← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

[الحدِيث الرّابع] (١): [٣٨٦]: عَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبي ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلبُوهُ فأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ. فَقَالَ: "إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَما غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّا لاقُوا الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدىً، أَفنذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُم عَنْ ذَلِكَ، أَّمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ" (٢). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: "نَدّ" بمعنى "شرد". و"الأوَابِد" جمع "آبدة"، وقد "تأبّدت" أي "نفرت وتوحّشت من الإنس". يُقَال: "أبَدَت" -بفتح "البَاء" المخفّفة- " [تَأبُد] (٣) " -بضَمّ "الباء" وكسرها- "أُبُودًا". ويُقَال: "جَاء فُلانٌ بآبدة"، أي: "بكَلمة غريبة" أو "خَصْلة للنفوس نَفْرَة عنها". [والكَلمة] (٤) لازِمَة، إلّا أن تجعل "فاعِلة" بمعنى "مفعولة". (٥) يريد -والله أعلم- أنّ "أبد" من الأفعال اللازِمَة؛ لأنّه لا يبنى منه اسم مفعول، إلا أن تجعل "آبدة" -في قوله: "والأوابد"، جمع "آبدة"- بمعنى "مفعُولة"، أي بمَعنى "مأبُودة"؛ فتكون مُتعَدِّية؛ لبناء اسم المفعول من فِعْلها. وعلى هذا يُقَال

стр. 1717

للناقة: "أبدتها" فهي "مَأبُودَة" (١)، وهذا خِلاف الظّاهر. قَالَ في "الصّحاح": يُقَال: "أبد" فهُو "آبِدٌ". (٢) قوله: "بذِي الحُلَيفَة": هَذه غير "حُليفة المدينة"، وهي مِن الأسماء المرَكّبة تركيب إضَافة؛ [فيُعْرب] (٣) الأوّل بوجُوه الإعرَاب، والثّاني مخفُوض على الإضَافة، كـ"أبي هُرَيرة" و"أبي قُحَافَة". (٤) وتقَدّم ذلك في الثّاني مِن أوّل الكِتَاب. قوله: "مِن تهَامَة": "البَاء" في "بذِي الحُليفة" ظَرْفيّة، و"مِن" لبَيَان الجِنْس؛ لأنّها مُقَدّرَة بـ"الذي" أي: "الذي هُو ذُو الحُلَيفَة". قوله: "فَأصَاب النّاسَ جُوعٌ": معْطُوفٌ على "كُنّا". [وتقَدّم الكَلامُ على "كُنا"] (٥) في الحديثِ [السادِس] (٦) مِن "جَامِع الصّلَاة". قوله: "وكَان رَسُولُ الله ﷺ في أْخرَيَات": "كَان" واسمها، وخَبرها في المجرور، أي: "كَائِن في أُخْرَيَات". و"أُخرَيَات" [بمَعنى] (٧) "آخِرهُم". و"آخِرُ القَوْم": "مَن كَان في

стр. 1718

آخِرهِم". (١) قوله: "فعَجِلوا وذَبَحُوا ونَصَبُوا القُدُور": معطُوفٌ على "أصَاب النّاسَ جُوعٌ". ويحتمل أنْ يكُون التقديرُ: "ونَصَبوا [للقُدور] (٢) "، أي: "أثافيها". ويحتمل أنْ يكُون المعنى: "نَصَبُوا القُدور للوقيد تحتها"، وهُو الظّاهِرُ. قوله: "فأمَرَ النّبي ﷺ بالقُدور [فأُكفئت] (٣) ": التقديرُ: "فأمَر رَجُلًا بكفء القُدور"؛ لأنّ "أَمَرَ" يتعَدَّى إلى مفْعُول به، وإلى الثّاني بـ"الباء"، ويكون الثّاني مَصْدَرًا أو مُقَدّرًا بمَصْدَر، تقُول: "أمَرتُك الخير" و"أمَرتُك بالخير"، وتقول: "أمَرتُك بزَيد"، ولا تقول: "أمَرْتُك زَيدًا"؛ لأنّ التقدير: "أمَرْتُك بإكْرَام زَيد" أو "بضَرْب زَيد"، فيُحْذَف المصْدَر ويُقَام المضَافُ إليه مَقَامه (٤)، وكذلك جَاء هُنا؛ فلا يجوز: "فأمَرَ القُدُور" إلا بتقدير مُضَاف، أي: "بكَفْءِ القُدور"، فـ"البَاء" الدّاخِلَة على المصْدَر بعد حَذْفه دَخَلت على القَائِم مَقَامه، وهَذا الذي ظهر لي من التقدير ما وَقَفْتُ عليه، لكن

стр. 1719

وَجَدتُ القَواعد تَسُوق إليه. والله أعلم. وأمْرُه ﷺ بكَفْءِ القُدور إمّا لأنّها رُكبت ولم يجعل فيها شيء، وإمّا [أنْ] (١) يكُون بعد وَضْع اللحْم فيها؛ فيكون من باب العُقُوبة بالمَال. (٢) قوله: "ثُمّ قَسم فعَدَل": هو بتخفيف "الدّال" أي: "سَوّى"، تقُول: "عَدَلتُ هَذا بهذا" أي: "سَوّيتُ بينهما"، و"عَدلتُ بين الشيئين" كذلك. (٣) و"مِن الغَنَم" يتعَلّق بصِفَة لـ"عَشْرة"، و"مِن" للتبعِيض. و"البَاءُ" في قَوله: "ببَعِير" "بَاء" المقَابَلَة. قوله: "فنَدّ منها بَعير، فطَلبوه، فأَعْيَاهُم": معطُوفات، "الفاء" الأولى للعَطْف مِن غَير تسبيب، والثّانية للعَطْف والتسبيب، والثّالثة للعَطْف على محذُوفٍ، أي: "طَلَبُوه [فَفَاتهم] (٤) ". (٥) قوله: "وكَان في القَوم خَيْل يَسيرة": ["في"] (٦) هُنا مَعناها "مع"، كما جَاءت في قَوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩]، أي: "مَع عِبَادي" (٧). وحَرْفُ الجر يتعَلّق بخَبر "كَان"، واسمُهَا: "خَيْل"، و"يَسِيرة" صِفَة لَه. قوله: "فأهْوَى رَجُلٌ مِنْهُم بسَهْم": يتعَلّق "منهم" بصِفَة لـ"رَجُل". و"الله"

