← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الحديث [الرابع] (١): [٣٢٣]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فى غُلامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إليَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، أُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ بعُتْبَةَ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَليدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ. وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ (٢). جملة "اختصم" في محل خبر "أنَّ" مقدرة، وقُدِّرتْ لتقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله، و"سعد" فاعل، و"ابن" نعتُه، و"أبي" مضاف إليه، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة. قوله: "وعَبْدُ": معطوف على "سعد". و"زمعة" لا ينصرف للتعريف والتأنيث. قوله: "في غلام": يتعلق بـ "اختصم"، و"هذا" مبتدأ، و"ابن أخي" خبره ومضاف إليه، وعلامة الجر في "أخي" كسرة مقدّرة؛ لأنه مُضاف إلى "ياء" المتكلم، و"عتبة" بدل من "ابن". قوله: "عهد إليَّ أنه ابنُه": فاعل "عهد" ضمير "عتبة"، و"إليّ" يتعلق بـ "عَهِد"، و"أنه ابنه" في محل نصبٍ أو جرٍّ بتقدير حرف الجر، أي: "بأنه ابنه". قوله: "انظر إلى شبهه بعتبة": هذه الجملة يؤكّد بها خبره. يقال: "نظرت إلى زيد" بمعنى "أبصرته"، و"نَظَرْتُ زيدًا" بمعنى "انتظرته" (٣).

стр. 1507

[قوله] (١): "وقال عبد بن زمعة: هذا أخي": جملة القول مستأنفة لا محلّ لها، وما بعد القول معمول له على الحكاية، و"يا رسول اللَّه" جملة معترضة، وجملة "وُلِد على فراش أبي" في محل خبر بعد الخبر، أو في محل حال، أي: "وقد ولد"، و"من وليدته" يتعلق بـ "وُلِد"، وكذلك "على فراش". قوله: "فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى شبهه، [فرأى] (٢) شبها بيِّنًا به": "النظر" هنا بمعنى "الإبصار"، [يتعدّى] (٣) بـ "إلى". قوله: "إلى شبهه": يتعلق بـ "نظر". وجملة "فرأى" معطوفة على "نظر". و"شبهه" اسم مصدر مضاف إلى فاعله. يقال: "شَبَه" بتحريك "الباء" وسكونها، وهما بمعنى (٤). [قوله: "فرأى] (٥) شبها بينًا": الرؤية بصرية؛ فتتعدى لواحد، "بَيِّنًا" نعت للمفعول، و"بعتبة" يتعلق بـ "شبها"، أو بنعت ثانٍ، ويجوز أن يتعلق بـ "بينا"، وتكون "الباء" على هذا ظرفية، ويدخله التنازع. قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : هو لك": جملة " ﷺ " معترضة. وجملة "هو لك" معمولة للقول، و"اللام" للاختصاص، تتعلق بخبر "هو". قوله: "يا عبد بن زمعة": "يا" حرف نداء، و"عَبْدُ" منادى مبني على الضم؛ لأنه اسم علم، و"ابن زمعة" نعته، واجب النصب؛ لأنّه مضاف، وتوابع المنادى كُلها إذا كانت مُضافة وجب نصبها (٦). و"عبد" يجوز فيه الفتح؛ لأنّه موصوف

стр. 1508

بـ "ابن" مضافة إلى عَلم (١). قوله: "الولد للفراش": جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة، والخبر متعلّق حرف الجر. قوله: "وللعاهر الحجر": معطوفٌ على ما قبله. قوله: "واحتجبي منه يا سودة": جملة معطوفة على جملة، وعلامة البناء في فعل الأمر حذف "النون" أو سكون، وقد منع منه اتصال الضمير بالفعل. قوله: "فلم تره": الفعلُ مجزوم بـ "لم"، وعلامة جزمه حذف "الألِف". و"قط" تقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "الإمامة". الحديث [الخامس] (٢): [٣٢٤]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَلَمْ ترَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إلَى زيدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ" (٣). وَفي لَفْظٍ: "كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا" (٤). قوله: "دخل عليَّ مسرورًا": اختُلف في الواقع بعد "دَخَلَ"، فقيل: ظرف، وقيل: مفعول به (٥)، وهو هنا محذوف للعلم به، أي: "دخل عليَّ البيت". و"مسرورًا" نُصِبَ على الحال.

стр. 1509

نُصِب على الحال. و"تَبْرُق" في محلّ الحال أيضًا، على مذهب مَن يجيز تعدّد الحال (١)، وإلا فتكون حالًا من الضمير في "مسرورًا"، وتكون حالًا مُتداخلة. ويحتمل أن تكُون الجملة بدلًا من "مسرورًا". و"أسارير" فاعل "تبرق". قال الشيخ تقي الدّين: "أسارير وجهه" يعني "الخطوط التي في الجبهة"، واحدها: "سَرَرٌ" و"سِرّ"، وجمعه: "أَسْرَارٌ"، وجمع "أسرار": "أَسِرَّة"، مثل: "خمار، وأَخْمِرة". وجمع الجمع: "أَسَارير". وقال الأصمعيُّ: "الخطوط التي تكون في الكفِّ مثلُها". و"السَّرَر" بفتح السين والراء، و"السِّرَ" بكسر "السين" (٢). قوله: "فقال النبي ﷺ : ألم تَرَيْ": حرف جزم، ومعها "همزة" التقرير، و"ترَيْ" مجزوم به، وعلامة جزمه حذف "النون"، والرؤية عِلمية. وسدّت "أنَّ" مسد مفعوليها، ولذلك فُتِحت، و"مجززًا" اسم "أن"، و"نظر" في محل خبرها، و"آنفا" ظرف زمان، وتقدّم في الحديث الرابع من "باب الذِّكْر". و"إلى زيد بن حارثة" يتعلق بـ "نظر"، و"أسامة بن زيد" معطوفٌ على "زيد"، وعلامة جرِّه الفتحة؛ لأنّه لا ينصرف. قوله: "فقال": معطوف على "نظر"، وكُسِرَت "إنَّ" لأنها بعد القول (٣)، و"هذه" اسمها، و"الأقدام" صفة الاسم، و"لمَنْ بعضٍ" اللام الداخلة في خبر "إنَّ"، و"من بعض" يتعلق بالخبر، أي: "لكائنة من بعض"، أو: "مخلوقة من بعض"، كقوله

стр. 1510

تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، أي: "مخلوقون من بعض" (١). قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو: " [وجاء] (٢) في لفظ"، ومعمول الفعل المقدّر: الجملة على الحكاية، أو تكون جملة "كان مجزِّز قائفًا" مبتدأ، والخبر في المجرور. و"مجزِّز" بكسر "الزاي" المعجمة المشدّدة، ونقل القاضي عياض في "الزاي" الفتح، ونقل: "مُحْرِز" بالحاء المهمَلة السّاكنة و [راء] (٣) مكسُورة (٤). الحديث [السادس] (٥): [٣٢٥]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ. فَإنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا" (٦). قوله: "ذُكِر العَزل لرسول اللَّه ﷺ ": الفعل مبني للمفعول، وهو "العزل"، وفاعل "قال" (٧): ضمير "النبي ﷺ ". و"لِمَ" استفهام حُذف ألفُه لدخول حرف الجر عليه (٨)؛ ليكون ذلك فرقًا بينها

