنَّ "لها" تتَعَلَّق بصفَة لـ"صغير"، أي:

стр. 205

"بابن صغير كائِن لها"، تقدّم؛ فانتصب على الحال. ويحتمل أنْ تتعلق بـ "ابن"؛ لأنّه بمَعنى "مَولُود". وقوله: "لم يأكُل الطَّعَام": يحتمل أن يَكُون صفَة أخْرَى. ويحتمل أنْ يكُون في مَحَل الحال من الضمير في مُتعَلّق المجْرُور، أو مِن الضَّمير في "صَغير"؛ لأنّه صِفَة [من] (١) الأمْثلة. ومتى جَعَلت الجُملة حَالًا وهي مَنفية بـ"لَم": فالمختارُ إثبات "الواو" (٢). قال بعضُ النحويين: مَجيءُ الجُمْلة الحالية بـ"لم" أو بـ"ما" خَاليَة عن الواو قَليلٌ جدًّا، وب"لمّا" كثيرٌ حَسَنٌ، نحْو قولك: "جَاء زَيدٌ ولمّا يَضْحَك"، والأكثرون على خِلافِ ذلك كُلّه (٣). ومِن مَجيء الحال بـ"لم": قولُه تَعَالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (٤). قلتُ: الغالب أن "لم" لنفي الزمان المنقطع من زمان الحال، و"لما" لنفي الزمان المتّصل بزمان الحال. وجاءت "لم" للمُتصل في قولِه تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] (٥)، وسيأتي تمام الكلام عليها في الحديث الرّابع.

стр. 206

قولُه: "إِلَى رسول الله ﷺ ": يتعلق بـ"أتت"، و"في حجره" بفتح "الحاء" وكسرها، يتعلق بـ "أجلسه". و"على ثوبه": يتعلق بـ "بال"، و"الهاء" في "ثوبه" تعود على "النَّبِيّ ﷺ "، وقال بعضهم: تعود على "الصبي"، وفيه بُعد كأنه فر من قولُه: "ولم يغسله". و"بماء: يتعلق بـ"دعا"، و"على ثوبه" الثانية تتعلّق بـ"نضحه". وجملة "ولم يغسله" في محلّ حال من الضمير في "نضحه". وجاء الحال بـ"الواو" والضمير، وهو الأكمَل، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]. (١) قال ابن هشام: الحال يكون جملة [بثلاثة] (٢) شروط: - أحدها: أن تكون خبرية. وغلط من قال في قولِه: اطلُبْ وَلَا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ ... ........................ (٣) أن "لا" ناهية و "الواو" للحال. قلت: يريد أن "الواو" واو الجمع؛ فتنصب بإضمار "أن"، مثل: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" (٤).

стр. 207

قال: الثاني: أن تكون [غير] (١) مصدّرة بدليل استقبال، وغلط من أعرب: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ من قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩] حالًا (٢). الثالث: أن تكون مرتبطة بـ "الواو" والضمير، نحو ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أو بالضمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: "متعادين"، أو بـ"الواو" فقط، نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤]. (٣) وتجب "الواو" قبل "قدُ" داخلة على مضارع، نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ٥] (٤). وتمتنع في سبع صور: - أحدها: الواقعة بعد عاطف، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. الثانية: المؤكّدة لمضمون الجملة، نحو: "هو الحق لا شك فيه"، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. الثالثة: الماضي التالي "إلَّا"، نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾ [الحجر: ١١]. الرابعة: الماضي المتلو بـ"أو"، نحو: "لأضربنه ذهب أو مكث". الخامسة: المضارع المنفي بـ "لا"، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤]. السادسة: المضارع المنفي بـ"ما"، كقوله:

стр. 208

عَهِدْتُك مَا تَصْبُو وَفيكَ شَبِيبَةٌ ... فَمَا لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيّما (١) السابعة: المضارع المثبت، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]. انتهى من "التوضيح" (٢). قولُه: "وحديث عَائِشَة": يحتمل الرفع على أنَّه مفعول "رُوي" المبني، ويحتمل الرفع على الفاعلية بتقدير: "وجاء حَدِيث". أو يكون "حَدِيث عَائِشَة" مرفوع بالابتداء، والخبر في مجرور مُقدّر، أي: "ومن هذا في المعنى حَدِيث عَائِشَة". ويحتمل أن يكون "أن رسول الله ... إِلَى آخره" بدل من "حَدِيث عَائِشَة" بَدَل اشتمال، ويكون الخبر محذوفًا. والتقدير: "وأن رسول الله أتي بصبي" بمعناه، أو يكون التقدير: "وحديث عَائِشَة بأن رسول الله"؛ فيتعلق بـ"حَدِيث"، والخبر مقدر، أي: "بمعناه". ويحتمل الاستئناف؛ فيكون "حَدِيث عَائِشَة" مبتدأ، والخبر: "أن رسول الله ... إِلَى آخره"، والمعنى: "وحديث عَائِشَة المذكور في الصحيحين أن رسول الله ﷺ "، وهو أوجَهُها. و"أتي" مبني لمَّا لم يسم فاعله، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النَّبِيّ ﷺ "، و"بصبي" يتعلق بـ"أتي". قوله: "فبال"، "فدَعَا"، "فأتبعه": معطُوفات. و"إياه" ضمير "البول"، وهو مفعول ثان لـ "أتبعه"، وهو يتعدّى لاثنين، قال