стр. 1720

فَاعِلُ "حَبَسَه". وفَاعِلُ " [فقَالَ] (١) ": "النّبي ﷺ ". قوله: "إن لهذه البَهَائم أوَابد": اسم "إنّ": "أوَابِد"، والخبرُ مُقَدّم في المجرور، و"البَهَائِم" [صِفَة] (٢) لاسم الإشَارَة، مجرور بالكَسْرة. و"أوَابِد" لا ينْصَرف، لأنّه على صِيغَة مُنتَهَى الجمُوع (٣). قوله: "كأَوَابِد الوَحْش": "الكَاف" يجوز أنْ تكون اسمًا صِفَة لـ"أوَابِد"، ويكون ما بعد "الكاف" [مُضَافًا] (٤) إليه. ويحتمل أنْ تكُون "الكَاف" حَرْف جَر، ومَا بعْدَها مجرورٌ بها، [ويتَعَلّق] (٥) بصِفَة لـ"أوَابِد"، أي: "إنّ لهَذه البَهَائم أوَابِد كَائِنَة كأوَابِد الوَحْش". وإنّما انصَرَف "أوَابد" الثّاني، لأنّه أُضِيف. (٦) قوله: "فما غَلَبَكُم منها": "مَا" هُنَا شَرْطيّة في محلّ رَفْع على الابتِدَاء، وجوابها: "فاصنَعُوا". والخبرُ يجري فيه الخِلاف الذي تقَدَّم في "مَن" الشّرْطيّة (٧)، فقيل: فِعْلُ الشّرْط، وقيل: جَوَابه، وقيل: فيهما. و"مِنْهَا" يتعَلّق بـ"غَلَبكم". قوله: "هَكَذا": "الهَاء" للتنبيه، و"كَذا" كَلمتان، "الكَاف" بمعنى "مثل" في محلّ مفعُول، و"ذَا" مُضَاف إليه. والثّاني: "الكَاف" نَعتٌ لمصْدَر محذُوف، أي: "فاصْنَعُوا به صُنْعًا كَذَا"، أي: "مِثْل ذَا". (٨)

стр. 1721

قوله: "قَال: قُلتُ: يا رَسُول الله، إنّا لاقوا العَدو غَدًا": أي: "قَالَ رَافِع بن خديج". وجملة "يا رَسُول الله" [و"إنّا] (١) لاقوا العَدو غَدًا" في محلّ معْمُول للقَول. وجملة "لاقوا" في محلّ خَبر "إنّ". وأصْلُ "لاقوا": "لاقيون"، حُذفَت منه "النّون" للإضَافة، فصَار: "لاقيوا"، والعَرَب تعَاف الضّمّة قبلها كَسرة؛ فحَذَفُوا الكسرة، وألْقَوا على "القَاف" ضمّة "اليَاء"؛ فانحَذَفت "الياء" لسكونها وسكون "الواو". (٢) قوله: "غَدًا": ظَرْفُ زَمَان. قوله: "وليسَت مَعَنا مُدىً": "مُدَىً" مثل "ضُحَىً"، مقصُور (٣)، مرفُوعٌ على أنّه اسم "ليس"، والخبرُ في "مَعَنا". قوله: "أفَنَذْبَح بِالْقَصَبِ؟ ": "الهمزة" للاستفهام، و"الفَاء" عَاطفَة على ما قبل همزة الاستفهام. ومنهُم مَن قَدّر المعطُوفَ عليه بعد الهمزة [ق ٢٢٥]، [أي] (٤): "أتأذَن فنَذْبح بالقَصَب؟ " (٥)، وتقَدّم ذِكْر ذلك كثيرًا. قوله: "قَالَ": أي: "النبي ﷺ " "مَا أنْهَر الدّم" "مَا" شَرْطيّة، رُفع بالابتِدَاء. (٦) و"ذُكِر اسمُ الله عليه": فِعلٌ ومفْعُول لم يُسَمّ فَاعِله. و"عَليه" يتعَلّق بـ"ذُكِر".

стр. 1722

وجَوَابُ الشّرْط: "فكُلُوه". (١) وتقَدّم الكَلامُ [على "مَا"] (٢) الشّرْطيّة. قوله: "ليس السّن والظفر": يجوز النصب والرّفع، والنّصبُ أوْجَه على أنّه خَبر "ليس"، يعني: "ليس [من ذلك] (٣) السّنَ". وأمّا الرّفع: فعلى أنّه اسمها، والخبرُ محذُوف، أي: "كذلك". (٤) و"كذلك" يُقَدّر في: "لا يكُون" وفي "حَاشَا" و"عَدَا". (٥) وقَالَ الشّيخُ تاج الدِّين الفَاكهاني: "السّن" منْصُوب بالاستثناء. (٦) قُلتُ: وهو خِلافُ ما يجري عليه إعْرَاب المتقَدِّمين. ومحلّ "ليس السّن" هُنَا حَالٌ مِن ضَمير " [فكُلوه] (٧) ". (٨) واعْلَم أنّ "ليس" و"لا يكُونُ" في الاستثناء ضُمّنا مَعنى "إلّا"؛ ولذَلك لَزِم إضمَار اسميهما. فإذا قُلتَ: "قَامَ القَومُ ليس زَيدًا" فالتقدير: "ليس بعضُهم زَيدًا" و"لا يكُون بعضُهم زَيدًا". (٩)

стр. 1723

و"ليس" و"لا يكُون" إنْ وَقَعَا بعْد مَعْرِفَة فمَحَلّهما حَالٌ، وإنْ وَقَعَا بعْد نَكِرَة فمَحَلّهما صِفَة للنكِرة بحَسْب إعْرَاب النكرَة، نحو: "مَا جَاءَني امرَأة ليسَت [هندًا] (١) "، فمَحلّ "ليس" رَفْع صفة و"امرأة"، وكذلك لو قُلت: "ما مَرَرتُ بامرأة ليسَت هندًا"، فمَحَلّها جَر نَعْت لـ"امرأة". (٢) وقيل: لا مَوضِع لهما مِن الإعراب، بل الجمْلَة مُستأنَفَة، وإنما جَاءت الجمْلَة مخصّصة للعُموم الأوّل، كقَولك: "قَام القَومُ، ومَا قَام زَيد"؛ وليس لقَولك: "ومَا قَام زَيد" محلّ؛ لأنّ "الوَاو" للاستئناف. (٣) قوله: "أمّا السّن فعَظْم": تقَدّم الكَلامُ على "أمّا" في السّادِس مِن "الاستطَابة"، وأنّه لا يقَع بعْدَها إلّا الابتِداء (٤). والخبرُ في قوله: "فعَظْم"، وهُو جَوَابُ "أمّا". وأمّا قَوله: "وأمّا الطفر ... ": فمِثْله.

стр. 1724

بَاب الأضَاحِي الحدِيث الأَوّل [٣٨٧]: عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: "ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا" (١). قالوا: "الأمْلَح": "الأغْبَر، الذي فيه سَوَادٌ وبَيَاض". (٢) وفاعِلُ "قَالَ": "أنَس". و"بكَبْشَين": يتعَلّق بـ"ضَحّى". و"أمْلَحَين" و"أقْرَنين" صِفَات، وجملةُ "ذَبَحَهُما بيَده" في محلّ صِفَة أيضًا. قوله: "الأضَاحي": هو جمعُ "أُضْحِيّة" بضَمّ "الهمزة" وكسرها، وتشديد "اليَاء" فيهما. ويُقَال: "ضَحيّة" بفَتح "الضّاد" وكسر "الحاء" وتشديد "اليَاء". وجمعها: "أضَاحيّ" و"أضْحى". (٣) قَالَ في "الصّحاح": عن الأصْمعي في "الأضحية" أربَع لُغَات: "أُضْحِيّة" و"إضْحِيّة" و"ضَحِيّة" -على وَزْن " فَعيلَة"- و"أضْحَاة"، والجمعُ: "أضْحىً"، كما يُقَال: "أرْطَاة وأرطَى". (٤) قوله: "وسَمّى وكَبّر ووَضَع": أي: "وقد سَمّى وكَبّر"؛ فتكون الجملة في محلّ الحَال من فَاعِل "ذَبَحَهُما". ويحتمل أنْ تكُون "الواو" عاطِفَة. وجمع "صفاحهما" وإنْ كَان وَضعُه ﷺ رِجْله إنما كَان على صفحتيهما، إمّا باعتبار أنّ الصّفحتين من كُل واحد في الحقيقة موضوع عليهما القَدَم؛ لأنَّ

