لـ "عبيد اللَّه" ذكْر في المتن، وذلك بخلاف عادته.
ومحل "أن" مع اسمها وخبرها نصب بفعل مُقدّر مبني للفاعل، والتقدير: "أن أبا هريرة. . . رُوي أنهما قَالا"، فـ "أنّ أبا هريرة. . . " في محلّ رفع بمتعلّق حرف الجر.
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أتى". و"أنشدك اللَّه": فعل ومفعول، ونصب الجلالة بإسقاط الخافض، أي: "أنشدك باللَّه".
تقول: "نشدت النّاس"، أي: "سألتهم، وأقسمت عليهم". قال ابنُ الأثير: تقول: "نشدتك اللَّه" و"نشدتك باللَّه" (١).
"إلّا قضيت": والجملة من "قضيت" في محلّ الحال.
وشرط الفعل الواقع حالًا بعد "إلا" أن يكون مقترنًا بـ "قد"، أو يتقدّم "إلا" فعل منفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (٢) [الأنعام: ٤].
ولما لم يأت هنا شرط الحال: قال ابنُ مالك: التقدير: "ما أسألك إلا فعلك"، فهي في معنى كَلام آخر (٣).
قال ابنُ الأثير: المعنى: "أسألك وأقسِم عليك أن ترفع نشيدتي"، أي: "صوتي"، بأنْ تلبي دَعْوتي وتجيبني (٤).
وقال ابن مالك في "شواهد التوضيح": التقدير: "ما نشدتُك إلا الفعل" (٥).
стр. 1577
[وبتقدير] (١) ابن مالك هنا وفي التسهيل يحصل شرط الحال بعد إلا.
قوله: "بيننا": ظرف متوسّط، وقد تقدّم الكلام على "بين" في الثالث من "السواك". و"بكتاب اللَّه" يتعلّق بـ "اقض" أيضًا.
قوله: "فقال الخصم الآخر": "الخصم" في الأصل مصدر، ولذلك يصلح للمفرد والمذكّر وفروعهما.
و"الآخر": أفعل التفضيل، [وإنما أعرب] (٢) للألِف واللام، وتأنيثه: "أخرى". وتقدّم الكلام عليه في الثّالث من "العيدين".
قوله: "وهو أفقَه منه": [جملة مُعترضة] (٣) لا محلّ لها من الإعراب. ويحتمل أن تكون في محلّ الحال من "الخصم".
قوله: "نعم": تقدّم الكلام [على "نعم" في الحديث] (٤) الرابع من "الجنابة"، وهي هنا لتأكيد الجواب؛ لأنها وقعت صدْر كلام المتكلّم الثّاني، نحو [قولك: "نعم جئنا مكة"] (٥)، "نعم دخلنا المدينة".
قوله: "وائذن لي": تقدّم الكلام على "أذن" في الحديث العاشر من "باب فسخ الحج"، [وفي الثّاني من "الرّضاع"] (٦) وفي الأوّل من "حرمة مكة".
قوله ﷺ : " [قل"] (٧): معمول القول قبله، ومعمول "قل" محذوف، أي: "قل
стр. 1578
ما في [نفسك"] (١) أو "ما عندك".
قوله: "قال: إنّ ابني": كسرت "إنّ" بعد القول، وتقدّم الكلام على مواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب.
وتقدّم الكلام على "ابن" و"ابنة" في الرّابع من "النكاح"، والأوّل من "الحيض". وتعذّر إعرابه؛ لأضافته إلى "ياء" المتكلم، وهمزته همزة وصل، وتقدّم همزات الوصل في الأوّل من الكتاب.
قوله: "كان عسيفًا": اسم "كان" ضمير يعود على "الابن"، و"عسيفًا" خبرها، والجملة خبر "إنّ".
و"عسيف": "فعيل" بمعنى "مفعول"، كأسير بمعنى "مأسور". وقيل: بمعنى "فاعل"، كعليم بمعنى "عالم".
[قوله] (٢): "على هذا": يحتمل أن تكون "على" بمعنى "اللام"، أي: "أجيرًا لهذا"، أو بمعنى "عند"، أي: "أجيرًا عند هذا"، أو يكون التقدير: "أجيرًا على خدمة هذا"، فحذف المضاف.
وقد جاءت "على" بمعنى "لام" التعليل في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣)، أي: "لأجل ما [هداكم"] (٤)؛ فيحتمل أن يكون التقدير هنا: "أجيرًا لأجْل خدمة هذا".
قوله: "فزنا بامرأته": معطوف على "كان عسيفًا".
стр. 1579
قوله: "وإني أخبرت": معطوف على قوله: "إنّ ابني".
و"أخبر" يتعدّى لمفعولين، وهو هنا مبني لما لم يُسمّ فاعله، فالمفعول الأوّل الضّمير، وهو القائم مقام الفاعل، والثاني تارة يتعدّى إليه بحرف الجر، وتارة يتعدّى إليه بنفسه، فالأوّل نحو: "أخبرت زيدا بكذا"، والثاني نحو: "أخبرت زيدا قائما". وقد يتعدّى لثلاثة، نحو: "أخبرت زيدًا عمرا قائمًا" (١)، وذلك إذا كان الثّاني مبتدأ في الأصل.
وهو هنا متعدّ لواحد بنفسه، وإلى الثّاني بحرف الجر، أي: "أخبرت بأن على ابني الرجم"؛ فسدت مسد المفعول الثاني أو المفعولين إذا قدّرت عملها فيهما.
وتقدّم الكلام على "أخبر" وأخواته في الخامس من "فضل الجماعة".
قوله: "أن على ابني الرجم": "الرجم" منصوب، اسم "أن"، وخبرها متقدّم في المجرور، أي: "أنّ الرّجمَ [كائنٌ] (٢) على ابني".
قوله: "فافتديت منه": معطوفٌ على "أخبرت"، و"بمائة شاة" يتعلّق بـ "افتديت"، و"منه" يتعلق به أيضًا.
والضّمير في "منه" يعود على "الرّجل"، أي: "افتديتُ من مطالبته"، أو يعود على "الرجم"، أي: "افتديتُ من الرجم".
و"شاة": قال في "الصحاح": "الشاة" تذكّر وتؤنث، وأصلها: "شاهة"؛ لأنّ تصغيرها: "شويهة" و"شاوية". والجمع: "شياه" بالهاء، تقول: "ثلاث شياه" إلى العشرة، فإذا جاوزت [فبالتاء] (٣)، فإذا كثرت قُلت: "هذه [شَاء] (٤) كثيرة" بالهمز. وجمع "شاء": "شِوًى". (٥)
стр. 1580
قال ابن الأثير: والنسبُ إلى "الشاة": "شاهي" و"شاوي" (١).
وتقدّم الكلام عليها في الثّاني من "الحدود"، والسّادس من "الزكاة".
و"وليدة": "فعيلة" بمعنى "مفعولة". قال ابنُ الأثير: "الوليدة": "الأَمَة". وقد تكون "الوليدة": "الصّبية" (٢).
قوله: "فسألت أهل العلم، فأخبروني": تقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصلاة"، وتقدّم الكلام على "أهل" في الحديث الخامس من "كتاب الصيام".
وتقدّم الكلام على "أخبر" في الخامس من "فضل الجماعة". وهو هنا متعدّ إلى مفعولين، الثاني "أن" المفتوحة، أو إلى ثلاثة، وسدت "أن" مسدّ اثنين.
