← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ما لا يخفى. و"فيها" يتعَلّق بـ"لَقِي". و"العَدو" مفعُول "لَقِي". والصّلة والموصُول في محلّ صفة و"أيّامه". "حَتى إذا مَالَت الشّمس": "حتّى" حَرْفُ ابتِداء، وجَعَلَها الزمخشري مَع "إذا" حَرْف جَر (١)، وتقَدّم الكَلامُ عَليها مَع " [إذَا] (٢) " في الحديثِ الثّاني من "باب السّهو". ومفعُولُ "انتَظَر" محْذُوف، أي: "انتَظَر [الدّفْع] (٣) على العَدو" ومعنَاهَا: "أَخَّرَ القِتَال". وجملة "مَالَت الشّمْس" في محلّ جّر بالظّرْف. وجملة "قَامَ" جَوَابُ الشّرط. والتقدير: "قَامَ فيهم خَطيبًا". والضّميرُ في قوله: "فيهم" يعُود على "الجيشين المتَقَاتلين". وجملة "فَقَالَ" معْطُوفة على "قَامَ". قوله: "أيّها النّاس": "أي" مُنَادَى، و"النّاس" صِفَة. وتقدّم الكَلامُ على "يا" في الحديثِ السّابع مِن "الإمَامَة"، و"أيّ" فيه أيضًا. قوله: "لا تتمنوا لِقَاءَ العَدو": يجوز حَذفُ إحْدَى التآءَين، وحَذفُ "النّون" عَلامَة جَزْمه. و"لِقَاء" مفْعُولٌ به، وهو مَصْدَر مُضَاف إلى مفعُوله. قوله: "واسألوا الله العافية": يجوز: "وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ" (٤). وتقَدّم الكَلامُ على "سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة الصّلاة"، وهو هُنا بمَعنى:

стр. 1752

"سَأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صِفَة الصّلاة"، وهو هُنا بمَعنى: "اطلبوا من الله العَافية". قوله: "فإذا لَقِيتموهم فاصْبروا": "إذَا" تقَدّمَت في الحديث الثّاني من الأوّل، "لقيتموهم" فِعْلها، وجَوَابها: "فاصبروا". قوله: "واعْلَمُوا أنّ الجنّة تحْت ظِلَال السّيوف": خَبرُ "أنّ" مُتعَلّق "تحت"، و"ظِلال السّيوف" مِن مجَاز الكَلام (١). قوله: "ثُمَّ قَالَ النبي ﷺ ": معطُوفٌ على مَا قبْله بـ"ثُمّ" المقتَضيّة للمُهْلَة. قوله: "اللَّهم مُنزلَ الكتاب": تقَدّم الكَلامُ على "اللهم" في الحديث الأوّل مِن "الاستطابة". و"مُنزلَ الكتاب" مُنادَى مُضَاف، ولا يصحّ عند الجمْهُور أنْ يكُون صِفَة (٢). [قَالَ] (٣) أبو البَقَاء عند إعراب: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]: وذلك لأنّ "الميم" المشَدّدَة تمنَع مِن ذلك. (٤) قَالَ صَاحبُ "المجيد": يحتمل أنْ يُريد: لأنّها فَاصِلة بين النّعْت والمنعُوت. (٥) قَالَ " [مكي] (٦) ": لأنّه تغير بـ"الميم" ........................................

стр. 1753

في آخره (١). قَالَ بعضُهم: لأنّه لما اتّصَل به "الميم" صَار بمَنزلة صوت، كقَولك: "يا هناه". (٢) وأجَاز ذَلك (٣) المبرد والزّجّاج. قَالَ أبو البَقَاء: كما جَاز مَع "يا الله". (٤) ورَدّه بعضُهم بأنّه لو صَحّ فيما بعده الوصْف لجاز فيه الرّفع والنّصب، كسائر المناديات المبنية. (٥) قوله: "مجري السّحَاب" ومَا بَعْده: معطُوفٌ عليه. قوله: "اهْزِمهم": هو بكَسر "الهمْزَة". "وانصُرنا عَليهم": معطُوفٌ على "اهزمهم". قَالَ الشّيخُ تقيّ الدِّين: في الحديث التوَسّل بالنّعْمة السّابقَة إلى النعْمَة اللاحِقَة. وقد ضَمّن الشّعراء هَذا المعنى أشْعَارَهم بعدما أشَار إليه كتاب الله حِكَاية

стр. 1754

عن [زَكريا] (١) ﵇ في قَوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]. وقَالَ الشّاعر (٢): كَما أَحْسَنَ اللَّهُ فِيما مَضَى ... كَذَلِكَ يُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ (٣) [ق ٢٢٨] وقَالَ الآخَر: لَا وَالَّذِي قَدْ مَنَّ ... بِالْإِسْلَامِ يَثْلُجُ فِي فُؤَادِي مَا كَانَ يَخْتِمُ بِالْإِسَاءَةِ ... وَهْوَ بِالْإِحْسَانِ بَادِي (٤) قلتُ: ومعنى "يختم بالإسَاءَة" غير المعنى المتعَارَف؛ لأنّه لا يكُون من الباري سُبحَانه إسَاءَة، إنما المرادُ: "مَا كَان ليختم عَمَلي [بالإساءَة] (٥) إليه في مخالفته وقد بَدَأني بالإحسَان"، وذلك على طَريق الرّجَاء وحُسْن الظنّ، وإلّا فله سُبحَانه أنْ يفْعَل مَا يشَاء بخَلْقِه. (٦)

стр. 1755

الحدِيث الثّاني: [٣٩٧]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا [عَلَيْهَا] (١)، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهَ أو الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (٢). قالَ الشّيخ تقيّ الدِّين: "الغَدْوَة" بفَتْح "الغَين" المعجَمة: " [المسير] (٣) في الوقت الذي في أوّل النّهار إلى الزّوال". و"الرّوحَة": "من الزّوَال إلى الليل" (٤). ولفظُ الحديث يُشْعِر بأنّها تكُون فِعْلًا واحِدًا؛ [ولا] (٥) شَكّ أنّه يقَع على اليسير والكثير من الفِعْل الواقِع في هَذين الوقتين؛ ففيه زَيادة ترْغيب، وفَضْل عَظيم. (٦) قوله: "أنّ رَسُولَ الله": "أنّ" مفتُوحَة؛ لأنّها معمُولة لمتعَلّق حَرْف الجر. و"قَالَ" في محل خَبر "أن". وجملة " ﷺ " لا محلّ لها مِن الإعْرَاب. و"رِبَاط" مُبتَدأ، و"خَير" خَبره. و"في سَبيل الله" يتعَلّق بصِفَة لـ"يَوم". و"مِن

стр. 1756

الدّنيا" يتعَلّق بـ"خَير". وتقَدّم الكَلامُ على "خَير"، وأنّه "أفْعَل" التفضيل، وأنّه منصَرف مَع أنّ فيه الصِّفة (١)، في الحديثِ الثّامِن مِن "باب الجنابة". و"عَلَيْهَا": يتعَلّق بصِلَة ["مَا"] (٢)، أي: "ومَا استَقَر عَلَيْهَا". قوله: "ومَوضِع سَوْط أحَدِكُم": مُبتدأ، و"مِن الجنة" يتعَلّق بـ"مَوضِع"، وخَبرُ المبتَدأ: "خَير". و"مِن الدّنيا ومَا عَلَيها" القَولُ فيه مثْل مَا تقَدّم مِن الإعْرَاب قبله. قوله: "والرّوحَة يروحهَا العَبْد": أي: "وثوابُ الرّوحَة". وجملة "يَروحهَا العَبْد" يحتمل أنْ تكُون مُستَأنفة، لا محلّ لها مِن الإعْرَاب. ويحتمل أنْ يكُون محلّها صِفَة للرّوحَة، وإن كَان معرفة؛ لأنّ تعريفها تعريف جنس، لم [يُرِد] (٣) رَوْحَة مُعيّنة، وهَذا كما قيل في قوله تعَالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وكقول الشّاعر:

стр. 1757

وَلَقَدْ أمُرَّ على اللَّئِيم يَسُبُّني ... .................................. (١) اختارَه الزّمخشري وابن مَالك، وضَعّفه أبو حيّان (٢)، وتقَدّم ذِكر ذلك. ويحتمل أنْ تكُون الجمْلَة حَالًا، أي: "وثوابُ الرّوحَة في حَال كَونها مُروحًا فيها". وكونها لا محل لها أحْسَن. قوله: "أو الغَدْوَة": أي: "أو الغَدوة يغدوها العبد في سبيل الله خير"، فحَذف جملة "يغدوها" والمتعَلِّق بها وخَبرها، واكتفى بـ"الرّوْحَة" ومَا يتعَلّق بها. ويحتَمل أنْ يكُون "خَير" خَبرَ "الغَدوة"، وخَبرُ "الرّوْحَة" محذُوفٌ يدُلُّ عليه [خَبر] (٣) الثاني. والأول أبْيَن. و"أَو" هُنا للتقسيم، وهُو أحَدُ أقْسَامِها (٤)، وقَد تقَدّم ذلك في الحديثِ الثّالِث

стр. 1758

مِن "السِّواك". الحدِيث الثّالِث: [٣٩٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انْتَدَبَ اللَّهُ -وَلِمُسْلِمٍ: تَضَمَّنَ اللَّهُ- لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلي وَإيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ برَسُولي؛ فَهُوَ عَليِّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجنةَ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (١). وَلِمُسْلِمٍ (٢): "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ. وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِييهِ [إنْ] (٣) تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ" (٤). قوله: "عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ ": حَرفُ الجر الأوّل يتعَلّق بـ"رُوي" المقَدّر المبني للمفعُول. و"عَن" الثّانية تتعَلّق بفِعْل مبني للفَاعل، يُقَدّر خَبرًا لـ"أنّ" مُقدّرَة، وتقديرُ ذلك: "رُوي عن أبي هُريرة أنّه رَوَى عَن النبي ﷺ أنّه قَالَ"؛ فـ"أنّه قَالَ" في محلّ مفعُول "رُوي". ومعنى "انتَدَب": قَالَ ابنُ الأثير: "أجَاب"، أي: "أجَاب بُغيته ودَعْوَته". (٥)

стр. 1759

قوله: "ولمسْلِم": أي: " [ورُوي] (١) لمسْلم"؛ فيتعَلّق حَرف الجر بـ"رُوي"، [وَتضَمَّن] (٢) مفعُوله الذي لم يُسَمّ فَاعِله على الحِكَاية. وجملة "ولمسْلِم" مُعْترضة. قوله: "لمَن خَرَج في سَبيله": "اللام" هُنا يُشبه أنْ تكُون "لام التبليغ"، كهِي في: "قُلتُ لَه". (٣) و"مَن" بمَعنى "الذي"، وصِلتها جملة "خَرَج"، والعَائدُ عَليها ضَمير الفَاعِل، و"في سَبيله" يتعَلّق بـ"خَرَج". قوله: "لا يُخرِجه إلّا [جِهَادٌ] (٤) ": الـ"جِهَاد" مَرفُوع، كذا رَوَيته وقَرَأته؛ فيكُون الاستثناء مُفرغًا؛ لأنّه يكُون مرفوعا بـ"يخرِجه". (٥) وقال "النووي": ال"جِهَاد" منصُوبٌ في جميع النسخ، وكذا مَا عُطِف عليه، ونصبه على أنّه مفعُولٌ له، وتقديره: "لا يُخرِجه المخْرج -[أي: يحرِّكُه] (٦) المحَرِّك- إلّا [الجهَادَ] (٧) والإيمان والتّصْدِيق". (٨) قَالَ الشّيخُ تاج الدِّين الفَاكهاني ﵀: وهَذَا وَجْهٌ بَعيد، لا ينبغي حمل الحديث عليه. والصّوابُ: الرّفع إعْرابًا ومَعْنى. أمّا الإعرابُ: فظَاهِر. وأمّا المعنى: فلأنّ

стр. 1760

الرّفع أبْلَغ؛ لإسناد الإخْرَاج إلى الجهَاد ومَا بعْده، وقَوّى ذلك بكَلام فيه طُول اختَصَرته. (١) قَالَ ابنُ الأثير في "جَامِع الأصول": الكَلامُ فيه خُروجٌ مِن الغَيبة إلى الحضُور. (٢) قُلتُ: وقَد تقَدّم حُكم الالتفات في الثّاني من "الصّفوف". وإنما كَان التفَاتًا لأنّ قوله "انتَدَب الله" أو "تضَمّن الله" اقتضى سياقه أن يقول: "لا يُخرجُه إلا جِهَاد في سَبيله وإيمان به". (٣) [أو] (٤) يحتاج إلى تأويله باسم فَاعِل مِن القَول، منْصُوبٌ على الحال [يحكي] (٥) به مَا وَقَع نَافيًا ومَنفيًّا، كأنّه قَالَ: "انتَدَب الله لمَن خَرَج في سَبيله [قَائِلًا] (٦): لا يُخرِجه إلا جِهَاد في سَبيلي وإيمان بي وتصْدِيق برُسلي". (٧) أمّا إذا فُسّر "انتَدَب" بـ"أجَاب": فبَيِّن، أي: "أجَابَ الله لمَن خَرَجَ في سَبيله بُغْيته ودَعْوَته". وأمّا على رواية "تضَمّن": فيحتَاج إلى تقدير مفْعُول يتمّ به المعنى؛ لأنّه إذا قُلتَ: "تضَمّن الله لمن خَرَج" استشرف الكَلام إلى مفعُول؛ فيُقَدّر المفعُول مِن