стр. 1725

[إحديهما] (١) مما يَلي الأخْرَى، والأخْرَى مما يَلي الرِّجْل. (٢) ويحتمل أنْ يكُون من باب: "قَطَعتُ رُؤوس الكَبْشَين"، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. (٣) ومنه: وَمَهْمَهَينِ فَدْفَدَيْن مَرْتَيْنْ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التّرْسَيْن (٤) فجَمَع بين اللّغَتين؛ فقَالَ: "ظَهْرَاهما"، وقَالَ: "مِثلُ ظُهُور". و"المهْمَة" "الفَلَاة". و"الفَدْفَد": "البَعِيدة". و"المَرْت": "الفَلاة" أيضًا. و"الوَاو" في "ومَهْمَهَين": وَاو "رُبّ". (٥)

стр. 1726

كِتَابُ الأشْرِبَة الحدِيث الأَوّل: [٣٨٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَن عُمَرَ قَالَ على مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِن خَمْسَةٍ: مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقلَ. ثَلاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَا عَهْدًا نَنتهِي إلَيهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ الرِّبَا" (١). قوله: "قَالَ على منبر رَسُول الله": فَاعِلُ "قَال" ضَمير "عُمر". والجملة في محلّ خَبر"أنّ"، و"أنّ" في محلّ رَفع لمتعَلّق حَرْسف الجر. قوله: "أمّا بعد": تقَدّمَت في الحديث الأوّل من "باب الشروط في البيع"، وقد استُعْمِلَت في الخُطَب وأوَائِل الكُتُب. [وقيل] (٢): إنّها فَصْلُ الخِطَاب الذي ذُكِر في كتابِ الله . واختَلَفُوا في أوّل مَن تكَلّم بها. (٣) وقد استشكل العَامِل فيها؛ فأجَاز بعضُهم في مثل قولهم: "أمّا بعد، فإنّ زَيدًا قَائم" أنْ يكُون العَامِلُ: "قائما". واعترض بأنّ مَا بعْد "إنّ" مِن صِلَتها، والمتعَلّق بالصّلَة صِلَة، ولا تتقَدّم الصّلة على الموصُول. وقيل: العَامِلُ "مَا" في "أمّا" مِن مَعنى الشّرْط. وفصّل بعضُهم؛ فأجَاز ذلك في "أمّا بعْد"، ومَنَع في مثل "أمّا زَيدًا فإنّي

стр. 1727

ضَارِب"؛ لأنّ الظّروفَ تتّسِع فيها؛ بخِلافِ غيرها. (١) فعلى هَذَا: يكُون العَامِلُ "مَا" في "أمّا" مِن معْنى الشّرْط؛ لأنّه لم يقَع بعْد الظّرْف مَا يصِحّ أنْ يعْمَل فيه؛ فيَكُون منْهُم اتفَاقًا على ذَلك. قوله: "أيّها النّاسُ": مُنَادَى محذُوف حَرْف النِّدَاء منه. وحَرفُ النّداء يجوز حَذْفه، إلّا من اسم [الجنس] (٢) والإشَارَة -على الصّحِيح عِنْدهم- والمستغَاث والمندوب واسم الله الكَريم. (٣) وقد تقَدّم ذِكر "النّاس" ومَادّته في السّابع من "الإمَامَة"، والثّالث من "باب الخُسُوف". وهُو هُنا صِفَة لا يجوزُ فيه إلّا الرّفع، [خِلافًا] (٤) لأبي عُثمان المازني، وقُرئ شَاذًّا: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٥). (٦)

стр. 1728

قوله: "إنّه نَزَل تحريمُ الخَمْر": "تحريمُ" فَاعِلُ "نَزَل"، والجملة خَبر "إنّ". والضّميرُ في "إنّه" ضَمير الأمْر والشّأن. و"تحريم" مَصْدَر مُضَافٌ إلى مفْعُوله. وجملة "وهي مِنْ خمسة" في محلّ الحال من "الخمر". قوله: "مِن العِنب" ومَا عُطِف عَليه: بَدَلٌ من قوله "من خمسة". قوله: "والخمْرُ مَا خَامَر العَقْل": جملة مُسْتَأنفة، لا محلّ لها. و"مَا" مَوصُولَة مرفُوعَة على الخبر، ويحتمل أنْ تكُون نَكِرة موصُوفَة. قوله: "ثَلاثٌ": فَاعِلٌ بفِعْل محذُوف، أي: "أهمّني ثَلاثُ خِصَال". وسَقَطَت العَلامَة في العَدَد؛ لأنّه غير مُؤنّث، ولو قدّرت "ثَلاثَة أشْيَاء" لحَسُنت العَلامَة؛ للتذكير. ويجوز النّصْب على المفعُول، أي: "أَذْكُر ثَلاثًا". ويصحّ أنْ تكون مُبتدأ، وسَوّغ الابتداء بالنكِرة كَوْنها أُرِيد بها مُعَيّن. والجمْلَة بعدها خَبر المبتدأ. [وعلى] (١) أنّه فَاعِل بفِعْل مُقَدّر أو مفعُول: فجُمْلَة "وَددت" صِفَة لَه. و"أنّ رَسُولَ الله" في محلّ مفْعُول "وَددت". قَالَ في "الصّحاح": تقُول: "وَددتُ لَو فَعَلت ذَاك" و"وَددتُ لو أنّك تفْعَل ذَاك" "أَوَدّ" "وَدًّا" وَ"وِدَادًا"، أي: "تمنّيتُ". (٢) وجملة "كَانَ" في محلّ خَبر "أنّ"، و"عَهِد" في محلّ خَبر "كَانَ". ويجوز أنْ تكُون "كَان" زَائِدَة، ويكُون "عَهِد" في محلّ الخبر، ويُقَوِّي هَذا أنّ خَبر "كَان" لا يكُونُ مَاضيًا إلّا قَليلَا (٣).

стр. 1729

و"عَهِد" بمَعْنَى "أَوْصَى". قَالَ في "الصّحاح": ومنه اشتُقّ "العَهْد" الذي يُكتب للولاة. ويُطْلَق "العَهْد" على "الأمَان" و"اليمين" و"الموثِق" و"الذّمّة" و"الحفاظ" و"الوصيّة". (١) و"عَهْدَا" مَصْدَر بمَعْنى "المعْهُود"، أي: "عَهِد إلينا فيها حُكمًا نتَعَاهَده". وجملة "ننتهِي إليه" في محلّ صِفَة لـ"عَهْد". ومعنى "ننتهي إليه": نقِف عنْده لا نتَعَدّاه؛ لأنّ "النّهاية": "الحدّ والغَايَة"، يُقَال: "بَلَغَ نهَايتَه". (٢) قوله: "الجدّ والكَلَالَة وأبْوَاب. . .": يحتمل أنْ يكون رفعها بتقدير مُبتدأ، أي: "هي: الجدّ، والكَلالة، . . .". ويحتمل أنْ يكُون بَدَلًا من "ثَلاث" المتقَدِّم. الحَدِيث الثَّانِي: [٣٨٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" (٣). "الْبِتْعُ": "نَبيذُ العَسَلِ"، بكَسر "البَاء" وبفَتْحها. قَالَ ابنُ الأثير: وقد تحرّك "التَاء"، كـ"قِمَع". (٤) قوله: "أن رَسُولَ الله ﷺ ": في محلّ رَفْع بالعَامِل المقَدَّر الذي تعَلّق به حَرْف الجر. و"سُئِل" مَبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، وتقَدّم الكَلامُ على "سَأَل" في الحديث الثّاني

