← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

و"تركوه": جواب "إذا"، وهو العامل فيها. وإن قدّرتها عاملة في فعلها ففعلها العامل فيها. وتقدّم الكلام على "إذا" في ثاني حديث من أوّل الكتاب. قوله: "وإذا سرق فيهم الضعيف": إعراب الجملتين واحد. قوله: "وايم اللَّه": مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: "قسمي" أو "يميني" أو "لازم لي". وفيه تسع لغات: "ايمن اللَّه"، "ايْم اللَّه"، "اِيم اللَّه"، "مُنُ اللَّه"، "مِنُ اللَّه"، "مِ اللَّه"، "مُ اللَّه". والخلاف بين سيبويه والفراء إنما هو في "ايمن اللَّه" المفتوح "الهمزة". وكسر "الميم" في "مِ اللَّه" اتباعًا للهاء. وكذلك كسرة "الميم" و"النون" في لُغة من قال: "مِنِ اللَّه". ومَن قال: "مَ اللَّه" بفتح "الميم" فإنما فتحها اتباعًا للّام. وزادوا: "ليمن اللَّه"، و"ليم اللَّه"، و"أيمَن" بالهمزة وفتح "الميم"، و"إيمن" بكسر "الهمزة"، نحو أربعة عشر لُغة. وقيل: هي جمع "يمين". وألفها "ألِف" قطع، عند الفرّاء وأبي عبيد. والصّحيح عند النحويين: أنها مُفرَدة، وألِفها "ألِف" وصل، مُشتق من ["اليُمن"] (١)، بدليل حذفها في درج الكلام؛ تقول: "ليمن اللَّه لأفعلن". (٢)

стр. 1612

قال تاج الدين الفاكهاني: لا يُستعمَل إلّا في القَسَم، ولا يستعمل إلا مرفوعًا؛ فأشبه بعدم تمكّنه الحرف الذي [هو] (١) "لام" التعريف، ففتحت همزته كـ "ألف" الوصل اللاحقة للام التعريف. ولم يبن وإن أشبه الحرف؛ لقوة تمكنه بالإضافة، كما لم يبن "أيّ" لذلك. (٢) قال الأزهري: إنما ضُم آخره -وحُكم القَسَم الخفض- كما ضُم "لعمرك"، كأنهم أضمروا الخبر، فالتقدير: "أيمن اللَّه قسَمي" و"لعمرك قسَمي". (٣) قوله: "لو أنّ فاطمة": تقدّم قريبًا في آخر حديث من "الحدود". وجملة "سرقت" في موضع خبر "أنّ". وجواب "لو": "لقطعتُ يدها". قوله: "وفي لفظ": تقدم قريبا. "قالت" يعني: "عائشة". "كانت امرأة" اسم "كان" ضمير يعود على "السارقة"، و"امرأة" خبر "كان". وجملة "تستعير" صفة لـ "امرأة"، وبالصّفة أفاد الخبر. ومثله: "هو رجل جيد"، وقد علم المخاطب أنه "رجل"، لكن أفاد بوصفه تعظيمه، كما أفاد ذكر المرأة تحقيرها. ولهذا نظائر مذكورة في موضعها (٤). ولو حذف الموصُوف واقتصر على الصفة أفاد؛ فلو قالت: "وكانت تستعير المتاع" صحّ أن يكون "تستعير" الخبر. قوله: "فأمر النبي ﷺ بقطْع يدها": تقدّم الكلام على "أمر" في الأول من "باب السواك". و"قطْع" مصدر مضاف إلى المفعول، أي: "بأن يقطع يدها".

стр. 1613

ومفعول "أمر" محذوف، أي: "أمر إنسانًا". قالوا: يُقال "سارق" و"سارقة" لمن يسرق المتاع، ولمن يسرق الشّعر "سراقة"، ولمن يسرق اللغة "اللّفيف"، والذي يسرق الإبل "خارب"، والذي يسرق الغنيمة "مُغلّ"، والذي يسرق المكيال "مُطفّف". (١) * * *

стр. 1614

باب حَدّ الخمر الحديث الأوّل: [٣٥٣]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحوَ أَرْبَعِينَ". وَقَالَ: فَعَلَه أبُو بَكْر. فَلمّا كَانَ عُمَر استَشَارَ النّاسَ، فَقَالَ عَبد الرّحمَن: أخَفّ الحُدودِ ثَمَانُون؛ فَأمَر بِه عُمَر (١). قوله: "أُتي [برجُل] (٢) ": الفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي ﷺ "، أي: "أتي النبي برجل". وأصله: "أتى إنسانٌ النبي ﷺ برجل"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه. وجملة "أتي" في محل خبر "أنّ". وجملة "وقد شرب" في محلّ صفة لـ "رجل". و"الخمر": تُؤنّث وتُذكّر. (٣) قوله: " [فجلده] (٤) بجريدة": أي: "أمَر بجَلده بجريدة". و"الباء" باء الآلة. قوله: "نحو أربعين": أراد: "أربعين جلدة"، فـ "أربعين" مصدر؛ لأنه عَدَد مصْدَر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (٥).

стр. 1615

و"نحو" هنا بمعنى "قريب"، وقد تأتي "نحو" بمعنى "مثل". (١) وهو نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فجلده جلدًا نحو أربعين جَلدة". قوله: "وقال" يعني: أنسًا "وفعله أبو بكر"، أي: "وفعل الجلد في الخمر أبو بكر". قوله: "فلما كان عُمر": "لما" تقدّم الكلام عليها كثيرًا، و"كان" هنا بمعنى "حدَث". والمراد: "فلما حدث زمن عمر" أو "ولاية عمر". تقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأحَد أقسامها أن تكُون تامّة بمعنى "حدث". و"استشار" جوابُ "لما"، و"النّاس" مفعوله. قوله: "فقال عبد الرحمن: أخَفّ الحدود": يجوز النّصب، أي: "يحدّ حَدًّا أخفَّ الحدود"؛ فتكون "أخفّ" [هنا] (٢) نعتًا لمصدر محذوف. ويجوز الرّفع، أي: "الواجبُ أخَفُّ الحدود". قوله: ["ثمانين"] (٣): بالنّصب، بدَل من "حَدًّا". وإن رفعت: فـ "أخَفّ" مبتدأ، و"ثمانون" خبره. قوله: "فأمر به عمر": أي: "أمر بجلده"، فالضّمير يعود على "المجلود"، أي " [أمر] (٤) به فجلد هذا"، على تقدير أنّ سؤال "عُمر" كان لأجْل حَد حضره. ويحتمل أن يكون الضّمير يعود على "الجلد"، أي: "فأمر [الناس] (٥) عمر بذلك الحد"؛ لإجماع الصّحابة عليه.

