← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

"أوْف بنَذْرك": يُقال: "وفَّى بعَهْده" (١) و [و"أَوْفَى] (٢) [بمعنى] (٣). ويُقال: "وفي الشيء"، "وفاء"، أي: "تمّ، وكمل" (٤). قوله: "في المسجد الحرام": تقدّم ذكْر "المسجد"، وأنّ "مفعل" مكان وزمان ومصدر، في الحديث الثالث من "التيمم". ومنه: "المطلع" و"المغرب" و"المشرق" و"المفرق" و"المجزر" و"المسكن" و"المنبت" و"المنسك" و"المنزل" (٥). الحديث الثاني: [٣٦٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إنَّه لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ" (٦). قوله: "عن عبد اللَّه بن عمر": التقدير: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أنه رَوى عن النبي ﷺ أنّه نهى". فـ "أنه نَهَى" في محلّ مفعول، و"أنه روي عن النبي" في محلّ

стр. 1647

رفع لمقدَّرٍ يتعلّق به حرف الجر، و"رُوي عن عبد اللَّه بن عمر" لا محلّ له. قوله: "نهى عن النذر": أي: "عن عَقد النذر"، أو "التزام النذر". قوله: "وقال": أي: "النبي ﷺ ". ومُوجبُ كسر "إنَّ" أنها وقعت بعد القول، وتقدّم ذكْر المواضع التي تُكسر فيها "إنَّ" في الحديث الرابع من أوّل الكتاب. و"لا" تقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الاستطابة". و"يَأْتِي" من "أَتَى" بمعنى "جاء"، وهو يتعدّى لواحد، بخلاف "آتَى" (١). و"بخير": قيل: "الباء" سَببية، أي: "لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القُرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه". [قاله] (٢) الشّيخ تقيّ الدّين (٣). وفيه نظر؛ لأنّ سياق الحديث قبل وبعد لا يُوافقه. والذي يظهر: أنّ النذر لا يأتي بحاجة الإنسان التي نَذَر لأجْلها، بل اللَّه قدْ قدَّر وقوعَها وعدم وقوعها سواء نَذَر أو لم ينذر، وهو الذي يُوافقُه سياق الحديث، فـ "الباء" إذن "باء" التعدية، أي: "لا يؤتي خيرًا". قوله: "وإنما يُستَخْرَجُ به من البخيل": "إنما" تقدّم الكلام [عليها في الحديث الأوّل] (٤). و"يُسْتَخْرَجُ به من البخيل" بمعنى: "أنه لا يتصدّق إلّا بعوض".

стр. 1648

و"الباء" في "به" باءُ الآلة. الحديث الثالث: [٣٦٤]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" (١). قوله: "إلى بيت اللَّه الحرام": يتعلّق بـ "تمشي"، و"تمشي" مع "أنْ" في محلّ مفعول "نَذَرَتْ". و"إلى" لانتهاء الغَاية، وتقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الوتر". و"بيت" جمعه: "بُيُوت" بضم "الباء" وكسرها، و"أبيات" و"أبابيت". وتصغيره: "بُيَيْت" و"بِيَيْت" بضم "الباء" وكسرها. قال في "الصّحاح": والعامّة تقول: "بُوَيْت"، وكذلك تصغير "شيخ" بالضّم والكسر، و"شيء" مثله، وأشباهها (٢). وهذه الإضافة إضافة تشريف؛ لأنّ البيوت كلها للَّه بالملك. و"الحرام" صفة لـ "بيت"، يُقال: "حرام" أي: "محرّم في الأزَل، وفي سائر الملك". ويقال: "رجُل حَرَام"، أي: "مُحْرِم". و"الحُرم" بضم "الحاء": "الإحرام" (٣). وفي الحديث: "كنتُ أُطَيَّبُ النبيَّ ﷺ لِحِلَّه وحُرْمه" (٤). وجمع "حرام": "حُرُم"، مثل "قَذَال" و"قُذُل"، والحرام ضد الحلال، وكذلك

стр. 1649

"الحِرْم" بكسر "الحاء"، وقُرِئ: "وحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ" (١). (٢) قوله: "حافيةً": منصوب على الحال من فاعل "تمشي". وجملة "فأمرتني" معطوفة على "نَذَرَتْ"، ولا يجوز أن يكون معطوفا على "تمشي"؛ لأنّ التقدير يصير: "نَذَرَتْ أنْ تَأْمرني"، وهذا عند من يقول باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في عامل واحد. وأما مَن يقول: إنّ المعطوف إذا لم يصلح أن يكون متعلقًا بعامل المعطوف عليه قُدِّرَ له عاملٌ له حتى يتضح معنى المسألة (٣)، على قولهم فيكون التقدير: "فنذرتْ أنْ تمشي، ورَأَتْ أنْ تأمرني". قوله: " [أن] (٤) أستفتيَ" أيْ: "بأن أستفتي"، وحذف "الباء" هنا قوي؛ لأن الفعل من الأفعال التي تتعدى بالباء تارة وبنفسها تارة، ومحل "أنْ" مع الفعل إمَّا جرٌّ أو نصبٌ على الخلاف المتقدّم بين سيبويه والخليل (٥). قوله: "أستفتي": يقال: "استفتيتُ الفقيه في مسألة" و"أفتاني"، والاسم: "الفُتْيَا" و"الفَتْوَى"، و ["تَفَاتَوْا] (٦) إلى الفقيه"، . . . . . .

стр. 1650

إذا "ارتفعوا في الفُتْيا إليه" (١). قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". قوله: "لتَمش": "اللام" لام الأمر، و"تَمْشِ" مجزوم بها، وعلامة الجزم حذفُ "الياء". قوله: "ولتركب": يجوز كسر "اللام"، وهو الأصل، ويجوز تسكينها بعد "الفاء" و"الواو"، وجاء قليلا تسكينها بعد "ثُمَّ" (٢). الحديث الرّابع: [٣٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمَّهِ، تُوُفَّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَاقْضِهِ [عَنْهَا] (٣) " (٤). قوله: "عن عبد اللَّه بن عباس [أنّه قال] (٥) ": [. . . . لـ "قال" الثانية] (٦)، صدرها "أنّ" لتكون في محلّ معمول [متعلّق] (٧) حرف الجر، وهو الجملة الأولى. وجملة "استفتى" في محلّ نصب بالقول، وتقدّم الكلام على "استفتى" في الحديث [قبل] (٨) هذا. و"في نذْرٍ" يتعلق به، وجملة "كان على أُمَّه" في محلّ صفة

стр. 1651

لـ "نذْر"، وخبر "كان" في المجرور، واسمُها ضمير "النَّذر". قوله: "تُوفيتْ": جملة في محل الحال من "أمه"، أي: "متوفاة". وجاءت الحال بغير "قد"، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وتقدم ذلك في الحديث السابع من أول الكتاب. وقبل: ظرفٌ، العامل فيه: "توفيت"، وتقدم الكلام عليه في الرابع من أول الكتاب، وجملة "أن تقضيه" في محل جر بالإضافة، وتقدم الكلام على "أنْ" المصدرية في الرابع من أول الكتاب، وفي العاشر منه. و"تقضيه" منصوب بـ "أنْ"، وهو فعل معتلٌّ تظهر الحركة على آخره في موضعين، أحدهما: إذا كان آخره "ياءً"، مثل ما هو هنا، وفي ما آخره "واوٌ"، مثل: ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ [الكهف: ١٤]، فإن كان آخره ألِفًا لم تظهر فيه حالة النصب، ولا في حالة الرفع، وحُذفت في حالة الجزم. وماضي "تقضي": " قَضَى"، تقول: "قضيتُ دَيْني". ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤]، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، أي: " [أدّيْنَاه] (١) إليه" و"أبلغناه ذلك". قاله في "الصّحاح" (٢).