стр. 1730

عَشر [مِن] (١) "بَاب صِفَة الصَّلَاة". ومفعُولُه الذي لم يُسَمّ فَاعِله: مُستَتر يعُود على "رَسُول الله ﷺ ". وجملة" فقَالَ" معْطُوفَة على "سُئِل"، وفَاعِله: "ضَميرُ النّبي ﷺ ". قوله: "كُلُّ شَرَاب": مُبتَدأ، وخَبَره في جملة: "فهُو حَرَامٌ". وتقَدَّم الكَلامُ على "كُلّ" في الحدِيث الأوّل مِن الكتاب. وجملة "كُلّ" معمُولَة للقَول. وجملة "أسْكَر" في محلّ صِفَة لـ"كُلّ". والعَائِدُ [من] (٢) جملة الخبر: "هو". ودَخَلَت "الفَاء" في الخبَر؛ لمَا تَضَمّنَته "كُلّ" مِن مَعْنَى الشّرْط. ولا يجوز دخُولُ "الفَاء" في خَبر المبتَدأ عند البصريين، إلّا إذا تضَمّن المبتَدأ معنى الشّرط. (٣) قَالَ ابنُ الحاجِب: وذلك في الاسم الموصُول بفِعْل أو ظَرْف، والنّكِرة الموصُوفَة بهما، مثْل: "الذي يأتيني فلَه دِرْهَم" و"كُلّ رَجُل يأتيني فلَه دِرهَم". (٤) قَالوا: وإنّما صَحّ ذلك فيهما لمَا دَخَلَهما مِن معْنى العُموم والإبهام، كالشّرط. ولذلك لو كَان "الذي" لشيءٍ معهُود -كقوله: "الذي بعته مِن عَبيدي فلَه دِرْهَم"- لم يجز، وكذلك: "كُلّ رَجُل ضَربته فلَه دِرْهَم"؛ وإنما ذلك لفَوات العُموم. (٥)

стр. 1731

وهَذه "الفَاء" مَع هَذين الشّرْطَين هَل هِي واجِبَة أم لا؟ في ذلك خِلاف يُنْظَر في مَوضِعه. (١) الحدِيث الثّالِث: [٣٩٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلانًا بَاعَ خَمْرًا؛ فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلانًا، ألَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟ " (٢). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "فُلان" الذي كُنّي عنه هو: "سمُرة بن جُنْدُب". (٣) قوله: "بَلَغَ عُمر": التقدير: "أنّه بَلَغ". و"أن فُلانًا" في محلّ رَفْع فَاعِل، ومفعوله: "عُمر". ووَقَع الفَاعِلُ مُقَدّرًا باسم؛ ولذلك حَدّوا الفَاعِل بـ"أنْ يكُون اسمًا، أو مَا هُو في تقديره". والذي في تقديره: "أنّ" المشَدّدَة و"أن" المخَفّفَة. ومَا ثَمَّ قالوا: أسند إليه فِعْل أو مَا جَرى مجراه، وهو اسم الفَاعِل والأمثلة الخمسة. وقدّم عليه على طريقة "فعل" أو "فاعل" احترازًا من "فُعل" بضَم "الفَاء" ومِن "مفعُول". (٤) وتقَدّم الكَلامُ على "فُلان" و"فُلانة" في السّادِس مِن "باب الإمَامَة"، وفي

стр. 1732

الأوّل من "بَاب اللعَان". وجملة "باع خمرًا" في محلّ خَبر. قوله: "فقَالَ: قَاتَل الله فُلانًا": أي: "قَالَ عُمر: قَاتَلَ الله. . ."، الجمْلَة معْمُولة للقَول. قَالَ ابنُ الأثير [ق ٢٢٦]: [فيه: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ" (١)، أي: "قتلهم الله". وقيل: "لَعَنَهم". وقيل: "عَادَاهم". وقد تكرّرَت في الحديث، ولا تخرُج عَن أحَد هَذه المعاني] (٢). (٣) قَالَ: وقد تَرِد بمَعنى التعجّب مِن الشّيء، كقَولك: "تَرِبَت يَدَاه". وقَد ترِد ولا يُرَاد بها وقُوع الأمر، ومنه قَول [عُمَر] (٤): "قَاتَل الله [فُلانًا] (٥) ". (٦) "ألم يَعْلَم": والهمْزَة في قوله: "ألم يَعْلَم" للتقرير. و"عَلِم" من أفعَال القُلوب، وسَدّت "أن" مَسَدّ مفعُوليها [أو أحدهما والآخر] (٧) مُقَدّر. وجملة "قَالَ" في محلّ خَبر "أنّ". و"اليَهُود" تقَدّمَ في الحدِيثِ الثّاني عَشر مِن "الجنَائِز".

стр. 1733

و"حرمَت عليهم الشّحُوم": فِعْل مبني [لما لم] (١) يُسَمّ فَاعِله، ومفعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله: "الشّحُوم". والجملة فيها معنى التعليل، أي: "لأجْل أنّ الشّحُوم حرمَت عَليهم فباعُوها". ويُسَمّى الشّحم المذَاب: "جميلًا". و"تجمّل الرّجُل" أي: "أكَلَ الشّحم المذَاب". قَالَ الجوهري: وقالَت امرأة لابنتها: "تجمّلي وتعفّفي" أي "كُلي الشّحم المذَاب واشرَبي العُفَافَة، وهي ما بقي في الضّرع مِن اللبن". (٢) قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: هَذا الحديث دَليلٌ على أنّ الصّحَابة استعْمَلت القياس في الأمور مِن غير نَكير. يعني: أنّ عُمَر ﵁ قَاسَ "الخمر" على "الشّحُوم" في تحريم البيع. (٣)

стр. 1734

كِتَاب اللبَاس الحدِيث الأَوّل: [٣٩١]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لم يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ" (١). قوله: "قَالَ: قَالَ": الأولى في محلّ مفعول مرفُوع بالفعل المبني للمفعُول، والثّانية في محلّ نَصْب بها. و"لا تلبسوا الحرِير": الفِعْلُ مجزُومٌ بالنّهي، وعَلامَةُ جَزْمه حَذْف "النّون". وتقَدّم الكَلامُ على "لا" النّاهية مَع غيرها في الحديث الثّاني من "الاستطابة". قوله: "فإنّه": "الفَاء" فَاء السّبَبية، وتقَدّم ذِكْرها في السّادس مِن "الاستطابة". قوله: "مَن لَبِسَه": "مَن" شرْطيّة، مُبتَدأ، والخبرُ في فِعْلها أو جَوَابها على الخِلاف المتقَدِّم (٢). و"الهاء" في "لبسه" تعُود على "الحرير". و "في الدّنيا" يتعَلّق بـ"لبسه". و"لم يَلبسه في الآخِرَة" جَوَابُ الشّرْط، و"يَلبسه" مجزومٌ بـ"لم". وتقَدّم ذِكْر "لم" في الحديث الثّالث مِن "باب المذي"، وفي الثّالث من "باب الجنابة". و"الدُّنيا" تقَدَّم الكَلامُ عليها في الحدِيث الأوّل مِن الكتاب، وهي تأنيثُ "أَدْنَى"، ويرجع إلى "الدّنو" بمعنى "القُرْب"، و"الألِف" فيه للتأنيث. (٣) وتُستَعْمَل تَارَة اسمًا، وتَارَة صِفَة. فإن كَانت صِفَة: فـ"اليَاء" بَدَلٌ من "واو"؛