стр. 1616

تنبيه: ليس عدَد المصدر مصدرًا، ولا عدد الظرف ظرفًا حيث وقع لمعنى يعرض في مثل ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فـ "أربعين" في هذا مفعول ثان بتقدير: "وواعدنا موسى تمام أربعين"، فـ "أربعين" لا يجوز نصبه على الظرفية وإن كان عَدَد ظرف؛ لئلا يلزم وقوع "المواعَدة" في كُل فرد من أفراده، ولم تقع "المواعدة" كذلك. وكذلك لو قلت: "سمعت أربعين [جلدة"] (١) كان مفعولًا، لا مصدرًا؛ لأن التقدير: "سمعتُ صوت أربعين". (٢) الحديث الثاني: [٣٥٤]: عَنْ أَبي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ نِيَارٍ أنّه سَمِع رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُول: "لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ" (٣). قوله: "هانئ بن نيار": بَدَل من "أبي بردة". وضمير "أنه" يعُود على "أبي بردة". و"سَمع" تقدّم قريبًا، وقد تعدّى هُنا إلى ذات، فتكون جملة "يقول" في محلّ الحال على رأي سيبويه، أو في محلّ مفعول على رأي أبي علي (٤)، وتقدّم الكلام على ذلك في أوّل حديث من الكتاب.

стр. 1617

وجملة "لا يجلد" معمُولة للقول، وهو خبر بمَعنى الأمر. والفعل مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والمفعول الذي لم يسمّ فاعله محذوف يدلّ عليه السياق، أي: "لا [يُجْلَد] (١) أحَد". و"فوق" ظرف، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: "جلدًا فوق". و"عشرة" مُضاف إليه. ويُروى: "لا يَجْلِد" (٢) بفتح "الياء"، والمعنى: "لا يجْلِد أحَد". [وتقدير] (٣) "أحَد" فاعلًا قد جاء في باب الاستثناء، في نحو: "ما قام إلّا زيد"، على أحَد الوجهين. (٤) ومنه في الصّحيح: "وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلّا غَلَبَهُ" (٥)، أي: "لن يشاد الدّين أحَدٌ إلا غلبه". (٦) قوله: "إلّا في حَد": المجرور يتعلّق بـ "يجلد"؛ فيكون الاستثناء مفرغًا؛ لأن ما قبل "إلا" عمل فيما بعدها. (٧) و"من حُدود اللَّه" يتعلّق بصفة لـ "حَد"، والتقدير: "إلّا

стр. 1618

في مُوجب حَد من حدود اللَّه". (١) وقيل: المراد "في حقّ من حقوق اللَّه"، ولا بُد من تقدير، أي: "إلا في تضييع حَقّ من حقوق اللَّه". (٢) قال الشيخ تقيّ الدّين ﵀: الذي ذَكَر المصنف من أنّ أبا بُرْدَةَ هو "هَانِئُ بن نِيَارٍ" مختلفٌ فيه، قيل: إنّه رجُل من الأنصار. (٣) ثم قال: إنّ بعض المالكية (٤) قال في مُؤدّب الصّبيان: لا يزيد على ثلاثة. قال: وهذا تحديد يبعُد إقامة الدّليل المتين عليه، ولعلّه أخذه من أنّ "الثلاثة" اعتبرت في مواضع، وهو أول حَدّ الكثرة، وفي ذلك ضعف (٥). وقد يُؤخَذ هذا من حديث [أوّل] (٦) نزول الوحي، فإنّ فيه أنّ جبريل ﵇ قال: "اقرأ"، فقال ﷺ : "ما أنا بقارئ"، فغطه ثلاث مرّات (٧)؛ فأخذ منه أنّ تنبيه المُعلم للمُتعلم لا يكُون بأكثر من ثلاث. (٨) * * *

стр. 1619

[كتاب] (١) الأَيمان والنّذور الحديث الأوّل: [٣٥٥]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِّلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٢). تقدّم ذِكر "الكتاب" واشتقاقه، و"الحديث الأوّل" وإعرابه أوّل الكتاب. قوله: "قال: قال": فاعل "قال" الأولى ضمير "عبد الرحمن"، وفاعل "قال" الثانية "رسُول اللَّه". و"قال" الأولى محلّها رفع خبر "أنَّ" مُقدَّرة، و"أنَّ" المقدَّرة معمولة لمتعلق حرف الجر. و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى. و"يا عبد الرحمن" معمول لـ "قال" الثّانية. وجملة "لا تسأل الإمارة" من تمام المقول، و"لا" ناهية، و"تسأل" مجزوم بالنهي، و"الإمارة" مفعول به، والفاعل مُستتر يعود على "عبد الرحمن"، وكُسِرت "اللام" لالتقاء الساكنين. قوله: "فإنّك إن أُعطيتَها": "الفاء" عاطفة. و"إنَّك": "إن" واسمها، و"إنْ" حرف شرط، و"أُعطيتَها" فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، ومفعولان أولهما قائمٌ مقام الفاعل.

стр. 1620

وجوابُ الشرط: "وُكِلْتَ إليها". والجملة الشّرطية في محلّ خبر "إنّ". يقال: "وَكَلَهُ إلى نفسه"، "وَكْلًا" و"وُكُولًا"، و"هذا الأمر موكول إليَّ" (١)، ومنه قول النابغة: كِليني لهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب (٢) [قوله] (٣): " [إنْ] (٤) أعطيتها عن مسألة": يحتمل أن تكون "عن" بمعنى "الباء"، أي: "بمسألة"، أي: "بسبب مسألة"، قال امرؤ القيس: تَصُدُّ وتُبْدِى عَنْ أَسِيلٍ وتَتَّقى ... بناظرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (٥) أي: "بأسيل". وجاءت "عن" بمعنى "بَعْدَ". ويتوجَّه هنا، أي: "بعد مسألة". ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: "بعد طبق" (٦). ومنه قول العجاج: وَمنْهَل وَرَدْته عَنْ منْهَل (٧) أراد: "بعد منهل".