стр. 1652

[الحديث الخامس] (١): [٣٦٦]: عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (٢). قوله: "عن كعب بن مالك": هو أحَد الثّلاثة الذين خُلِّفُوا، قال حين تاب اللَّه عليه: "يا رسُول اللَّه، إنّ مِن توبتي". فـ "قُلتُ" معمولة للقول، و"قال" معمول للفعل المقدّر قبل حرف الجر. و"أن أنخلع" في محل اسم "إن"، وخبرها في المجرور. قال ابن الأثير: معنى قوله: "أن أنخلع من مالي" أي: "أخرج من جميعه وأتصدق به وأَعْرَى منه"، كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه. (٣) قوله: " [صدقة] (٤) ": مصدر من المعنى؛ لأن معنى ["أنخلع": "أتصدّق"] (٥)، أو تكون حالًا، أي: "أنخلع من [مالي] (٦) في حال كونه صدقةً"، ويحتمل أنْ يكون مفعولا، أيْ: "لأجل الصّدَقة"، ويحتمل أن يكون تمييزًا. قوله: "إلى اللَّه": يتعلق بصفة مقدَّرة، [أي] (٧): "صدقة واصلة إلى اللَّه"، أي: "إلى ثوابه وجزائه". "وإلى رسوله"، أي: "إلى رضاه وحُكمه وتصرفه"، أو تكون

стр. 1653

"إلى" بمعنى "اللام"، كقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أي: "لكِ"، وكذلك قولهم: "أحمد اللَّه إليكَ"، أي: "أُنْهِي حمدَه إليك". (١) ويصح هذا هنا، أي: "صدقة أنهي إخلاصها للَّه"، أي: "لثوابه وقبوله لها". قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ : أمسِك عليك بعض مالك": جملة معمولة للقول، و"عليك" يتعلّق بـ "أمسِك" لأنه بمعنى: "احفظ". و"بعض" تقدم الكلام عليها، وهي من الأسماء التي لا تثنى؛ لأنه لو ضم البعض إلى بعض آخر لكانا: "بعضا"، وهو على ذلك واحِد أبعاضه، وقد "بعَّضتُه"، "تبعيضًا"، أي: "جزَّأْته"، "فتبعَّض" (٢). و"مالِكَ": مضاف إليه. وتصغير "مال": "مُوَيْل". قال في "الصحاح": والعامة تقول: "مُوَيِّل" بالتشديد، ويقال: "رجلٌ مالٌ"، أي: "كثير المال"، ويقال: "مال الرجل"، "يمول" و"يمال"، "مَوْلًا" و"مَؤُولًا" إذا "صار ذا مال" (٣). قوله: "فهو [خير] (٤) لك": "الفاء" جواب شرط مقدّر، أي: "إن تُمسكْ فهو خيرٌ لك"، وقيل: جواب الأمر. و"خيرٌ" أفعل التفضيل، و"لك" يتعلق به أو بصفة له، وصلة "أفعل" محذوفة، أي: "فهو خير لك من صدقتك بمالك كله". وتقدم الكلام على "خير" في الثامن من "باب الجنابة". و"هو" ضمير يعود على الإمساك المفهوم من الفعل. * * *

стр. 1654

باب القضاء الحديث الأوّل: [٣٦٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (١). [وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلٍا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"] (٢). (٣) قوله: "من أحدَث": أي: "مَنْ عمل عملا ليس عليه أمرنا"، فـ "مَنْ" شرطية مبتدأ، والخبر في فعلها، وقيل: في جوابها، وقد تقدّم الكلام على "مَنْ" وأقسامها في الرابع من أوّل الكتاب أيضًا. قوله: "ما ليس منه": "ما" هنا نكرة موصوفة، ومحلها نصب على المفعولية بـ "أحدث"، والتقدير: "من أحدث شيئا في أمرنا". وجملة "ليس" في محلّ صفة لـ "ما"، واسم "ليس" عائد على "ما". و"ليس" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأول من "الحيض". قوله: "أمرنا" واحد "الأمور"، لا واحد "الأوامر"؛ لأن أمره ﷺ من أمر اللَّه. قوله: "هذا": نعت لـ "أمرنا"، أو بدل منه. قوله: "فهو رَدٌّ": جواب ["مَن"، وهو] (٤) مبتدأ وخبر، و"ردٌّ" مصدر "رَدَّ"، أي: "مردود"، كما تقول: "هذا ضرب الأمير"، أي: "مضروبه".

стр. 1655

قال في "النهاية" لابن الأثير: يقال: "أمرٌ رَدٌّ"، أي: "مردود"، بمعنى أنه مخالف لما عليه السُّنَّة، وهو مصدر لما وصف به (١). قوله: "في لفظ: من عمل عملا": "مَنْ" شرطية، و"عملا" مصدر ["عمل"، و] (٢) المراد منه صفته بـ "ليس عليه أمرنا" حتى يتم ويفيد. ويحتمل أن يكون "عملا" بمعنى "معمول"، كقولك: "من عمل صالحا"، أي: "عملا صالحا". و"العمل" بمعنى "المعمول" الذي هو "شيء يعمل". الحديث الثاني: [٣٦٨]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (٣). قوله: "دخلت هند بنت عتبة": تقدم ذكر "بنت" و"ابن" في الأول من "باب الحيض"، وهنا مفعول محذوف أو ظرف، أي: "دخلت البيت". وتقدم الكلام على ما بعد "دخلت" في الحديث الرا بع من "باب الاستطابة". و"امرأة أبي سفيان" صفة لـ "هند"، أو بدل. و"هند" يجوز صرفه؛ لسكون وسطه (٤). و"سفيان" لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون.