стр. 1735

لأنّها مُشْتَقّة مِن "الدنو"، كـ"العُليا"؛ ولذَلك جَرَت صِفَة (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]. وأمّا إئباتُ "الواو في "القُصْوَى" و"الحُلْوَى": فشَاذّ. وإذا كَانت اسمًا: فكَذلك. (٢) وقال أبو بكر ابنُ السّرّاج في "المقصُور والممدُود": تُكتَب بـ"الألِف"، وهذه لُغَة نَجْد وتميم خَاصّة. إلّا أنّ أهْلَ الحجاز وبني أسَد يُلحقونها ونظائرها بالمصَادر ذَوَات "الواو"؛ فيقُولون: "دَنْوَى"، كـ"شَرْوَى". وكذلك يفعلون بكُلّ "فُعلى"؛ يضعون موضع لامها واوًا، ويفتحُون أوّلها، ويقْلِبون ياءَها وَاوًا. وأمّا أهْل اللغَة الأُولى: فيَضُمّون "الدّال"، ويقْلبُون "الواو" "يَاءً"؛ لأنّهم يستَثقلون الضّمّة و"الواو". (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ على ذلك.

стр. 1736

الحَدِيث الثّانِي [والثّالِث] (١): [٣٩٢]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَهُ شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالْقَصِير وَلا بِالطَّوِيل" (٢). اعلم أنّ قبْل هَذا الحديث حَديث لم يتكَلّم عليه الشّيخ تقيّ الدّين، ولعلّ ذلك في بعْض النُّسَخ دون بعْض، وهُو: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهَ ﷺ يَقُولُ: "لا تَلْبَسُوا الْحرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ، وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأْكلُوا في [صِحَافِها] (٣)، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ" (٤). قوله في الحديث الأوّل: "مَا رَأيتُ": "مَا" نافية، ولها أحكَام تقَدّمَت. والرّؤْية بَصَريّة. قوله: "مِن ذي لِمّة": "مِن" هُنا زَائدة في المفعُول، وجَاءَت على شرطها في الزيادة مِن تقَدّم النّفي. وفي زِيادتها فَائدة؛ فإنك إذا قُلت: "ما جاءني رَجُل" احتمل أنْ يكُون نافيًا لرَجُل واحِد وقد جَاءَك أكثر من رَجُل، واحتمل أنْ يكُون نافيًا للجِنْس، فإذا دَخَلَت "مِن" كُنت نافيًا للجِنْس؛ فـ"مِن" تُوجِب انتفاءَ الجنس باستغراق. (٥)

стр. 1737

قَالَ في "الصّحاح": "اللِمَّةُ" بالكسر "الشّعرُ يجَاوز شَحْمَة الأذُن"، فإذا بَلغَت المنكَبين فهي "جمّة". والجمْعُ: "لَمِم" و"لِمَام". (١) قوله: "في حُلّة": يتعَلّق بصِفَة لمحذُوف، أي: "ما رأيتُ من رَجُل ذي لمة كَائن في حُلّة". و"حمراء" صِفَة لـ"حُلّة". و"أحْسَن" مفعُولُ "رأيتُ"، وهو "أفْعَل" التفضيل، و"مِن رَسُول الله" يتعَلّق [به] (٢)، و"مِن" لابتداء الغَايَة. قوله: "لَه شَعْر": يتعَلّق بحَال مِن "ذي لِمَة"، أي: "كَائنًا لَه شَعْر". وصَحّت الحال مِن النكرة؛ لأنّها تخصّصت بالإضَافَة، أو لأنّ ذا الحَال المحذُوف موصوف بـ"ذي" (٣). ويحتمَل أنْ تكُون مُسْتَأنفة، لا محلَّ لها. وجملة "يَضْرب" في محلّ صِفَة لـ"شَعْر"، و" [مِنكبيه] (٤) " مفعُولُ "يضرب". ومعنى "يَضْرب مِنْكَبيه" أي: " [يطُوله] (٥) حتى [ ... "] (٦). قوله: "بَعيدُ مَا بين المنكبين": يحتمل أنْ تكُون خَبر مُبتدأ محذُوف، [أي: "هُو بَعيد مَا] (٧) بين المنْكَبين"، [والجمْلَة] (٨) لا محلّ لها، ولا يصحّ أنْ تكُون حَالًا مِن "ذي لِمّة" للفَصْل بين الصّفَة والموصُوف بمفعُول "رَأيتُ". (٩)

стр. 1738

ويحتمل أنْ تكُون [مُبتدأ، وخبره] (١) محذُوف، أي: "ومِن صِفَاته أنّه بَعيد مَا بين مِنكبيه". وتكُون الألف واللام عوضًا من الضّمير، كما جاءت في قوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] (٢)، وجَاز حَذْف "أنّ" كما جَاء في قَوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، أي: "أنه يُريكُم البرق" (٣). ويكُون "بَعيد" خَبر "أنّ" المقَدّرَة. و"مَا بين": "مَا" موصُولَة بمَعنى "الذي"، وهي في مَوضِع خَفْض بالإضَافة. و"بين" يتعَلّق بمَحْذُوف، صِلَة للذي، والظّروف والمجْرورات إذا وَقَعَت صِلات قُدّرَت بالجُمَل، ولا تقَدَّر بالمفْرَد، إلا إذا وَقَعْن أحْوَالَا أو صِفَات أو أخْبَارًا فإنّهن يُقَدَّرن بالمفردات؛ لأنّ الأصْلَ في الخبر والحال والنعت أنْ يكُنّ مُفرَدات. (٤) وإن كانت الرّواية "بعيدٌ مَا بين المنكبين" بالتنوين: تكُون "مَا" مُبتدأ، و"بَعيدٌ" خَبر مُقَدّم، و"مَا" موصُولة على كُلّ حَال. قوله: "ليس بالقَصير": "البَاء" في قوله "بالقَصير" زائدة في خَبر "ليس"، لا تتعلَّق بشيء، أي: "ليس هُو قصيرًا". ويحتمل أن يكُون محلّ "ليس بالقَصير" خَبرًا بعْد خَبر، أي: "هُو بعيد مَا بين [المنكبين] (٥)، وهُو ليس بالقَصير". "ولا بالطّوِيل": مَعْطُوفٌ بـ"الوَاو". و"لا" مُؤَكِّدَة لنَفْي "ليس" (٦).

стр. 1739

الحديثُ الثّاني مِن الحديثين: قوله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير ولا الدّيباج": "لا" نَاهيَة، و"تَلبَسوا" مجْزومٌ بها، وعَلَامةُ جَزْمِه حَذْفُ "النّون"، و"الحرير" مفعُولٌ به، "ولا الدِّيبَاج" معطُوفٌ عَليه، أي: "ولا تَلبسوا الدِّيباج"، وكَذَلك حُكْم مَا عُطِف عَليه. و"صِحَافها": جمعُ "صَحْفَة" (١). والضّمير يعُود على "الذّهَب والفضّة". قوله: "فإنّها": يعني "جميع ما تقَدّم مِن المنهيّ عنه". و"لهم" يتعَلّق بخَبر "إنّ"، والضّميرُ يعُود على "المشركين" أو على مَن عَصَى [بها] (٢) مِن المؤمِنين؛ فإنّه لا يُنَعّم بها في الآخِرة وإنْ دَخَل الجنّة. قوله: "ولَكُم في الآخِرَة": أي "الاختِصَاص بها لمن اجتَنَبهَا في الدُّنيا".