стр. 1621

قوله: "وإن أعطيتها عن غير مسألة": يحتمل أيضًا ما تقدّم، أي: "بغير مسألة"، ولا [ترد] (١) "بَعْد" هنا. و"أُعنت عليها": جوابُ الشّرط. قوله: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها": تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، والرّؤية هنا عِلمية، و"غيرها" المفعول الأوّل، و ["خيرًا"] (٢) المفعول الثّاني، و"منها" يتعلّق [بـ "خير"] (٣)، و"خير" أفعل التفضيل، وقد تقدّمت في الثامن من "باب الجنابة". وجوابُ "إذا": "فَكَفِّرْ"، و"عن يمينك" يتعلّق [بـ "كَفِّرْ"] (٤). و"عن" معناها [المجاوزة] (٥)، وتقدّمت في الثّالث من "باب الصفوف"، والمعنى: "كفِّر عن حُكمها وما يترتب عليها من [الإثم"] (٦). قوله: "وائْتِ": معطوف على "كفِّر"، و"الذي هو خير" مفعول "ائت"، والعائد هنا مبتدأ، وليس في الصلة طول؛ فوجب إظهارُه. وتقدَّم أنّ الصّلة لا تكون إلّا جملة اسمية أو فعلية أو ظرفًا أو مجرورًا، وأمّا العائد فلا يخلو من أن يكُون مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا. فإن كان مرفوعًا: لم يجز حذفه إلّا [إذا] (٧) كان مُبتدأ؛ فإنّه لا يخلو من أن يكُون في صلة "أيّ" أو في غيرها.

стр. 1622

فإن كان في صلة "أيّ" جاز حذفه، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، أي: "أيهم هو أشَدّ". وإن كان في غيرها: فلا يخلو من أن يكون في الصّلة طُول أَوْ لا، فإن كان في الصّلة طول، نحو قولك: "جاءني الذي هو ضارب عمرا يوم الجمعة"، جاز حذفه. وإن لم يكن، نحو قولك: "جاءني الذي قائم"، لم يجز إلّا حيث سُمِع، نحو قوله تعالى: "مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ" (١) بالرّفع. وما جاء هنا على الأفصَح، ولو حذف "هو" حتى يقول: "الذي خير"، جاز على الوَجْه الضعيف. ثم إنْ كان الضّمير [منصوبًا] (٢): فلا يخلو من أن يكُون في صلة الألِف واللام أو في غيرها. فإن كان في صلة الألِف واللام: لم يجز حذفُه، نحو قولك: "جاء [الضارب زيدًا"] (٣)، على مذْهَب مَن جعل الضمير في محلّ نصب، وهو الصحيح. ثم إنْ كان في صلة غير الألِف واللام: فلا يخلو من أن يكُون فيها ضمير غيره أم لا، فإن كان فيها ضمير غيره لم يجز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي ضربته في داره". فإن لم يكن في الصلة ضمير غيره: فلا يخلو من أن يكون منفصلًا أو متصلا، فإن كان منفصلًا لم يجز حذفه، نحو قولك: "الذي [ظنني إياه] (٤) زيد قائم". وإن

стр. 1623

كان متصلًا جاز حذفه وإثباته، نحو قولك: "جاءني الذي ضربته". وإن كان مخفوضًا: فلا يخلو من أن يكون مخفوضًا بحرف جرٍّ، أو بإضافة اسم آخر إليه. فإن كان مخفوضًا بالإضافة: لم يجز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي قام غلامه"، وقد جاء في الشّعر حذف الضّمير والاسم، فقال: أعُوذ بِاللَّه وآياتِهِ ... مِن بَاب مَنْ يُغْلَق مِن خَارِج (١) أي: "من باب مَن يُغلق بابه مِن خَارِج". وإن كان مخفوضًا بحرف جر: فلا يخلو من أن يكون في موضع رفع أم لا. فإن كان: لم يجز حذفه، نحو قولك: "الذي [سِير بهِ] (٢) زيد". وإن لم يكن: فلا يخلو من أن يكُون في الصّلة ضمير غيره أم لا. فإن كان فيها ضمير غيره لم يجز حذفه؛ لأجل اللبس، نحو قولك: "الذي أحسن إليه غلامه عمرو". فإن لم يكن ضمير غيره: فلا يخلو الموصول من أن يدخُل عليه حرف خفض من جنس الحرف الذي دخل على الضمير أم لا. فإن لم يدخل: فلا يجوز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي مررت به". وإن دخَل عليه جاز حذفه وإثباته، نحو قولك: "أمر بالذي تمر به" (٣).

стр. 1624

ففي مثل قوله: "هو خير"، لا يجوز حذفه إلّا في شُذوذ. الحديث الثّاني: [٣٥٦]: عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي وَاللَّهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا" (١). قوله: "إن شاء اللَّه": قدَّم استثناء المشيئة، وكان موضعها عقيب جواب القَسَم، وذلك أنّ جَواب القَسَم جاء بـ "لا"، وعقبه الاستثناء بـ "إلا"، فلو تأخّر استثناء المشيئة حتى يجيء الكَلام: "واللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلّا أتيتُ الذي هو خير إن شاء اللَّه" لاحتمل أن يرجع إلى قوله: "أتيت"، أو إلى قوله: "هو خير"، فلما قدّمه انتفى هذا التخيّل. وأيضًا: ففي تقديمه اهتمام؛ لأنّه استثناء مأمور به شرعًا، وينبغي أن يبادر بالمأمور به. (٢) قال الشيخ تقيّ الدّين: هذا الحديثُ له [سَبب] (٣) مذكُور في غير هذا الموضع، وهو أنّ النبي ﷺ حَلف [أن لا] (٤) يحملهم ثم حملهم (٥). قوله: "إني واللَّه إن شاء اللَّه": "إني": "إن" واسمها، وخبرها جملة "لا أحلف". وجواب القَسَم محذوف سدّ مسده خبر "إن". ويحتمل أن يكون "لا أحلف" جواب القسم، وخبر "إن" القَسَم وجوابه (٦)، أو يكون خبر "إن" محذوف يدلّ عليه

стр. 1625

الجواب. وتقدّم الكلام على حروف القَسَم في العاشر من "الصّلاة"، وعلى جواب القَسَم في الثّاني من "باب الصّفوف". قوله: "على يمين": أي: "على موجَب يمين"؛ لأنّ اليمين مُوجبة. و"الموجَب": هو الذي انعقد عليه الحلف. (١) قوله: "إن شاء اللَّه": جملة معترضة، لا محلّ لها. [قوله] (٢): "فأرى": معطوفٌ على "أحلف". والضّمير في "غيرها" يعود على "اليمين". قوله: "إلا أتيت": جملة "أتيت" في محلّ الحال من ضمير "النبي ﷺ ". ووقعت الحال فعلًا بعد "إلّا"، وجاءت على شرطها من أنْ يتقدّمها فعل (٣)، وتقدّم القول على ذلك في الثّالث من "المذي". قوله: "وتحللتها": معطوفٌ على "أتيت". قال الشّيخ تقيّ الدّين: في الحديث تقديم ما يقتضي "الحنث" على "الكفّارة"، إن كان معنى "تحللتها": "الكفّارة". ويحتمل أن يكون معناه: "إتيان ما يقتضي الحنث"، فإنّ "التحلل" [نقض] (٤) العقد. و"العقد": هو ما دلّت عليه اليمين من مُوافقة مقتضاها. فيكون "التحلل":