стр. 1656

و"على رسول اللَّه ﷺ ": يتعلق بـ "دخلت". قوله: "إن أبا سفيان": علامة النصب في "أبا" الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وتقدّم الكلام عليه في ثاني حديث من الأول. و"رجل" خبر "إنّ"، وبالصفة تم الإخبار به، ولو قالت: "إن أبا سفيان شحيح"، حصلت الفائدة، لكن تقدم أنَّ مثل هذا يكون لتعظيم الشخص، ويكون لتحقيره، حسبما يقتضيه سياق الكلام. وانظر الكلام على قوله في حديث عليٍّ: "كنتُ رجلا مذًّآء". وأما "شحيح": فالشُّحُّ: "البخل مع حِرْص". قال في "الصحاح": تقول: "شَحِحْتُ" بالكسر "أَشَحُّ" بالفتح، و"شَحَحْتُ" بالفتح "أَشُحُّ" بالضم، و"قوم شِحَاحٌ" و"أَشِحَّةٌ" (١). قال ابن الأثير: "الشُّحُّ": "أشدُّ البُخل" (٢). قال: والمعروف: شَحَّ يَشُحُّ شَحًّا، والاسم: "الشّح" (٣). قلت: ويقال: "رجل شَحاح"، بفتح "الشين" (٤). قوله: "لا يعطيني ما يكفيني": الجملة صفة أخرى، و"ما" موصولة بمعنى الذي، و"يكفيني" صلته، والعائد الفاعل المستتر في "يكفيني"، والصلة والموصول في محل مفعول ثانٍ لـ "يعطيني". و"مِن" للتبعيض. و"يَكفي بَنِيَّ": معطوف على "يكفيني"، وعلامة النصب في "بَنِيَّ" الياء المدغمة في "الياء"، لأنه جمعُ "ابن" مُكَسَّر (٥)، محمول على جمع المذكر السالم، فأُعرِب بإعرابه.

стр. 1657

قوله: "إلا ما أخذتُ": الاستثناء هنا منقطع، أي: "لكن ما أخذت"، و"ما" بمعنى الذي، و"أَخَذْتُ" صلته، وهو بمعنى المستقبل، أي: "إلا ما آخذ من ماله". ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية أي: "لكن أخذي من ماله، فإني أنفق منه على نفسي وعلى بني". وعلى أنها مصدرية: لا تحتاج إلى عائد عند الأكثرين؛ لأنها حرف، وإن كانت موصولة كان العائد محذوفا، أي: "إلا ما أخذته من ماله". قوله: "بغير علمه" يتعلق بـ "أخذت" أو بحال، أي: "أخذت مخفيةً". قوله: "فهل علي في ذلك من جُناحٍ": "مِن" هنا زائدة؛ لأن الاستفهام في معنى النفي، و"جُناحٍ" مبتدأ، و"عليَّ" في محل الخبر. وتقدمت "هل" في الحديث السابع من الصيام. وتقدم أقسام "مِن" الجارة في الحديث العاشر من أول الكتاب. و"من" لا تتعلق بشيء؛ لأنها زائدة. و"الجُناح": "الإثم"، مأخوذ من "جَنَحَ" إذا "مال" (١). وفي الحديث من حديث ابن عباس في مال اليتيم: "إنِّي لأَجَّنَّحُ أنْ آكلَ مِنْه" (٢) أي: "أرى الأكْلَ منه جُناحًا". قوله: "في ذلك": يتعلق بصفة لـ "جُناح"، تقدمت؛ فانتصبت على الحال. قوله: "فقال رسول اللَّه ﷺ ": معطوف على ما قبله. وجملة " ﷺ " لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معترضة.

стр. 1658

و"خُذي": أمرٌ لها، وعلامة بنائه حذف "النون"، و"من ماله" يتعلق به، و"بالمعروف" يتعلق به أيضا، ويجوز أن يتعلق بحال، أي: "خذي من ماله آكلةً بالمعروف"، أو: "متلبسةً بالمعروف"، فتكون "الباء" باء الحال. قوله: "ما يكفيكِ": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، و"يكفيكِ" صلتُه، والعائد ضمير الفاعل. الحديث الثّالث: [٣٦٩]: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: "أَلا إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخْصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمِ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا" (١). قوله: "سمع جلبة": فاعل "سمع" ضمير "النبي ﷺ "، وتقدم "سمع" في أول حديث من الكتاب، وهي هنا متعلقة بالأصوات، فتتعدى إلى واحد، وهو: "جلبة". و"بباب حجرته" يتعلق بصفة لـ "خصم"، أو بصفة لـ "جلبة". فإن كانت صفة لـ "جلبة" قدَّرْتَ: "كائنةً بباب حجرته"، وإن كانت صفة لـ "خصم" قدّرتَ: "كائنين بباب حجرته". و"الجَلَبَةُ" بفتح "اللام": "رفْعُ الصوتِ"، يقال منه: "جَلَّبوا" بالتشديد (٢). و"الخَصْمُ" يستوي فيه الواحد والاثنان، قال الجوهري: ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: "خَصْمَانِ" و"خُصُوم" (٣).

стр. 1659

و"الحجرة": بضم "الحاء" وسكون "الجيم"، أصله: ["حظيرة] (١) الإبل"، ومنه: "حجرة الدار". تقول: "احتجرتُ حجرة"، أي: "اتخذتها"، والجمع: "حُجَرٌ" و"حُجُرات"، مثل: "غُرْفَة" و"غُرُفات" (٢). و"البَشَر": "الإنسان"، سُمِّيَ بذلك لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان (٣). و"باب" تقدم في "باب الاستطابة". قوله: "فخرج" معطوف على "سمع". قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "ألا إنما أنا بَشَرٌ": "ألا" هنا استفتاحية، يقال لها: استفتاح وتنبيه، قالوا: لا تكاد الجملة بعدها تُفتح إلا مُصَدَّرةً بنحو ما يُتلقى به القسم، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] (٤)، وهي هنا كذلك. قوله: "خصم": تقدم، وهو هنا مضاف إليه، والمراد به الجنس. قوله: "وإنما أنا بشر": ليست "إنما" هنا للحصر التام، بل لحصر بعض الصفات في الموصوف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، وهذا الكلام توطئة لما يأتي بعده؛ لأنه معلوم أنه ﷺ بشر. قال الشيخ تقي الدين: معناه حصره بالبشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن

стр. 1660

الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء، فإن للرسول ﵇ أوصافًا أخرى كثيرة (١). قوله: "وإنما يأتيني الخصم": "إنما" هنا للحصر التام، ولكن يحتاج إلى مقدر يتم به معناه، ويكون التقدير: "وإنما يأتيني الخصم لأقضي له بالحق"، ويبين هذا الحذف قوله: "ولعلَّ بعضكم أن يكون أبلغَ من بعض"، ويُروَى: "ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (٢)، والمعنى واحد. و"لعلَّ" من أخوات "إن"، وتقدم الكلام عليها في الحديث السادس من "الاستطابة"، وفي أول حديث من "العدة"، وفي الثاني من "الوصايا"، و"بعضكم" هنا اسمها، و"أن يكون" في محل خبرها. فإن قلت: كيف يكون خبر "لعل": "أنْ" المصدرية، والمصدر لا يكون خبرا عن الجُثَّة؟ فالجواب: أنَّ "أنْ" وصلتُها في حكم جملة؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدَّتْ مسدَّ مطلوبَيْ "حَسِبَ" و"عَسَى" في نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]. قال ابنُ مالك: ويجوز أن تكون "أنْ" زائدة في قول الأخفش أنها تكون زائدة، وإن كانت ناصبة، ونظَّرَها بزيادة "الباء" و"مِن" مع عملهما الجرَّ (٣). ومثل هذا قوله ﷺ في حديث الجريدتين: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا" (٤). وتقدّم الكلام على "بعض" قريبًا.

