← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتحف" و"نطفة ونطف"، ومن قال: "بَقْعَة" قال في جعمه: "بقاع"، مثل: "قصعة وقصاع" و"بلغة وبلاغ" (١). قال الشيخ تقيّ الدِّين: أخذ بعضهم من قولُه: "فيصلي فيه" تعقيب الصّلاة للفرك، ويقتضى ذلك عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة، إلَّا أنّه ورد بـ "الواو" وبـ "ثُم" أيضًا في هذا الحديث، فإذا كان حديثًا واحدًا فالألفاظ مختلفة، [والمفعول] (٢) منها واحد؛ [فتنتفي الدلالة] (٣) بـ "الفاء"، وإن كانت الرّواية بـ "الفاء" حديثًا مُفردًا اتجه ما قالوه (٤). الحديث السابع [٣٦] عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل"، وفي لفظ: "وإن لم يُنزل" (٥). تقدّم القول على "إِذَا" وما قبلها في الحديث الثّاني من الأول. وجواب "إِذَا" هنا: "فقد وجب"، والعامل فيها إمّا فعلها أو جوابها على ما تقدّم، وقد تكرر مرارًا. وتقدم القول على "بين" في الثالث من "باب السِّوَاك". و"جلس" فاعله ضمير يعود على غير مذكور يفسّره السياق، كقوله تعالى:

стр. 247

﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (١). وكذلك فاعل: "جهدها". ومصدره: "جلوسًا"، و"المجلِس" بكسر "اللام": "موضع الجلوس"، و"المجلَس" بفتح "اللام" المصدر. قال في "الصحاح": يقال: "رجل جُلَسَة" مثل "هُمَزَة"، أي: "كثير الجلوس"، و"الجلسة" بكسر "الجيم". و"جالسته" فهو "جِلسي" و"جليسي"، مثل ما تقول: "خدني" و"خديني" (٢). وقوله: "شعبها": جمع "شُعبة". وجَرى العَدَد على التأنيث؛ فقال: "الأربع"، ولم يقل: "الأربعة"؛ لأنّه جمعُ "شُعبة" (٣). وقوله: "ثم جهدها": [قيل] (٤): هو من أسماء "الوطء"، وهو بعيد. و"الجُهد": "الطاقة". وقرئ: ﴿لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، بضم "الجيم" وفتحها (٥). وقال الفراء: "الجهد" بالضم"الطاقة"، وبالفتح من قولك: "اجهد جَهْدك في هذا الأمر" بالفتح، أي: "ابلغ غايتك"، وَلَا يُقال: "اجهد جُهدك" بالضم.

стр. 248

و"الجهد": "المشقة"، وتجيء بمعنى "المبالغة في الشيء"، وهو المراد هنا. ويقال: "جهد دابته" و"أجهدها" إِذا "حمل عليها في السير فوق طاقتها"، و"جهد الرجل في الأمر" أي: "بالغ فيه"، وهذا منه (١). قو له: "فقد وجب الغسل: جواب "إِذَا" الشرطية. والفعل الماضي إِذَا وقع بعد الشرط ظاهرًا وهو مُسْتَقْبِلَ المعني، كما هو هنا، فهو الجواب؛ وذلك لأنّ جواب الشرط لا يكون إلَّا مستقبلًا، حَتَّى إنه لو وقع لفظه ماضيًا انقلب إِلَى الاستقبال، فإذا قلت: "إن قام زَيْدِ قام عَمْرو" فهو قبل دخول حرف الشرط على أصله من المضيِّ، وبعد دخول حرف الشرط انقلب إِلَى الاستقبال. وهذا الحكم في سائر الأفعال؛ إلَّا "كان"، فإنهم اختلفوا فيها، فقيل: إنها على حالها من معنى المضي لا تنقلب إِلَى الاستقبال؛ فتقول: "إن كان زَيْدِ قام" لم يتغير معناها؛ لأنَّها خرجت من الأفعال بنقصها وكونها لا مصدر لها؛ ولذلك لم يشترطوا في خبرها إِذَا كان ماضيًا تقدير "قد"، نحو قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧]؛ ليتحقق الماضي فيها. وذهب آخرون إِلَى أن معناها تغير وانقلب كسائر الأفعال، والتقدير: "إن تبين كون قميصه" (٣).