стр. 1761

المعْنَى، ويكُون تقديره: "تضمّن الله القَبُولَ لمَن خَرَجَ"، ويكُون "أنْ أُدْخِله الجنّة" بَدَل منه، ويكُون الضّمير يعُود على "القبُول" المقَدّر، وتقديرُ الكَلام: "تضَمّن الله لمَن خَرَجَ في سَبيله لا يُخرِجُه إلّا الجهَاد والإيمان والتصديق القَبُولَ"؛ فـ"القَبُول" مفعُول "تضَمّن"، ثم أكّدَه بقوله: "فهُو عَليّ ضَامِن"، أي: "مَضْمُون". ويكُون "أنْ أدْخِله الجنّة" إمّا بَدَل على مَا [تقَدّم] (١) مِن المحذُوف، وهَذَا يصحّ عند بعْضِهم (٢). وإمّا مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله للمَضْمُون الذي أوِّل به "ضَامِن"؛ فيكُون "فهو عليّ ضَامِن ... إلى آخره" مُؤَكِّد مُبيّن لما تقَدّمه. ولك أنْ تجعَل "أنْ أدْخِله الجنّة" مفعُول "تضَمّن"، أي: "تضَمّن الله لمن خَرَجَ في سَبيله أنْ يُدْخِله الجنّة"؛ ويكُون "فهو عليّ ضَامِن" جملة مُعترضَة مؤَكّدة لقَوله "تضَمّن". ويحتمل أنْ يكُون "فهو ضَامِن" مِن كَلام الرّاوي. أو مِن كَلام النّبي ﷺ مُعترض بين الفِعْل ومفعُوله، ويبقى "ضَامِن" على أصْله، ثم أتى بالمفعُول بعد هَذا القَول؛ لأنّ تقديمَ المعترضة هنا تُفيد تعظيم الباري سُبحانه وتعظيم ما أخبر عنه. (٣) ويحتمل أنْ يكُون الكَلام فيه تقْديم وتأخِير، أي: "تضَمّن الله لمَن جَاهَد أن يُدخِله الجنّة، فهُو ضَامِنٌ لذلك"، وفيه مَا تقَدّم مِن التأكِيد. والله أعلم. وإنّما تأوّلنا "ضَامِن" بمَعنى "مضْمُون" فيما قبل هذا؛ لأنّه كَذلك وَرَد في مَواضِع مِن كَلَام العَرَب وأشْعَارِهم وفي كتابِ الله ، فمِن ذلك قوله تعَالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، أي: "لا مَعْصُوم"، ومنه: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، بمَعنى "مَدْفُوق"، و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، بمَعنى "مَرْضِيّة".

стр. 1762

وأنْشَد الحطيئة: دَعِ المَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ... وَاقْعُدْ فإنَّك أنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي (١) معناه: "المكْسُوّ". وقَد قَالوا: "هَذا شَرّ كَاتِم" أي: "مكْتُوم". وقالوا: "رَاحِلة" وإنما هي "مَرْحُولة". (٢) وقد قيل: إنّ ذلك كُلّه على النسب، قاله الجليل فيما ذُكر. (٣) قوله: "أو أُرْجِعه": منْصُوبٌ معْطُوفٌ على "أُدْخِله"، و"إلى مَسْكَنه" يتعَلّق به. و"رَجَعَ" مُتَعَدّ، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]. (٤) وقوله: "الذي خَرَج مِنْه": الصِّلة والموصُول في محلّ صِفَة لـ"مَسْكَنه".

стр. 1763

قوله: "نَائِلًا مَا نَالَ مِن أجْر": "نَائِلًا" منصوبٌ على الحال، و"مَا نَالَ" صِلَة ومَوصُول في محلّ مفعُول بـ"نائل". و"نَائِل": اسمُ فَاعِل مِن "نَالَ" "يَنَال". وأصْلُ "نَالَ": "نَيِلَ" "يَنْيَل" -مثل: "تَعِب" "يتْعَب"-، والأمرُ منه: "نَلْ" بفَتح "النّون". فإذا أخبرت عَن نفسك قُلت: "نِلْت" بكسر "النون"؛ لأجْل الياء المحذُوفة. (١) و"من أجْر" يتعَلّق بـ"نال". و"أو" هُنا قيل: بمَعنى "الواو". وقيل: على بابها. واستُبعِد. وقيل: فيه محذُوف، أي: "نَائِلًا مَا نَالَ مِن أجْر أو غَنيمة وأجْر"؛ فحَذَف الثّاني لدلالة الأوّل عليه. (٢) قُلتُ: يحتمل أنْ يكُون هَذا مثْل قَوْله تعَالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) [طه: ٤٤]، وكقوله تعَالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وقَوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤]. ويُسَمّيه أهْلُ البَيَان: "تجَاهُل العَارِف". (٤)

стр. 1764

قَالوا: ولا تجوزُ مثل هَذه العِبَارة في كتابِ الله. (١) قلتُ: ولا فيما أُسنِد إلى رَسُول الله ﷺ . بل يُقَال فيه: "سَوْق المعلُوم [كسِيَاق] (٢) المجهُول" (٣). قوله: "ولمسْلم": تقَدّم قريبًا. قوله: "مثل المجَاهِد": مُبتَدأ، خَبره "كمثل". و"في سَبيل الله" يتعَلّق بـ"المجَاهِد". والأَلِف واللام في "المجَاهِد" مَوصُولَة، أي: "مثل الذي يجاهِد في سَبيل الله. . .". وجملة: "والله أعْلَم بمَن يجاهِد في سَبيله" مُعترضَة لا محلّ لها. قوله: "والله أعْلَم": مُبتَدأ، وخَبر. و"أعْلَم" أفْعَل التفضيل، و"مَن" مَوصُولَة [ق ٢٢٩] بمَعْنى "الذي"، وصِلتها: "يُجاهِد"، و"في سَبيله" يتعَلّق [بـ"يُجاهِد"] (٤). واختُلِف في الخبَر في [مِثْل] (٥) هَذَا، هَل هُو مُقَدّر تتعَلّق به "الكاف"؟ أي: "مَثَل المجَاهِد كَائِن كمَثَل". أو تكُون "الكَاف" الخبر؟ أي: "مَثَل المجَاهِد مِثْل مَثَل". أو تكُون "الكَاف" زَائِدَة لا تتعَلّق بشَيء، أي: "مَثَل المجَاهِد مثل الصّائِم". ومَتَى

стр. 1765

قَدّرْنا "الكَاف" الاسم جُعل "المثَل" بمَعنى القصّة والشّأن، أي: "مَثَل حَال المجَاهِد مثل حَال الصائم". قوله: "وتوَكل الله للمُجَاهِد أن يُدخِله الجنة": [بسَبب] (١) أنْ توَفّاه مجَاهِدًا. قوله: "سَالمًا": نَصْب على الحال"، و"مَع" يتَعَلّق بـ"سَالمًا". الحدِيث الرّابع: [٣٩٩]: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ" (٢). "الكَلْم": "الجرْح". (٣) قوله: "مَا مِن مَكْلُوم": "مِن" زائدة للتوكيد. وشرط زيادتها أن يتقَدّم نفْي أو نهي أو استفهام في مَعنى النفي، وأنْ تدْخُل على المبتدأ أو الفَاعِل أو المفعُول، نحو: "مَا مِن رَجُل في الدار"، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]. (٤) وهي هُنا زائدة في المبتدأ، وهو نكِرَة، والمسوّغ للابتداء بالنكرة النفي والصّفة بالفعل (٥). والتقدير: "مَا مِن رَجُل مَكْلُوم"، . . . . . . . . . . .