و"ما" هنا موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة في قوله: "على ابني"، أي: "الذي استقر على ابني"، أي: "ثبت على ابني جلد مائة".
فـ "جلْد" خبر "أنّ"، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٣) [لقمان: ٣٠] (٤). و"تغريب عام": معطوفٌ على "جَلْد".
ويجوز أن تكون "ما" كافّة، وتكُون للحَصر، أيْ "إنّ مَا على ابني الجلدُ"؛ فيكون "الجلدُ" مبتدأ، والخبر متقدّم عليه في المجرور. والأوّل أبين.
قوله: "وأن على امرأة هذا الرجم": خبر "أن" في المجرور، و"الرجم" اسمها، و"أنّ" معطوفة على "أنّ"، ومحلّها النصب كمَحلّ ما عطف عليه.
стр. 1581
قوله: "فقال رسُول اللَّه ﷺ : والذي نفسي بيده": أي: "وحق الذي نفسي بيده". فـ "الذي" مع صلته وعائده مُقسَم به. و"نفسي" مبتدأ، و"بيده" في محلّ الخبر، وبه يتعلّق حرف الجر. وجوابُ القسَم: "لأقضين". وتقدّم ذكر جواب القسم في الحديث الثّاني من "باب الصفوف"، وحروف القسم في الحديث العاشر من "الصّلاة".
قوله: "بكتاب اللَّه": أي: "بما تضمنه كتاب اللَّه"، أو يريد: "بحكم اللَّه"، وهو [. . .] (١) فيه "التغريب"، و"التغريب" ليس هو مذكور في القرآن.
قوله: "والوليدة والغنم": مبتدأ [. . .] (٢)، والخبر (٣): "رد عليك"، أي: "مردود عليك"، فالمصدر أخبر به عن ذات؛ لأنه بمعنى الفعول، وهو مثل قولك: "ثوب نسج اليمن"، أي: "منسُوج اليمن" (٤)، وكذلك: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: "مخلوقه".
قوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام": فـ "جلد" مبتدأ، والخبر في المجرور. و"تغريب ": مصدر "غرب"، وهو مضاف إلى ظرفه؛ لأنّ التقدير: " [أن يجلد] (٥) مائة، وأن يغرب عامًا"، وليس هو ظرف على ظاهره [مُقدّر] (٦)؛ لأنّه ليس المراد التغريب فيه حتى يقع في جُزء منه، بل المراد أن يخرج فيلبث عامًا؛ فيقدّر
"يُغرّب" بـ "يغيّب"، أي: "يغيّب عامًا".
стр. 1582
قوله: "واغد": هذا أمر من "غدى"، و"غدى" يتعدّى بحرف الجر.
وعَدَّه ابن الحاجب من الأفعَال التي بمعنى "صار" (١)، وكذلك غيره.
والصّحيح: أنها ليست منها؛ لأنها تتعدّى بحرف الجر، ولا يصح أن يكون المنصوب بعدها معرفًا بالألف واللام، تقول: "غدى زيد فاعلًا كذا"، ولا تقول: "الفاعل كذا"، بخلاف "صار" و"أصبح"؛ فلما تخلّفت عن أفعال هذا الباب لم تُعدّ منه (٢).
قوله: "يا أنيس، لرجُل من أسلم": أي: "قال ذلك لرجل من أسلم"؛ فيتعلّق حرف الجر بالمحذوف، و"من أسلم" يتعلّق بصفة لـ "رجل". والجملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب.
و"أنيس" هذا صحابي مشهور، أسلَمي، معدود في الشّاميين. قال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد، وقيل: أنيس بن الضحّاك. (٣)
قوله: "إلى امرأة هذا": يتعلّق حرف الجر بـ "اغد".
قوله: "فإن اعترفت": هذا معطوف على محذوف، أي: "اغد إلى امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها".
[وقيل] (٤): يحتمل أن يكُون فاعله ضمير "أنيس"، أي: "قال أنيس للنبي ﷺ : ذكرتُ لها ما أمرتني به فاعترفت"، فحَذف المعطُوف عليه.
ويحتمل أن يكون "ضَمير الرّاوي"، وحقّه أن يقول: "قالا"؛ لأن الرّاوي
стр. 1583
للحديث أبو هريرة وزيد بن خالد، وكذلك ابتدأ الحديث، فقال: "أنهما قالا"، أو يكون المراد: "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [بن عتبة] (١) بن مسعود" الذي [رُوي] (٢) عنه؛ فيكون له ذِكْر في الحديث، وينتفي السؤال الذي تقدّم من تطويل السّند لغير فائدة.
قوله: "فغَدَى عليها": "غدى" تعدّى بـ "على"، والنبي ﷺ قال: "اغد إلى امرأة هذا" فعدّاه بـ "إلى"؛ فيحتمل أن يكون أتى بـ "على" لفائدة الاستعلاء، أي: "متأمّرا عليها وحاكمًا عليها"، فيتعلّق بحال، وسياقُ الكلام يدلّ على ذلك.
وقد عُدّيت بـ "على" في القرآن الكَريم وفي الشّعر؛ فقال تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ (٣). وقال الشاعر:
وَقَد أغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرَام ... نَشَاوَى وَاجِدِين لمَا نَشَاءُ (٤)
قال أبو حيّان: في كَلام الزّمخشري ما يدلّ على أنّ "غَدَى" يتعدّى بـ "إلى".
قال: ويحتاج إلى نقل. (٥)
قلت: يكفي الزّمخشري هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "وَاغْد إلَى امْرَأةِ هَذَا".
ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : "واغْد يا أنيس" مُضمّن معنى "اذهب إليها"؛ لأنهم يستعملون "الرّواح" و"الغدو" بمعنى "الذهاب"؛ فيقولون: "رحت إلى فلان" و"غدوت إلى فلان"، فيعدّونها بـ "إلى" بمعنى "الذهاب". (٦)
قوله: "فاعترفت": أي: "سألها فاعترفت"، كما تقدّم من التقرير.
стр. 1584
قوله: "فأمر بها رسول اللَّه ﷺ ": أي: "بالمرأة"، ظاهره يقتضي أنّ أنيسًا لم يتقدّم للرّجم حتى راجَع النبي ﷺ وذَكَر له ما قالت، يدلّ عليه: "فأمر بها النبي ﷺ "، والمراد: "فأمر برجمها فرُجمت".
الحديث الثالث:
[٣٤٦]: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْد اللَّه بْن عُتبَة بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجهَنِيِّ ﵄، قَالا: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
قالَ ابنُ شِهابٍ: ولا أَدري، أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعةِ (١).
و"الضّفير": "الحبلُ".
قوله: "قالا": قد تقدم مثله في الحديث قبله من تطويل السّند بـ "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود"، ولا يجيء هنا العُذر الذي تقدّم في الحديث قبله، وتظهر لذلك فائدة أخرى، وهي المقصود واللَّه أعلم، أنّ عبيد اللَّه هذا فيما ذكر ابن الأثير ولَد أخي عبد اللَّه بن مسعود وأحَد الفُقهاء السّبعة، وأحد أعلام التابعين لقي خلقًا كثيرًا من الصحابة، وهو في الطبقة الأولى من التابعين (٢)؛ فذكره الشّيخ لما علم منه ليتمكّن الحديث في إسناده، ويتقوّى الاستدلال به.