стр. 1661

و"من" لبيان الجنس. قوله: "فاحسب أنه صادق": "حَسِب" من الأفعال المتعدية لمفعولين، يجوز في سِينِهِ الفتح والكسر (١)، وسدَّتْ "أنَّ" المفتوحة مسد المفعولين، أو تسدُّ مسدَّ واحد، والآخر محذوف، و"صادق" خبر "أنَّ". قوله: "فأقضي": معطوف على "أحسب"، و"له" يتعلق بـ "أقضي" والمعنى: "فأقضي لسبب بلاغته". [قوله] (٢): "فمن قضيت له": "مَن" الشرطية تقدمت قريبا، وجوابها قوله: "فأيما"، و"مسلم" صفة لموصوف محذوف، وإنما ذَكَر "المسلم" ليكون أهول على المحكوم له، لأن وعيد الظالم معلوم عند كل أحد، فذكر الوصف بالإسلام تنبيها على أنه في حقه أشد. قوله: "فأيما": تقدمت قريبا. قوله: "هي" مبتدأ، و"قطعة" خبره، وهذا من المبالغة في التشبيه، جعل ما يتناوله المحكوم له بحكمه ﷺ قطعة من النار. قوله: "فليحملها": "اللام" لام الأمر، وهو أمر تهديد. و"يذرها": أمر من "وَذَرَ". وتقدم الكلام على "وَذَرَ" في الثاني من "الوصايا"، وهو مما أُمِيتَ ماضيه، استغنوا عنه بـ "ترك"، وكذلك "يدع" (٣). قال الجوهري: وأصله: "وذِرَهُ"، "يَذَرُهُ". (٤) وفَتَح "الذال" من "يذَر" حملا

стр. 1662

على "يدَع"، وكان حقّه أن يُثبت "الواو"؛ لأنه لم تقع "الواو" بين "ياء" وكسرة، كـ "وجل، يوجِل". (١) الحديث الرابع: [٣٧٠]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي -[وكَتَبْتُ] (٢) لَهُ- إلَى ابْنِهِ [عبيد اللَّهِ] (٣) بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لا يَحْكُمْ أَحَد بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لا يَقْضِيَنَّ حَكمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٤). قوله: "كتب أبي وكتبت له إلى ابنه": أي: "كتب إلى ابنه وكتبت له بإذنه"، ويُحتمل أن تكون "الواو" بمعنى "أو"، أي: "كتب إلى ابنه بخطه، أو: كتبت له". وعلى الأول يكون "كتب" بمعنى "أمر". قوله: "وهو قاضٍ بسجستان": جملة في محل الحال من "ابنه عبيد اللَّه". و"قاضٍ" منقوص إعرابه مقدر في حالتي الرفع والجر، ولفظا في حالة النصب. ويجوز للضرورة إثبات حركتي الرفع والجر في المنقوص، فتقول: "جاء القاضيُ" و"مررت بالقاضي" (٥). و"سجستان" لا ينصرف للعلمية والعجمة، وفيه الزيادة، وفيه التأنيث؛ لأنه اسم بلدة.

стр. 1663

قوله: "أن لا تحكم بين اثنين": أي: "بأنْ لا تحكم بين اثنين"، فمحل "أن" نصب أو جر على الخلاف بين سيبويه والخليل (١). ويحتمل أن تكون "أنْ" مفسِّرة؛ لأنه تقدمها معنى القول (٢)، وهو "كتب". وعلى هذا تكون "لا" ناهية، والفعل معها مجزوم، والتقدير: أيْ: "لا تحكم بين اثنين"، إن كانت الرواية كذلك. وتقدم الكلام على "بين" في الثالث من "باب السواك"، والعامل فيها هنا الفعل. و"اثنين" مخفوض بالظرف، وعلامة خفضه "الياء"؛ لأنه مما حمل على المثنَّى (٣)، وتقدم الكلام على ما حُمِل على المثنَّى في الثالث من ["الحيض"] (٤). قوله: "وأنت غضبان": جملة في محل الحال. و"غضبان" لا ينصرف. قوله: "فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول": "الفاء" سببية، وتقدم القول على "سمع" قريبا، وهو في الحديث الأول من الكتاب. قوله: "سمعت رسول اللَّه يقول: لا يحكم أحد": تحتمل "لا" النهي؛ فيُجزمُ الفعل بها، ويؤيد النهي هنا الرواية الأخرى: "لا يقضين"؛ فإن التأكيد بـ "النون" لا يكون مع النفي. قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية". فتكون جملة "لا يقضين" الفاعل على الحكاية، أو تكون في محل رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، وقد تقدم ذلك وتكرر.

стр. 1664

و"نون" التأكيد تختص بالأمر والنهي والاستفهام والعرض والتحضيض والقسم، وقلَّ مجيئها في النفي (١). وتقدم القول عليها في الحديث الخامس من الأول. قوله: "حَكَمٌ": هو بفتح "الحاء" و"الكاف". وأما "الحُكْمُ" بالتسكين: فهو مصدر "حَكَمَ"، "يَحْكُمُ"، "حُكْمًا" (٢). وسُمِّي "الحاكم" حاكما؛ لأنه يمنع الظالم. وقيل: هو من "حكمتُ الفرس" و"أحكمته"، إذا "قدعتُه" و"كففتُه". ومن هذا "الحَكَمُ" بفتح "الحاء" و"الكاف". ومنه الحديث: "مَا مِنْ آدَمِيِّ إِلَّا وَفِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ" (٣). وفي رواية: "فِي رَأْسِ كُلِّ عبدٍ حَكَمَة، إِذَا هَمَّ بِسَيّئة"، بفتح "الحاء" و"الكاف" (٤). ومنه قولهم: "في بيته يُؤْتَى الحَكَمُ" (٥). الحديث الخامس: [٣٧١]: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلاثًا. قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقَالَ: "أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّوَرِ"، فَمَا زَالَ يُكَرَّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (٦). تقدّم إعراب السّند، و"بَكْرَة" لا ينصرف للعَلَمية والتأنيث.