стр. 1766

وحَذفُ الموصُول جَائز (١) في مَواضِع تقَدّمَت في الثّاني مِن "التيمم". قوله: "إلّا جَاء": الاستثناءُ هُنا مُفرغ؛ لأنّ "جَاء" في موضِع الخبر، وهُو العَامِلُ في الظّرف، أي: "جَاء يَومَ القيَامة". (٢) وجملَة "وكَلْمه يدمى" في محلّ الحال مِن فَاعِل "جَاء"، و"الواو" واو الحال. قوله: "اللون لَون الدّم": مُبتدأ، وخبر، لا محلّ له من الإعراب. ويصحّ أنْ تكُون خَبرًا بعد الخبر، أي: "وكَلْمه لونه لون الدم، وريحه ريح المسْك"، وتكُون الألِف واللام عوضًا من الضّمير، كقوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]، أي: "منْها" (٣). وكذلك نقُول هُنا: "اللون منه لَون الدّم، والريح ريح مِسك". قَالَ الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]: إن المراد: "تجري من تحت أنهارها"، وعوض التعريف بالإضَافة التعريف باللام. وكذا قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ]، أي: "رأسي شيبا". (٤)

стр. 1767

الحدِيث الخَامس: [٤٠٠]: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيل اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ" (١). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قوله: "غدْوَة": قَالَ في "الصّحاح": "الغَدْوَة": "مَا بين صَلاة الغَدَاة وطُلوع الشّمس"، تقُول: "أتيتُه غدْوَة" غير مصروفة؛ [لأنّها] (٢) مَعرفة، مثل "سَحَر"، إلّا أنّها مِن الظّروف المتمَكّنَة، تقُول: "سِير على فَرسِك غدوةَ" و"غدوةً" و"غدوةُ" و"غدوة"، فما نُوِّن من هَذا فهو نَكِرة، وما لم يُنَوّن فهو مَعرفة. والجمعُ: "غُدى". ويُقَال: " [آتيك] (٣) غَداة غَد"، والجمع: "الغَدوات". وإنما قالوا: "إني لآتيه بالغَدايا والعَشَايا" لازدواج الكلام، كما قالوا: "هَنَأني الطّعَام ومَرَأنِي"، وإنّما هو: "وأمْرَأنِي". و"الغُدُو" نقيضُ "الرّواح"، يُقال: "غَدَا، يغدو، غُدُوًّا". (٤) وقوله: "خَير": تقَدّم أنّه "أفْعَل" التفضيل، وأنّه مُنصرف مع وجُود المانع (٥)، وتعليلُ ذلك تقَدّم في الثّامِن من "باب الجنابة"، وكذلك ما يتعلّق بـ"خَير". و"مِن" (٦)

стр. 1768

للابتِداء، وقيل: للتبعيض. و"مَا" مَوصُولة، وصِلتها: جملة "طَلعَت". و"الشمس" مُؤنّثة، تأنيثها غير حَقيقي. ومتى تقَدّم الفِعْل على المؤنّث غير الحقيقي جَاز إسقَاط عَلامة التأنيث، بخلاف ما لو أسند الفِعْل إلى ضَميره في نحو قولك: "الشّمسُ طَلعَت" (١)، وتقَدّم ذلك. "وغَربَت" معطُوفٌ على "طَلعَت"، و"الواو" بمَعْنى "أو". ومصْدَر "غَربَت": "غُروبًا" (٢). قَالَ في "الصّحاح": و"الغُروب" أيضا: "مجاري الدّموع" وللعَين [غَرْبَان] (٣)، مُقْدِمُها ومُؤخِرُها. و"الغُروب" "الدّمُوع" أيضًا، ويُطْلَق على "حِدّة الأسْنَان ومَائِها"، واحدها "غَرْب". (٤) قال في "الصّحاح": و"الغرب" أيضًا "الدّلو العَظيمة"، ويُقَال لـ"حَدّ السيف": "غَرْب"، و"غَرْبُ كُلّ شَيء" "حَدّه"، ويُقَال: "في لسانه غَرْب" أي "حِدّة"، و"غَرْبُ الفرس": "حِدّته وأوّل جَريه"، و"فَرسٌ غَرْبٌ": "كثير الجرْي". و"الغَرْب" أيضًا: "عرق في مجرى الدّمع يسقي فلا ينقَطع، مثل الناسور". (٥)

стр. 1769

الحدِيث السّادِس: [٤٠١]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١).أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ في "الصحاح": "الرّواح" نقيضُ "الصّبَاح"، وهو اسم للوَقْت مِن زَوَال الشّمس إلى الليل. وقد يكُون مصْدَر "رَاحَ، يروح، رَواحًا"، وهو نقيضُ "غَدَا، يغْدو، غُدُوًّا". وتقُول: "خَرَجُوا برَوَاح مِن العَشِي" و"رَيَاح" بمَعْنى. (٢) و"غَدوةٌ" هُنا مُنَوّن؛ لأنّه لم يُرد "غَدوة" يَوم بعَينه، كما تقَدّم. و"في سَبيل الله" مُتعَلّق بصِفَة لـ"غَدْوَة". قوله: "أو رَوْحَة": معطُوفٌ على "غَدْوَة". و"خَير" خَبرُ "غَدْوَة"، وصَحّ الابتداء بالنكِرة؛ لأنّها وُصِفَت بالمجرور. (٣) وتقَدّم الكَلامُ على "خَير" و"مِن الدّنْيا" قَريبًا. قوله: "وما فيها": "ما" بمَعنى "الذي"، وصِلَتها المجرور، والتقدير: "ومَا استَقَرّ فيها". ويبعُد كَونها مَوْصُوفَة، أي: "وشَيء فيها".

стр. 1770

الحدِيث السّابع: [٤٠٢]: عَنْ أَبِي [قتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ] (١) رَسُول اللَّه ﷺ إلَى حُنَيْنٍ -وَذَكَرَ قِصَّةً- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قتَلَ قَتِيلًا [لَهُ] (٢) عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلبُهُ"، قَالَهَا ثَلاثًا" (٣). فَاعِلُ" قَالَ": ضَميرُ "أبِي قتَادَة". و"خَرَجْنَا" مَعْمُولَة للقَول. و"حُنَين" مصْروف، لم يُسْمَع فيه غَير ذَلك، غلب فيه اسم الموضِع، وتقَدّم ذِكْر المواضِع التي تنصَرِف في الحديثِ السّادس مِن "الزّكَاة". و"حُنين": اسمُ واد بين مَكّة والطّائف وراء عَرَفَات، بينه وبين مَكّة بضعة عشر ميلا، سُمّي باسم شَخْص، غَزَاه (٤) النّبي ﷺ بعْد الفَتْح [بيَوم] (٥) وقد مَضَى من هِجْرَته سَبْع سنين وثمانية أشهر واثنا عَشر يومًا. قالوا: ويُقَال لها: "غَزوة أوطاس". (٦) قوله: "وذَكَر قِصّة": يعني به: حَديثه الطّويل الذي فيه: "لَاهَا اللَّهِ، لَا يَعْمِدُ إِلَى سَيف مِنْ سُيوف اللَّهِ ... " (٧) يعني: "خَالِدًا".

стр. 1771

وقول الشّيخ: "وذَكَر قِصّة": فاعِلُ "ذَكَر" يحتمل أنْ يكُون الرّاوي عَن "أبي قتادة". فإن كان الرّاوي عنه: فكان ينبغي أن يذكُره الشّيخ؛ لئلا يعُود الضّمير على غير مذكُور. وإن كَان يعُود على "أبي قَتَادة": فلا إشْكَال. قوله: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا": "مَن" شَرْطيّة. والخبرُ عنها: جملة "قتَل"، وقيل: جَوَابه -وهو جملة: "فلَه سَلَبه"- تقَدّم ذَلك كُلّه وتكَرّر كثيرًا. و"قَتيلًا": "فَعيلٌ" بمَعنى "مفعُول"، سُمّي به قبل قتْله بمَعنى: "مَا آل إليه". (١) قَالَ ابنُ هشام: قيل: إنّ "فَعيل" و"مفْعُول" يفترقان مِن وَجْهَين: - أحَدُهما: معْنَوي، وهُو أنّ "فَعيلا" أبْلَغ، نصّ على ذلك بَدْر الدّين ابن مالك، وأنه يُقَال لمَن جُرح في أُنْمُلِه: "مجْرُوح"، ولا يُقَال لَه: "جَرِيح". فعلى هَذا: "كَحيلٌ" أبْلَغ مِن "مَكْحُول". قَالَ: والحقّ أنّ "فعيلا" إنما يقتضي المبالَغَة والتكرار إذا كان للفَاعِل لا للمفعُول، يدُلّ على ذَلك قَولهم: "قتيل"، والقَتلُ لا يتَفَاوت.