قوله: "سئل النبي ﷺ ": الفعل مبني لما لم يسم فاعله، وتقدم أن "سأل" يتعدّى بـ "عن"، وأنه [تعلق] (٣) بهمزة الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ
стр. 1585
زَعِيمٌ﴾ (١). وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثاني عشر من "باب صفة صلاة النبي ﷺ ".
و"إذا زنت" تقدّم الكلام على "إذا"، وجوا بها يؤخَذ من جواب السائل؛ لأنّ التقدير: "سئل النبي ﷺ عن الأمة ماذا -أو ما- يجب عليها؟ "، فهذا الاستفهام هو المعلّق لـ "سأل". وجوا به: "فاجلدوها"؛ لأنّ السّائل بـ "إذا" يتوقّف جواب "إذا" في كلامه على جواب المسئول، فكأنه قال: "إذا زنت تحد أم لا؟ ".
قوله: "ولم تحصن": في محلّ الحال من فاعل "زنت". وصحبت "لم" الواو على المختار عندهم، وقد جاءت بلا "واو" في قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (٢)، وقد تقدّم ذلك في الحديث الثالث من "باب المذي".
وتقييد حَدّها بـ "الإحصان" ليس بقيد، وإنما هي حكاية حال -والمراد بالإحصان: ما هي عليه من عِفّة أو حُريّة؛ لأنّ الإحصان بالتزويج (٣) - لأنّ حَدّها الجلد، سواء تزوّجت أم لا.
قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ": "إن زنت فاجلدوها" كرّر ذلك ثلاثًا أو أربعًا. وانظر كيف وقع السؤال بـ "إذا" وجوا به ﷺ بـ "إن"، وإنما ذلك؛ لأنه تقدّم منها الزّنا وتكرّر؛ فهُم على ترقّب مِن تكرّر زِناها، وأمّا النبي ﷺ فبنى على أنها قد لا تعُود وتنكف؛ فإن وقع منها جُلدت، وكذلك إن تكرّر منها.
و"الفاء" في الجواب معناها السببية.
قوله: "ثم بيعوها": أتى بـ "ثم"؛ لأنّ الترتيب مطلوبٌ لمن يريد التمسّك بأَمَته
стр. 1586
الزّانية، وأمّا من يريد بيعها من أوّل مرة فله ذلك، لكن لا يحكم بثبوت العَيب فيها إلّا بتكرّره منها؛ إذ قد ترجع بعد أوّل فِعْلَة.
قوله: "ولو بضفير": "لو" هنا شرطية بمعنى "إن"، أي: "وإن كان بضفير"؛ فيتعلق "بضفير" بخبر "كان" المقدّرة. وتحذف "كان" بعد "لو" هذه كثيرًا. ويجوز أن يكون التقدير: "ولو تبيعونها بضفير"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفعل. ومثل ذلك قولهم: "ائتني بتمر ولو حشفًا" (١)، وتقدّم ذلك في الثاني من "باب الصداق".
و"الضّفير": "فعيل" بمعنى "مفعول"، وهو: "الحبل المضفور". (٢)
قوله: "قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة": "الهمزة" في "أبعد" تسمّى "همزة" التسوية، وتجيء بعد "لا أدري" و"سواء على أقمت أم قعدت"، و"ليت شعري" و"لا أبالي" (٣). وتقدّم ذكرها في الأوّل من "باب المرور".
قالوا: وأصلها الاستفهام، لكن لمّا كان المستفهم يَستوي عنده الوجُود والعَدم، وكذا المستفهم، سُمّيت بذلك.
стр. 1587
الحديث الرّابع:
[٣٤٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ أُحْصِنْت؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّيْ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ" (١).
الرَّجُلُ هو: ماعزُ بنُ مالِكِ. ورَوَى قِصَّتَهُ جابرُ بن سَمُرة وعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ وأَبو سعيدِ الخُدْرِيُّ وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ.
قوله: "عن أبي هريرة: أنه أتى رجل من المسلمين": التقدير: "روي عن أبي هريرة أنه قال: أتى. . . "، فيتعلق حرف الجر بـ "روي"، و"أن" مفعوله الذي لم يسم فاعله، و"قال" في محلّ الخبر، و"أتى" معمول القول، و"رجل" فاعل "أتى"، و"من المسلمين" يتعلّق بصفة له. وجملة: "وهو في المسجد" حال من "رسول اللَّه". وجملة "فنَادَاه" معطوفة على "أتى"، [وفاعل "نادى" هو "الرجل"، (٢)، وضمير المفعول يعود على "النبي ﷺ ".
وجملة "إني زنيت" معمولة [للقول] (٣).
قوله: "حتى ثنّى ذلك عليه أربع مرّات": "ثنّى عليه" أي "ردّد عليه". و"أربع"
стр. 1588
منصوب على المصدر؛ لأنه عَدَد المصدَر.
وجواب "لمّا ": "دَعَاه"، والتقدير: "دعاه، فقال له: أبك جنون؟ "، "الهمزة" للاستفهام، و"جنون" مبتدأ، والمجرور متعلق بالخبر، والمسوّغ للابتداء بالنكرة تقدّم الخبر في الظرف و"همزة" الاستفهام.
قوله: "قال: لا": حرف رد [وجواب] (١)، وهو ضد "نعم" و"بلى". والأصل في مثل هذا: "لا ليس بي جنون".
قوله: "فهل أحصنت": "هل" حرف استفهام، تقدّمت في الخامس من "الصيام"، وفي السّابع من "الصيام" أيضًا. و"أحصنت" معناه: "تزوّجت".
و"نعم" تقدّمت في الحديث الرّابع من "الجنابة".
قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : اذهبوا به فارجموه": "الباء" باء التعدية، وتحتمل الحال (٢)، أي: "اذهبوا مُصاحبين له".
قوله: "قال ابنُ شهاب: فاخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمع جابر": يعني: "أنّه سمع" (٣). و"أخبر" هنا متعدّ إلى ضميره التصل به، وسدّت "أن" مسد الثّاني أو الثّاني والثّالث؛ فلا بد من تقديرها. و"ابن عبد اللَّه" صفة لـ "جابر" منصوبان.
وتقدّم أنّ "سمع" إن تعلّقت بالذوات -كما جاءت هنا- تعدّت إلى مفعولين، الثّاني فعل مضارع من الأفعَال الصّوتية. وقيل: هو في محلّ حال إن كَان الأوّل معرفة، أو في محلّ صفة إن كَان نكرة (٤). وتقدم ذلك مستوفى في الحديث
стр. 1589
الأوّل من الكتاب.
قوله: "كنت فيمن رجمه": خبر "كان" في المجرور. و"مَن" بمعنى "الذي"، وصلتها جملة: "رجمه"، والمعنى: "في جماعة مَن رجمه". وأعاد على لفظ "مَن"، ولو أعاد على معناها لقال: "فيمن رجموه".
"فرجمناه بالمصلى": الكَلامُ فيه تقديم وتأخير، أي: "فرجمناه بالمصلى فكنت فيمن رجمه"، أو يقدّر: "فكنت فيمن أراد حضور رجمه فرجمناه".
قوله: "فلما أذلقته الحجارة": أي: "أقلقته" و"أوجعته" (١). وجوابُ "لما": "هرب".