стр. 1740

الحديث [الرّابع] (١): [٣٩٣]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "أَمَرْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرْنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الِجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ -أَوْ: الْمُقْسِمِ-، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ -أَوْ: عَنْ تَخَتُّمٍ- بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُّرْبِ [بِالْفِضةِ] (٢)، وَعَنْ الْمَياثِرِ والْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقَ وَالدِّيبَاجِ" (٣). قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: "الْمُقْسِم" بضَمّ "الميم" مكْسُور "السّين"، على حَذْف مُضَاف (٤)، يُرِيد أنّ التقدير: "إبْرَارَ يَمين الْمُقْسِم". ويُروَى: "القَسَم" بفَتْح "القَاف" و"السّين". قُلتُ: فيُقَدَّر: "الْمُقْسَم به". ومعنى "البر" فيه: أنّه لا يحلِفُ به حَانثًا؛ فلا يحتاجُ إلى تقدير. (٥) قال: وَيلْزَم الحنْث إذا قَالَ: "والله لتفعلنّ كَذا"، بخِلافِ قوله: "بالله افْعَل كَذا". (٦)

стр. 1741

قوله: "عَن البراء": ولم يقُلْ "وعَنْه"، كما جَرَت عَادَته؛ فهَذَا دَليلٌ على ثبُوت حَديثِ حُذَيفَة الذي فَصَل بين الحَدِيثين. (١) قوله: "أمَرَنَا ... بسَبْع، ونَهانَا عَن سَبْع": ["أمَرَنَا" أي] (٢): "بسَبْع خِصَال"؛ فَأَنّث العَدَد لذَلِك. (٣) و"أمَرَنَا" (٤): بَدَلٌ من "أمَرَنَا" الأُولى (٥). وتقَدّم الكَلامُ على "أمَرَ" في "باب السِّوَاك". و"عِيَادَة المريض": مَصْدَر مُضَافٌ إلى مفعُوله، وكذلك "اتباع الجنَازَة وتشْمِيت العَاطِس وإبْرَار المقْسِم ونَصر المظْلُوم وإجَابَة الدّاعِي وإفْشَاء السَّلام" كُلّها مَصَادر مُضَافة إلى مفْعُولها. (٦) وأصْلُ "عِيَادة": "عوادة"؛ لأنّه من "عَاد يعُود"، فقُلِبت "الواو" "ياء" لكَسرة "العَين". (٧) قَالَ تَاجُ الدّين الفَاكهاني: "إبرار" مَصْدَر "أبَرّ"، ولم أقف على " [أبرّ] (٨) " رُباعيًّا، إلّا "ابن طريف"، فإنّه قَالَ: "بَرّ الرّجُل في يَمينه" و"أبَرّها" رُباعيًّا. قَالَ: ولم

стр. 1742

أرَه لغَيره. (١) و"إفْشَاء السَّلَام": اسمٌ للمَصْدَر، مثل: "الكَلَام". والمصْدَر: "التسليم". (٢) قوله: "وتشميت العَاطِس": بـ"الشّين" المعْجَمَة وبـ"السّين" المهْمَلة. وعن القاضي أبي بكْر ابن العَرَبي: هو مَأخُوذٌ من "الشّوَامِت"، وهي "القوائم". وقيل: هو مأخُوذٌ من "السَّمْت" وهو "قَصْدُ الشيء". (٣) قوله: "نهَانَا عَن خَوَاتيم ... الذّهَب": أي: "عَن استعمال خَواتيم الذّهَب" أو "إيجاد خَوَاتِيم الذّهَب"، فهُو على حَذْف مُضَاف. قوله: "أو تختّم": شَكّ مِن الرّاوي. قوله: ([وعَن] (٤) شُرْب بالفضّة": أي: "وعَن شُرْب بآنية الفضّة"، فـ"البَاء" بَاء الإلصَاق، أو للاستِعَانة. و"الخَواتيم": جمعُ "خَاتم" بكَسر "التَاء" وفتْحها، و"خيتام" و"خَاتَام" أرْبَع لُغَات. (٥) قوله: "والميَاثر": وفي بعْض الروايات: "وَعَنْ مَيَاثِر الْأُرْجُوَان" (٦). والأصلُ

стр. 1743

في "الميثرة" "الواو"، ولكن قُلبت "يَاء" لسكُونها وانكِسَار مَا قبْلها، [كأنّها] (١) مِن "الوثار"، وهو "الفراش الوطيء"، أو "الوِثْر"، يُقَال: "ما تحته وِثْر ولا وثار". (٢) وأمّا "القَسِيّ": بفَتْح "القَاف" وكسْر "السّين" المهْمَلَة المشَدّدَة [ق ٢٢٧]. وبعضُ أهْل الحَديث يقُولون: "القِسي" بكَسر "القَاف"، منسوبٌ إلى بلاد يُقَال لها "القس". وقيل: ثيابٌ مُضَلّعة بالحرير، تُعمَل بـ"القس"، من بلاد "مِصر". (٣) قَالَ تَاجُ الدّين الفاكهاني: قَالَ بعضُ [شيوخنا] (٤) في "القسّي": "السين" [مُبْدَلة] (٥) مِن "الزّاي"، أي "القزِّي"، منسُوبة إلى "القز". (٦) قوله: "لُبْس الحرير": بضَم "اللام"، من "لبست الثّوب" "ألبِسه" بكسر "الباء" في الماضي، وفتحها في المستقبل. (٧) وأمّا "الإستبرق": فهو "غليظُ الديباج، فارسي مُعَرّب"، قاله الجواليقي.

стр. 1744

ويصغّر على "أبيرق"، ويكسّر على " [أبَارِق] (١) " بحذف "السّين" و"التاء" جميعًا. (٢) قال أبو البقاء: أصْلُ "إستبرق" فِعل على "اسْتَفْعَلَ"، فلمّا سُمّي به قُطِعَت همزته. وقيل: هُو أعْجَمي. وقُرئ بحَذف "الهمْزَة" وكسْر "النون" (٣)، وهُو سَهْو؛ لأنّ ذَلك لا يكُونُ في الأسْماء، بَل في المصَادِر والأفعَال. (٤) وأمّا "الدّيباج": فالأكثر فيه كسْر "الدّال". قَالَ ابنُ الأثير: "الدّيباج": الثّيابُ المتّخَذَة مِن الإبريسم، فارِسيّ مُعَرّب، وقد تفْتَح دَاله. ويجمَع على: ["دَبابيج" بـ"اليَاء" وبَآءَين] (٥)؛ . . . . . . . . .