стр. 1511

وبين الموصولة، وقد جاء إثبات "الألِف" (١)، ومنه في الحديث الصحيح: "بما أهللت" (٢)، وتقدّم الكلام عليها في الحديث السادس من "الاستطابة"، وأقسام "ما" في الحديث الأوّل من "التيمم". و"أحدكم": تقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل. و"ذلك": مفعول به، وتقديمه هنا جائز (٣). قوله: "ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم": أي: "لم ينه عنه"، وهي جملة معترضة لا محلّ لها. وتقدّم الكلام على "لَمْ"، وأنها حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]. وقد يرتفع الفعل بعدها، كقوله: لولا فوارسُ من نُعْمٍ وأسْرَتهم ... يوم الصُّليْفاء لم يُوفُون الجار (٤) وجاء النصب بها، كقراءة من قرأ: "أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ" (٥). قوله: "فإنه ليس نفس": تقدّم الكلام على كسر "إن" ومواضعها في الرابع من أوّل الكتاب، وتقدّم الكلام على "ليس" في الأوّل من "الحيض". و"نفس" اسمها، و"مخلوقة" صفة لـ "نفس"، و"إلا" حرف استثناء.

стр. 1512

وجملة "اللَّه خالقها" من مبتدأ وخبر في محلّ خبر "ليس"، أي: "ما نفس إلا مخلوقة للَّه"، فالاستثناء مُفرغ. الحديث [السابع] (١): [٣٢٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ" (٢). قال الشّيخ تقيّ الدّين: استدلّ "جابر" بالتقرير من اللَّه على ذلك، وهذا استدلال غريب، وكان يحتمل أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول ﷺ ، لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي إلا الاستدلال بتقرير اللَّه تعالى (٣). قوله: "كنا نعزل": "كان" واسمها الضمير المتصل بها، والخبر في جملة "نعزل". وتقدّم الكلام على "كنا" في الحديث الخامس من "باب جامع"، والثاني من "الصوم في السفر". وجملة "كان" معمولة للقول، والقول في محل خبر "أنَّ" مقدّرة، أي: "رُوي عن جابر أنه قال". وجملة "والقرآن ينْزل" في محلّ الحال من فاعل "نعزل"، و"الواو" واو الحال. قوله: "لو كان": تقدّم الكلام على "لو" في الحديث الأول من "الصلاة"، و"كان" تقدّمت في أوّل حديث من الكتاب. وجواب "لو": "لنهانا عنه". ويأتي جوابها بـ "اللام"، كما هو هنا، ويأتي بغير "لام"، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٧٠] (٤).

стр. 1513

وجاء في بعض النسخ: "لو كان شيء" بالرفع، على أنه اسم "كان"، وخبره: "يَنْهَى عنْه"، و"يَنْهَى" بفتح "الياء"، على أنه مبني للفاعل، ويجوز فيها الضّم على أنه مبني للمفعول. وفي بعض النسخ: "لو كان شيئا يَنْهَى عنه"، على أنّ "شيئًا" خبر "كان"، واسمها ضمير يعود على "العزل". وجملة "ينهى عنه" في محلّ صفة لـ "شيء". وتقدّم الكلام على "شيئًا" في الحديث الثّاني من "باب المرور بين يدي المصلي". الحديث [الثامن] (١): [٣٢٧]: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّه وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ" (٢) كذا عند مسلم، وللبخاري مثله (٣). قوله: "أنه سمع رسول اللَّه ﷺ ": "سمع" هنا متعلقة بالذوات، فالمختار أن يتعدّى لواحد، والفعل بعده في محل حال منه إن كان معرفة أو صفة إن كان نكرة (٤)، واختار الفارسي أن يكون الفعل في محل مفعول ثانٍ، أما إذا تعلقت بالأصوات فإنها تتعدّى إلى واحد لا غير (٥). و"أنه" مع خبرها في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجر.

стр. 1514

قوله: "ليس من رجُل": معمولة للقول، و"من رجل" اسم "ليس"، و"مِن" فيه زائدة؛ لأنها وقعت بعد نفي، وجملة "ادَّعى" في محلّ صفة لـ "رجل"، و"لِغَيْرِ" يتعلق بـ "ادَّعى"، و"أبيه" مضاف إليه، و"إلا" إيجاب للنفي، و"كَفَرَ" جملة في محل خبر "ليس"، فيكون الاستئناء مُفرغًا، وتقدّم الكلام على ["غير"] (١) في الحديث الأوّل من "باب استقبال القبلة". وجملة "وهو يعلمه" في محل الحال من ضمير "ادَّعى"، والتقدير: "من ادَّعى نسبًا". والضمير في "هو" للمدعِي. والضّمير في "يعلمه" يعود على "أبيه". قوله: "ومن ادَّعى ما ليس له": "ما" هنا نكرة موصوفة، وهذا المحل بها أقعد من الموصولة، وعلى هذا تكون جملة "ليس له" في محل صفة لـ "ما"، والضمير في "له" يعود على المدعِي. وفي تقديرها موصولة بمعنى "الذي" بُعد؛ لأنّ الموصولة تقتضي الخصوص والعهد، وليس هو المراد هنا، ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] أنّ "ما" فيه موصولة، ولا يصحّ أن تكون موصوفة؛ لأنهم لا يكونون مُؤمنين بإيمانهم [بشيء] (٢) من القرآن حتى يؤمنوا به كُله؛ لأنّ الشيء يقع على القليل والكثير (٣). و"مَنْ" هنا شرطية، ومحلُّها رفع بالابتداء، والخبر في فعلها أو في جوابها على الخلاف المتقدّم في العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرّابع منه. وتجب "الفاء" هنا في الجواب؛ لأنّ "ليس" من الأفعال التي لا تتصرف، و"الفاء" واجبة فيها، وهي: "ليس"، و"عسى"، وفِعلا التعجب، و"حبذا"، و"نعم"،

стр. 1515

و"بئس" (١). قوله: "وليتبوأ": "اللام" لام الأمر، و"يتبوَّأ" مجزوم بها، و"مقعده" مفعول "يتبوأ". يُقال: "تَبَوَّأ تَبَوُّءًا" (٢)، و"المْبَاءَةُ" و"الْبَاءَةُ": "المنْزل" (٣). ويظهر أنه يتعدّى لواحد بنفسه، ولآخر تارّة بنفسه وتارّة بـ "اللام". فمن الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ﴾ [آل عمران: ١٢١] فالأول: "المؤمنين"، والثاني: "مقاعد". ومن الثاني: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. وقيل: "اللام" فيه زائدة (٤). فقوله في الحديث: " [وَلْيَتبَوَّأْ] (٥) مقعده من النار" [مفعوله] (٦) محذوف، أي: "فليتبوأ لنفسه مقعده". و"مِنْ" يتعلق بـ "يتبوأ"، ويكون حالًا، أي: "فليتبوأ [مقعده] (٧) كائنًا من النار"، أي: "مقعدًا من النار"، فالحال مُقدّرة، فإن قدّرت "المقعد" مصدرًا بمعنى "القعود" [تعلق] (٨) به، ولكن لا يتمكّن معناه إلا على أنّ "المقعد" ظرف مكان، وظرفُ المكان لا يتعلّق به شيء. قوله: "ومَن دعا رجلًا بالكفر": "مَنْ" شرطية مبتدأ، و"بالكفر" يتعلق