стр. 1665

قوله: "ألا أنبئكم": "ألا" استفتاح وتنبيه. "أنبئكم" بمعنى: "أخبركم"، يتعدَّى إلى مفعولين، الثاني بحرف الجر، وقد يتعدى إليه بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] أي: "بهذا"، فعدَّاه إليه بنفسه. وقد يتعدى إلى ثلاثة إذا دخل على المبتدأ والخبر، ولا يجوز الاقتصار على الأول والثاني، ولا على الأول والثالث، لأن الثاني والثالث مبتدأ وخبر، فلا يحذف المبتدأ دون الخبر، ولا الخبر دون المبتدأ، فلا يجوز في: "أنبأت زيدًا العلمَ" وتحذف "حسنًا"، ولا: "أنبأت زيدًا حسنًا"، فلو قلت: "أنبأت زيدا"، فقط أو: "أنبأت العلم حسنًا"، جاز (١). وقد تقدم الكلام على "أنبأ" و"أخبر" في الخامس من "باب فضل الجماعة". قوله: "ثلاثًا": [صفة لمصدر محذوف، أي: "قال] (٢) ذلك قولًا ثلاثًا"، أو: "ثلاث مرات"، ثم حذف المضاف. ويحتمل أن يكون "ثلاثًا" بَدَل من "أكبر الكبائر"، أي: "ألا أنبئكم بثلاث"، فيكون مجرورا، ويحتمل الرفع، أي: "فهي ثلاثٌ". ويحتمل النصب على الحال من "أكبر الكبائر"، أي: "في حال كونها ثلاثا". و"أكبر" أفعل التفضيل، استُعمل هنا بالإضافة، والتقدير: "ألا أنبئكم بخصال أكبر الكبائر"، وتقدم الكلام على "أفعل" التفضيل وما يتعلق به في الحديث الأول من "الصلاة". قوله: "قلنا: بلى": "بلى" حرف جواب، وتقدّمت في الحديث [الثالث] (٣) من "باب الذكر".

стр. 1666

قوله: "قال: الإشراكُ باللَّه": أي: "هي الإشراكُ باللَّه"، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، و"باللَّه" يتعلّق بالمصدر. و"عقوق الوالدين" معطوف عليه، وهو مصدر: "عَقَّ"، يقال: "عَقَّ والده يَعُقُّه"، "عُقُوقًا" فهو "عَاقٌّ"، إذا "آذَاهُ وعصاه وخرج عليه"، وهو ضد البِرِّ به، وأصله من "العق"، الذي هو "الشق" و"القطع" (١). قوله: "وكان متكئًا فجلس": أي: "كان النبي ﷺ متكئا"، جملة من "كان" واسمها وخبرها معترضة. قوله: "فقال": معطوف على "جلس". "ألا وقول الزور": كرر "ألا" تنبيها على استقباح "الزور" وهجانة فاعله، وكرره "ثلاثا" دون الأوَّلَيْنِ؛ لأن الناس يهون عليهم أمره، فيظنون أنه دون ما سبقه، فهوّل فيه ﷺ وعظّم أمره عنده ونفَّر عنه حتى كرر ثلاثًا، فحصل في مبالغة النهي عنه بثلاثة أشياء: الجلوس وكان متكئًا، واستفتاحه بـ "ألا" التي تفيد تنبيه المخاطب وإقباله على سماعه، وتكرير ذكره ثلاثا، ثم أكّد تأكيدًا رابعًا بقوله: "قول الزور، وشهادة الزور"، وهما في المعنى واحد. ويحتمل أن يكون "قول الزور" أعم؛ ليدخل فيه "الكذب" وغيره، ثم ثنى بـ "شهادة الزور"؛ لأنها أخص وأقوى في الفساد. ويلزم على هذا أن يكون أربعًا، وقد قال: "بأكبر الكبائر ثلاثا" على أحد التأويلين المتقدمَيْنِ؛ فيُشكل. قوله: "فما زال يكرّرها": أي: "يكرر: ألا وقول الزور، وشهادة الزور"؛ فيكون الضمير يعود على "الخصلة الثالثة"، وهي مجموع القولين. ويحتمل أنه كرر

стр. 1667

"شهادة الزور"؛ فيعود الضّمير عليها لا غير. و"ما زال" تقدم الكلام عليها في الثاني من "باب فضل الجماعة". وهذه هنا من أخوات "كان"، تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها ضمير "النبي ﷺ "، وخبرها في جملة "يكرّرها". وأصل "زال" هذه: "زوِل" بكسر "الواو"، ومضارعها: "يزال"، فَأَلِفُهُ منقلبة عن "واو" مكسورة، من باب "خاف، يخاف". و[أمّا] (١) "زال" بمعنى: "تنحَّى"، ألفُه منقلبة عن "واو" مفتوحة، ومضارع هذه: "يزول" (٢). قوله: "حتى قلنا": بمعنى: "إلى أن قلنا"، وتتعلق هي بـ "يكررها". وتكرّرت "حتى" في الأحاديث، والكلام عليها في ثاني حديث من أوّل الكتاب. قوله: "ليته سكت": "سكت" جملة في محل خبر "ليت"، والجملة معمولة للقول، ولم يتقدّم كلام على "ليت". وهي حرف تَمَنٍّ يتعلّق بالمستحيل غالبًا، كقوله: فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا ... فَأُخبِرُهُ بِما فَعَلَ المَشيبُ (٣)

стр. 1668

وبالممكن قليلًا. وحكمها: أن تنصب الاسم، وترفع الخبر. قال الفراء وبعض أصحابه: وقد تنصبهما، كقوله: يَا لَيْت أَيَّام الصَّبَا رَوَاجِعَا (١) وتقترن "ما" بها؛ فلا [تزيلها] (٢) عن الاختصاص بالأسماء، لا يقال: "ليتما قام [زيد] (٣) "، خلافًا لابن أبي الربيع. ومتى اتصل بها ما جاز إعمالها [وإهمالها] (٤)، كقول النابغة: . . . أَلَا لَيْتَما هَذَا الحَمَامُ لَنا ... إلى حَمَامَتِنا وَنِصْفُه فَقَدِ (٥) يُروى برفع "الحمام" ونصبه (٦). الحديث السّادس: [٣٧٢]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٧). قوله: "قال": في محلّ خبر "أنَّ". و"لو": حرف لما سيقع لوقوع غيره.