стр. 1745

لأنّ الأصْلَ: "دباج". (١) الحدِيث الخَامِس: [٣٩٤]: عَنْ عبد اللَّه بْنِ عُمَرَ، أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ، فكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ [في] (٢) بَاطِنِ كَفِّهِ إذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ [جَلَسَ] (٣) فَنزعَهُ، فَقَالَ: [إنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتَمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ"، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَاللَّهِ لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا"؛ فَنبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ (٤). وَفي لَفْظٍ: "جَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى" (٥). قوله: "اصطَنَع خَاتمًا مِن ذَهَب، فكَانَ يجْعَل فَصّه": أي: "أمَر بأنْ يُصنَع له". (٦) والأصْلُ في "اصطنع": "اصتنع" بـ "التّاء"، فلمّا جَاوَرَت "التاء" "الصّاد" -و"التّاء" حَرْف مستعل، و"الصّاد" حَرْف مُستعل مُطبق مُنَافر للتّاء- أبْدَلوا منها حَرْفًا مُنَاسبًا للصّاد، وكانت "الطّاء" أوْلى مِن غَيرها؛ لأنها مِن مخْرَج "التّاء"، وإن كانت "الدّال" أيضًا من ذلك المخْرَج، لكن "التّاء" إلى "الطّاء" أقْرَب منها إلى "الدّال"، على ما هو مُقَرّر عنْد النّحَاة. (٧)

стр. 1746

و"الفَصّ": بفَتْح "الفَاء" وكَسْرها، والفَتْحُ أفْصَح. (١) و"الكَفّ" مُؤَنّثة. (٢) و"نَزَع": مُضَارعه: "يَنْزِع" بالكَسر، وإنْ كَانت لامُه حَرْفَ حَلْق. (٣) قوله: "مِن ذَهَب": يتعَلّق بصِفَة لـ"خَاتم". قوله: "فكَانَ يجْعَل فَصّه": اسمُ "كَان": "ضَميرُ النّبي ﷺ "، والخبرُ في "يجعل". و"جَعَل" يتعَدّى إلى مفْعُولَين، الأوّل "فَصّه"، والثّاني في المجْرُور، وتقَدّمَت في الرّابع مِن أوّل الكِتَاب. و"إذَا" تقَدّمَت في ثاني حَديثٍ منه أيضًا، وجَوَابها يدُلُّ عليه مَا قبْله، أي: "إذَا لَبسه جَعَلَ فَصّه". قوله: "فصَنَع الناسُ كَذَلك": "الكَافُ" مفعُولُ "صَنَع"، أي: "مثل ذلك". ويحتمل أنْ تكُون نعتًا لمصدَر محذُوف، أي: "صَنَع النّاسُ صُنعًا مثل ذلك". قوله: "ثُم إنّه جَلَس": أي: "النبي ﷺ " "فنزَعَه": جملة "جَلَس" في محلّ خَبر "إنّ"، وجملة "نزَعَه" معطوفة على التي قبْلَها. وجملة "قَالَ" معطُوفَة أيضًا، ويحتمل أن تكُون في محلّ الحال، أي: "جَلَس وقد قَال"؛ فيكُون قولُه قبْلَ جُلوسه أو مَعَ جُلوسه. (٤) وجملة "إنّي كُنتُ" معْمُولَة للقَول، وجملة "كنتُ" خَبر "إنّ"، وجملة "ألبس"

стр. 1747

خَبر "كَان"، و"هَذَا الخَاتم" مفْعُول "لبس"، و"الخَاتم" نعْته. و"أجْعَل" فِعْلُ مُضَارع، وتقَدّم الكَلامُ على "جَعَل" في الحديث الرّابع مِن أوّل الكتاب. قوله: " [فرَمَى به] (٢١٠١) ": أي: "رَمَى النبي ﷺ به"، أي: "بالخَاتم". قوله: "ثُم قَال: والله لا ألبسه أبدًا": [الجلالَة] (٢١٠٢) خفض بالقَسَم، وجَوابُ القَسَم: "لا ألبسه". و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمَان. وقد تقدّم ذِكر حُروف القَسَم في العَاشر مِن "الصّلاة"، وذِكْر جَوَاب القَسَم في الحديث الثّاني مِن "باب الصّفوف"، وذِكْر "أبَدًا" في الحديث الثّاني عشر من "كتاب النكاح". قوله: "فَنَبَذ الناسُ خَواتيمهم": جملة مِن فِعْل وفَاعِل ومفعُول، معطُوفَة على مَا قبله. و"الفَاءُ" للتسبيب. قوله: "وفي لَفْظٍ": يتعَلّق حَرف الجر إمّا بفِعْل مُقَدّر -كما تقَدّم- أو بخَبر عن محلّ الجمْلَة الواقِعَة بَعْده مُبتدأ على الحكَاية. الحدِيث السّادِس: [٣٩٥]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، "أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ إلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُصْبُعَيْهِ، السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى" (٢١٠٣). وَلِمُسْلِمٍ: "نَهَى نَبيّ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ" (٢١٠٤). قوله: "نهى عن لَبُوس": "اللّبُوس" بمَعنى "الملبُوس"، كـ"الرّكُوب" بمعنى

стр. 1748

"المركُوب" (١)، قَالَ كَعْب: .................... لَبُوسُهُمُ ... مِنْ نَسْج دَاود في الهيجا سَرَابِيلُ (٢) قوله: "إلّا هَكَذا": "إلّا" حَرفُ استثناء، و"الهاءُ" للتنبيه. و"كَذَا": "الكاف" فيه اسم بمَعنى "مثْل"، أي: "إلّا عَن لُبس مثل ذَا"؛ فمَحَلّها نَصب بالاستِثْنَاء [المتّصِل] (٣) من النّهي. ويحتمل أنْ يكُون الاستثناء من "اللبس"، أي: "نهى عن لُبس الحرير إلّا لُبس كذا". ويحتمل أنْ يكُون مُنقَطعًا، يعني: "إلّا هَكَذا، فإنه لم ينه عنه". وتقَدّم الكَلامُ على "كَذَا" [في الحديث الثّاني مِن "باب التيمم" .... ] (٤) مُقَدّرَة باسم مُضَاف إلى محْذُوف. و"رَفَع لنَا رَسُولُ الله ﷺ أصبعيه": الإشَارة [بهَذَا] (٥) إلى "أصبعيه"، ولم يقُل: "إلّا كهَاتين"؛ لأنّه أرَاد ["الموضِع"] (٦)، يُفَسّره رِوَاية "مُسْلِم". و"السّبَّابَة والوسْطَى": بَدَلٌ من "أصبعيه". وفي "الأصبع" عشر لُغَات: فتْحُ "الهمزة" وضَمّها وكَسْرها، وكذلك "الباء"،

стр. 1749

فهَذه تِسْع، والعَاشرة: "أصبوع". (١) قوله: "ولمسْلِم": إمّا أنْ يتعَلّق بفِعْل محذُوف، أي: "وَجَاء لمسْلِم"، أو: "وفي رِوَاية لمسْلم"؛ فتكُون نعْتًا لـ"رِوَايَة" أُقِيم مَقَام مَنْعُوتِه. أو [يُقَدّر] (٢): "ورُوي لمسْلِم". قوله: "إلّا مَوضِع [أُصبعين] (٣) ": منصُوبٌ بالاستثناء، والتقدير أيضًا: "إلّا لُبس مَوضِع [أصبعين] (٤) ". وأنَّثَ "ثَلَاث" و"أرْبَع"؛ لأنّه أرَاد: "ثَلاث أصَابع" أو "أرْبَع أصَابع". (٥)