стр. 1516

بـ "دعا"، لأنه بمعنى: "رماه بالكفر"، "أو قال: عدوَّ اللَّه" معطوفٌ عليه، و ["عَدُوَّ"] (١) منصوبٌ، أي: "قال: يا عدوَّ اللَّه"، ويحتمل الرفع "أو قال: هو عدوُّ اللَّه". قوله: "وليس كذلك": اسم "ليس" ضمير يعود على "المدعوِّ"، و"كذلك" في محل خبرها، أي: "وليس المدعوُّ كائنا كذلك". ويحتمل أن تكون "الكاف" خبر "ليس"، و"ذلك" مُضافٌ إليه، وفيه بُعد، والأوّل أشَدّ معنى. قوله: "إلا حَار عليه": الكلام فيه اقتضاب يُفسّره السياق، والمعنى: "من دعا رجلًا بالكفر أو قال عَدو اللَّه وكان كذلك فلا شيء عليه، وإن كان ليس كذلك حار عليه". ولأجْل ما في "ليس" من معنى النفي سَاغ دخُول "إلا" بين "مَن" وجوابها. فقوله: "حار عليه" جوابُ "مَن" الشّرطية، ولولا "ليس" لم يصحّ دخول "إلّا"؛ لأن الشرط واجب، والتفريغ لا يكون في الواجب، لو [قلت] (٢): "ضربتُ إلا زيدًا"، و"قمتُ إلا ضاحكًا" لم يصح. والاستثناء المفرَّغ إنما يكون في النفي أو في النهي أو المؤول بهما (٣)، فإن جاء ما ظاهره خلاف ذلك قُدِّرَ عُموم قبل "إلّا" حتى يصِحَّ الاستثناء من ذلك العموم، فلا يكون مفرَّغا، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] انتصب "متحرفًا" على الحال من ضمير "يُوَلِّهِمْ" المستكنّ العَائد على "مَنْ"، وفي الحقيقة هو استثناء من حال محذُوفة، أي: "ومن يُولهم [مُلتبسًا] (٤) بأيّ

стр. 1517

حال كان [إلّا] (١) في حال كذا" (٢). وإنما احتاجوا إلى هذا التقدير لأجل ما ذكرناه من شرط الاستثناء المفرَّغ. وأجازوا: "قرأتُ إلا يوم كذا" و"صُمتُ إلا يوم كذا" لأجْل العُموم (٣). قوله: "كذا عند مسلم": "كذا" جار ومجرور، وهو مركّب من "كاف" التشبيه واسم الإشارة (٤)، وقد تقدّم الكلام عليها مستوفًى في السّادس من "الزكاة". قوله: "وعند مسلم": هنا محذوف تقديره: "كذا جاء عند مسلم"، أو: "كذا رُوي عند مسلم"، فـ "عند مسلم" يتعلق بـ "جاء" المحذوف، و"كذا" يتعلّق به أيضًا، أو يتعلّق "عند" بمعنى التشبيه في "كذا"، وهو أجْوَد. قوله: [وللبخاري]: أي: "جاء مثله"، فيتعلّق "للبخاري" بـ "جاء"، و"مثله" فاعل. وللشّيخ تقيّ الدِّين كَلام على هذا الحديث جيد ينبغي للطالب تحصيله والاعتماد عليه، فلينظر في موضعه من كتابه (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 1518

[كتاب الرَّضاع] (١) الحديث [الأوّل] (٢): [٣٢٨]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: "لا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ" (٣) قوله: "عن ابن عباس": تقدّم الكلام على "عن" في الثالث من "باب الصفوف"، وتجيء بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] (٤)، ومنه قول امرئ القيس: تَصُدُّ وَتُبْدي عَنْ أَسيلٍ وتَتَّقِي ... بِنَاظِرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (٥) وتجيء بمعنى "على" (٦)، كقوله: لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُوني (٧) أي: "فتسوسني". قوله: "قال رسول اللَّه": التقدير: "أنه قال".

стр. 1519

قوله: "في بنت حمزة": أي: "في نكاح بنت حمزة". [قوله] (١): "لا تحلّ لي": أي: "لما ذُكِر له نكاحُها قال: لا تحلّ لي"، يحتمل أن تكون الجملة في محلّ خبر مبتدأ محذوف، أي: "هي لا تحلّ لي"، ويحتمل أن تكون معمولة للقول. قوله: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب": "الرَّضاعة" و"الرَّضاع" بالفتح، وبالكسر قليل، يُقال: "رضع الصبي، يرضع، رَضاعًا"، مثل: "سمع، يسمع، سماعًا" (٢). قال الجوهري: وأهلُ نجْد يقولون: "رضع"، "يرضع"، "رضعًا"، مثل: "ضرب، يضرب، ضربًا" (٣). ويقال: "امرأة مُرضع"، إذا كان من شأنها أن تُرضع، وإن لم تُباشر الإرضاع في حال وصفها به، وأمّا في حال الإرضاع فـ "مُرضعة"، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] (٤). قال في "الكشاف": وقيل: "مُرضعة" ليدلّ على أنّ الهول يوم القيامة إذا فُوجئت به هذه، وقد ألقمت "المرضَع" ثديها نزعته من فَمه لما يَلحَقها من الدّهش (٥).

стр. 1520

الحديث [الثّاني] (١): [٣٢٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلادَةِ" (٢). [٣٣٠]: وَعَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "إنّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا أنْزِلَ الحجَابُ، فَقُلْت: وَاللَّهِ لا آذَنُ لَهُ حَتَّى أسْتَأْذِنَ رسول اللَّه ﷺ فَإنَّ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ: لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَني، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْني امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ فَيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْني امْرَأَتُهُ. قَالَ: ائْذَنِي لَهُ؛ فَإنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك" (٣). قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: "حَرِّمُوا مِنْ الرِّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ". وَفي لَفْظٍ: "اسْتَأْذَنَ عَليَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ. فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ" (٤). [٣٣١]: وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَليَّ النبيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا؟ قُلْت: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إخوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ" (٥). قوله: "إن الرضاعة تُحَرِّم": كُسرت "إنّ" لأنها وقعت بعد القول (٦)، وجملة