стр. 249

قال [أثير الدّين] (١) أَبُو حيّان في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]: جَوابُ الشرط "أوتي"، والفعل الماضي الواقع جواب الشرط ظاهرًا قد يكون ماضي اللفظ مُسْتَقْبِلَ المعني، كهذه الآية، فهو الجواب حقيقة. وقد يكون ماضيًا لفظًا ومعني، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، فلا يكون جوابًا للشرط؛ لأنّ الشرط مُسْتَقْبِلَ، وما ترتب على المستقبل مُسْتَقْبِلَ. قال: والجوابُ في الحقيقة محذوفٌ، ودَلّ هذا عليه، أي وإن يكذبوك فتسلَّ (٢). وكذلك قال ﵀ في قولِه تعالم: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]: الجواب: "فينصره الله"، ويدلّ عليه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، أي: "ينصره في المستقبل كما نصره في الماضي" (٣). وكذلك قال أَبُو البقاء في قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]: التقدير: "إن تتوبا إِلَى الله فذلك واجب"، ودلّ على المحذوف: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ (٤).

стр. 250

قلت: إنَّما قال في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: إنّ الجواب مُسْتَقْبِلَ وإن كان لفظه ماضيًا، لأنّ فعل الشرط وقع مستقبلًا لفظًا ومعنى؛ فترتب عليه جوابه، بخلاف الأمثلة التي ذكرها بعد. وأمَّا قولُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]: فالجوابُ ماض بما ثبت من سبب الآية (١). قولُه: "وفي لفظ: وإن لم ينزل": أي: "رُوي في لفظ"، فيتعلق به حرف الجر، وجوابه: "فقد وَجَب الغسل"، ولَمَّا كانت "الفاء" تقتضي السببية في جواب الشرط حُكم في اللفظ باستقبال الجواب؛ لأنّ المسبب لا يقع إلَّا بعد السبب؛ ولذلك قالوا في قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] (٢): إنه جواب الشرط؛ لوجود السببية بما اقتضته"الفاء"، أي"بسبب المحادة استحق نار جهنم" (٣). وقوله: "وإن لم: أمّا "لم" فتقدم الكلام عليها في الثالث من "باب المذي"، وأمّا "إنْ": فهي حرفٌ ثنائي وضعًا، وأصله الشرط، كمَا جَاءَ هنا، ويجيء للنفي، كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، أي: "ما الكافرون". (٤) وفي

стр. 251

عمله عمل "ما" خلاف. (١) ومن عمله: قولُه تعالى على قراءة مَن قرأ: "إنْ الذين تدعون من دون الله عبادًا" (٢). ويجيء حرفًا زائدًا بعد "ما" النافية (٣). وتقبل مَدّة الإنكار، نحو: "آلله"، وفي قول مَن قال: "أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: ["أأنا إنيه؟ "] (٤)، أصله: "إنْ"، فزاد عليه مَدّة الإنكار، وهي "الياء". وَلَا تُعَدّ من مواضِع "إن" المخفّفة من الثقيلة؛ لأنَّها ثُلاثية الأصل، [ولذا] (٥) اختلف تصغيرها؛ فقيل في "إن" الخفيفة: "أُنيّ"، وفي الأخرى: "أُنَيْنٌ" رجوعًا إِلَى الأصل. فهمًا من "المجيد" (٦).