قوله: "فأدركناه": معطوفٌ على "هرب".
الحديث الخامس:
[٣٤٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إنّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَأنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ. فقَالَ عَبْدُ اللَّهَ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا.
قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ (٢).
قال المؤلّف: الذي وضَع يده على آية الرّجم: "عبد اللَّه بن صوريا".
وقال الشّيخ تقيّ الدّين: "يجنأ" بفتح "الياء"، وسكون "الجيم"، وفتح
стр. 1590
"النون"، و"الهمزة"، أي: "يميل". ومنه: "الجَنَى".
قال: وفي كلام بعضهم ما يشعر بأنّ اللفظ بالحاء المهملة، يقال: "حَنَى [يحنو] (١) حُنُوًّا"، إذا "أكبَّ على الشيء". (٢)
قال في "الصّحاح": يقال: "حنيت ظهري" و"حنيت العود"، "عطفته"، و"حنوت" لغة. (٣)
قال في "الصحاح": ويقال: "جنأ" بالجيم والهمزة "يجنأ" إذا "أكب على الشيء"، "جنوءا". [و"رجل] (٤) أجنأ": "بيِّن الجنأِ"، أي: "أحدب الظهر". و"المُجنأ" بالضم "الترس". (٥)
قوله: "أنّه قال": فتحت "أن" لأنها معمولة لمتعلق حرف الجر، وكسرت همزة "إن اليهود" لأنها بعد القول. وجملة "جاءوا" في محلّ خبر "إن" المكسورة. وخبر "أنّ" المفتوحة في جملة "قال". وتقدّم الكلام على "جاء" في الحديث الثامن من "باب الصوم"، و"يهود" في الحديث الثاني عشر من "الجنائز".
وجملة "فذكروا له" معطوفة على "جاءوا"، و"له" يتعلّق به. وفتحت "أنّ" لسدها مسد المفعول. و"منهم" يتعلّق بصفة لـ "امرأة". وصفة "الرجل" محذوفة؛ لدلالة ما تقدّم عليه؛ فالتقدير: "ورجلًا منهم".
ويجوز أن يتعلّق "منهم" بحال من "ضمير الرجل والمرأة" في "زنيا"، والتقدير: "أن رجلا وامرأة زنيا منهم"، أي: "في حال كونهما من اليهود". أو يتعلّق
стр. 1591
بالفعل نفسه، ومعمول خبر "إن" يجوز أنْ يتقدّم عليه، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] و ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]. (١)
و"رجلا" معطوف على "امرأة".
و"زنيا" جملة من فعل وفاعل في محلّ خبر "أنّ".
قوله: "فقال لهم رسول اللَّه ﷺ ": "رسول اللَّه" الفاعل. وتقدّم أنّ "رسول اللَّه" فعول بمعنى ["مفعل"] (٢). قالوا: وهو قليل. (٣)، وتقدّم الكلام عليه في الحديث الأوّل من "باب [البسملة"] (٤). وجملة " ﷺ " لا محلّ لها، وتقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "ما تجدون في التوراة؟ ": "ما" مبتدأ، وهي من أسماء الاستفهام. وأدوات الاستفهام تقدّمت في الرابع [من "الجنابة"] (٥)، وأقسام "ما" في أوّل حديث من "التيمم". و"تجدون" جملة في محل الخبر، والمبتدأ والخبر معمول للقول. [وتقدير الاستفهام] (٦): "أي شيء تجدوه في التوراة"؛ فيتعلق حرف الجر بمفعول ثان لـ "وجد"، وتقدّم الكلام عليها في الثّاني من "باب الاستطابة".
قوله: "في شأن الرجم": يحتمل أن تكون "في" الثانية بدلًا من الأولى، والتقدير: "ما تجدون في شأن الرجم؟ "، أي: "في حال الرجم".
стр. 1592
ويحتمل أن يتعلق "في شأن" بحال، أي: "ما تجدون في التوراة تتلونه في شأن الرجم؟ "، أي: "تالين له"، فيكون حالا من فاعل "تجدونه".
قوله: "فقالوا: نفضحهم ويجلدون": أي: "نجد أن نفضحهم ويجلدون"، فيكون "نفضحهم" معمول على الحكاية لـ "نجد" المقدّر، أي: ادّعوا أنّ ذلك في التوراة على زعمهم، وهم كاذبون. ويحتمل أن يكون ذلك مما فسّروا به التوراة، ويكون مقطوعًا عن الجواب، أي: "الحكم عندنا أن نفضحهم ويجلدون"، فيكون خبر مبتدأ محذوف بتقدير "أن".
قوله: "قال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إنّ فيها آية الرجم": جملة "كذبتم" معمولة للقول، وكسرت "إن" لأنها بعد القول.
و"فيها" يتعلق بخبر "إن"، و"آية" اسمها.
قوله: "فأتوا بالتوراة، فنشروها": هذا معطوفٌ على محذوف، أي: "نشروا صحفها". "فوضع أحدهم يده على آية الرجم".
و"أتوا" أصله: "أتيوا" تحركت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون "الواو". (١)
و"التوراة" اسم عبراني، وفي اشتقاقها قولان، أحدهما: أنه من "وَرَى الزند"
стр. 1593
إذا "قدح وظهر منه النار"، فكأن التوراة ضياء من الضلال.
وقيل: مشتقة من "وَرّى" إذا "عرّض"؛ لأنّ أكثر التوراة [تلويح] (١).
وفي وزنها ثلاثة أقوال: -
أحدها: مذهب الخليل وسيبويه وسائر البصريين أنّ وزنها "فوعلة"، فتكون: "وَوْرَيَة"، فـ "التاء" بدَل من "الواو"، كما في "تولج" وأصله "وولج"، وأبدلت "الياء" ألِفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
الثاني: للفرّاء "تورية" على وزن "تفعلة"، كـ "توصية"، ثم أبدلت كسرة "العين" فتحة و"الياء" ألفًا، كما قالوا في "الناصية": "ناصاة"، وفي "جارية": "جاراة".
قال الزجّاج: كأنه يجيز في "ناصية": "ناصاة"، ويجوز إمالتها؛ لأن أصل ألفها "ياء"، وهو غير ممنوع (٢).
الثالث: لبعض الكوفيين، أنّ وزنها "تفْعَلة" بفتح "العين"، من: "وَرَّيْتُ بكَ زَنَادِيَّ" (٣).
قال أبو حيان: وهذا مُشكل، مع نصّهم على أنّ الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق عربي، ولا تُوزن. (٤)
قوله: "فنشروها": أي "التوراة"، بمعنى "فتحوها" أو "بسطوا صحفها". ومنه
стр. 1594
قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] (١)
قوله: "فوضَع أحدهم يده على آية الرجم": "وضع" مثل "وقع"، وتصريفه كتصريفه، وتقدّم في الحديث الرابع من "باب الإمامة"، و"أحَد" تقدّم في ثاني حديث من الأوّل. و"يد" منقوص غير مقيس (٢)، وتقدم في الحديث الثّالث من "باب صفة الصّلاة". و"على آية" يتعلّق بـ "وضع".