стр. 1521

"تُحَرِّم" في محل خبر "إنَّ". قوله: "ما يَحْرُم من الولادة": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، و"يَحْرُم" مبني للفاعل مخففًا، وفاعله ضمير يعود على "ما"، و"من الولادة" يتعلق بـ "يحرُم"، والجملة من "ما" وصلتها في محلّ مفعول. وفاعل "تُحَرِّم" -المشدّدِ "الرّاء"- ضمير يعود على "الرَّضاعة"، والمراد: "إن الرضاعة تُحَرّم مثل تحريمٍ يُحَرَّم من الولادة"، وبهذا التقدير يتم المعنى. قوله: "وعنها": أي: "وعن عائشة"، معطوفٌ على ما قبله، فالتقدير: "وروي عنها أنها قالت"، فـ "أنها" في محلّ رفع بـ "رُوي". قوله: "أنَّ أفلح. . . إلى آخره" معمولُ القول. و"أخا أبي القعيس": بدَل من "أفلح"، وعلامة نصبه "الألِف". و"أبي" مُضاف إليه، وعلامة جره "الياء"، و"القعيس" مضافٌ إليه. وجملة "استأذن عليَّ" في محل [خبر] (١) "أنَّ". والعاملُ في "بعد": "استأذن"، و"ما" بعد "بعد" مصدَريّة، أي: "بعد إنزال الحجاب"، أي: "آية الحجاب"، أو "حُكم الحجاب". و"أُنزل" مبني لما لم يُسمّ فاعله، و"الحجابُ" مفعول لم يُسمّ فاعله. قوله: "فقلت": معمول القول جملة القسَم وجوابه، وتقدّم الكلام على حروف القسَم في العاشر من "الصلاة"، وجواب القسم [في الثاني] (٢) من "باب الصفوف". والجواب هو حرفُ النفي. [و"اللام" في "له"] (٣) للتبيين.

стр. 1522

قوله: "حتى أستاذن": الفعلُ منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى". وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"رسول اللَّه" مفعول بـ "أستأذن"، وتقدّم الكلام على "رسول" في [الحديث] (١) الأوّل من "باب التشهد". قوله: "فإن أخا أبى القعيس": تقدّم مثله. و"ليس هو أرضعني": جملة في محلّ خبر "إنّ". وتقدّم الكلام على "ليس"، واسمها ضمير يعود على "أخا أبي القعيس"، وهو تأكيدٌ له. ويحتمل أن يكون "هو" فصل، [أي] (٢): "ليس [أرضعني] (٣) "، فلا يكُون لها محلّ من الإعراب، على الصّحيح. أو يكون "هو" مبتدأ، و"أرضعني" جملة في محلّ الخبر. قوله: "ولكن أرضعتني امرأته": تقدّم الكلام على "لكن" في الحديث الأوّل من "باب الحيض". قوله: "فدخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ": أي: "دخل البيت"، "فقلت: يا رسول اللَّه، إنّ الرجُل. . . "، هذا الكلام فيه اقتضاب؛ لأنّ الذي وقع قولها: "واللَّه لا آذن له. . . إلى آخره"، فاقتصرت عن كلامها المتقدّم، وأتت بالمقصود من ذلك. قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : ائذني له": الجملة معمولة للقول، وسيأتي القول في "أَذِن"، وتقدّم في العاشر من "باب [فسخ] (٤) الحج".

стр. 1523

قوله: "فقلت: إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته": هذه الجملة كلها تقدّمت من قولها الأوّل، وإنما كسرت "همزة" الأمر لأنه من "أَذِنَ، يَأْذَنُ" ثلاثي الماضي، مفتوح عين مُضارعه، فكسر أوّله على القَاعدة (١)، وأبدِلت "همزة" الفعل "ياء" لانكسار ما قبلها (٢). قال النحاس: "أذن" إذا دخل عليها "الواو" و"الفاء" فهجاؤها في الخط: "ألف وذال ونون" بغير "ياء". وأما إن دخلت "ثُم" فهجاؤها: "ألف وياء وذال ونون". [والفرق] (٣): أنّ "ثُم" يُوقف عليها وينفصل، بخلافهما (٤). قوله: "فإنه عمُّكِ، تربت يمينك": "الفاء" هنا فيها [معنى] (٥) التعليل والسببية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢]، ونحو: "ائتني فإنى أكرمك" (٦). و"تربت يمينك": بمعنى: "استغنت"، وقيل: بمعنى "افتقرت"، والعرب تستعملها لا تريد به معناها (٧). قوله: "قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول": "الباء" كما تقدّم سببية، أي "بسبب ذلك كانت عائشة تقول".

стр. 1524

قوله: "وفي لفظ: استأذن عليَّ أفلح": تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، وسيأتي مثله. قوله: "فلم آذن له": معطوفٌ على "استأذن عليّ أفلح". وجملة "استأذن" معمولة لمتعلّق حرف الجر. قوله: "فقال" أي: "أفلح": "أتحتجبين": "الهمزة" للإنكار، و"تحتجبين" فعل مضارع وفاعل، وهو "الياء"، و"النون" علامة الرفع. و"مِنِّي" متعلق بـ "تحتجبين". وفي "من" معنى السببية، وذلك إشارة إلى معنى العُمومة. وجملة "وأنا عمّك": حالٌ من الفاعل. قوله: "فقلت: كيف ذاك": "ذاك" مبتدأ، والخبر "كيف"، وتقدّم الكلام على "كيف" في الحديث العاشر من "صفة الصلاة". قوله: "قال" أي: "أفلح": "أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي"، فـ "أرضعتك" فعل وعلامة التأنيث ومفعول، و"امرأة" فاعل، و"بلبن" يتعلق بحال، أي: "متلبسة بلبن أخي"؛ لأنّ اللبن للفحل. قوله: "فسألت رسول اللَّه ﷺ ": معموله محذوف، أي: "عن ذلك". "فقال: صدق" فاعله: ضمير "أَفْلَح". قوله: "وعنها": الإعراب واحد، إما أن تقدّر: "وجاء في لفظ"، [أو: "روي] (١) في لفظ". أو تقدّر الجملة مبتدأ على الحكاية، والخبر متعلّق للمجرور. قوله: "قال دخل عليَّ النبي ﷺ ": الجملة معمولة للقول، و"عليَّ" يتعلّق بـ "دخل"، ومفعول "دخَل" محذوف، أي: "البيت"، وقيل: هو [ظرْف] (٢). وتقدّم الكَلام على "دخل" في الرابع من "باب الاستطابة".