стр. 1772

والثاني: لَفْظيّ، وهُو أنّ "فَعيلًا" المحَوّل عن مفْعُول يَسْتَوي فيه المذَكّر والمؤَنّث، فيُقَال: "طَرفٌ كَحِيل" و"عَين ٌكَحِيل"، ولا يُقَال إذَا لم يحَوّل إلّا: "عَينٌ مَكْحُولَة". (١) وأمّا قَول طفيل: إِذْ هِيَ أحْوَى مِن الرِّبِعيِّ حَاجِبُهَا ... وَالعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيّ مَكْحُول (٢) فقيل: إنه لأجْل الضّرورة حمل "العَين" على "الطرف". وقيل: الأصْلُ "حَاجِبها مَكْحُول" مُبتدأ وخَبر، و"العَين" كَذلك، ثم اعترض بالجُمْلَة الثّانية، وحُذف الخبر. (٣) قُلتُ: البيتُ لـ"طفيل الغنوي"، أنشَدَه سيبويه شَاهِدًا على مَا تقَدّم مِن تذْكير "مَكْحُول". (٤) وقيل: التقدير: "حَاجِبها مَكْحُولٌ بالإِثمد، والعَينُ كَذلك"؛ فَلا يكُونُ فيه ضَرورة. وإنّما حملَه سيبويه على "العَين" لقُرْب [جَوَابه] (٥) منها. (٦)

стр. 1773

وهَذَا البيت في وَصْف امْرأة، فجَعَلَها بمَنزلة " [ظَبْي] (١) أحْوَى"، وهُو الذي في ظَهْره [وجنبتي] (٢) أنفه خُطوط. و"الحوّة: "السّوَاد". وقوله: "مِن الرّبعي": أي: "هو مِن الصّنف المولُود زَمَن الربيع"، وهو أبْكَره. "الحارِيّ": منْسُوبٌ إلى "الحيرة". (٣) فائدة: قَالوا: ليس في الكَلام "فعل" يُبنى منه "فَاعِل" و"فَعِيل" و"فَعْلَان" إلّا: "رَحِم" و"سَلِم" و"نَدِم". (٤) *** قوله: "لَه عَليه بَيِّنة": الجمْلَة صِفَة لـ"قَتِيل"، و"بَيِّنة" مُبتدأ، وهُو نَكِرَة، المسَوِّغ تقَدّم الخبر في المجرور الأوّل (٥). و"عَليه" يتعَلّق بالخبر الذي تعَلّق به حَرْف الجر، أي: "بيّنَة كَائِنَة عَليه". و"الفَاءُ" في قَوله: "فَلَه سَلَبه" جَوَابُ الشّرط، و"سَلَبه" مُبتَدأ، والخبرُ في المجْرور. قوله: "قالها ثَلاثًا": أي: "قَالَ هَذه الكَلِمات ثَلاثًا"، [فتنصب] (٦) "ثلاث" على

стр. 1774

المصْدَر؛ لأنّها عَدَده، أي: "قالها ثَلاث مرات". و"المرّات": جمعُ "مَرّة"، و"المرّة" مَصْدَر (١)، تقَدّم ذِكْره مِرارًا في الحديثِ الثّاني مِن "بابِ [الهَدْي] (٢) ". الحدِيث الثّامِن: [٤٠٣]: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكوَعِ، قَالَ: أَتَى النَبِى ﷺ عَيْنٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرِ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اُطْلبُوهُ وَاقْتُلُوهُ"؛ فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ (٣). وفي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: "مَنْ قتَلَ الرَّجُلَ؟ " فَقَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ. فَقَالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (٤). قوله: "أتَى النّبي ﷺ عَين": محلّ "قَالَ" خَبر لـ"أنّ" مُقَدّرة، أي: "أنّه قَالَ". و"العَين" مِن الألفَاظ المشْتركَة؛ تُطلَق على "حَاسّة البصر"، و"عَين الماء"، و"عين الركبة" -ولكُلّ ركبة عَينان، وهما نقرتان من مقدّمها عند [السّاق] (٥) - و"عَين الشّمْس". و"العَين": "الدينار". و"العَين": "المالُ النّاضّ"، و"عَينُ الميزان"، وهو تَرَجُّح إحْدَى [الكَفّتين] (٦). و"عَينُ الشيء": "خِيَاره". و"عَينُ الشيء": "نفسه". وبَلَدٌ قَليل "العَين": أي: قَليلُ "النّاس". و"العَينُ": "مَا عَن يَمِين قِبْلَة

стр. 1775

العِرَاق". ويُقَال: "نشأت السّحَابة مِن قبل العَين". و"العَين": "مطر أيّام لا يُقْلِع". و"أسْوَد العَين": جَبَل. و"رأس عَين": بَلْدَة. و"العَين" من حُروف المعْجَم. ويُقَال: "هو [عبدي] (١) عَين"، و"أنت على عَيني" في الإكْرَام، قَالَ تعَالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. (٢) وقَدّم المفعُول هُنا، وكَانَ تأخيره جَائز؛ تنبيهًا على شَرَف المفعُول هُنا. ومما وَرَد عن هَارون الرّشيد أنّ المفضل سَأله: كَم في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] مِن اسم؟ فقَالَ الرّشيد: قد استفدنا ذلك من الكسائي، الجلالة اسم الله، و"الكَاف" اسم النّبي ﷺ ، و"الهاء والميم" للكَافرين. (٣) فيحتمل أنْ يقصد "سَلَمة" ﵁ هَذا المعنى [أدَبًا مَع] (٤) النّبي ﷺ . و"العَين" تُذَكّر وتُؤَنّث، وجَرَى اللفظ هُنَا على التذكير في الفِعْل السّابِق وفي [ق ٢٣٠] الفِعْل اللاحِق، فقَالَ: "أتَى"، وقَالَ: "انفَتَل"؛ فيحمَل على أنّه أرَادَ المعنى؛ لأنه بمَعنى "رَجُل". و"مِن المشْرِكِين" يتَعَلّق بصِفَة لـ"عَيْن". وجملة "وهُو في سَفَر" في محلّ الحال مِن "النّبي ﷺ ". قوله: "فجَلَسَ عنْد أصْحَابه": أي: "جَلَسَ الرّجُل"، والضّمير في "أصْحَابه" يعُود على "النّبي ﷺ ". وجملة "يتحَدّث" في محلّ الحَال مِن ضَمير الفَاعِل. قوله: "ثُمّ انفَتَلَ": أي: "الرّجُل" "فقَالَ النّبي ﷺ : اُطلبُوه واقتُلوه" جملة

стр. 1776

معْمُولَة للقَول. قوله: قَالَ سَلَمَة: "فقَتَلتُه": أي: "فطَلَبتُه فقَتلتُه". وجملة "فنَفَلَني" رَسُولُ الله ﷺ "سَلَبه" معْطُوفة على "فقتلته"، و"الفَاء" سَببية. قوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في رِواية"، أو: "ويُروى"؛ فيتعَلّق حَرْف الجر بالمقَدّر. قوله: "مَن قَتل الرّجُل؟ ": "مَن" استفهامية، محلّها رَفْع بالابتداء، وخَبرُها: فِعْلُها، و"الرّجُل" مفْعُولٌ به. قوله: "فقَالوا: ابن الأَكْوَع": "ابن" مَرفُوع، فَاعِل فِعْل محذُوف، أي: "قتلَه ابنُ الأكْوَع". ويجُوز أنْ يكُون خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هو ابن الأكوع". ويجُوز أنْ يكُون مُبتدأ، وخبره محذُوف، أي: "ابنُ الأكْوَع قتله"، وهَذَا أوْلى لمطَابَقَة السّؤَال. قوله: "فقَالَ" رَسُولُ الله ﷺ "لَه سَلَبه": "لَه" يتعَلّق بخَبر عَن "سَلَبه"، أي: "سَلَبه كَائِن لَه أجمع". و"أجمَع" تأكيدٌ لـ"سَلَبه" المرفُوع، وألفَاظُ التأكيد مَذْكُورَة في مَوْضِعِها. الحدِيث التّاسِع: [٤٠٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ، فَخَرَجت فِيهَا، فأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا" (١). فاعِلُ "قَالَ": ضَميرُ "ابن عُمَر".