стр. 1626

الإتيان بخلاف [مقتضاها] (١). [قال] (٢): فإن قُلت: [فيلغى على] (٣) هذا: "أتيت الذي هو خير". قلتُ: فيه فائدة التصريح والتنصيص على كون ما فعله محللًا، والإتيان به بلفظ يُناسب [الجواز] (٤) والحلّ صريحًا، فإذا صرّح بذلك كان أبلَغ مما إذا أتى به على سبيل الاستلزام. انتهى (٥). الحديث الثالث: [٣٥٧]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ : "إنّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (٦). وَلِمُسْلِمٍ: "فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أَوْ لِيَصْمُت" (٧). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلا آثِرًا" (٨). يعني: "حَاكيًا عن غيري أنّه حَلف بها". قوله: "إنّ اللَّه ينهاكم أن تحلفوا": جملة "ينهاكم" في محلّ خبر "إنّ". و"أنْ" المصدَرية في محلّ نصب أو جر بتقدير حرف الجر، أي: "ينهاكم عن أن

стр. 1627

تحلفوا"، الأوّل للخليل والكسائي، وعكس أبو البقاء، والثّاني لسيبويه (١). قوله: "ولمسلم: فمن كان حالفًا": يحتمل أن يتعلّق حرف الجر بمقدّر، أي: "وجاء لمسلم هذا اللفظ"، فتكون الجملة بعد المجرور في محلّ رفع على الفاعلية، وامتنع الإعراب لأجْل الحكاية. ويحتمل أن تكُون الجملة في محلّ رفع على الابتداء، ويكون الخبر في المجرور، [وبه] (٢) يتعلّق حرف الجر. ويحتمل أن يقدّر: "ورُوي لمسلم". قوله: "فمن كان حَالفًا": "مَن" الشّرطية، ومحلّها رفع بالابتداء، و"كان" واسمها وخبرها في محلّ الخبر، وقيل: الخبر في الجواب، وفيه بُعد لأجل "الفاء". وتقدّم مثله مرارًا. و"باللَّه" يتعلّق بالفعل، ويحتمل أن يتعلّق بـ "حالفًا"، وهو خلاف الظّاهر، ويكون من باب الإعمال. قوله: "أو ليصمت": يقال: "صَمَتَ، يَصْمُتُ، "صَمْتًا"، و"صُموتًا"، و"صُماتًا": أي: "سَكَتَ"، و"أَصْمَتَ" مثله. و"التصميت": "التسكيت"، و"التصميت" أيضًا "السكوت". و"رجل صميت" أي "سكيت". و"الصُّمتة" مثل "السُّكتة". (٣) قوله: "وفي رواية": هو مثل: "ولمسلم" المتقدّم. قوله: "قال عمر" يعني: "ابن الخطاب": "فواللَّه ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عنها" جوابُ القَسَم: "ما حلفت"، وتقدّم قريبًا مثله. والضّمير

стр. 1628

في "بها" يعود على "اليمين بالآباء". و"مذ" و"منذ" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الوصايا". ومتى وقع بعدها فعل -مثل ما وقع هنا- كانت ظرْفا مُضافًا إلى الجُملة بتقدير زَمَان (١)، أي: "ما حلفتُ بها منذ زَمن سَمَاعي". "ينهى عنها": في محلّ الحال، وقد تقدّم مذهب أبي علي الفارسيّ في ذلك، وتقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب (٢). قوله: "ذاكرًا ولا آثرًا": حالان من ضمير الفاعل في "سمعت". و"آثرًا" فاعل من: "أثرت الحديث"، "آثُرُه" إذا "ذكرته عن غيرك"، ومصدره: ["الأَثْر". ومنه] (٣) يُقال: "حديثٌ مأثور" أي "ينقله خَلَف عن سَلَف". (٤) وقول عُمر: "ذاكرًا" ليس هو من الذّكر بعد النسيان، إنما يعني مُتكلمًا به، كقولك: "ذكرتُ لفلان حديث كذا وكذا". كذا قال صاحب "الصّحاح". (٥) [. . . . .] (٦).

стр. 1629

[الحديث الرّابع] (١): [٣٥٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵇: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، نِصْفَ إنْسَانٍ". قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" (٢). قوله: "عن أبي هريرة": أي: "روي عن أبي هريرة أنه روى عن النبي ﷺ ". وتقدّم له نظائر، فلينظر في مواضعها. وفاعل "قال": ضمير "النبي ﷺ ". و"قال" الثانية فاعلها: "سليمان". و"سليمان": لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون، وفيه العجمة. وكذلك "داود"، فيه العُجمة والعَلمية. (٣) و"﵉" مبتدأ. والخبر مُقدّم ليفيد تخصيصًا وحصرًا. ومثله ما رُوي أنّ رجُلا سَبّ آخر فأعرَض عنه المسبوب، فقال السّاب: "إياك أعني"، فقال له الآخر: "وعنك أعرض". (٤) قوله: "لأطوفن": جوابُ قسَم محذوف، أي: "واللَّه لأطوفن". ويؤيد هذا التقدير: قوله ﷺ في آخر الحديث: "لو قال إن شاء اللَّه لم يحنث، وكان دركًا لحاجته". ويُروى: "لَأطِيفَنّ" (٥)، وهما لُغتان فصيحتان، "طاف بالشيء" و"أطاف به" (٦).