стр. 1669

و"يُعطَى": مبني لما لم يسم فاعله، و"الناس" مفعول لم يسم فاعله. وتقدمت "لو" في الحديث الأول من "الصلاة". و"أعطى" تقدم، وهو هنا مبني لما لم يسم فاعله، ومفعوله الأول "الناس"، وهو القائم مقام الفاعل، والمفعول الثاني محذوف، أي: "لو يُعطِي الحاكمُ الناسَ ما يدَّعونه بدعواهم"، فحذف الفاعل وهو "الحاكم" مَثَلا، وأقام "الناس" مقامه، وحذف "ما يدعونه"؛ لأنه معلوم. ويجوز حذف مفعولَيْ باب "أعطى"، وحذف أحدهما دون الآخر؛ لأن الأصل [منهما] (١) الفاعل والمفعول، وقد يكون لأحدهما أصالة في التقديم بأن يكون فاعلا في الأصل، نحو: "أعطيت زيدا درهما"، لأن "زيدا" آخذٌ للدرهم، و"الدرهم" مأخوذ، ويجوز: "أعطيتُ درهما زيدًا"، إلا أن يخاف اللَّبْس، نحو: "أعطيت زيدا عمرا"، أو كان الثاني محصورًا نحو: "ما أعطيت زيدا إلا درهما"، أو يكون ضميرا متصلا، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، فيجب تقديمه، وقد يجب تأخير الأوّل إذا كان فيه ضمير يعود على الثاني، نحو: "أعطيت زيدًا درهمه" (٢). قوله: "لادَّعى": جواب "لو"، و"ناس" فاعل "ادَّعى"، و"دماء" مفعوله، وهو جمع "دم" (٣)، والتقدير: "لادَّعى قومٌ سَفْكَ دماء رجال وأخذَ أموالهم واستحقاقَ أموالهم". قوله: "ولكن": إذا اقترنت "لكن" بـ "الواو"، وبعدها جملة كانت عاطفة

стр. 1670

تعطف جملة على جملة. وإن وليها مفرد فهي عاطفة بشرطين، أحدهما: أن يتقدَّمها نفي أو نهي، نحو: "ما قام زيد لكن عمرو"، و: "لا يقم زيدٌ لكن عمرو". فإن قلت: "قام زيدٌ"، ثم جئت بـ "لكن" جعلتها حرف ابتداء فجئت بالجملة، فقلت: "لكن عمرو لم يقم" (١). وتقدمت "لكن" في الحديث السادس من "الزكاة". قوله: "اليمين": مبتدأ، و"على المدعى عليه" يتعلق بالخبر، و"المدَّعَى" اسم مفعول، والمجرور قام مقام مفعوله الذي لم يُسَمَّ فاعلُه. * * *

стр. 1671

كتاب الأطعمة الحديث الأوّل: [٣٧٣]: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، وَأَهْوَى النُّعْمَانُ [بِإِصْبَعهِ] (١): "إنّ الَحْلالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يقع فِيهِ. أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ. أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجْسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢). قوله: "سمعتُ": تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "وأهْوَى النّعمان بإصبعه": هنا تقدير يفهم من السياق، أي: "أهوى بإصبعه إلى أذنه". وهي جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب، وتقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأول من الكتاب. ويحتمل أن تكون في موضع الحال من فاعل "قال"، وهو ضمير [مستتر] (٣)، وتكون "قد" معه مقدّرة. و"أَهْوَى" بمعنى: "أشار". قال الأصمعي: "أهويت بالشيء"، إذا "أومأت به"، ويقال: "أهويت له بالسيف" (٤)، وفي غير هذا الحديث: "أهْوَى بِإصْبَعِهِ إِلَى أُذنِه".

стр. 1672

قوله: "إن الحلال بَيِّنٌ": جملة معمولة للقول، ولذلك كُسِرت "إنَّ". و"بَيِّنٌ" خبر "إنّ"، وهو من: "بان الشيء"، "بيانًا" فهو "بيِّن"، الجمع: "أبيناء"، مثل: "هيِّن" و"أهيناء" (١). وعطف عليه: "وإنّ الحرام بين". قوله: "وبينهما مشتبهات": مبتدأ، والخبر متقدّم عليه في الظرف، والتقدير: "وبينهما أحكام مشتبهات". وهو جمع "مشتبهة"، أي: "ملتبسة" و"مشكلة"، و"المتشابهات": "المتماثلات". والجملة معطوفة على ما قبلها، وأتت الجمل قبلها مؤكَّدة بـ "إنّ" في قوله: "إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بين"، ولم يقل: "وإنّ بينهما مشتبهات"؛ لأنّ حرف التأكيد يناسب ما هو واضح التحليل والتحريم، بخلاف ما هو مُشكِلٌ محتمل؛ فإنَّ الشرع لم يُوضّحه، ووَكَلَ الإنسان فيه إلى الاجتهاد والاحتياط. قوله: "لا يعلمهن كثير من الناس": "علم" هنا بمعنى: "عرف"، ولذلك تعدّى لواحد، وهو ضمير "الهاء" و"النون". و"كثير" الفاعل، والمراد: "ناس كثير". و"من" للتبعيض. و"ناس" تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّالث من "باب الخسوف". وقال: "كثير من الناس" ولم يقل: "ناس كثير"؛ لأن المعنى يختلف، وذلك أن اسم الجنس إذا تعرَّف بالألف واللام التي للجنس أفاد الكثرة (٢)، بخلافه إذا نُكِّر؛ فإنه لا يفيدها، فالكثير من الكثير كثير، والكثير من القليل قليل. وأيضًا: فإنّ لفظ "كثير" مقترنًا بـ "مِن" يفيد معنى "أفعل" التفضيل، فكأنه قال: "أكثر الناس". ومثله: "خير من الناس عمرو"، دلالة "خير" مع "مِن" على التفضيل صريحة

стр. 1673

في التفضيل، بخلافها بغير "من". قوله: "فمَن اتّقى الشبهات": "مَنْ" مبتدأ، شرطية. و"اتَّقَى" أصله "اوتقى"؛ لأنه من "وقى"، "يقِي"، فقلبت "الواو" تاءً، وأُدغمت في "التاء" الأخرى، ولامه "ياء"؛ لأنه من "وقيت". وجملة "استبرأ" جوابُ الشّرط، وفيه محذوف، أي: "استبرأ طاقته"، أي: "استفرغ". أو يكون "استبرأ" بمعنى: "احتاط"؛ فلا يكون فيه تقدير. قوله: "وعرضه". [فائدة: يقع "العِرْض" بمعنى "النفس"] (١)، يُقَال: "أكرَمتُ عنه عِرْضي"، أي: "صُنت عنه نفسي"، و"فلان نقيُّ العِرْض"، أي: "بريء من أن يُشتَم أو يُعاب". وقيل: "عِرْض الرجُلِ": "حَسَبُه"، و"العِرْضُ" أيضًا: "رائحة الجسد وغيره، طيِّبةً كانت أو خبيثة"، يُقال: "فلانٌ طيِّب العِرض"، و"منتن العِرض"، و"سِقَاءٌ خبيث العِرْض"، أي: "منتن" (٢). قوله: "ومن وقع في الشبهات": مثله. تقدّم الكلام على "وقع" وما كان مثله -كـ "وَعَد"- في الحديث الرابع من "الإمامة". وهو [تشبيه] (٣). والمعنى: "ومن لم يتّق الشبهات لابَسَها وهو لا يعلم"، فجعله كالواقع في هوة