стр. 1777

و"بَعَثَ": يُقَال: "بعثه" و"ابتعثه" بمعنى، أي: "أرسَلَه"، "فانبعث". وقولهم: "كنتُ في بعث فلان" أي: "في جيشه الذي بُعِث معه". و"البعوث": "الجيوش". و"بعثُ الموتى": "نشرهم ليوم البَعْث". (١) وكَذا: "فخَرجت فيها": أي: "في جَيشها وجماعَتها". ومثله: "أكْرَمَني الأميرُ في نَاس"، أي: "في جملة نَاس كِرَام". وقيل: هي بمَعنى "مَع"، والتقدير: "فخَرَجَتُ مَعَها". (٢) قوله: "فأصَبنا إبلًا": معطُوفٌ على "بَعَثَ". و"إبلًا وغَنمًا" مفعُول، ومعطُوفٌ عليه، وهما اسما جموع. قوله: "فبلغت سُهماننا اثني عشر بعيرًا": وعَلامَة النّصب في "اثني": "الياء"؛ لأنّه محمولٌ على التثنية، ومَا زَاد على العشرة مبني مَع التركيب؛ لتضمنه الحرْف (٣)، إلا "إحدى عشر" و"اثنا عشر"؛ فإنهما معربان (٤)، وقد تقَدّم ذِكْرهما في الثّالث من "التيمم". قوله: "ونفلنا رسُولُ الله ﷺ بَعيرًا بَعيرًا": أي: "لكُلّ واحِدٍ بَعيرًا واحِدًا". و"البَعيرُ" يُطلَق على الذّكَر والأنثى. و"نَفَلنَا" بمَعْنى "زَادَنا" (٥).

стр. 1778

ولمّا قَالَ: "بَلَغَت سُهماننا"، وهو جمع "سَهم"، و"السّهمُ": "النّصيبُ" (١) أفَادَ الكَلام أنّ كُلّ نَصيب اثنا عَشر بعيرًا. ولم يحتج إلى تكرير "اثنى عَشر" كما كرّر "بعيرًا"؛ لأنّه لو اقتَصَر على قوله: "ونفَلنَا بَعيرًا" اقتضى اللفظ أنّ "البعير" تنفيلٌ لهم كُلّهم؛ فلما كَرّر لفظه أفَاد تعَدّده بعَدَدهم، بخِلافِ الأوّل. فالمعنى: "نَفَلنَا بَعيرًا لشخص، ونَفَلنَا بَعيرًا لشَخْص". وحَصَل بذلك التنبيه على تنفيلهم كُلّهم. [فـ"بَعير"] (٢) الثّاني معمُول لفِعْل مُقَدّر. و"نَفَل" يتعَدّى لمفعُولَين؛ لأنّه بمَعنى "أعْطَى"، وتقَدّم في أوّل حَديثٍ من "صَلاة الخوف" مثل هَذَا، وفيه زِيادة بيَان؛ فانظره هُنالك عند قوله: "فصَلّى بهِم رَكْعَةً رَكْعَة". الحدِيث العَاشِر: [٤٠٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلينَ وَالآخَرِينَ [يُرْفَعُ] (٣) لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ؛ فيقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ" (٤). إعرابُ السَّنَد تقَدّم قريبًا. وجملة "قَالَ" في محلّ خبر"أنّ" المقَدّرة، ويجوز أن تكون "عَن" الثّانية بَدَلًا من الأولى. قوله: "إذا جمع الله الأوّلين والآخرين": تقَدّم الكَلامُ على "أوّل" و"آخِر" في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "يُرْفَع لكُلّ غَادِر لواءٌ؛ فيُقَال: هَذه غَدْرَة فُلان": "يُرفَع" مبني للمفعُول،

стр. 1779

وكذلك "يُقَال"، و"هَذه" مُبتدأ، و"غَدرة" خبره. وتقَدّم أنّ الجمْلة المقُولَة قائمة مَقَام الفَاعِل عند الزمخشري ومُوافقيه. وقيل: يُقَدّر قول محذُوف مفهُوم مِن المصْدَر. (١) وتقَدّم القَول على "فُلان" و"فُلانة" في السّادس مِن "الإمامة". قال الشّيخ تقيّ الدِّين: عُوقِب الغَادِر بالفَضيحَة العُظْمَى، وقد يكُون ذلك مِن باب مُقَابلة الذّنب بما يُناسب ذلك مِن العُقُوبة؛ فإنّ الغَادِر أخْفَى غَدْرَه ومَكْرَه، فعُوقِب بنقيضه، وهو شُهرته على رؤوس الأشهاد. (٢) وفي الحديث أنّ النّاسَ يُنسَبُون في يَوم القيامة إلى آبائهم، خِلاف مَا حُكي أنّ النّاس يُدْعَون بأمّهَاتهم. (٣) الحدِيث الحَادِي عَشر: [٤٠٦]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ امْرَأَةَ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةَ؛ "فَأَنكرَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ" (٤). قوله: "وُجدت": جملة في محلّ خَبر، والفِعْلُ مبني للمفعول. و"وجِدَت" بمعنى "أُصيبت"، يتعَدّى لمفعول واحد، وهو الضّمير المستتر فيها. وتقَدّم الكَلامُ على "وَجَد" في الحديث الثّاني من "الاستطابة".