стр. 1630

و"الليلة": نصب على الظّرف. قوله: "على سبعين امرأة": "امرأة" تمييز. و"سبعين" محمولٌ على جمع المذكر السالم؛ فرفعه بـ "الواو"، ونصبه وجرّه بـ "الياء". (١) وقد عُومل مُعامَلة المفرَد، فجُرّ بالكَسر (٢) في نحو قوله: وَمَاذَا تَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي ... وَقَدْ جَاوزتُ حَدَّ الأرْبَعِينِ (٣) كما فتحت "نون" التثنية في نحو قوله: عَلى أَحْوذِيَّيْنَ استَقَلَّتْ عشية ... فَما هيَ إِلا لمحةٌ وتَغِيبُ (٤) بفتح "نون" التثنية (٥). قوله: "تلد كُلّ امرأة منهن غُلامًا": يحتمل أن يكون التقدير: "فتلد كل واحدة

стр. 1631

منهن"، ثم حذفها. وقد حذفت "الواو" العاطفة في قول عمر: "لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَر" (١) بالجر، وفي بعض النسَخ: "والصّوَر". (٢) وكما حُذفت من قوله: مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ... . . . . . . . . . . . . . . (٣) أي: "فاللَّه يشكرها". (٤) وأنكر ابن مالك على مَن قال: ذلك مخصوصٌ بالشِّعر. (٥) وتقدّم ذلك في الثاني من "الوصايا" مُستوفى. ويحتمل أن يكون هنا محذوف يدلّ عليه المعنى، أي: "أطوف على سبعين

стр. 1632

امرأة، فتحْمِل؛ تَلِد. . . "؛ فتكُون "تلد" بدَلًا من "تحمل" المقدّر. ويحتمل أن تكون "تلد" جملة في محلّ الحال من "امرأة"، وتكون حالًا مقدّرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] (١). ويجوز الحَال عند سيبويه (٢) من النكرة بغير شَرط. وقد تخصّصت بالعَدَد الذي ميزته أو بصفة مُقدّرة، أي: "من نسائي" أو "منهن"، وهذا كثير شائع (٣). ولك أن تجعل "تلد" في محلّ صفة لـ "امرأة"، بمعنى ما يصير إليه في ظنه، وقد يوصَف الشيء بمعنى ما يقع له ويَؤول أمره إليه. ومتى جعلتها صفة جاز أن تكون لـ "سبعين" أو لـ "امرأة"، ويختلف المعنى، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣] بالجر، و"سمانا" بالنصب؛ فيلزم من وصف البقرات بـ "السمان" وصف "السبع" به، ولا يلزم من وصف "السبع" به وصف "البقرات". (٤) وفرق بين ["ثلاثُ رجال كرام" و] (٥) "ثلاثةُ رجال كرام" برفعهما، يقدّر الأوّل: "ثلاثة من الرجال الكرام"؛ فيلزم وصف الثلاثة بالكرم. وعلى الثاني يكون التقدير: "ثلاثة كرام من الرّجال"؛ فلا يلزم منه وصف الرّجال بالكَرَم (٦).

стр. 1633

ويحتمل أن تقدّر هنا "إذا"، وتكون "تلد" جوابها، أي "إذا طفت تلد"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ﴾ [الماعون: ١، ٢]، أي: "إذا رأيته فذلك". (١) و"غلامًا": مفعول "تلد". و"منهن": يتعلّق بصفة لـ "امرأة". وجملة "يقاتل في سبيل اللَّه": في محلّ صفة لـ "غلامًا". قوله: "فقيل له: قُل: إن شاء اللَّه": "قيل" تقدّم في الحديث الخامس من "العرايا". والمجرور قائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله أو يكون المفعول الجملة، على قوله: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا" (٢) (٣). وجاء في الحديث أنّ الذي قال له: "قُل. . . ": "الملَك" (٤). و"إن شاء اللَّه" شرط جوابه محذوف، أي: "فعل" أو "قدّر". قوله: "فلم يقُل": مفعوله محذوف، أي: "فلم يقل ذلك"؛ لأنه تعدّى إلى المقول. قوله: "فطاف بهن، فلم تلد": جمل معطوفات على ما قبلها، والضمائر تعود على "السبعين" المتقدّم ذكرها. و"من" للتبعيض، وتتعلّق بـ "تلد". قوله: "إلا امرأة واحدة": فاعل "تلد"، والاستثناء مُفرغ. و"واحدة" صفة مؤكدة. قوله: "نصف إنسان": منصوب بفعل مُقدّر، أي: "ولدت نصف إنسان". ولا يجوز فيه الرفع على أنه بَدَل؛ لأنه لا يحلّ محلّه.

стр. 1634

ويحتمل الرّفع على الفاعلية بفعل مُقدّر، أي: "جاءها نصفُ إنسان" أو "خلق منها نصف إنسان". قوله: "قال": أي: "قال أبو هريرة". "قال رسُول اللَّه ﷺ : لو قال: إن شاء اللَّه": "لو" هنا لما [كان] (١) سيقع لوقوع غيره (٢)، وجوابها: "لم يحنث". وتقدّم الكلام على "لو" في الحديث الأوّل من "الصّلاة". وجملة "إن شاء اللَّه" معمولة للقول. قوله: "وكان دَرَكًا": أي "كان القول دركًا لحاجته". و"دَرَكًا": مصدر من "أدركت"، على حذف الزوائد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] (٣). الحديث [الخامس] (٤): [٣٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلَى آخِرِ الآيَةِ (٥). قوله: "قال: قال رسُول اللَّه": فاعل "قال" الأولى ضمير "ابن مسعود"،

стр. 1635

والقول معمول [لـ "أن" المقدّرة] (١) للقائم مقام الفاعل. و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى. و"مَن" اسم شرط تقدّم قريبًا. [و"على يمين"] (٢) يتعلّق بـ "حلف". يُروى "يَمِينٍ" (٣) بالتنوين؛ فيكون "صبر" صفة له على النسب، أي: "ذات صبر"، وبغير تنوين على الإضافة. والمراد هنا: "ما تُوجبه اليمين من الحقوق". والتقدير: "مَن حلف على مُوجب [يمين"] (٤). وجملة "يقتطع بها مال امرئ مسلم" في محلّ صفة ثانية. والضّمير في "بها" يعود على "اليمين". و"امرئ" تقدّم في السّادس من "الزكاة". قوله: "هو فيها فاجر": جملة في محلّ الحال من فاعل "حلف". ويحتمل أن تكون من ضمير "يقتطع". ويحتمل أن تكون في محلّ صفة لـ "يمين"؛ لأنّ فيها ضميرين، أحدهما للحالف، والآخر لليمين؛ فبذلك صلحت أن تكون حالًا لكُلّ واحد منها، والفصل بين هذه الجملة الواقعة صفة وبين الموصُوف إنما وقع بصفات. و"على" في قوله: "على يمين فاجرة" تحتمل أن تكون بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: "حَقِيقٌ عَلَيّ" (٥)، بتشديد "الياء"، . . . . .