стр. 1674

بعدم احترازه وتبصّره بالطريق المستقيم. ثم مَثَّلَ ذلك ﷺ "كالراعي". يحتمل أن تكون "الكاف" خبر مبتدأ محذوف، أي: "فهو مثل الراعي"، أو تكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: "وقع وقوعا مثل وقوع الراعي يرعَى حول الحمى". ومتى جعلت "الكاف" اسمًا: كان ما اتصلت به في محل جرٍّ بالإضافة، وإن جعلتها حرف جرٍّ تعلّقت بفعل أو معناه، وكان ما بعدها مجرورًا بها. وتأتي "الكاف" زائدة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (١)، وقال الشاعر: . . . . . . . . . . . ... وَصَالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ (٢) قوله: "يرعى": جملة في محل الحال من "الراعي". وجمع "الراعي": "رعاة"، مثل: "قاض" و"قضاة"، و"رعيان" مثل: "شاب" و"شُبَّان"، و"رعاء" مثل: "جائع" و"جياع" (٣). والعاملُ في الحال: معنى التشبيه. و"حول الحمى"، تقدّم الكلام على "حول" في الحديث الثاني من "الاستسقاء". والعامل فيه: "يرعى".

стр. 1675

قوله: "يوشك أن يقع فيه": "أوشَك" من أفعال المقَاربة، أُسند إلى "أنْ"؛ فسدَّ عن اسمها وخبرها، وإعرابُه فاعِل. وفي الحديث: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ" (١). جعل ابن الحاجب "أوشك" مثل "كاد" و"عسَى" في الاستعمال (٢). واعترض عليه ابنُ مالكٍ، فقال: إنما "أوشك" مثل "عسى". ولم يوجَد خبرها بغير "أنْ" إلّا في بيت واحد بعد التتبع [الكثير] (٣) وبذل المجهود في طلبه من دواوين العرب وكلامهم، وهو قوله: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّته ... فِي بعضِ غِرَّاتِه يُوافِقُها (٤) يريد: "أن يوافقها" (٥). قوله: "ألا وإن لكُل مَلك حمى": "ألا" استفتاح وتنبيه (٦)، وقد تقدّمت. وقوله: "وإن": معطوفٌ على قوله: "إن الحلال بين"، ثُم قطعه عنه بـ "ألا"، وكذلك ما بعده. و"حمى" اسم إن، وخبرها في المجرور قبله.

стр. 1676

والحمى التي كانت الملوك تحميه، قال فيه ابن الأثير: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا [في] (١) حيه استعوى كلبًا، فيحمي مدى عوائه، لا يشركه فيه أحد، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ فقال: "لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ" (٢) أي: "لا يحمى إلا ما هو للَّه كخيل الغزاة وإبل الصدقة والإبل التي يحمل عليها في سبيل اللَّه". (٣) فعلى هذا يكون قوله ﷺ : "ألا وإن لكل ملك حمى": [أن] (٤) "يحمي فيه ما هو للَّه". وهو مصدر بمعنى "محمي". وتثنية "حمى": "حميان"، وسمع الكسائي: "حموان"؛ لأنه من باب "فتى" و"رحى"، مما لامه "ياء"، وإن كانت قد جاءت لغة شاذة في تثنية "رحى" قالوا فيها: "رحوان" على لُغة مَن قال: "رحوت بالرحى"، وهي قليلة. (٥) قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة": مثل الذي قبله. و"المضغة": "القلب"؛ لأنه قطعة من الجسد. ويقال: "مضغ الطعام"، "يمضغه". و"المضاغ" بالفتح "ما يمضغ"، يقال: "ما عندنا مضاغ". (٦) قوله: "إذا صلحت": يقال: "صلح الشيء، يصلح"، "صلوحًا" مثل "دخل،

стр. 1677

يدخل، دخولًا". وعن الفراء: "صَلُحَ" بالضم. (١) و"كُلّه": تأكيد للجسد. و"كل" من ألفاظ التأكيد، ومثله: "جميع" و"عامة" لغير المثنى؛ فإنه يؤكّد بـ "كلا" و"كلتا"، ويجب أن يتصل بها ضمير المؤكّد. ويؤكد بها لرفع احتمال "البعض". [ويجوز] (٢): "جاءوا كلهم"، و"اشتريت العبد كُله"، ويمتنع: "جاء زيد كُله". (٣) قال ابنُ هشام: والتوكيد بـ "جميع" غريب، وكذلك التوكيد بـ "عامة". (٤) فائدة: قوله ﵇: "الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ" (٥) تأكيد للضّمير في "خير". وأمّا قولك: "تعب [كله] (٦) الحياة"، فـ "الحياة" مبتدأ، و"تعب" خبر، أي "متعبة"، ففيه ضمير، و"كُلّه" تأكيد لذلك الضمير، أي "الحياة [هي] (٧) متعب كُله". (٨) * * * قوله: "ألا وهي القلب": قال بعضهم: "القلب": جسم صنوبري معلّق بالوتين. وليس المراد نفس المضغة، إنما المراد المعنى القائم بها، الذي هو محلّ

стр. 1678

الخطاب والتكليف، وهذا يدلّ على أنّ العقل فيه؛ لأنّ الفساد والصّلاح في جميع الجسَد محال عليه. (١) وفي "قلب النخلة" ثلاث لُغات، بتثليث "القاف". وجمعه: "قِلَبَة" و"قَلَبَة" بكسر القاف وفتحها. (٢) الحديث الثاني: [٣٧٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، وَأَدْرَكْتُهَا، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذهَا، فَقَبِلَهُ" (٣). قوله: "أنفجنا أرنبًا": هو بفتح "الهمزة" وفتح "الفاء" وسكون "الجيم"، أي: "أثرته، فثار". ويقال: "نفج الأرنب" لازمًا. (٤) والجملة من فعل وفاعل ومفعول. و"الأرنب" معروف. وجاء في حديث [استسقاء] (٥) عمر: "حَتَّى رَأَيْتُ الأَرِينَة تَأْكُلُهَا صِغَارُ الْإِبِلِ". (٦) قال ابن الأثير: هكذا يرويه أكثر المحدّثين. وفي معناه قولان: -

стр. 1679

أحدهما: أنها واحدة "الأرانب"، حملها السيل حتى تعلّقت بالشجر، فأكلت. وهو بعيد؛ لأنّ الإبل لا تأكل اللحم. والثاني: أنها نبت لا يكاد يطول، فأطاله هذا المطر حتى صار للإبل مرعى. (١) قوله: "بمر الظهران": و"مر الظهران" معروف بقرب مكّة، ينزله الحاج اليوم. (٢) وهو على مرحلة. وسماه في "الصّحاح" (٣) "بطن مرّ"، وهو يُسمّى كذلك اليوم. (٤) وتركيبه تركيب مزج، مثل "بعلبك"، وتقدّم ذكرها في الثاني من أول الكتاب. وحكم الأوّل: أن يفتح، كـ "بعلبك"، والثاني يعرب إعراب ما لا ينصرف، وتجوز فيه الإضافة؛ فيضاف الأوّل إلى الثّاني، ويجوز أن يُبنيا على الفتح، وعلى هذا اللغات الثلاث، إن كان آخر الأوّل معتلًا -كـ "معدي كرب" و"قالي قلا"- وجَب سكونه مُطلقًا. (٥) قوله: "فسَعَى القَوم": "السعي" هنا بمعنى "الاشتداد" و"التبادر إليه". (٦)