قال أبو البقاء: الأصل في "آية": "أيّة"؛ لأنّ فاءها "همزة"، وعينها ولامها ياءان؛ لأنها من "تأيّا القوم" إذا "اجتمعوا". وقالوا في الجمع: "آياء"، فظهرت "الياء" الأولى، و"الهمزة" الأخيرة بدَل من "ياء"، ووزنه "أفعال"، و"الألِف" الثانية مبدلة من "همزة" هي "فاء" الكلمة، ولو كانت عينها واوًا لقالوا: ["آوَاءٌ"] (٣)، ثم إنهم أبدَلوا "الياء" السّاكنة من "أَيَّةٍ" ألِفًا على خلاف القياس. ومثله: "غاية" و"ثاية".
وقيل: أصلها "أَيِيَة"، ثم قُلبت "الياء" الأولى ألِفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقيل: أصلها "أَيَيَة" بفتح الأولى والثانية، ثم فعل في "الياء" ما ذكرنا.
وكِلا الوجهين فيه نظر؛ لأنّ حُكم الياءين إذا اجتمعتا في مثل هذا أن تُقلب الثّانية لقُربها من الطّرَف.
وقيل: أصلها "آيِيَةُ" على "فاعلة"، وكان القياس أن تُدغَم، فيقال: "آيَّة" مثل "دابّة"، إلا أنها خُففت كتخفيف "كَيِّنُونَةٍ" في "كينونة". وهذا ضعيف؛ لأنّ التخفيف في ذلك البناء كان لطُول الكَلمة. (٤)
стр. 1595
قوله: "فقرأ ما قبلها وما بعدها": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، وصلتها الظّرف. وتقدّم الكلام على "قبل" و"بعد" في الرّابع من "باب تسوية الصفوف"، وفي الرّابع من الأوّل، والثّالث من "باب التيمم".
قوله: "فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفَع يدك": الضّمير في "له" يعود على "أحدهم"، وهو "عبد اللَّه بن صوريا".
"فرفع يده": "الرفع" خلاف "الوضع". تقول: "رفعته فارتفع"، والمصدر: "رفعًا". وأمّا قولهم: "رفعته إلى السلطان" فمصدره "الرُفْعانُ"، و"رجل رفيع" أي "شريف".
قال في "الصّحاح": قال أبو بكر بن محمد [بن] (١) السري: ولم يقولوا منه: "رَفُعَ". وقال غيره: "رَفُعَ رفعة" أي "ارتفع قدْره". (٢)
قوله: "فإذا فيها آية الرجم": "إذا" هنا الفُجائية، ولم يتقدّم لها ذِكْر.
قال ابن هشام في "المغني": "إذا" الفجائية تختصّ بالجمل الإسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو: "خرجت فإذا الأسد بالباب". ومنه: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ [يونس: ٢١].
وهي حرف عند الأخفش، ويرجّحه قولهم: "خرجت فإذا الأسد بالباب"؛ لأنّ "أن" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج. واختار الأوّل ابن مالك، والثاني ابن عصفور، والثّالث الزّمخشري، وزعم أنّ قبلها فعل مُقدّر مُشتق من لفظ "المفاجأة".
стр. 1596
قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥]: التقدير: "إذا دعاكم فاجأتم الخروج [في] (١) ذلك الوقت" (٢). ولا يُعلَم هذا لغيره.
وأمّا ناصبها عندهم: فالخبر المذكور في نحو: "خرجت فإذا زيد جالس"، أو المقدّر في نحو: "فإذا الأسد" أي "حاضر". وإنْ قدّرت أنها الخبر فعَامِلها: "مُستقر" أو "استقر".
ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلّا مُصرحًا به، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ [الأعراف: ١٠٨]، ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤].
وإذا قيل: "خرجت فإذا الأسد" صحّ كونها عند المبرد خبرًا، أي: "فبالحضرة الأسَد". ولم يصح عند الزجاج؛ لأنّ الزمان لا يخبر به عن الجثة. ولا عند الأخفش؛ لأنّ الحرف لا يخبر به ولا عنه.
فإن قُلت: "فإذا القتال" صحّت خبريتها عند غير الأخفش.
وتقول: "خرجت فإذا زيد جالس" أو "جالسًا"، فالرفع على الخبرية، والنّصب على الحالية. والخبر: "إذا"، إن قيل: إنها مكان، وإلا فهو محذوف.
نعم يجوز أن تقدّرها خبرًا عن الجثة مع قولنا: إنها زمان، إذا قدّرت حذف مُضاف، كأن تقدّر في نحو: "خرجتُ فإذا الأسَد": "فإذا حضور الأسد". انتهى. (٣)
وذكر هنا مسألة "العقرب والزنبور"، وبسَطها وأتقَن حِكَايتها، فانظُرها
стр. 1597
هناك. (١)
قوله: "فإذا فيها آية الرجم": هي كقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]، والخبر يجري فيه ما تقدّم، وكذلك العَامِل فيها.
فإنْ قدّرت خبر المبتدأ في المجرور، وهو الاستقرار، كان حَرف الجر يتعلق به، وهو العَامل في "إذا". وإن قدّرت الخبر محذوفًا: كان أيضًا عاملًا فيها، ويتعلّق به حَرف الجر، ويكون التقدير: "فإذا فيها آية الرجم مرئية" أو "موجودة". وإن قدّرت الخبر في "إذا" كان التقدير: "آية الرجم مستقرة إذن"، على أنّه ظرف مكان. فإن قدّرتها ظرف مكان قدّرت ما قاله ابن هشام: "فرفع يده فإذا رؤية آية الرجم". وإن جعلت "إذا" حرف تعيّن أن يكون الخبر في حرف الجر أو محذوفًا.
قوله: "فقال: صَدَق": أي: "قال ابن صُوريا: صَدَق". وفاعل "صَدَق": ضمير "عبد اللَّه بن سلام".
والضّمير في "بهما" للزانيين. و"أمر" تقدّم الكلام عليها في الأوّل من "السواك"، والتقدير: "فأمر بهما أن يُرجما فرجما"؛ لأنّ "الرجم" لم يكن إلّا بعد إخراجهما إلى محلّ الرّجم.
قوله: "قال: فرأيت": فاعل "قال" يعود على "عبد اللَّه بن عمر".
والرؤية بصرية؛ فتكون "يجنأ" في محلّ الحال، وبه يتعلق حرف الجر. وجملة "يقيها" يحتمل أن تكُون بدَلًا من "يجنأ"، أو حالًا أخرى.
قوله: "الحجارة": الألِف واللام فيه للعَهد، أي: "حجارة الرّمي".
و"أجنأ" مصدره: "إجناء" بالمَد. (٢)
стр. 1598
قال ابنُ جنى في "سر الصناعة" له: سَمعنا بعض العرب الفُصَحاء من بني حنظلة يُنشد:
لَمَّا رأت فِي ظَهْري انْحِنَاء ... وَالمَشْيَ بَعْدَ قَعسٍ إِجنَاء
أَجْلَتْ وَكَان حُبُّها إجْلاءْ ... وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقي مَاءْ
ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاء ... دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إِلْقَاء (١)
قال: فوقف على هَذا كُله بغير "ألِف". (٢)
وقد تقدّم أنّ ذلك كُله جاء ممدودًا، "انحنآء" و"إجنآء"، وذكره الشّيخ تقيّ الدِّين في الأوّل من "الرّبا". (٣)
الحديث السّادس:
[٣٤٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْن، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاحٌ" (٤).