стр. 1636

وهي قراءة أُبَي. (١) قوله: "لقي اللَّه وهو عليه غضبان": "لقي" جوابُ "مَن"، والجملة من المبتدأ والخبر في محلّ الحال من اسم اللَّه تعالى. و"غضبان": لا ينصرف؛ لأنّ فيه الصّفة وزيادة الألِف والنون، والشّرط هنا موجود، وهو انتفاء "فعلانة"، ووجُود "فعلى" (٢). وذلك في صفات المخلوقين. وغضبه يُراد به: "ما أراده من العُقوبة". نعوذ باللَّه من [عقابه] (٣) وغضبه (٤). قوله: "ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] ". قلتُ: ذكر المفسّرون في هذه الآية أقوالًا، منها ما رواه ابن مسعود راوي هذا الحديث هنا أنّ الآية نزلت في تصديق هذا الحديث (٥). قوله: "بعَهْد اللَّه": المصدر مُضَافٌ إلى الفاعل مقدرًا بـ "أن"، أي: "بما عهد اللَّه إليهم"، ويصح أن يُضاف إلى المفعول، أي: "بما عاهدوا اللَّه عليه".

стр. 1637

الحديث [السّادس] (١): [٣٦٠]: عَن الأشْعَث بن قيس قَال: كَان بيني وبين رَجُل خُصُومة، [فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". قُلْت: إذَن يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"] (٢) (٣). وَجَب إعادة "بين" هنا ليصحَّ العطف على الضّمير المجرور (٤)، واسم "كان": "خصومة"، والخبر في الظّرف. وتأتي "بين" في الكتاب العزيز على أنحاء: فتارة تُعرَبُ، كقوله تعالى: "لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ" (٥)، وهَذَا على الاتساع في الظرْف. وقيل: هو بمعنى "وصلُكم" (٦). ومنه قوله تعالى: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] بجرِّ "بينِك". ومنه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]. وتارة يبقى على نصبه، نحو قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] بالنصب، ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].

стр. 1638

[فالأوّل] (١) الذي يدخُله الجر إنما يكُون في الشيئين المتلابسين المشتركين، فيأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]؛ لأنّ الفُرقة اشتركا فيها جميعًا، وكذلك ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] حالهما في الحجاب واحد. وأمّا الثّاني الذي لا اشتراك فيه: فنحو قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، فالظّرف فيه باق على أصله من النصب، ويكون له محلّ من الإعراب، فيعمل فيه استقرار مُقدّر. ويكون عريًّا عن ذلك؛ [فيعمل فيه فِعْلٌ] (٢) أو معنى فِعْلٍ على القَاعِدة في سائر الظروف (٣). ومن هذا قوله في الحديث: "كان بيني وبين رجل خصومة"؛ [لأنّه] (٤) لا اشتراك بينهما في سَبب الخصُومة، وهو "المِلْك"؛ لأنّ أحدهما يده على "الملك" أو على الشيء، والآخر يخاصمه فيه ويدّعيه عليه. قوله: "في بئر": يتعلّق بـ "خصومة"؛ لأنّه مصْدَر "خاصم"، أو اسم مصدر، وكلاهما يتعلّق به حرف الجر. قوله: " [فاختصمنا] (٥) إلى رسُول اللَّه ﷺ ": تعدّى "اختصم" بـ "إلى"؛ لأنّه بمعنى: "ترافعا إلى رسول اللَّه ﷺ ". قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : شاهداك أو يمينه": "شاهداك" إمّا فاعل لفعل

стр. 1639

مُقدَّر، أي: "يحضر شاهداك أو فحقّك يمينه"، و"يمينه" خبر مبتدأ محذوف: "أوْ لك يمينه"، فتكون مبتدأ، والخبر في المجرور. ويحتمل أن يكون "شاهداك" خبر مبتدأ محذوف، أي: "الواجب شاهداك أو يمينه". ولو قال: "شاهديك" على أنّه منصوب بفعل مُقدّر، أي: "أحضِر شاهديك أو اقبل يمينَه"، لجاز. ولكن الرّواية تُتّبع. قوله: "فقلت: إذن يحلف": "إذن" حرفُ جواب، وهي تنصب الفعل المضارع بشروط ثلاثة: - أحدها: أن تكون أوَّلًا، فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، كما تقول في جواب من قال: "أزورك": "إذن أكرمَك"، بالنصب. فإن اعتمد ما بعدها على ما قبلها رفعْتَ، نحو قولك: "أنا إذن أكرمُك". الشرط الثاني: أن يكون مُستقبلًا، فلو كان حالًا وجَب الرفع، نحو قولك لمن قال: "جاء الحاج": "إذن أفرحُ"، تريد الحالة التي [أنت فيها] (١). الشّرط الثالث: أن لا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل، [ما] (٢) عدا القَسَم. والنداء و"لا". [فإن دخَل عليها حَرف] (٣) عطف جاز في الفعل وجهان: الرّفع والنّصب، والرّفع أكثر، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] (٤).

стр. 1640

والفعل هنا في الحديث إنْ أريد به الحال فهو مرفُوع، وإن أريد به الاستقبال فهو منصوبٌ. (١) وتُتّبع الرّواية. قوله: "ولا يبالي": جملة في محلّ الحال من ضمير "يحلف"، أي: "يحلفُ غيرَ مبالٍ"، أو يكون في محلّ خبر مبتدأ محذوف، أي: "يحلف وهو لا يبالي". قال في "الصّحاح": وقولهم: "لا أُبالِيهِ"، أي: "لا أكترث له". وإذا قالوا: "لم أبل"، حذفوا "الألِف" تخفيفًا لكثرة الاستعمال، كما حذفوا "الياء" من قولهم: "لا أدر"، وكذلك يفعلون في المصدر، فيقولون: "ما أباليه بالة"، والأصل: "بالية"، مثل: "عافاه عافية"، حذفوا "الياء" منها بناء على قولهم: "لم أبل" (٢). قوله: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ": تقدّم إعراب هذه الجملة كلها آنفًا.

стр. 1641

الحديث [السّابع] (١): [٣٦١]: عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ" (٢). وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا قِلَّةً" (٤). قوله: "أنّه بايع رسول اللَّه ﷺ ": معمول متعلّق حرف الجر. وجملة "بايع" في محلّ خبر "أنَّ". و"تحت الشّجرة" ظرف مكان، والعَامِل فيه "بايع"، ويحتمل أن يكُون العامل فيه حالًا من ضمير الفَاعل، أو من "رسول اللَّه". ويحتمل أن يكون حالًا منهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]؛ قيل: جملة "تحمله" في محلّ حال من ضَمير "عيسى"، وقيل: من "مريم"، وقيل: منهما (٥). قوله: "وأنّ رسول اللَّه ﷺ قال": "أنَّ" الثّانية معطوفة على "أنَّ" الأولى، ومحلّها من الإعراب كمَحلّ ما عُطفت عليه.