стр. 1780

و"في بعض" يتعَلّق بحَال من ضَمير، أو بـ"مقتُولة"، أو بـ"وجد". و"بعْض" تقَدّم الكَلام عليه في الخَامس من "النذور". و"مَغَازِي": جمع "مَغْزَى"، و"المغْزَى": "المقصد". والمرادُ: "في بعض مَقَاصِده إلى العَدو". ويُقَال: "مغزى هَذا الكَلام كذا" أي: "مقصده الذي يُراد منه". (١) ومصْدَرُ "غَزَوتُ": "غَزْوًا"، والاسمُ: "الغَزَاة"، وهو "غَازٍ"، والجمْعُ: "غُزَاة" -مثل: "قُضَاة"- و"غُزَّى"، مثل "سَابق وسُبَّق". (٢) قوله: "مقْتُولَة": حَالٌ مِن الضّمير في "وُجدت"، وهي حَالٌ مُقَدّرَة، وتقَدّم. قوله: "فأنْكَر النبّي ﷺ قتْل النساء": "الفَاء" سَببية. و"قتْل النّساء" مصدَرٌ مُضَاف [إلى مفْعُوله] (٣). [و"الصبيان"] (٤) معْطُوفٌ عليه، ويجوز نصبه عَطْفًا على المحلّ. ويجمع "الصّبي" على: "صِبية" و"صِبيان"، [وهُو مِن "الواو"] (٥)، أي: "صَبِيوا". ولم يقُولوا: "أصبية" استغناءً بـ"صبية"، كما لم يقولوا: "أغلمة" استغناء بـ"غلمة". [وتصغيرُ "صِبية": "صُبَيَّةٌ" في] (٦) القيَاس. وقد جَاء في الشِّعر: "أُصَيبية"، كأنّه تصغير "أصْبية". (٧)

стр. 1781

الحدِيث الثّاني [عَشر] (١): [٤٠٧]: [عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ] (٢) عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفِ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَيَا الْقَمْلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلى الله عَلَيْه [وَسَلّم، فِي غَزَاةٍ لَهُما؛ "فَرَخَّصَ لَهُمَا فِى] (٣) قَمِيصِ الحَرِيرِ"، وَرَأَيْته عَلَيْهِمَا (٤). قوله: "شَكَيَا ... ": جملة في محلّ خَبر "أنّ"، والتقدير: "شك [ ... "شَكَوتُ فُلانًا"] (٥) "أشْكُوه" "شَكوى" و"شكاية" و"شكية" و"شكاة"، إذا "أخبرت عنه بسُوء فِعْله بك"، فهو ["مَشْكو" و"مَشكيّ "، والاسمُ] (٦): "الشّكْوَى". ويُقَال: "اشتكَى عُضوًا مِن أعْضَائه" و"تشَكّى" بمَعْنى. (٧) ويُقَال: "شَكيت" بـ"الياء"، والأوّ [لـ أكثر] (٨)، وعلى هَذه اللغة جَاء الحديث. (٩)

стр. 1782

قوله: "إلى النبي ﷺ ": يتعَلّق بـ"شَكَيا". و"في غَزَاة" يتعَلّق بحَال من الضّمير، ويحتمل أن يتعَلّق [بـ"شَكَيا"] (١)، و"لهما" يتعَلّق بصِفَة و"غَزَاة"، وهي صفة لا فائدة تحتها؛ لأنّ "الغَزَاة" لهما ولمَن مَعَهما. ويحتمل أن تكُون شَكواهما إلى النبي ﷺ قبل خروجهما؛ فأذِن لهما إنْ أصابهما ذلك في سفر غزوهما فَعَلا ذلك؛ وعلى هذا يكُون "لهما" يُفيد تخصيصهما بهذه الغَزَاة، إمّا لتقَدّمهما فيها على غيرهما، هامّا برأي رأياه في طريقهما. والله أعْلَم. قوله: "فرَخّص لهما" النبي ﷺ ، "لهما" يتعَلّق بـ"رَخّص". و"في قَميص" يتعَلّق بـ"رَخّص". والإضَافَة في "قميص الحرير" إضَافَة بمَعنى "مِن"، أي: "قميص من حرير". وشَرطُ الإضَافَة التي بمَعْنى "مِن": أنْ يكُون المضَافُ بعْض المضَاف إليه، وصالحًا للإخْبَار عنه، كقَولك: "خَاتم فضّة"، ألا تَرَى أنّ "الخَاتم" بعْض جنس "الفضّة"، وأنّه يُقَال: "الخَاتم فضّة" (٢)، فكَذَلك هُنَا يُقَال: "قَميصٌ من الحرير"، والأَلِف واللام فيه للجِنْس، و"القَميصُ حَرير". قوله: "ورَأيتُه عليهما": القَائل: "أنس بن مالك"، [يحتمل] (٣) أن يكُون قميصًا واحدًا لبسه أحَدُهم ثم لبسه الآخَر، أي: يتداولانه في اللبس. ويحتمل أنْ يكُون الضّمير في "رأيتُه" يعُود على الجنس؛ فيكُون على كُلّ واحد قميصٌ مِن الحرير. والرؤية بَصَريّة. و"عليهما" يتعَلّق بحَال، أي: "رأيتُه كائنًا عليهما".

стр. 1783

الحدِيث الثّالث عَشر: [٤٠٨]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: "كَانَتْ أَمْوَالُ بَني النَّضِيرِ ممَّا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصًا، فكَانَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيل اللَّهِ " (١). هذا الحديث ترَك الشّيخ تقيّ الدِّين الكَلامَ عَليه. قال بعضُهم: كان هُنا بياضٌ لموضِع شَرح الحديث لم يُكتَب. ورأيتُ الشّيخ تَاج الدّين (٢) ذَكَر من كَلام الشّيخ تقيّ الدِّين عَليه مَا يدُلّ على أنّه أثبَت عَليه كَلامًا، وقد يكُون في بعض النّسَخ. وقَال الشّيخ تاج الدّين الفَاكهاني: "الإيجاف": "الإعمال". و"الرّكَاب": "التي يُسَار عليها"، لا واحِد لها من لفظها. وجمع "الرّكَاب": "رُكُب"، مثل "كُتب". وأمّا "الرّكْب": فمن الأسماء [المفرَدَة] (٣) الواقِعَة [على] (٤) الجَمْع، وليس بجَمع تكسير لـ"رَاكِب "، بدَليل تصْغيرهم على "رُكَيْب"، وجمعُ التكسير لا يُصَغّر على لَفْظه. (٥) قوله: " [في الكُراع] (٦) ": "الكُراع": "الخيْل". (٧) و"السِّلاح" تُذكّر وتُؤنّث، ولُغَة القُرآن التذكير، قال تعالى: ﴿تَضَعُوا

стр. 1784

أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (١) [النساء: ١٠٢]. ووَجْهُ [الدّليل من ذلك] (٢): أنّ الضّابط عنْد أهْل اللسَان أنّ كُلّ مَا كَان على أرْبعَة أحْرُف ثالِثه حَرْف [مد ولين إن كَان مُذكّرًا] (٣) جمع على "أفْعِلَة"، نحو: "جنَاح" و"أجْنِحَة". وإنْ كَان مُؤَنثًا: جمع على "أَفْعُل"، نحو: ["عُقَاب" و"أعْقُب". و"العُدَّة"] (٤): بضَم "العَين"، [كُلّ مَا] (٥) يُستَعَان به مُطلقًا. (٦) انتهى ما ذَكَره الفَاكهَاني. [ ... ] (٧)، وصِلَتها: "أفَاء"، والعَائِدُ مفعُول محْذُوف، أي: "أفَاء الله [ ... عَلّق] (٨) بخَبر "كَان". وجملة "كَانَت" في محلّ معْمُول [ ... ] (٩) بـ "أفَاء". و"مما لم يُوجِف [المسلمون": ... ] (١٠) [ق ٢٣١] ............................