قوله: "لو أنّ امرأ": اعلم أنّ "لو" يقع بعدها "أنّ" المشدّدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ﴾ (٥) [المائدة: ٦٦]،
стр. 1599
[فمذهب] (١) المبرّد والزّمخشري ومُوافقيهم أنّ ما وقع بعدها يكون في محلّ رفع بفعل [مُقدّر] (٢) يُفسره ما بعده.
فالتقدير هنا: "لو ثبت أن امرأ اطلع"، أي: "لو ثبت اطلاع امرئ"، و"لو ثبت صبرهم" (٣). ولا يجوز إظهار الفعل لئلا يجمع بين المفسَّر والمفسِّر.
وقال سيبويه ومَن تبعه: إنّه في محلّ رفع بالابتداء. ولا حاجة إلى ذِكر خبره؛ لأنّ الكلام لما اشتمل على مُسند ومُسند إليه لم يحتج إلى الخبر.
وقال بعضهم: يُقدّر الخبر مُقدّمًا، و"أنّ" وما ينسبك منها المبتدأ؛ فيكون التقدير في الآية: "ولو ثابت صبرهم"، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ [يس: ٤١]. (٤)
وكذا يقدّر في الحديث: "لو ثابت اطلاعه".
قال الزّمخشري: ويجب أن يكون خبر "أن" فعلًا؛ ليكُون عوضًا عن الفعل المحْذوف. (٥)
واعتُرض عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾
стр. 1600
[لقمان: ٢٧] (١).
وأجَاب عنه ابن الحَاجب (٢) بأنه وقع هنا جامدًا في نحو قوله:
وَلَوْ أنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَهَا ... مُسَوَّمةً تَدْعُو عُبَيْدا وأزْنَما (٣)
وقوله:
مَا أَطْيَبَ الْعَيْشَ لَوْ أَنَّ الْفَتَى حَجَرٌ ... تَنْبُو الْحَوَادِثُ عَنْهُ وَهُوَ مَلْمُومُ (٤)
ورَدّ ابن مالك (٥) قول هؤلاء بأنّه قد جاء اسمًا مُشتقًّا، كقوله:
لَو أَن حَيًّا مُدْركُ الفَلاح ... أَدركهُ مُلاّعِبُ الرِّماح (٦)
قال ابنُ هشام: وقد وجدتُ آية في التنزيل وقع فيها الخبر اسمًا مشتقًّا، ولم يتنبه
стр. 1601
لها الزمخشري، كما لم يتنبه لآية لقمان، ولا ابن الحاجب وإلا لما منع من ذلك، ولا ابن مالك وإلا لما استدلّ بالشّعر، وهي قوله تعالى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: ٢٠] (١).
قلت: وفي هذا الاستدراك على ابن مالك والزّمخشري وابن الحاجب نظر؛ لأنّ "لو" هنا وقعت بعد "ود"، فتعين أن تكون المصدرية بمعنى "أن" الناصبة للفعل، وليست التي يمتنع بها الشّيء لامتناع غيره. (٢)
قال أبو البقاء: ويدلّ على أنّ "لو" هذه غير الشرطية شيئان، أحدهما: أن هذه يلزمها المستقبل، والأخرى معناها في الماضي.
والثاني: أنّ "ود" يتعدّى إلى مفعول واحد، وليس مما يعلّق عن العمل، فمن هنا لزم أن يكُون "لو" بمعنى "أن". (٣)
قلت: فإذا كانت "لو" بمعنى "أن"، فليس هي التي فيها كلام ابن مالك ولا ابن الحاجب.
وقد جَاء الخبر فعلا واسمًا مُشتقا في بيت كعب:
أكرِمْ بِهَا خُلّةً، لو أَنّها صَدَقَتْ ... مَوْعُودَها أو لو انّ النصْحَ مَقْبُول (٤)
فـ "مقبول" خبر "أن"، وهو محلّ الشّاهد، إلا أن تكُون "لو" للنفي. والأَوْلى أنها الشّرطية. (٥) ولي على هذا البيت كلام انظره في شرحي للقصيدة (٦) وإعرابي لها.
стр. 1602
قوله: "بغير إذن": حرفُ الجر يتعلّق بحال، أي: "ناظرًا بغير إذن"، أو "اطّلع غير مأذون له".
قوله: "فحذفته": معطوفٌ على "اطّلع".
و"الباء" في "بحصاة" باء الآلة.
قوله: "ما كان عليك جناح": جواب "لو". و"عليك" يتعلّق بخبر "كان"، و"جناح" اسمها. و"الجناح": "الإثم".
* * *
стр. 1603
باب حدّ السرقة
الحديث الأوّل:
[٣٥٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ". وَفِي لَفْظٍ: "ثَمَنُهُ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "المجن" بكسر "الميم" وفتح "الجيم": "الترس"، مفعل من معنى "الاجتنان"، وهو الاستتار والاختفاء وما يقارب ذلك. ومنه ["الجن"] (٢). وكسرت ميمه؛ لأنه آلة في "الاجتنان"، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره. قال الشاعر:
فكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَن كُنْتُ أَتَّقِي ... ثَلَاثَ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ (٣)
قلت: هذا البيت لعُمر بن أبي ربيعة، وفيه شاهد على حذف "التاء" من ثلاث؛ لأنه عَدد شخوص، فحمله على المعنى؛ لأنه أراد بالشّخص "المرأة"؛ فأنّث العَدد لذلك، وصف أنه استتر بثلاث نسوة عن أعين الرّقباء، واستظهر في محلّ التخلص منهم بهن. (٤)
و"الكاعب": التي نهد ثديها وتربّع (٥).
стр. 1604
و"المعصر": "الداخلة في عصر شبابها". قال صاحب "الصحاح": هي "الشّابة التي قاربت المحيض"، وقيل: "التي أدرَكت وحَاضَت". (١)
قوله: "أنّ النبي ﷺ قطع": جملة قطع في محل خبر "أن". والمراد: "أمر بذلك". و"في مجن" يتعلّق به، التقدير: "قطع يد سارق"، فحذف المفعول؛ لأنه فضلة.
قوله: "في مجن": أي: "في سرقة مجن"، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. و"في" معناها السببية، كقوله ﷺ : "إِنَّهُمَا ليُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (٢) أي: "بسبب كبير". (٣) وكذلك هنا: "قطع لأجل سرقة مجن".
قوله: "قيمته ثلاثة دراهم": مبتدأ، و"ثلاثة دراهم" خبره.
وأدخل "التاء" في "ثلاثة"؛ لأنه عدد مُذكّر، ويجوز: ["ثلاتّ"] (٤) دراهم" بإدغام "التاء" في "الثاء"، وبها قرأ ابن محيصن في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، قرأ: " [ثلاتّ] (٥) رابعهم" (٦).
قوله: "وفي لفظ: ثمنه": يتعلّق حرف الجر بمُقدّر، إمّا: "وجاء في لفظ"؛ فيكون "ثمنه ثلاثة دراهم" الفاعل على الحكاية. ويحتمل أن تكون جملة "ثمنه ثلاثة" مبتدأ على الحكاية، و"في لفظ" خبر مُقدّم.
стр. 1605
الحديث الثاني:
[٣٥١]: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (١).
قوله: "أنها" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
و"سمع" تقدّم الكلام عليه في أوّل حديث من الكتاب. ومذهب أبي علي أنّه [إن] (٢) تعلّق بالذوات تعدّى إلى مفعولين، ثانيهما فعل من الأفعال الصوتية، كما وقع هنا، وإن تعلّق بالأصوات تعدّى لمفعول واحد، [نحو] (٣) قولك: "سمعت كلام زيد".