стр. 1525

قوله: "وعندي رجلٌ": مبتدأ وخبر، الخبر في الظّرف. قوله: "فقال: يا عائشة": معطوفٌ على "رجُل"، وهو جملة مُعترضة. و"مَن هذا؟ " مبتدأ وخبر، وكلاهما مبنيٌّ. فأمّا "مَن": فلأنها من أسماء الاستفهام، وأسماء الاستفهام بُنيت لتضمّنها معنى حرف الاستفهام (١). وأمّا "هذا": فمن أسماء الإشارة، وبُنيت؛ لأنها افتقرت إلى مُشار إليه. قوله: "قلتُ: أخي من الرضاعة": "أخي" خبر مبتدأ محذوف، أي: "هو أخي"، والجملة معمولة للقول، و"من الرضاعة" يتعلّق بحال، أي: "أخي كائنًا من الرضاعة"، أو يتعلّق بـ "أخي"؛ لأنه بمعنى "مُؤَاخٍ من الرضاعة". قوله: "فقال" أي: "النبي ﷺ ": "يا عائشة" معمولُ القول. و"انظرن" بمعنى: "اعرفن"، يتعدّى إلى مفعول واحد، ولكن [علّق] (٢) عنه بالاستفهام؛ فـ "مَن" مبتدأ، و"إخوانكن" خبره، والجملة في محل نصب بـ "انظرن". قوله: "فإنما الرّضَاعة من المجَاعة": "إنما" هنا للحَصر التام، و"الرضاعة" مبتدأ، و"من المجاعة" يتعلّق بالخبر، وتقدّم الكلام على "إنما" في أوّل حديث من الكتاب، وعلى "مِن" الجارة في الحديث العاشر من أوّل الكتاب. قال الشيخ تقيّ الدّين: "إنما" للحصر، لأنّ المقصود هو [حصر] (٣) الرضَاعة المحرِّمة في المجاعة، لا مجرّد إثبات الرّضاعة في زمَن المجَاعة (٤).

стр. 1526

قال (١): وفي الحديث استعمال "إخوان" في غير الأصدقاء، وهو أكثر ما يُستعمَل فيهم عند أهل اللغة، و"الإخوة" في الولادة؛ فكأنه حُمل على [الأصدقاء] (٢)، ولو حُمل على النَّسَب لصح أيضًا، فكأنه فرع دار بين أصلين. وقد جمع أيضًا بالواو والنون (٣). قال الشاعر: وَكَانَ بَنُو فَزَارَةَ شَرَّ قَوْمٍ ... وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرِّ بَنِي الأَخِينَا (٤) الحديث [الثالث] (٥): [٣٣٢]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّج أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرسول اللَّه ﷺ ، قَالَت: فأعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فتَنَحَّيْت فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: "كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتكُمَا" (٦). قوله: "عن عقبة أنه. . . ": قال: "إنني تزوجتُ"، ثُم حَكى الرّاوي عنه بضمير الغَيبة، ولذلك فتح "أنّ"؟ ؛ لأنه أعمَل في محلّها متعلّق حرف الجر. ولو أتى بالكلام على ما حكاه لقال: "إنني" بكسر "إن"؛ لأنها في ابتداء الكلام (٧). و"أُمّ" تقدّم الكلام عليها [وجمعها] (٨)، وأصلها: "أمهة"، ولذلك تجمَع على: "أمهات"، وتصغيرها: "أُمَيْمَة" (٩)، ويُقال: "يا أُمة لا تفعلي"، . . . . . .

стр. 1527

"يا [أبة] (١) افعل"، يجعلون علامة التأنيث عوضًا من "ياء" الإضافة، ويُوقف عليها بـ "الهاء" (٢). قوله: "يحيى": تقدّم الكلام على "يحيى"، وأنه اسم أعجمي عَلَم، وقيل: عربي، مضارع "حيى"، وامتنع صرفه للعَلَمية والوزن. وعلى القولين يجمع على: "يَحْيَوْنَ" بحذف "الألِف" وفتح ما قبلها، في مذهب الخليل وسيبويه. وعن الكوفيين: إن كان عربيًا فتحت "الياء"، وإن كان [أعجميًا] (٣) ضمّت "الياء" (٤). قوله: "بنت" صفة لـ "أم"، أو بَدَل منه. قوله: "فجاءت أَمَةٌ سوداءٌ": يحتمل الكلام وجهين، أحدهما: تقدير الكلام على ما هو عليه من الحكاية عن عقبة بن الحارث؛ فيكون تقدير الكلام: "فجاءته أمة سوداء"، وحذف المفعول. ويحتمل أن يكون الكلام رجع إلى حكايته عن نفسه، فيكون التقدير: "فقال: جاءت أمة سوداء"، وهذا أظهر؛ لأنه قال بعد ذلك: "فقالت: قد أرضعتُكما"، وهذا لا يتوجّه إلا على هذا التقدير. و"سوداء": لا ينصرف؛ لألِف التأنيث الممدودة. قوله: "فقالت": معطوفٌ على "جاءت"، والتقدير: "قالت لهما": "قد

стр. 1528

أرضعتُكما". قوله: "فاعرض عني": معطوفٌ على "فذكرت". "قال: فتنحيت، فذكرت": معطوف عليه، و"ذلك" مفعول به. والضمير في "له" يعود على "النبي ﷺ ". قوله: "فقال" أي: "النبي ﷺ ": " [كيف] (١) وقد زعمت؟ ": "كيف" هنا في محل نصب بفعل مقدّر، أي: "وكيف يصنع وقد زعمت"، أو تكون خبر "كان" مُقدّرة، أي: "كيف يكون بقاؤك معها وقد زعمت؟ ". ويحتمل أن تكون في محلّ نصب على المصدر، أي: "أيَّ فعل تفعل وقد زعمت؟ ". و"زعمت" هنا من أفعال القلوب التي تتعدّى إلى مفعولين، و"الواو" واو الاستئناف، والجملة لا محلّ لها، وإن قدّرت: "كيف يُترك قولهُا وقد قالت"، احتملت الحال من ضمير المرأة السوداء. قوله: "أنْ قد أرضعتكما": "أنْ" المخففة من الثقيلة سدّت مسد مفعولي "زعم"، ودخلت "قد" بينها وبين الفعل لأنه شرطها لتكون علامة عليها، ويكون ذلك بـ "السين" أو بـ "سوف" أو "قد" أو بـ "لو"، أو يكون الفعل فيه معنى الدّعاء (٢)، وقد تقدّم الكلام عليها في السّادس من "الصوم"، وفي الثّاني من "باب تسوية الصفوف". ويحتمل أن تكون "زعمت" هنا بمعنى "قالت"، وتكون "أنْ" مفسّرة؛ لأنه تقدّمها معنى قول. ومصدرُ "زَعَم": "زعمًا"، يجوز فيه الضمّ والفتح والكسر (٣)، وقيل: الضمّ

стр. 1529

الاسم، والفتح المصدر (١). الحديث [الرابع] (٢): [٣٣٣]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ- فتَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمُّ. فتَنَاوَلَهَا عَليٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك. فَاحْتَمَلْتُهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَليٌّ [وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ] (٣)، فَقَالَ عَليٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زيدٌ: ابْنَةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النبي ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وَقَالَ لِعَليٍّ: "أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك". وَقَالَ لِجعْفَرٍ: "أَشْبَهَتْ خَلْقِي وَخُلُقِي"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: " [أَخُونَا وَمَوْلانَا] (٤) " (٥). قوله: "خرج رسول اللَّه ﷺ يعني من مكة": جملة "يعني من مكة" معترضة لا محلّ لها، وجملة "خرج" [معمولة للقول، والقول] (٦) في محلّ خبر ["أنَّ" مُقدّرة] (٧) لتقوم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله للفعل المتعلّق به حرف [الجر] (٨). قوله: "فتبعتهم ابنةُ حمزة": تقدّم الكلام على "ابنة" في الأول من "الحيض"، وفي الرابع من "كتاب النكاح". " [تنادي] (٩) يا عم": أي: "تقول: يا عم". وجملة "تنادي" في محل الحال من