стр. 1750

كتَاب الجِهَاد الحدِيث الأوّل: [٣٩٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ، حَتَّى إذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ؛ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ" (١). قوله: "الجِهَاد": مأخُوذٌ مِن "الجَهْد" بفتح "الجيم"، وهو "التّعَب" و"المشَقّة"، وبضَم "الجيم": "الطّاقَة". (٢) قوله: "أنّ رَسُولَ الله ﷺ : في محلّ معمُول مُتعَلِّق حَرْف الجر. قوله: "في بعْض أيّامِه": حَرْفُ الجر يتَعَلّق بـ"انتَظَر"، ولا يتعَلّق بـ"لَقِي"، لأنّه صِلة الشيء، والمتعَلّق بالصّلَة صِلَة، والصِّلة لا تتقَدّم على الموصُول (٣)، ولأنّ المجْرور مُضَافٌ إلى "أيّامه"، و"التي" صِفَة للأيام؛ فلو عملت الصِّلة في المجرور لَعَمل المجرور في الصِّلة؛ لأنّ العَامِلَ في الصّفة العَامل في الموصُوف، والموصُوف معمُول للمَجْرور؛ فيجب أن يعمل المجرور في الموصُول، وفي هَذا من التّدَافُع

стр. 1751

ما لا يخفى. و"فيها" يتعَلّق بـ"لَقِي". و"العَدو" مفعُول "لَقِي". والصّلة والموصُول في محلّ صفة و"أيّامه". "حَتى إذا مَالَت الشّمس": "حتّى" حَرْفُ ابتِداء، وجَعَلَها الزمخشري مَع "إذا" حَرْف جَر (١)، وتقَدّم الكَلامُ عَليها مَع " [إذَا] (٢) " في الحديثِ الثّاني من "باب السّهو". ومفعُولُ "انتَظَر" محْذُوف، أي: "انتَظَر [الدّفْع] (٣) على العَدو" ومعنَاهَا: "أَخَّرَ القِتَال". وجملة "مَالَت الشّمْس" في محلّ جّر بالظّرْف. وجملة "قَامَ" جَوَابُ الشّرط. والتقدير: "قَامَ فيهم خَطيبًا". والضّميرُ في قوله: "فيهم" يعُود على "الجيشين المتَقَاتلين". وجملة "فَقَالَ" معْطُوفة على "قَامَ". قوله: "أيّها النّاس": "أي" مُنَادَى، و"النّاس" صِفَة. وتقدّم الكَلامُ على "يا" في الحديثِ السّابع مِن "الإمَامَة"، و"أيّ" فيه أيضًا. قوله: "لا تتمنوا لِقَاءَ العَدو": يجوز حَذفُ إحْدَى التآءَين، وحَذفُ "النّون" عَلامَة جَزْمه. و"لِقَاء" مفْعُولٌ به، وهو مَصْدَر مُضَاف إلى مفعُوله. قوله: "واسألوا الله العافية": يجوز: "وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ" (٤). وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة الصّلاة"، وهو هُنا بمَعنى:

стр. 1752

"سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة الصّلاة"، وهو هُنا بمَعنى: "اطلبوا من الله العَافية". قوله: "فإذا لَقِيتموهم فاصْبروا": "إذَا" تقَدّمَت في الحديث الثّاني من الأوّل، "لقيتموهم" فِعْلها، وجَوَابها: "فاصبروا". قوله: "واعْلَمُوا أنّ الجنّة تحْت ظِلَال السّيوف": خَبرُ "أنّ" مُتعَلّق "تحت"، و"ظِلال السّيوف" مِن مجَاز الكَلام (١). قوله: "ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ ": معطُوفٌ على مَا قبْله بـ"ثُمّ" المقتَضيّة للمُهْلَة. قوله: "اللَّهم مُنزلَ الكتاب": تقَدّم الكَلامُ على "اللهم" في الحديث الأوّل مِن "الاستطابة". و"مُنزلَ الكتاب" مُنادَى مُضَاف، ولا يصحّ عند الجمْهُور أنْ يكُون صِفَة (٢). [قَالَ] (٣) أبو البَقَاء عند إعراب: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]: وذلك لأنّ "الميم" المشَدّدَة تمنَع مِن ذلك. (٤) قَالَ صَاحبُ "المجيد": يحتمل أنْ يُريد: لأنّها فَاصِلة بين النّعْت والمنعُوت. (٥) قَالَ " [مكي] (٦) ": لأنّه تغير بـ"الميم" ........................................

стр. 1753

في آخره (١). قَالَ بعضُهم: لأنّه لما اتّصَل به "الميم" صَار بمَنزلة صوت، كقَولك: "يا هناه". (٢) وأجَاز ذَلك (٣) المبرد والزّجّاج. قَالَ أبو البَقَاء: كما جَاز مَع "يا الله". (٤) ورَدّه بعضُهم بأنّه لو صَحّ فيما بعده الوصْف لجاز فيه الرّفع والنّصب، كسائر المناديات المبنية. (٥) قوله: "مجري السّحَاب" ومَا بَعْده: معطُوفٌ عليه. قوله: "اهْزِمهم": هو بكَسر "الهمْزَة". "وانصُرنا عَليهم": معطُوفٌ على "اهزمهم". قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: في الحديث التوَسّل بالنّعْمة السّابقَة إلى النعْمَة اللاحِقَة. وقد ضَمّن الشّعراء هَذا المعنى أشْعَارَهم بعدما أشَار إليه كتاب الله حِكَاية

стр. 1754

عن [زَكريا] (١) ﵇ في قَوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]. وقَالَ الشّاعر (٢): كَما أَحْسَنَ اللَّهُ فِيما مَضَى ... كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ (٣) [ق ٢٢٨] وقَالَ الآخَر: لَا وَالَّذِي قَدْ مَنَّ ... بِالْإِسْلَامِ يَثْلُجُ فِي فُؤَادِي مَا كَانَ يَخْتِمُ بِالْإِسَاءَةِ ... وَهْوَ بِالْإِحْسَانِ بَادِي (٤) قلتُ: ومعنى "يختم بالإسَاءَة" غير المعنى المتعَارَف؛ لأنّه لا يكُون من الباري سُبحَانه إسَاءَة، إنما المرادُ: "مَا كَان ليختم عَمَلي [بالإساءَة] (٥) إليه في مخالفته وقد بَدَأني بالإحسَان"، وذلك على طَريق الرّجَاء وحُسْن الظنّ، وإلّا فله سُبحَانه أنْ يفْعَل مَا يشَاء بخَلْقِه. (٦)

стр. 1755

الحدِيث الثّاني: [٣٩٧]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا [عَلَيْهَا] (١)، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهَ أو الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (٢). قالَ الشّيخ تقيّ الدِّين: "الغَدْوَة" بفَتْح "الغَين" المعجَمة: " [المسير] (٣) في الوقت الذي في أوّل النّهار إلى الزّوال". و"الرّوحَة": "من الزّوَال إلى الليل" (٤). ولفظُ الحديث يُشْعِر بأنّها تكُون فِعْلًا واحِدًا؛ [ولا] (٥) شَكّ أنّه يقَع على اليسير والكثير من الفِعْل الواقِع في هَذين الوقتين؛ ففيه زَيادة ترْغيب، وفَضْل عَظيم. (٦) قوله: "أنّ رَسُولَ الله": "أنّ" مفتُوحَة؛ لأنّها معمُولة لمتعَلّق حَرْف الجر. و"قَالَ" في محل خَبر "أن". وجملة " ﷺ " لا محلّ لها مِن الإعْرَاب. و"رِبَاط" مُبتَدأ، و"خَير" خَبره. و"في سَبيل الله" يتعَلّق بصِفَة لـ"يَوم". و"مِن
следующие страницы →