стр. 209

الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] (١)، وقد يتعدّى إِلَى واحد، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] (٢). قال في "الصحاح": يُقال: "تبعت القوم"، "تبعًا" و"تباعة" بالفتح، إِذَا "مشيت خلفهم"، أو "مروا بك فمضيت معهم"، وكذلك: "اتبعتهم"، و"أتبعت القوم" على "أفعلت"، إِذَا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، و"أتبعت" أيضًا غيري، أي: "أتبعته الشيء، [فتبعه] (٣) ". (٤) ويحتمل أن تكون الفاءات في المعطوفات للسببية، فيرتبط بعضها ببعض، مع أَنَّهُ لا يشترط في الجمل المعطوفات اتفاق معانيها، فيجوز عطف الخبر على غيره وبالعكس، هذا مذهب سيبويه، وقد أجازوا: "جاءني زَيْدِ، ومَنْ عَمْرو، العاقلان" على أنَّ يكون العاقلان خبر مبتدأ محذوف (٥). ومنه (٦) قول امرئ القيس: وإنّ [شفائي] (٧) عبْرَة إن سفحتها ... فَهَل عِنْد رسمٍ دارسٍ من معوّل (٨)

стр. 210

قولُه: "ولمسلم: فأتبعه بوله ولم يغسله": تقدّم تقدير المتعلق، ومحلّ قولُه "ولم يغسله". وسيأتي تمام الكلام على "لم" في الذي بعد هذا الحديث، وفي الثالث من "باب الجنابة". الحديث الرابع [٢٨]: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء أعرابى فبال في طائفة المسجد فزجره النّاس فنهاهم النَّبِيّ في فلَمَّا قضي بوله أمر النَّبِيّ ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه" (١). قال الشيخ تقيّ الدين: "الأعرابي" منسوبٌ إلى "الأعراب"، وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة إِلَى الجمع دون الواحد، فقيل: إنه جرى مجرى القبيلة كـ"أنمار"، وقيل: لأنه لو نسب إِلَى الواحد، وهو "عرب" لقيل: "عربي"، فيشتبه المعني، فإنّ العربي كلّ مَن هو من ولد إسماعيل ﵇، سواء كان بالبادية أو بالقري، وهذا غير المعنى الأوّل (٢). قولُه: "فبال في طائفة": المراد: "فشرع في البول"، بدليل قوله "فلَمَّا قضى بوله". وحرفُ الجر يتعلّق بالفعل. والإضافة في "طائفة" مقدّرة بـ"في"، أي: "قطعة في المسجد". ويبعد أن يقدر بـ"من"؛ لأنّ الثاني لا يصح أن يكون خبرًا عن الأوّل، بخلاف: "خاتم حديد" (٣).

стр. 211

و"الطائفة من الشيء": "القطعة منه" (١). و"المسجد": بكسر "الجيم" وفتحها، وقيل: [بالفتح] (٢) اسم للمكان، وبالكسر اسم للموضع المتّخذ مسجدًا. وجاء فيه: "مسيد" (٣). قولُه: "فلَمَّا قضي": "لما" تأتي على ثلاثة أوجُه: - أحدها: أن تختصّ بالمضارع فتجزمه وتقلبه ماضيًا، كـ "لم". (٤) وتفارق"لما" "لم" في أمور خمسة: - أحدها: أن لا تقترن بأداة شرط، لا يُقال: "إن لما يقم زَيْدِ". الثاني: أنّ منفيها مستمر إِلَى الحال. قال ابن هشام: مثّل ابن مالك (٥) للنفي المنقطع بـ"لم" بقوله: وكنتَ إذْ كنتَ إلهي وَحْدَكا ... لَمْ يَكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكَا (٦) قال: وتبعه ابنه فيما كتب على "التسهيل" (٧)، ................................