стр. 1530

"ابنة حمزة". قوله: "فتناولها عليٌّ، فأخذ بيدها": يحتمل أن يكون "أخذ بيدها" بعد تناوله إياها، ويحتمل أن يكون تفسير تناوله لها؛ فتكون [بدلا] (١). قوله: "وقال لفاطمة: دونَكِ ابنةَ عمِّكِ": "دُونَ" هنا اسم فعل منقول من الظرف (٢)، مثل "عليك" منقول من حرف الجر، و"عندك" منقول من الظرف. وفيها ضمير فاعل؛ لأنها بمعنى: "خُذي" و"امسكي"، واتصل جها ضَمير آخر، وهو "الكاف". ومحلّ "الكاف" قبل استعماله اسم فعل: جَر بالإضَافة، وبعد أن نُقِلت: الجر بالإضافة أيضًا، لكن اختلف معنى الإضافتين، الأولى: إلى ظرف، والثانية: إلى اسم فعل، فإذا جئت [بتابع] (٣) لها جاز أن ترفعه حملًا على ضمير الفاعل، وجاز جرُّه حملًا على "الكاف"، فتقول: "عليكم أجمعون" و"أجمعين" (٤). و"ابنةَ" منصوب باسم الفعل. قوله: "فاختصم فيها علي وزيد وجعفر": أي: "في حضانتها". قوله: "فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها": جملة كُبرى وصغرى، فالكُبرى: "قال عليّ"، و"أنا أحَقّ بها" صُغرى؛ لأنها معمولة للقول، ومثل هذا قول جعفر. قوله: "وخالتُها تحتي": أي: "زوجتي وفي نكاحي"، وهو معطوفٌ على ما قبله. قوله: "فقضى بها رسول اللَّه ﷺ لخالتها": أي: "قضى بحضانتها لخالتها"، فهو معطوفٌ على ما قبله. و"اللام" للاختصاص.

стр. 1531

و"قضى" هنا بمعنى: "حَكَم". ويحتمل أن يكون بمعنى: "أمر"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (١). قوله: "وقال الخالة بمنزلة الأم": "الخالة" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"الباء" هنا ظرفية، أي: "مُنَزَّلةٌ منْزلةَ الأم". ولو قال: "الخالة منزلة الأم"، على أنه ظرف، صحَّ، أي: "كائنة منزلة". قوله: "وقال لعلي": أي: "النبي ﷺ ": "أنت مني" يحتمل: "أنت مني في النسب"، "وأنَا منْك" فيه. ويحتمل "أنت مني" معنى آخر، وهو أنَّ أولاد فاطمة بَضعة منها، وهي بَضعة من النبي ﷺ ، فصار أولاد عليٍّ بَضعة من النبي؛ لأنّ بعض البعض جُزء من الكُل، فَبكوْنِهم من عليٍّ حصَل اشتراك حسّي بين علي كرّم اللَّه وجهه وبين النبي ﷺ [على] (٢) غير النسب الأعلى، وهذا يظهر معناه. ويحتمل أن يكون التقدير: "عليٌّ ولدُه منِّي". واللَّه أعلم. و"مِنْ" في هذه التقديرات كلها تبعيضية. واللَّه أعلم بمُراده ﷺ . والضّميران مبتدآن، والخبر في المجرور بعد كُل واحد منهما. قوله: "وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلُقي": جملة "أشبهتَ" خبر مبتدأ محذوف، أي: "أنت أشبهت خلقي"، المراد: "خلقتي"؛ لأنّ "الخلق" هنا مصدر صفة فعل، لا صفة ذات. قوله: "وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا": وهذا جاء من النبي ﷺ تطييبًا

стр. 1532

لأنفسهم، وإعلامًا لهم بمنزلتهم منه ﵃، وحشرنا في زُمرتهم بكَرَمه. وإنما طلب زيد الحضانة لتوهّمه أنّ المؤاخَاة التي واخى النبي ﷺ بينه وبين حمزة تتنزَّل منزلة أخُوّة النسب في استحقاق الحضَانة. * * *

стр. 1533

كتاب القصاص الحديث الأوّل: [٣٣٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ" (١). تقدّم [أوّل الكتاب] (٢) ذكْر "الكتاب" ومعناه، و"الحديث" ومعناه، و"الأوّل" وتصريفه؛ فانظره هنالك. قوله: "لا يحل": جملة معمولة للقول، والقول معمول للقول الأوّل، والقول الأوّل معمول لمتعلّق حرف الجر بتقدير "أن". وتقدير الكلام هنا: "لا يحلّ سفك دم" أو "اهراق دم"، فهو على حذف مُضاف. وتقدّم في الحديث السادس من "الزّكاة": "مرء" و"امرؤ". وتقدّم الكلام على "دم" و"يد" مما هو منقوص غير مقيس، في الحديث الثّالث من "باب الصفوف". و"مسلم" صفة لـ "امرئ". و"يشهد أن لا إله إلا اللَّه" في محلّ صفة بعد الصّفة، وهي كالتفسير للإسلام. قوله: "أن لا إله إلا اللَّه": "أنْ" هنا هي المخفّفة من الثقيلة، [بدليل أنه] (٣) عطف عليها "وأني رسُول اللَّه"، ولأنّ "الشّهادة" بمعنى "العلم"؛ لأنّ شرطها أن يتقدّمها علم أو ظنّ، أو ما في [. . .] (٤)، فالتقدير: "يشهد أنه لا إله إلا اللَّه"، فحذف

стр. 1534

اسمها، وبقيت الجملة في محلّ الخبر (١)، كقول الشاعر: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفي وينتعل (٢) فـ "كل من يحفى" مبتدأ، والخبر: "هالك" متقدّم، والجملة في محلّ خبر "أن". وتقدّم الكلام على إعراب "لا إله إلا اللَّه" في الأوّل من "باب التيمم". وجملة "أني رسول اللَّه" معطوفة على الجملة قبلها. قوله: "إلا بإحدى ثلاث": يتعلّق حرف الجر بحال، والتقدير: "إلا متلبسًا بفعل إحدى ثلاث"؛ فيكون الاستثناء مُفرغًا؛ لعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها. ثم المستثنى منه يحتمل أن يكُون من "الدّم"؛ فيكون التقدير: "لا يحلّ دَم امرئ مُسلم إلا دمه متلبسًا بإحدى الثلاث". ويحتمل أن يكُون الاستثناء من "امرئ"؛ فيكون التقدير: "لا يحلّ دم امرئ مُسلم إلّا امرأ متلبسًا بإحدى ثلاث خصال"، فـ "مُتلبسًا" حال من "امرئ"، وجاز؛ لأنّه وصف (٣)، أو يكون صفة حُذف موصُوفها، وقامت الصّفة مقامه، وهي "المحرم". وإذا ثبت ذلك: فـ "الثيب" بالنصب بَدَل من "دم امرئ مسلم"، وكذلك ما عُطف عليه. و"امرأ" منصوبٌ بالاستثناء المتصل. فإن قدّرت: "إلَّا دَم امرئ مسلم" جاء فيه الجر، أي: "إلا دَم الثيب ودَم النفس بالنفس ودم التارك". وإن قدّرته مقطوعًا، وقدّرت: "هو الثيب" كان مرفوعًا، أي: "هو الثيب"، و"هو النفس بالنفس" أي: المتلبّسة بقتل النفس، و"هو التارك".