ومذهب سيبويه أنّ الفعل في محلّ حال إن كان المتقدّم معرفة، أو في محلّ صفة إن كان المتقدّم نكرة.
فعلى هذا: يكون "يقول" في محلّ الحال على مذهب سيبويه، وفي محلّ مفعول ثان على مذهب الفارسي. (٤)
قوله: "تقطع اليد": الجملة معمولة للقول، والفعل مبني لما لم يسم فاعله، و"اليد" مفعوله الذي لم يُسم فاعله.
قوله: "فصاعدا": منصوبٌ على الحال، وحذف عامله واجب قياسًا. وتقدير العامل: "فتدرج فيه صاعدًا".
стр. 1606
وكذلك: "اشتره بدينار فسافلا"، أي ["بدينار سافلًا"] (١)(٢).
وهذا التقدير والحذف واجب في أربعة أمثلة، هذا أحدها.
والثاني: "ضربي زيدًا قائما"، فـ "ضربي" مبتدأ مضاف إلى الفاعل، و"زيدًا" مفعول المصدر، و"قائمًا" حال من ضمير "زيد"؛ لأنّ التقدير: "ضربي زيدًا كائن إذا كان قائما"، فحذف اسم الفاعل، وأقيم الظرف مقامه، على عادتهم في حذف متعلّق الظرف، فبقي بعد حذف اسم الفاعل: "ضربي زيدًا إذا كان قائما"، فإذا هو الخبر؛ لأنّ المصادر يخبر عنها بظرف الزمان، ثم لما كانت الحال تشبه الظرف حذف لدلالتها عليه؛ لأنّ الظرف يقدّر بـ "في"، [وكذلك] (٣) الحال تقدّر بـ "في"، وحذف لحذف الظرف المضاف إليه الذي هو "كان"، والضّمير الذي هو فاعل "كان"؛ لأن "إذا" مضافة إلى الجملة، فـ "كان" المقدّرة وما عملت فيه في موضع جر بإضافة "إذا" إليه، وهي تامة، و"قائمًا" حال لا خبر "كان"، إذ لو كان خبرًا لجاز وقوعه مَعرفة.
والثالث: "زيد أبوك عطوفا"، أي: "أحقه عطوفا".
الرابع: الحال التي تجيء للتوبيخ، نحو: "أقائمًا وقد قعد الناس؟ "، أي: "أتستوي قائما؟ "، و"أتميميًا مرة وقيسيًا أخرى؟ "، أي: "أيوجد مرة تميميًا ويوجد مرة قيسيًا؟ ".
ويجب الحذف سماعًا في نحو: "هنيئا لك"، أي: "سُبب لك الخير هنيئا" أو "هنأك هنيئًا". (٤)
стр. 1607
إذا ثبت ذلك: ففي الكلام تقدير، أي: "تقطع اليد السارقة". وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. وكذلك يقدّر في "سرقة ربع دينار".
و"في" فيها معنى السببية. وقد تقدّم.
الحديث الثّالث:
[٣٥٢]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ". ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١).
وَفِي لَفْظٍ: كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (٢).
قوله: "أنّ قريشا أهمهم": خبر "أن" جملة "أهمهم".
و"قريش": قبيلة، وأبوهم: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
стр. 1608
مضر، وكل من كان من ولد النضر فهو قرشي، دون ولد كنانة ومن فوقه. والنسب إليه: "قرشي"، وربما قالوا: "قريشي"، وهو القياس. فإن أردت بـ "قريش" الحي صرفته، وإن أردت القبيلة لم تصرفه. (١)
وجملة "أهمّهم" في محلّ خبر "أن". و"أمر" الفاعل، وهو واحد "الأمور"، لا مصدر "أمر".
قوله: "المخزومية" مضاف إليه، و"التي سرقت" صفة لها.
قوله: "فقالوا" معطوف على "أهمهم". و"من يُكلّم" مبتدأ وخبر، ولا تظهر علامة الإعراب في المبتدأ لأنّه من أسماء الاستفهام. (٢) وتقدّم الكلام على أسماء الاستفهام في الرّابع من "الجنابة". والتقدير: "فقال بعضهم: من يكلم رسول اللَّه؟ وقال بعضهم: من يجترئ؟ ".
و"الجريء" بالهمز: "المقْدَام"، يُقال: "يجترئ" و"يستجرئ". (٣)
"إلّا أسامة": يجوز فيه الرّفع والنصب. أمّا الرفع: فعلى أنه الفاعل، ويحتاج إلى ضمير من جملة "يجترئ" يعود على "مَن"؛ لأنّ "مَن" مبتدأ، والخبر جملة؛ فلا بُد من ضَمير يعود على المبتدأ، وهو الضّمير المجرور، والتقدير: "وأي شخص يجترئ [كما
стр. 1609
يجترئ] (١) أسامة عليه".
و"عليه": يتعلّق بـ "يجترئ".
ونظير هذا التركيب هنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قال أبو البقاء: "مَن" مبتدأ، و"يغفر" خبره، و"إلا اللَّه" فاعل "يغفر"، أو بدَل من المضمر فيه، وهو الوجه؛ لأنك إذا جعلت "اللَّه" فاعلا احتجت إلى تقدير ضمير، أي: "ومن يغفر الذنوب [له] (٢) غير اللَّه". (٣)
ويصح أن يكون أسامة مرفوعًا على أنّه بدَل من فاعل "يجترئ"، وهو وجه الإعراب، كما قال أبو البقاء. وأمّا النصب: فعلى الاستثناء.
قوله: "حب رسول اللَّه ﷺ ": يجري عليه إعراب "أسامة"، إن كان مرفوعًا فنعته مرفوع، وإن كان منصوبًا فنعته منصوب، ويجوز فيه البدَل.
و"حِبّ" بمعنى "حبيب"، مثل "خِدْنٍ" و"خدين" (٤).
قوله: "فكلمه أسامة": التقدير هنا: "فأمروا أسامة أن يكلمه فكلمه".
قوله: "فقال": أي "النبي ﷺ ". "أتشفع في حد من حدوَد اللَّه؟ ": "الهمزة" للاستفهام، وفيها معنى الإنكار، والجملة معمولة للقول، والتقدير: "أتشفع في ترك إقامة حد من حدود اللَّه؟ ".
و"الحد": "المنع". وسَمّى إقامته حَدًّا؛ لأنّه يمنع من المعاوَدة (٥).
قوله: "من حدود اللَّه": صفة لـ "حد".
стр. 1610
قوله: "ثم قام، فاختطب، فقال": كلها معطوفات، وفاعلها ضمير "النبي ﷺ ".
قوله: "إنما أهْلَك": "إنما" كافّة ومكفوفة.
قال الشيخ تقيّ الدّين: "إنما" هنا دالّة على الحصر، والظّاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، فإنّ بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصُوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حُدود اللَّه، فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص. (١)
قوله: "أنهم كَانوا": في محلّ رفع، فاعل "أهْلَك"، ومفعوله الموصول مع صلته.