стр. 1680

"فلغبوا": أي: "أعيوا". قال في "الصّحاح": يُقال: "لغَب، يلغُب" بالضم. و"لَغِب" بالكسر "يَلغَب" و"يلغب" "لغوبا" لُغَة ضَعيفة و"ألغبته": أنصبته" (١). وهذه الجمل معطوفات على "سعى" و"لغبوا" و"أدركتها فأخذتها". قوله: "فأتيت بها أبا طلحة": علامة النصب في "أبا" الألف، وعلامة الجر في "طلحة" الفتحة. قوله: "فبعث إلى رسول اللَّه ﷺ بوركها وفخذها": في بعض النسخ: "وَفَخِذَيْهَا" (٢)، يُريد: "هَديّة له ﷺ ". "فقبله" الضمير يعود على "المبعوث" المفهوم من المعنى. ومثله في التقدير: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. (٣) الحديث الثالث: [٣٧٥]: عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: "نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ" (٤). وَفِي رِوَايَةٍ: "وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ" (٥). الإعراب: "أسماء": لا ينصرف للعلمية والتأنيث. وينصرف "أسماء" جمع "اسم"؛ لأنّ

стр. 1681

ألفه ليست للتأنيث، بل هي بدَل من "الواو". (١) و"بنت": تقَدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الحيض". و"قالت" في محلّ خبر "أن" مُقدّرة، أي: "أنها قالت". و"أبو بكر" تقدّم مثله في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. قوله: "نحرنا على عهد رسول اللَّه ﷺ ": ضمير الفاعل يعود على "الذي باشر النحر منهم". وإنما أتى الكلام [بضمير] (٢) الجماعة في قوله: "نحرنا"؛ لكونه عن رضًا منهم. (٣) قوله: "على عهد رسول اللَّه": أي: "على زمن رسول اللَّه". و"العهد": يكون بمعنى "اليمين" و"الأمان" و"الذمة" و"الحفاظ" و"رعاية الحرمة" و"الوصية"، لا يخرج عن هذا جميع ما ورد في الأحاديث (٤). فيكون المراد بـ "عهد رسول اللَّه": أي "ما عرف وحفظ في ذلك الوقت". ويحتمل أن تكون "على" بمعنى "في"، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: "في ملك سليمان". (٥) ويُقَال: "أتيته على عَهد فُلان"، أي: "في عهده"، ذكره الهروي في

стр. 1682

"الأزهية". (١) قوله: "فرسًا": مفعول بـ "نحر". و"الفرس" تذكّر وتؤنّث (٢)؛ ولذلك قال: "فأكلناه"، ولو قال: "فأكلناها" جاز. قال: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية". "ونحن بالمدينة": جملة في محلّ الحال من ضمير الفاعل، أي: "أكلناه. . . ". ويحتمل أن يكون حالًا من الضّمير في "نحرنا"، أي: "نحرنا ونحن في المدينة". وجملة " [فأكلناه"] (٣): معطوفة على "نحرنا" في حال كوننا بالمدينة. وتقدّم أنه محكي لمتعلّق حرف الجر؛ فيكون له محلّ آخر محكيّ. واللَّه أعلم. الحديث الرّابع: [٣٧٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ" (٤). وَلِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ: قَالَ: "أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ" (٥). قوله: "نهى عن لحوم الحمُر": جملة في محلّ خبر "أن"، و"أن" في محلّ معمول

стр. 1683

متعلّق حرف الجر. وجمع "اللحوم" لاختلافها. ولو قال: "لحم الحمر" جاز. قوله: "الأهلية": وجاء: "الإنسية" (١)، قيل: صوابه بكسر "الهمزة"، من ["الإنس"] (٢)، وقيل: من "الأُنس" بضم "الهمزة"؛ فيضم في التثنية. (٣) قوله: "وأذِن في لحُوم الخيل": أي: "أذن النبي ﷺ ". تقدّم الكلام على "أذن" في العاشر من "باب فسخ الحج". قوله: "ولمسلم وحده": أي: "منفردا بذلك عن البخاري". وصح نصبه على الحال؛ لأنه بمعنى النكرة. ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدَر، كما قيل في قولهم: أرْسَلَهَا العِراكَ. . . . . ... . . . . . . . . . . . (٤) أي: "معتركة". فكأنه قال: " [توحّد] (٥) بذلك توحدًا"، أي "ينفرد انفرادًا"، ثم حذف الفعل. [يُقال] (٦): "مررتُ به. . . . .

стр. 1684

[متوحدًا"] (١)، ثم حذف زوائد المصدر، فصار: "مررتُ به وحده"؛ لأنّ "ينفرد" بمعنى "توحّد". (٢) وقيل: هو منصوبٌ على الظرفية. (٣) وقيل: [نصب] (٤) على المصدَرية، وضع موضع الحال. ولا فعل له من لفظه. (٥) قال أبو حيّان: هو اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فـ "وحده" موضوع موضع "إيحاد" الموضوع موضع "مُوَحّدٍ". (٦) ومذهب سيبويه أنه إذا جاء بعد فاعل ومفعول أنه حال من الفاعل. (٧) ومذهب المبرد جواز كونه حالًا من المفعول. (٨)

стр. 1685

وقيل: هو مصدر لـ "أوحد"، على حذف الزيادة. (١) وقيل: مصدر لـ "وَحَد". (٢) وذهب [إليه] (٣) الزمخشري، وقال: إنه يسدّ مسدّ الحال، وأصله: "يَحِد" "وَحْدَه". (٤) قلتُ: فتكون هنا حَالًا من "مُسلم". قوله: "قال: أكلنا": فاعل قال: "جابر"، الذي روى عنه راوي مسلم، والتقدير: "وروي في لفظ لمسلم. . . "؛ فيتعلّق "في" بـ "روي"، و"لمسلم" بـ "لفظ" أو بصفة له. و"قال" في محلّ خبر "أن" محذوفة، أي: "أنه قال". و"أكلنا": معمول القول. و"زمن" ظرف زمان. والمراد: "زمن فتح خيبر". و"الزمن" يقع على القليل والكثير، ويجمع على: "أزمان" و"أزمنة" و"أزمُن". (٥) و"الخيل": اسم جنس، ويجمع على: "خيول". (٦) و"لحم حمر الوحش" معطوفٌ عليه، فيه إضافة الموصوف إلى صفته، أي: "الحمر الوحش". و"الحُمُر": جمع: "حمار"، ويُجمَع "الحمر" على: "حُمُرات". (٧)
следующие страницы →