стр. 1785

[أمْوَال] (١)؛ أي: "كَائنة مما لم يُوجِف". و"المسلِمُون" فَاعِل، وعلامةُ رفعه "الواو"؛ لأنّه جمع صفة لمذكر سَالم. والعَائِدُ على "مَا" الثّانية: الضّمير في "عَليه". و"يُوجِف": من "أوجَف". قَالَ ابنُ الأثير: "الإيجافُ": "سُرْعَة السَّير"، وقد "أوْجَف دَابّته" "يوجفها" "إيجافًا"، إذا "حَثّها". ومنه الحديث: "لَيْسَ الْبِرَّ بالإِيجَافِ" (٢). (٣) و"عليه" يتعَلّق بـ"يُوجِف"، وكذلك: "بخَيْل ولا رِكَاب" معْطُوفٌ عليه. و"لا" مُؤَكِّدة للنفي الأوّل. قوله: "وكانت": اسمُ "كان" ضَميرُ "الأمْوَال". و"لرسُول الله" يتعَلّق بالخبر. و"خالصًا" بمَعنى "مُنفردًا بها"؛ فنصبها على الحال منه، ويحتمل أنْ تكُون حَالًا من "الأموال"، أي: "كانت الأموال مما لم يُوجف عليه خَالِصًا"، فذُكّر التفاتًا إلى "ما"؛ لأنّ "مَا" لفظها مُذَكّر. ومن ذلك: قوله تعَالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. وقيل: إنّ "التّاء" في الآ [ية للمُبالَغَة] (٤)، كـ"رَاوِيَة". وقيل: مَصْدَر بُني على فَاعِله. وقيل: للتأنيث، حمل على مَعنى"ما"، كما تقَدّم. (٥)

стр. 1786

ومتى أعَدْنا على لَفْظ "ما"، وفـ[ ... ] (١) عائد على معناها، كان فيه حمل على لَفْظ "ما" ثُمّ على مَعْنَاها. ومَنَع ابنُ عَطيّة (٢) من ذلك، وجَعَل [ ... ] (٣) اللفظ. (٤) ولم يُجمَع على هَذه القَاعِدة، ولكن متى جَعَلنا "خالصة" تعُود على "مَا" واسم كَانَت [ ... ]، وكَذلك إذا جَعَلناه عَائدًا على "النبي ﷺ ". قوله: ([فكَان] (٦) النّبي صلى [الله عليه وسلم يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ] (٧) سَنة": جملة "يعْزِل" في محلّ خَبر "كان". و"سَنَة" ظَرفُ زَمَان، والعَامِلُ فيه "نَفَقَة"؛ لأنّه مَصْدَر. ولا يعْمَل فيه "يعزل" [ ... ... ي] (٨). قوله: " [ثُمّ] (٩) يجعَل مَا بقي": "جَعَل" هُنا يتعَدّى لمفعُولين، الأوّل "مَا" وصِلتها، والثّاني في المجرور. و"عُدّة": مصدَر "عَدّ" (١٠)، في مَوضِع الحال، أي: "مُعِدًّا". ويحتمل أنْ تكُون

стр. 1787

"عُدّة" المفعُول الثّاني، وتكُون "في" بمَعنى "مِن"، أي: "عُدّة مِن الكُراع"؛ فتتعَلّق بقَوله: " [مَا] (١) بقي". ويحتمل أنْ تكون "في" على بابها، فتتعَلّق بصِفَة لـ"عُدّة"، تقَدّمَت فانتَصَبت على الحَال، ويكُون "في سَبِيل الله" بَدَل منه. الحدِيث الرّابع عَشر [٤٠٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنْ الْخَيْلِ مِنْ الحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَني زُريقٍ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى. قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ. وَمَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاع إلَى مَسْجِدِ بَني زُريقٍ مِيلٌ (٢). قوله: "أجْرَى رَسُولُ الله ﷺ مَا ضُمّر مِن الخيْل": "مَا" موصُولة بمَعنى "الذي". و"ضُمّر" مَبني للمَفْعُول. وجملة الصِّلة والموصُول في محلّ مفعول "أجْرَى". و"الحفياء": قَال فيه ابنُ الأثير: جَاء فيه المدّ والقَصر، ومنهم مَن يُقَدِّم "الياء"؛ فيقُول: "الحيْفَاء". (٣) قوله: "وأجْرَى ما لم يُضَمّر": "مَا" موصُولة، كما تقَدّم. والمرادُ: أنّ النّبي ﷺ أمَرَ أصْحَابه بذلك، [لا أنّه] (٤) باشَر ذلك بنفسه.

стр. 1788

قوله: "قَالَ ابنُ عُمر: وكُنتُ فيمَن أجْرى": "كنتُ": "كَان" واسمها، و"فيمَن" يتعَلّق بخَبرها، و"مَن" موصُولة بمَعنى "الذي". و"أجْرَى" في محلّ الصّلة. وأجْرَى الفِعْل على لَفظ "مَن"، ولو أجْرَاه على معْنَاها لقَالَ: "فيمن أجروا". (١) ويحتمل أن تكُون "في" بمَعنى "مَع"، أي: "وكنتُ مَع مَن أجْرى". لكن يختلف المعْنَى؛ لأنّ مَعنى "مَع" المعيّة لا غير، وفي [الثّاني أنّه] (٢) "أجْرَى كما أجْرَوا"؛ لأنّ التقدير: "وكنتُ في جملة مَن أجْرى". قوله: "قَالَ سُفْيَان: مِن الحفْيَاء إلى ثنية الوَدَاع خمسة أمْيَال": "مِن" تتعَلّق بخَبر عَن "خمْسَة". و"إلى" لانتِهَاء الغَايَة، تتعَلّق بمُتعَلّق "مِن"، وهُو ["الحفْيَاء". وأَنّثَ] (٣) "خمْسَة" بإدْخَال "التَاء"؛ لأنّه عَدَد مُذَكّر، وكَذَلِك: "سِتة". الحدِيث الخَامِس عَشر: [٤١٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "عُرِضْتُ على النَّبيّ ﷺ [يوْمَ أُحُدٍ] (٤) وَأنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ [سَنَة] (٥)؛ فَلَمْ يُجِزْنِي. وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ؛ فَأَجَازَني" (٦). قوله: "عُرِضتُ على النّبي ﷺ ": الفِعلُ مَبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، و"التّاء"

стр. 1789

[مفعُوله] (١) الذىِ لم يُسَمّ فَاعِله. و"يَوم [أحُد] (٢)، ظَرْفٌ [ومخفُوض] (٣) به، العَامِلُ فيه: "عُرِضتُ". وجملة "وأنا ابن أربع عَشرة سَنَة" في محلّ الحال مِن ضَمير المفْعُول. وجَرَى العَدَد المرَكّب على الأصل المرفُوض في "الأرْبَعَة"، [وع ...... شرة] (٤). (٥) وتقَدّم ذَلك في الثّالِث مِن "التيمّم". و"سَنَة" منْصُوبٌ على التمييز. وجملة "فأَجَازَنِي": [مع .. ... ... ] (٦). [الحدِيث السّادِس] (٧) عَشر: [٤١١]: عن ابن عُمر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "قَسَمَ [في النَّفَلِ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَللرَّجُل سَهْمًا] (٨) " (٩). [جملة] (١٠) "قَسّم" في محلّ خَبر "أنّ"، و"في النفل" يتعَلّق به. و"للفَرَس" يتعَلّق به [أيضًا ... ] (١١).

стр. 1790

"وللرّجُل سَهمًا". [ ... ] رأيتُ لَفْظ الحديث بنصب "سهمين" [و .. ... ] (٢) إلا [يقدر] (٣)، أي: "قَسّم في مُستحقّي الغَنيمة"، [ ... ] (٤) أنْ تكُون "في" زائدة. ويحتمل أن تكُون بمَعنى "مِن"، [كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩]، أي: "مِن] (٥) كُل أمّة". وكقَول امرئ القَيس: [أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحِ وَمَا الْإِ] (٦) صْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ (٧) أراد: "مِنْك". (٨)
следующие страницы →