стр. 1535

ويجوز [نصبها] (١) بفعل، أي: "أعنى الثيب". والرّواية تحكُم على ذلك كله. ويُقال: "ثيب" للرجُل وللمرأة، بشرط أن يكُون الرجُل تزوّج ودخَل بزوجته، وكذلك المرأة. (٢) قوله: "الزاني": يُروَى بـ "النون" من غير "ياء" (٣) ويُروى [بـ "الياء"] (٤)، وهو الأصل. والأوّل جرى على حذف "الياء" اكتفاء بالكَسرة. ومنه قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وهذا فيما فيه ألِف ولام. فإن لم يكونا فيه: فالأشهَر الحذف في الرّفع والخفض، نحو: "هذا قاض" و"مررتُ بقاض"، عكس الأوّل. وأمّا في النصب: فليس إلا إثبات "الياء"، نحو: "رأيتُ القاضي" و"أجبتُ الدّاعي"؛ لأنه بالحركة صارت بمنزلة الصحيح. وإن كان مجرّدًا من الألِف واللام -أعني المنصُوب- فالوقف عليه بـ "الألِف"، تقول: "رأيتُ قاضيًا" و"أجبتُ داعيًا"، لا تحذف "الألِف" لتحرّكها. (٥)

стр. 1536

قوله: "والنفس بالنفس": "الباء" فيه للمُقابلة، أي: "ويحلّ سفك دم النفس بسبب قتله للنفس المعصومة"؛ فتكون "الباء" سببية. و"النفس" مبتدأ، و"بالنفس" متعلق بالخبر، والتقدير: "مأخوذة بالنفس". وجاز تقديم غير الكون والاستقرار؛ لأنّ الإعراب يدور على المعنى. قوله: "والتارك لدينه": أي: "وبالردّة". و"اللام" في "لدينه" للتقوية. ولو قال: "والتارك دينه" صحّ. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] (١). الحديث الثاني: [٣٣٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاء" (٢). قوله: "أول": مبتدأ، و"مَا" نكرة موصوفة. و"يُقضى" مبني لما لم يُسم فاعله، في محلّ الصفة. والعائد: الضّمير في "يُقضى". والتقدير: "أوّل قضاء يُقضى". و"بين" ظرفُ مكان، متوسّط (٣)، وقد يُعرَب، قال اللَّه تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. وإنما تدخُل فيما يُمكن فيه [البينية] (٤). وتنتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها "ما"، نحو: "بينما"، أو الألِف، نحو: "بينا"، ويكون التقدير: "بين أوقات كذا" (٥). . . . . .

стр. 1537

وقد [تقدّم] (١) في الثّالث من "باب السواك". قوله: "أوّل": تقدّم في الحديث الأوّل من الكتاب. وتقدّم أقسام "ما" في أوّل حديثٍ من "باب التيمم"، و"الناس" في الثّالث من "باب الخسوف". والعاملُ في "بين": "يُقضى". و"يوم" ظرفُ زَمَان مُقدّر بـ "في"، والعاملُ فيه: "يُقضى" أيضًا. قوله: "في الدّماء": في محلّ خبر عن "أوّل"، فيتعلّق حرف الجر بالاستقرار المقَدّر؛ [فيكون] (٢) التقدير: "أوّل قضاء يُقضى كائن -أو مُستقر- في الدِّمَاء" (٣). [الحديث الثالث: [٣٣٦]: عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: انْطَلَق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ] (٤) إلَى [خَيْبَرَ، وَهِيَ] (٥) يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّه بْنِ سَهْلٍ -وَهُوَ [يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا] (٦) - فَدَفْنه، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلِ وَمحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكَلَّمُ،

стр. 1538

فَقَالَ: "كَبِّرْ، كَبِّرْ -وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ- فَسَكَتَ، فَتكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلم نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ ". قَالُوا: كَيْفَ نأخذ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارِ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ (١). [٣٣٧]: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ". قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالُوا: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، قَوْمٌ كُفَّارٌ (٢). وَفِي حَدِيثِ [سَعِيدِ] (٣) بْنِ عُبَيْدٍ: فكَرِهَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ (٤). قوله: "قال: انطلق عبد اللَّه": الفاعلُ (٥): ضميرُ "سهل". و"محيصة" معطوفٌ على "عبد اللَّه"، و"ابن مسعود" صفته. و"خيبر" لا ينصرف، غَلّب البقعة (٦). وتقدّم ذكْر ما ينصرف من المواضع في الحديث السّادس من "الزكاة". قوله: "وهي يومئذ صُلح": أي: "وأهلها يومئذ ذوو صلح". و"صُلح": اسم مصدر. و"الصّلح" و"الصّلاح": ضد "الفساد". يُقال: "صَلَح الشيء، يَصلُح، صُلوحًا"، مثل "دَخَل، دخُولًا". و"الصِّلاح" [بالكسر] (٧):

стр. 1539

مصدر "المصالحة". والاسم: "الصّلح" (١). والعاملُ في "يومئذ": معنى "صُلح"؛ لأنه بمعنى "مُصالحين". وإن قدّرت "ذات صلح" صحّ أن تعمل "ذات"؛ لأنها بمعنى "صاحبة"، ولا يعمل "صُلح"؛ لأنه اسم مصدر، واسمُ المصدر حكمه حُكم المصدر، لا يعمل فيما قبله إلا بتأويل. وقد تقدّم أنه يعمل إذا لم يكن مُنحلًّا إلى "أنْ" (٢). ويصح أن يكون التقدير: "وهي ذات صُلح يومئذ"، ثم تقدّم بعد أنْ كان صفة؛ فانتصب على الحال. قوله: "فتفرقا": الضمير يعود على "عبد اللَّه بن سهل ومحيصة". قوله: "فأتى محيصة": فعل ماض، و"محيصة" فاعله. والجملة معطوفة على ما قبلها. قوله: "وهو يتشحّط في دَمه": في محلّ الحال من "عبد اللَّه بن سهل". و"قتيلًا" حالٌ من الضّمير في "يتشحّط". قوله: "فدفنه": معطوفٌ على "يتشحط"، وكذا: "ثُم قَدم المدينة". قوله: "ابنا مسعود": صفة لـ "حويصة" و"محيصة". وجاء فيهما التشديد والتخفيف.