стр. 1642

قوله: "مَنْ حلف على يمين": تقدّم الكلام على "مَنْ" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب. و"على" هنا بمعنى "الباء"، كما تقدّم. ويحتمل أن يكون التقدير: "من حلف على شيء يمين"، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ "على" بعد حذف "الباء". والأوّل أقلّ في التعبير. قوله: "بملة غير ملة الإسلام": يتعلّق بـ "حلف"، أو يتعلّق بحال مقدرة، أي: "حلف بيمين متلبسًا بملة غير ملة الإسلام كاذبًا"، فـ "غير" صفة لـ "ملة"، و"كاذبًا" حال من ضمير "حلف"، و"متعمدًا" حال أخرى من الضّمير أيضًا عند من يجيز تعدّد الحال (١)، أو حال من الضّمير في "كاذبًا" فتكون حالًا مُتداخلة. قوله: "فهو كما قال": "الفاء" جواب الشرط، و"هو" مبتدأ، [و"كما قال"] (٢) في محلّ الخبر، أيْ: "فهو كائن كما قال". أو تكون "الكاف" بمعنى "مثل"، فتكون "ما" مع ما بعدها في محل جر بالإضافة، أي: "فهو مثل قوله"، فتكون "ما" مصدرية. ويحتمل أن تكون موصولة، [والعائد] (٣) محذوف، أي: "فهو كالذي قاله"، والمعنى: "فمثله مثل قوله"؛ لأنّ هذا الكلام محمول على التعليق، مثل أن تقول: "هو يهودي -أو نصراني- إنْ كان فعل كذا". قال الشّيخ تقيّ الدّين: الحلف بالشيء حقيقة هو القسَمُ به، وإدخال بعض حروف القَسَم عليه، كقولك: "واللَّه"، و"الرحمن". وقد يُطلق على "التعليق" حَلِفًا، كما يقول الفقهاء: إذا حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم: "تعليق الطلاق به"، وهذا مجاز، وكان سببه مُشابهة هذا التعليق

стр. 1643

لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع. إذا ثبت ذلك، فنقول: قوله ﵇: "مَن حَلف على يمين بملة غير الإسلام" يحتمل أن يُراد به المعنى الأول، ويحتمل أن يُراد به المعنى الثاني. والأقربُ أن يُراد الثّاني؛ لأجل قوله: "كاذبًا متعمدًا"، والكذبُ يدخُل القضية الإخبارية التي يقع مُقتضاها تارة، وتارة لا يقع. وأمّا قولنا: "واللَّه" وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيٍّ، وهي للإنشاء -أعني: إنشاء القسم- فتكون صُورة هذا اليمين على وجهن (١)، انتهى. قوله: "فهو كما قال" (٢). قوله: "ومَن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ بهِ": هذه الجملة مثل التي قبلها في الإعراب، وجوابُ الشرط هنا: "عُذِّب به"، وهو فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، والمجرور قائم مقام الفاعل، والضّمير يعُود على "شيء". و"يوم القيامة" ظَرف، العامل فيه: "عُذِّب". قوله: "وليس على رَجُلٍ نَذرٌ فيما لا يمْلكُ": "ليس" من أخوات "كان"، وتقدّمت في الأوّل من "الحيض"، و"نَذْرٌ" اسمها، و"على رجُل" في محلّ الخبر، و"فيما" يتعلّق بـ "نَذْر"؛ لأنّه مصدَر، أو يتعلّق بصفة لـ "نذر"، أي: "نذر ثابت فيما لا يملك"، و"لا يملك" جملة في محلّ صلة "ما"، و"ما"وصلتها في محلّ جر بـ "في". قوله: "وفي رواية": تقدّم أنه يحتمل وجوهًا ثلاثة، الأول: "جاء في رواية"، فيكون "لَعْنُ المؤمنِ" فاعل على الحكَاية. والثّاني: يقدّر "رُوِيَ"؛ فيكون في محلّ مفعول لم يُسم فاعله. والثّالث: تكون الجملة مبتدأً على الحكاية، و"في رواية" في

стр. 1644

محلّ الخبر. قوله: "لَعْنُ المؤمنِ كقَتلِهِ": مبتدأ وخبر، و"الكاف" يجري فيها مثل ما تقدّم من حرفيتها أو اسميتها. قيل: معنى الحديث: "يُشبهه في الإثم"، أو أنّه "كقتله في التحريم". واعترض الوجهين الشيخُ تقيّ الدّين، فانظره في موضعه (١). قوله: "ومن ادَّعى دعْوى كاذبة": تقدّم القول في ذلك، و"دعوى" مفعول به؛ لأنها كناية عن "الشيء المدَّعَى"، أي: "من ادَّعَى شيئًا بدعْوَى كاذبة". و"الدعْوَى": الاسم من "ادّعى"، والمصدر: "الادعاء" (٢). و"كاذبة" نعتُ "دعْوَى". قوله: "ليتكثّر بها": لا مفهوم لهذا (٣)؛ لأنّ الوعيد على كُلّ مَن ادّعى ما ليس له كاذبًا، تكثَّر به أوْ لم يتكثَّر. و"اللام" لام "كيْ"، فالفعلُ منصوب بإضمار "أنْ" بعدها، ويجوز إظهارها. ويتعلّق بـ "ادَّعَى". قوله: "لم يزده": جوابُ الشرط، و"قلةً" مفعول ثان لـ "يزده"، والفاعل ضَمير يعود على "المدَّعِي"، أي: "لم يزد ذلك المدعِي إلا قلةً". والاستثناء مُفرَّغ. وقد يجيء "زاد" لازمًا، نحو: "زاد المال" (٤). * * *

стр. 1645

بَابُ النّذُور الحديث الأوّل: [٣٦٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا- فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١). قوله: "قال": أي: "أنّه قال"، فيكون محلّه رفعًا خبرًا لـ "أنَّ" المقدَّرة، و"أنَّ" في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجرِّ. و"قلتُ" معمول "قال"، و"يا رسُول اللَّه: إني كُنت" معمول "قلتُ"، و"نذَرتُ" خبر "كنتُ"، و"في الجاهلية" يتعلّق بـ "نذرتُ"، وجملة "أنْ أعتكف" في محلّ مفعول "نذرت"، أي: "نذرتُ الاعتكاف". وتقدّم الكلام على "أنْ" المصدريّة، والفرْق بين "نذرتُ الاعتكاف" و"نذرت أن أعتكف" في العاشر من أوّل الكتاب. وقد يحتمل أن تكون "كنتُ" زائدة، أي: "إني نذرتُ في الجاهلية"، ومثله: . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ (٢) و"لَيْلَة": ظرف زمان، أي: "أنْ أعتَكِف يَومًا". ومتى قدَّرْت "جاء" كان فاعلًا على الحكاية، أو تجعَله مبتدأ، والخبر في قوله: "في [المسجد"] (٣)، وتقدّم قريبًا. قوله: "قَالَ": أي: "النبي ﷺ ".