стр. 212

وذلك وَهْم فاحش (١). قلتُ: هذا من أبيات سيبويه (٢). قال الأعلم: تقدير البيت: "وكنت إلهي إذ كنت وحدكا لم يكن شيء يا إلهي قبلكا". قال: وفيه دليلٌ على لإثبات"الياء" في "إلهي" على الأصل وحذفها أكثر؛ لأنّ النداء باب حذف وتغيير، و"الياء" يشبه التنوين في الضعف (٣). الثالث: أن منفي "لما" لا يكون إلَّا قريبًا من الحال، وَلَا يشترط ذلك في منفي "لم". الرابع: أنّ منفي "لما" متوقع ثبوته، بخلاف منفي "لم". الخامس: أنّ منفي "لما" جائز الحذف لدليل، كقوله: فجئتُ قبورَهم بَدْءًا ولمّا ... فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَه (٤) أي: "ولَمَّا أكن بدءًا قبل ذلك"، أي: "سيدًا" (٥). قلت: في الصّحاح: "البَدْء": "السيد الأوّل في السيادة". و"الثِّنيان": "الذي

стр. 213

يليه في السُّؤْدُد" (١). قلت: ومعنى البيت: "أنّه وقف على قبور سَادَات النّاس ورؤسائهم الذين لم يكن هو منهم سيدًا، وإنَّما سَاد بعد وفاتهم وانقراضهم" (٢). الثاني من أوجُه"لما": أن تختصّ بالماضي؛ فتقتضي جملتين، ويُقَال فيها: "حرف وجود لوجود"، وبعضهم يقول: "وجوب لوجوب" (٣). وزَعَم ابن السرّاج -وتبعه الفارسي، وتبعهما ابن جني- أنَّها ظرف بمعنى "حين" (٤). قال أَبُو حيّان: يضعف ذلك وقوع جوا بها نفيًا في نحو قولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي﴾ [يوسف: ٦٨]، وما بعد حرْف النفي لا يعمل فيما قبله (٥)، ويأتي تمامه في الحديث الثّالث من "كتاب القصاص". وتكون ["لمَّا"] (٦) بمعنى "إلّا"، نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]. (٧) قال السهيلي: ليست"لما" في نحو: "لمَا جَاءَ عَمْرو" بمنزلة "الحين" في نحو

стр. 214

قولك: "حين جاء عمرو جاء زيد"؛ لأنّ الكلام الذي فيه "حين" إنَّما يدلُّ على أنَّ وقت فعل أحدهما هو وقت فعل الآخر، والذي فيه لما يدلُّ على أنَّ أحد الفعلين علة للفعل الآخر ولذلك خصّوا لما بزيادة "أن" بعدها ليفرقوا بين حرف المعنى وبين الظرف، وإنَّما آذنت "أن" بهذا المعنى لأنَّها تشعر بمعنى المفعول له وإن لم يكن معنى المفعول مقصودًا هنا؛ ولهذا إِذا كان معنى التعقيب دون التسبيب هو المراد لم تزد "أن" بعدها، وتأمل ذلك في التنزيل تجده (١). انتهى. قال ابن مالك: تقدّر "لما" مع الماضي بـ"إذ" (٢). قال ابن هشام: وهو حسَنٌ؛ لأنَّها مختصّة بالماضي والإضافة إِلَى جملة. قالْ ورَدّ ابن خروف على مُدّعي الاسمية [بجواز أن يُقال] (٣): "لما أكرمتني أمس أكرمتك اليوم"؛ لأنك لو قدّرتها ظرفا كان عاملها الجواب، والوا قع في "اليوم" لا يكون في "أمس". والجوابُ: أنّ مثل هذا قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، والشرط لا يكون إلَّا مستقبلًا، ولكن المعنى: "إن [ثبت] (٤) أني كنت قلته"، وكذا هنا: "إن ثبت اليوم إكرامك لي أمس أكرمتك" (٥). وفي السّادس من "صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ " تتمة في جواب "لما"، فانظره. قولُه: "أمر النَّبِيّ ﷺ ": جواب "لما"، وهو العامل فيها إِذَا كانت ظرفًا، وما

стр. 215

بعدها في محلّ جر بها. قولُه: "بذنوب من ماء": حرف الجر الأول يتعلق بـ"أمر"، والثّاني يتعلق بصفة لـ"ذنوب". و"الذنوب": الدلو [الملأي] (١) بالماء"، يُؤنث ويُذكّر، وَلَا يُقال لها وهي فارغة: "ذنوب". وجمع القلة: "أذنبة"، والكثير: "ذنائب"، كـ"قلوص، وقلائص" (٢). "فأهريق عليه": معطوفٌ على "أمر". و"الهاء" في "أهريق" زائدة، وأصل "أراق": "أريق"، وأصل "يريق": "ياريق". وإنَّما قالوا: "أنا أهريقه"، ولم يقولوا: "أأريقه"؛ لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بالإبدال. وفيه لغة أخرى: "أهرق الماء"، "يهرقه"، "إهراقًا". وفيه لغة ثالثة: "إهراق"، "يهريق"، "إهرياقًا"، فهو "مهريق"، والشيء "مهراق" و"مهَراق" أيضًا بالتحريك (٣). قال في "الصحاح": وهذا شاذ (٤). قال: وفي الحديث: "أُهَرِيقَ دَمُهُ" (٥)، وتقديره: "يهريق" بفتح "الهاء" (٦).
следующие страницы →