стр. 1540

قوله: "فذهب عبد الرحمن": هو أخو المقتول. و"ذَهَب" مُضمّن معنى "أراد"، أي: "أراد أنْ يتكلّم"، ثم حذف "أنْ"؛ فارتفع الفعْل. وقد جاء النصب بتقديرها، في نحو قولهم: "مُره يحفرها". [وقوله] (١): ألا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضرُ الوَغَى ... . . . . . . . . . . . . (٢) أي: "عن أنْ أحضُرَ". وجاء فيه الرّفع والنّصب. (٣) ويحتمل "يتكلّم" هنا الوجهين. لكن الرّواية [الرّفع] (٤). ويحتمل أنْ يكُون "يتكلّم" في محلّ الحال، أو يكُون "ذهَب" بمعنى "اندَفَع"، أو يكُون حالًا مُقدّرة. قوله: "فقال": فاعله: ضميرُ "النبي ﷺ ". وجملة "كَبّر كَبّر" معمُولة للقَول. وكرّر "كَبّر" تأكيدًا. قوله: "وهو أحْدَث القَوم": جملة مُعترضة، لا محلّ لها. وتقدّم الكَلامُ على الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "فسكَتَ، فتكلما": معطوفٌ، ومعطوفٌ عليه. والضّمير في "فتكلّما" يعود على "حويصة ومحيصة". قوله: "فقال": فاعله: ضمير "النبي ﷺ ". و"الهمزة" في قوله: "أتحلفون" للاستفهام. و"تحلفون" فعل، وفاعل.

стр. 1541

و"النون" علامة الرفع. قوله: "وتستحقون": في هذه الجملة معنى التعليل؛ لأنّ المعنى: "أتحلفون لتستحقوا". وقد جاءت "الواو" بمعنى التعليل في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤]، المعنى: "أو يُوبقهن بما كسَبوا ليعفُوَ" (١). وعلى [هَذا] (٢): يجوز: "وتستحقّوا"، كَما جَاز في الآية. قالوا: وكذلك كُلّ "واو" انتصبت [للعلة] (٣). [. . .] (٤) دم قاتلكم"، والتقدير: "دم قاتل صَاحبكم"، [فحذف المضاف (٥). . . . ـكاية] (٦) من الرّاوي. ويحتمل [أن يكُون "صاحبكم"] (٧) بمعنى "غريمكم"؛ فلا يحتاج إلى تقدير (٨). قوله: "قالوا: وكيف نحلف؟ ": "كيف" هنا سُؤال عن [حال. وقد يصحبها] (٩) معنى التقرير (١٠). وأكثر ما تُستعمل استعمال "ما". والشّرط بها قليل، والجزْم بها غير [مسمُوع] (١١). . . . .

стр. 1542

[وسيبويه] (١) يقول: هي ظرف. ويقع المبتدأ بعدها، وهي في موضع خبره، ويقع بعدها الجمل. (٢) ويجوز [فيها هنا] (٣) على مذهب الأخفش أن تكُون حالًا، أي: "أغير محقّقين نحلف"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، التقدير: "أمُعاندين". (٤) ويصح أن تكُون بمعنى المصدر، أي: "أيّ حَلف نحْلف". وردّ ابن عصفور وقوع "كيف" حالًا؛ لأنها استفهام، فلا يصحّ وقوعها حالًا (٥). وتقدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "كتاب الصلاة"، وفي العاشر منه. قوله: "فقال: [فتبرئكم] (٦) ": الفاعلُ: ضميرُ "النبي ﷺ ".

стр. 1543

و"تُبرئكم": من "أبرأ"، "يبرئ" (١). و"يهود" لا ينصرف؛ للتعريف والتأنيث (٢). قال أبو حيان: "الياء" أصلية، ليست من مادة "هود"؛ لثبوت "الياء" في التصريف؛ يقال: "هاد، يهيد". وقال الشلوبين: في "يهود" وجهان، أحدهما: أنه جمع "يهودي"؛ فتكون نكرة [مصروفة] (٣). والثاني: أن تكُون عَلمًا لهذه القبيلة (٤). قوله: "بأيمان خمسين": يتعلّق حرف الجر بـ "تبرئكم". و"خمسين" مضاف إليه. و"رجلًا" منصوبٌ على التمييز. و"منهم" يحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "خمسين"، أي: "بخمسين كائنين منهم"، أو بصفة لـ "رجل". قوله: "قالوا": يعني: "حويصة ومحيصة"، أو من معهم: [كيف نأخُذ": "كيف" تحتمل المصدَر، كما تقدّم، أو ظرفًا على مذهب سيبويه. و"نأخذ" هنا بمعنى "نقبل". وتحتمل الحال على مذهب الأخفش، والتقدير: "أمجبرين أو مخيرين نأخُذ أيمانهم". و"أيمان": جمع "يمين"، جمع [قلّة] (٥). (٦) و"قوم" اسم جمع. و"كفار" جمع كثرة. ولو رُوي: "بأيمان" بالتنوين صَحّ؛ ويكون "خمسين" صفة له، ويكون "منهم" متعلّق بصفة لـ "أيمان" أو لـ "خمسين".

стр. 1544

وصحّت الصّفة بالعَدَد، وإن كان جامدًا، كما صحّ في قوله ﷺ : ". . . النَّاسَ كَإبِلٍ مِائَةٍ" (١). (٢) والعَربُ تصف بأسماء العَدد كثيرًا؛ أنشد سيبويه (٣): فلو كنت في جُبٍّ ثمانين قامة ... ورُقّيتَ أسبابَ السماءِ بسُلّم (٤) قوله: "وفي حديث [سَعِيدِ] (٥) بن عبيد: فكره رسول اللَّه ﷺ أنْ يبطل دمه": "أنْ" مع الفعل في محلّ مفعول "كَره". قوله: "فوداه بمائة": معطوفٌ على "كَره". و"الفاء" سببية. وهنا محذوفٌ، أي: "فوَدَاه بمائة بعير مِن إبل الصّدقة"؛ فيتعلّق "من إبل" بصفة لـ "مائة"، و"الصّدقة" مُضاف إليه.

стр. 1545

الحديث الرابع: [٣٣٨]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَن جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَينَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك، فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رسول اللَّه ﷺ أنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (١). وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيَّ (٢): عَنْ أَنسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣). قوله: "أنّ جارية": في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجر. قوله: "وجد رأسها": الفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو من الأفعال التي تتعدّى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل، وهو "رأسها"، والثاني: "مرضوضًا". وتقدّم الكَلامُ على "وجد" في الثّاني من "باب الاستطابة". و"بين" تقدّم الكَلام عليها قريبًا، والكلام عليها مُستوفى في "باب السواك". و"حَجَرين": تثنية "حَجَر". وجاءت "بين" على حُكمها بين اثنين؛ لأنها ظرف متوسط (٤). والعامل فيها: "مرضوضًا". و"مرضُوض": اسم مفعول لم يُسمّ فاعله. قوله: "فقيل: مَن فعَل هذا؟ ": "قيل" مبني لما لم يُسم فاعله، وتقدّم الكَلام عليها في الرابع عشر من "الجنائز". والقائمُ مقَام الفاعل: ضَميرُ المصْدَر، أي: "قيل قول"، أو تكُون الجملَة الواقعَة بعده، على ما اختار الزّمخشري، وجعله من باب
следующие страницы →