стр. 1646

"أوْف بنَذْرك": يُقال: "وفَّى بعَهْده" (١) و [و"أَوْفَى] (٢) [بمعنى] (٣). ويُقال: "وفي الشيء"، "وفاء"، أي: "تمّ، وكمل" (٤). قوله: "في المسجد الحرام": تقدّم ذكْر "المسجد"، وأنّ "مفعل" مكان وزمان ومصدر، في الحديث الثالث من "التيمم". ومنه: "المطلع" و"المغرب" و"المشرق" و"المفرق" و"المجزر" و"المسكن" و"المنبت" و"المنسك" و"المنزل" (٥). الحديث الثاني: [٣٦٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إنَّه لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ" (٦). قوله: "عن عبد اللَّه بن عمر": التقدير: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أنه رَوى عن النبي ﷺ أنّه نهى". فـ "أنه نَهَى" في محلّ مفعول، و"أنه روي عن النبي" في محلّ

стр. 1647

رفع لمقدَّرٍ يتعلّق به حرف الجر، و"رُوي عن عبد اللَّه بن عمر" لا محلّ له. قوله: "نهى عن النذر": أي: "عن عَقد النذر"، أو "التزام النذر". قوله: "وقال": أي: "النبي ﷺ ". ومُوجبُ كسر "إنَّ" أنها وقعت بعد القول، وتقدّم ذكْر المواضع التي تُكسر فيها "إنَّ" في الحديث الرابع من أوّل الكتاب. و"لا" تقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الاستطابة". و"يَأْتِي" من "أَتَى" بمعنى "جاء"، وهو يتعدّى لواحد، بخلاف "آتَى" (١). و"بخير": قيل: "الباء" سَببية، أي: "لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القُرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه". [قاله] (٢) الشّيخ تقيّ الدّين (٣). وفيه نظر؛ لأنّ سياق الحديث قبل وبعد لا يُوافقه. والذي يظهر: أنّ النذر لا يأتي بحاجة الإنسان التي نَذَر لأجْلها، بل اللَّه قدْ قدَّر وقوعَها وعدم وقوعها سواء نَذَر أو لم ينذر، وهو الذي يُوافقُه سياق الحديث، فـ "الباء" إذن "باء" التعدية، أي: "لا يؤتي خيرًا". قوله: "وإنما يُستَخْرَجُ به من البخيل": "إنما" تقدّم الكلام [عليها في الحديث الأوّل] (٤). و"يُسْتَخْرَجُ به من البخيل" بمعنى: "أنه لا يتصدّق إلّا بعوض".

стр. 1648

و"الباء" في "به" باءُ الآلة. الحديث الثالث: [٣٦٤]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" (١). قوله: "إلى بيت اللَّه الحرام": يتعلّق بـ "تمشي"، و"تمشي" مع "أنْ" في محلّ مفعول "نَذَرَتْ". و"إلى" لانتهاء الغَاية، وتقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الوتر". و"بيت" جمعه: "بُيُوت" بضم "الباء" وكسرها، و"أبيات" و"أبابيت". وتصغيره: "بُيَيْت" و"بِيَيْت" بضم "الباء" وكسرها. قال في "الصّحاح": والعامّة تقول: "بُوَيْت"، وكذلك تصغير "شيخ" بالضّم والكسر، و"شيء" مثله، وأشباهها (٢). وهذه الإضافة إضافة تشريف؛ لأنّ البيوت كلها للَّه بالملك. و"الحرام" صفة لـ "بيت"، يُقال: "حرام" أي: "محرّم في الأزَل، وفي سائر الملك". ويقال: "رجُل حَرَام"، أي: "مُحْرِم". و"الحُرم" بضم "الحاء": "الإحرام" (٣). وفي الحديث: "كنتُ أُطَيَّبُ النبيَّ ﷺ لِحِلَّه وحُرْمه" (٤). وجمع "حرام": "حُرُم"، مثل "قَذَال" و"قُذُل"، والحرام ضد الحلال، وكذلك

стр. 1649

"الحِرْم" بكسر "الحاء"، وقُرِئ: "وحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ" (١). (٢) قوله: "حافيةً": منصوب على الحال من فاعل "تمشي". وجملة "فأمرتني" معطوفة على "نَذَرَتْ"، ولا يجوز أن يكون معطوفا على "تمشي"؛ لأنّ التقدير يصير: "نَذَرَتْ أنْ تَأْمرني"، وهذا عند من يقول باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في عامل واحد. وأما مَن يقول: إنّ المعطوف إذا لم يصلح أن يكون متعلقًا بعامل المعطوف عليه قُدِّرَ له عاملٌ له حتى يتضح معنى المسألة (٣)، على قولهم فيكون التقدير: "فنذرتْ أنْ تمشي، ورَأَتْ أنْ تأمرني". قوله: " [أن] (٤) أستفتيَ" أيْ: "بأن أستفتي"، وحذف "الباء" هنا قوي؛ لأن الفعل من الأفعال التي تتعدى بالباء تارة وبنفسها تارة، ومحل "أنْ" مع الفعل إمَّا جرٌّ أو نصبٌ على الخلاف المتقدّم بين سيبويه والخليل (٥). قوله: "أستفتي": يقال: "استفتيتُ الفقيه في مسألة" و"أفتاني"، والاسم: "الفُتْيَا" و"الفَتْوَى"، و ["تَفَاتَوْا] (٦) إلى الفقيه"، . . . . . .

стр. 1650

إذا "ارتفعوا في الفُتْيا إليه" (١). قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". قوله: "لتَمش": "اللام" لام الأمر، و"تَمْشِ" مجزوم بها، وعلامة الجزم حذفُ "الياء". قوله: "ولتركب": يجوز كسر "اللام"، وهو الأصل، ويجوز تسكينها بعد "الفاء" و"الواو"، وجاء قليلا تسكينها بعد "ثُمَّ" (٢). الحديث الرّابع: [٣٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمَّهِ، تُوُفَّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَاقْضِهِ [عَنْهَا] (٣) " (٤). قوله: "عن عبد اللَّه بن عباس [أنّه قال] (٥) ": [. . . . لـ "قال" الثانية] (٦)، صدرها "أنّ" لتكون في محلّ معمول [متعلّق] (٧) حرف الجر، وهو الجملة الأولى. وجملة "استفتى" في محلّ نصب بالقول، وتقدّم الكلام على "استفتى" في الحديث [قبل] (٨) هذا. و"في نذْرٍ" يتعلق به، وجملة "كان على أُمَّه" في محلّ صفة
следующие страницы →