ويجوز أن تجعل "ما" من "إنما" موصولة، والتقدير: "إن الذي أهلك الذين كانوا"، [فتكون] (٢) جملة "أهلك" صلة "ما"، و"ما" مع صلتها في محل اسم "إن"، و"أنهم" في محلّ خبرها، أي: "إنّ الذي أهلك الذين كانوا قبلكم كونهم". ويكون فاعل "أهلك" ضمير يعود على "ما".
قوله: "إذا سرق فيهم الشريف": جملة "إذا" في محل خبر "كان". و"فيهم" يتعلّق بـ "الشّريف"، لأنه اسم فاعل من "شرف".
وجاز تقدم معموله عليه [ومعه] (٣) الألِف واللام؛ لأنّ الظروف يتسع فيها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] (٤).
стр. 1611
و"تركوه": جواب "إذا"، وهو العامل فيها. وإن قدّرتها عاملة في فعلها ففعلها العامل فيها. وتقدّم الكلام على "إذا" في ثاني حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "وإذا سرق فيهم الضعيف": إعراب الجملتين واحد.
قوله: "وايم اللَّه": مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: "قسمي" أو "يميني" أو "لازم لي".
وفيه تسع لغات: "ايمن اللَّه"، "ايْم اللَّه"، "اِيم اللَّه"، "مُنُ اللَّه"، "مِنُ اللَّه"، "مِ اللَّه"، "مُ اللَّه". والخلاف بين سيبويه والفراء إنما هو في "ايمن اللَّه" المفتوح "الهمزة". وكسر "الميم" في "مِ اللَّه" اتباعًا للهاء. وكذلك كسرة "الميم" و"النون" في لُغة من قال: "مِنِ اللَّه". ومَن قال: "مَ اللَّه" بفتح "الميم" فإنما فتحها اتباعًا للّام.
وزادوا: "ليمن اللَّه"، و"ليم اللَّه"، و"أيمَن" بالهمزة وفتح "الميم"، و"إيمن" بكسر "الهمزة"، نحو أربعة عشر لُغة.
وقيل: هي جمع "يمين". وألفها "ألِف" قطع، عند الفرّاء وأبي عبيد.
والصّحيح عند النحويين: أنها مُفرَدة، وألِفها "ألِف" وصل، مُشتق من ["اليُمن"] (١)، بدليل حذفها في درج الكلام؛ تقول: "ليمن اللَّه لأفعلن". (٢)
стр. 1612
قال تاج الدين الفاكهاني: لا يُستعمَل إلّا في القَسَم، ولا يستعمل إلا مرفوعًا؛ فأشبه بعدم تمكّنه الحرف الذي [هو] (١) "لام" التعريف، ففتحت همزته كـ "ألف" الوصل اللاحقة للام التعريف. ولم يبن وإن أشبه الحرف؛ لقوة تمكنه بالإضافة، كما لم يبن "أيّ" لذلك. (٢)
قال الأزهري: إنما ضُم آخره -وحُكم القَسَم الخفض- كما ضُم "لعمرك"، كأنهم أضمروا الخبر، فالتقدير: "أيمن اللَّه قسَمي" و"لعمرك قسَمي". (٣)
قوله: "لو أنّ فاطمة": تقدّم قريبًا في آخر حديث من "الحدود". وجملة "سرقت" في موضع خبر "أنّ". وجواب "لو": "لقطعتُ يدها".
قوله: "وفي لفظ": تقدم قريبا. "قالت" يعني: "عائشة". "كانت امرأة" اسم "كان" ضمير يعود على "السارقة"، و"امرأة" خبر "كان".
وجملة "تستعير" صفة لـ "امرأة"، وبالصّفة أفاد الخبر. ومثله: "هو رجل جيد"، وقد علم المخاطب أنه "رجل"، لكن أفاد بوصفه تعظيمه، كما أفاد ذكر المرأة تحقيرها. ولهذا نظائر مذكورة في موضعها (٤).
ولو حذف الموصُوف واقتصر على الصفة أفاد؛ فلو قالت: "وكانت تستعير المتاع" صحّ أن يكون "تستعير" الخبر.
قوله: "فأمر النبي ﷺ بقطْع يدها": تقدّم الكلام على "أمر" في الأول من "باب السواك". و"قطْع" مصدر مضاف إلى المفعول، أي: "بأن يقطع يدها".
стр. 1613
ومفعول "أمر" محذوف، أي: "أمر إنسانًا".
قالوا: يُقال "سارق" و"سارقة" لمن يسرق المتاع، ولمن يسرق الشّعر "سراقة"، ولمن يسرق اللغة "اللّفيف"، والذي يسرق الإبل "خارب"، والذي يسرق الغنيمة "مُغلّ"، والذي يسرق المكيال "مُطفّف". (١)
* * *
стр. 1614
باب حَدّ الخمر
الحديث الأوّل:
[٣٥٣]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحوَ أَرْبَعِينَ".
وَقَالَ: فَعَلَه أبُو بَكْر. فَلمّا كَانَ عُمَر استَشَارَ النّاسَ، فَقَالَ عَبد الرّحمَن: أخَفّ الحُدودِ ثَمَانُون؛ فَأمَر بِه عُمَر (١).
قوله: "أُتي [برجُل] (٢) ": الفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي ﷺ "، أي: "أتي النبي برجل". وأصله: "أتى إنسانٌ النبي ﷺ برجل"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه. وجملة "أتي" في محل خبر "أنّ".
وجملة "وقد شرب" في محلّ صفة لـ "رجل".
و"الخمر": تُؤنّث وتُذكّر. (٣)
قوله: " [فجلده] (٤) بجريدة": أي: "أمَر بجَلده بجريدة". و"الباء" باء الآلة.
قوله: "نحو أربعين": أراد: "أربعين جلدة"، فـ "أربعين" مصدر؛ لأنه عَدَد مصْدَر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (٥).
стр. 1615
و"نحو" هنا بمعنى "قريب"، وقد تأتي "نحو" بمعنى "مثل". (١) وهو نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فجلده جلدًا نحو أربعين جَلدة".
قوله: "وقال" يعني: أنسًا "وفعله أبو بكر"، أي: "وفعل الجلد في الخمر أبو بكر".
قوله: "فلما كان عُمر": "لما" تقدّم الكلام عليها كثيرًا، و"كان" هنا بمعنى "حدَث". والمراد: "فلما حدث زمن عمر" أو "ولاية عمر". تقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأحَد أقسامها أن تكُون تامّة بمعنى "حدث". و"استشار" جوابُ "لما"، و"النّاس" مفعوله.
قوله: "فقال عبد الرحمن: أخَفّ الحدود": يجوز النّصب، أي: "يحدّ حَدًّا أخفَّ الحدود"؛ فتكون "أخفّ" [هنا] (٢) نعتًا لمصدر محذوف. ويجوز الرّفع، أي: "الواجبُ أخَفُّ الحدود".
قوله: ["ثمانين"] (٣): بالنّصب، بدَل من "حَدًّا". وإن رفعت: فـ "أخَفّ" مبتدأ، و"ثمانون" خبره.
قوله: "فأمر به عمر": أي: "أمر بجلده"، فالضّمير يعود على "المجلود"، أي " [أمر] (٤) به فجلد هذا"، على تقدير أنّ سؤال "عُمر" كان لأجْل حَد حضره. ويحتمل أن يكون الضّمير يعود على "الجلد"، أي: "فأمر [الناس] (٥) عمر بذلك الحد"؛ لإجماع الصّحابة عليه.