стр. 252

قلت: وتجيء [إنْ] (١) بمعنى "لو" في مثل قولُه تعالى: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. أي: "لو كنا فاعلين" (٢). وتجيء بمعنى "إذ"، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، ذكرها الكوفيون (٣). ومتى اجتمع شرطان -كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]- فالجواب لـ"أمَّا" على الصحيح، وقيل: لـ"إنْ"، وقيل: لهما. (٤) الحديث الثامن: [٣٧]: عن أَبِي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي بن أَبِي طالب ﵁ أَنَّهُ كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم فسألوه عن الغسل، فقال: صاع يكفيك، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخير منك - يريد النَّبِيّ ﷺ ثم أمنا في ثوب (٥). وفي لفظ: "كان ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا". الرجلُ الذي قال: "ما يكفيني" هو: الحسن بن محمد بن علي بن أَبِي طالب، أبوه: "ابن الحنفية".

стр. 253

قولُه: "عن أبي جعفر": تقدّم بم يتعلّق قريبًا. و"محمد بن علي" بدل كُلّ من كُلّ أو عطف بيان؛ لأنّ "أَبِي جعفر" فيه إبهام. و"ابن" صفة لـ "محمد". و"ابن الحسين" صفة لـ "علي". و ["ابن] (١) علي" صفة للحسين. و"ابن أَبِي طالب" صفة لـ "علي"، ﵃ أجمعين. قال ابن الأثير في "جامع الأصول" عند ذكره لفضائل "جعفر" الذي كني عنه [أبوه "محمد"] (٢): توفي جعفر الصادق وهو ابن ثمان وستين، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر، وجدّه علي بن الحسين زين العابدين، وعم جدّه الحسن بن علي بن أَبِي طالب، فلله درُّه من قبر، ما أكرمه وأشرفه (٣). قولُه: "أَنَّهُ كان": في محلّ المفعول الذي لم يُسم فاعله لمتعلق حرف الجر، والجملة من "كان" واسمها وخبرها في محل خبر "أنَّ"، وهو تأكيد لاسم "كان" المستتر فيها مُصححًا للعطف على الضمير المرفوع المستتر. ويجوز النصب على أنه مفعول معه. و"عند" ظرف في محلّ خبر "كان"، وبه يتعلّق الظرف (٤). قولُه: "وعنده قوم": مبتدأ وخبر. ومسوغ الابتداء بالنكرة: تقدم الخبر في الظرف. وتقدّم القول على "عند" في الحديث الأول من "باب السِّوَاك". قولُه: "فسألوه عن الغسل": يَجوز في "سأل" الهمز والتسهيل، وكسر "السين"

стр. 254

وفتحها، وفتحها أصح (١). قولُه: "فقال: صاعٌ يكفيك": هذا يقتضي أن السّؤال وقع بما كان السائل قال: "ما يكفيني، فقال صاع"، أي: "يكفيك صاع"؛ فيرتفع على الفاعلية. وَلَا يَجوز أن يكون مبتدأ في جواب "أيكفيني صاع أُم لا؟ "؛ لأنه قال: "ما يكفيني"، ولولا رده لكان المسوّغ للابتداء بالنكرة كونه في جواب من سأل بـ "الهمزة" و"أم"، وهو أحَد المسوّغات. فإن كان التقدير في السؤال: "ما يكفيني في الغسل" صح أن يكون "صاع" مبتدأ؛ لوقوعه في جواب الاستفهام. ورأيتُ في بعض النسخ أنّ جابرًا قال: "يَكْفيكَ صَاعٌ" (٢)، فصرّح بالعامل، وذلك دليل على أنَّ المقدّر يكفي (٣). وفي قولُه: "فسألوه" [وإن] (٤) كان السائل واحدًا، إمّا لأنهم قدّموه في السؤال، وإمّا لأنّه مقدمهم وكبيرهم وهم تبعٌ له. قولُه: "ما يكفيني": "ما" نافية، وهو أحَد أقسامها إِذَا كانت حرفًا؛ وإذا نفت المضارع -كما هو هنا- تخلص عند الجمهور للحال. قال ابن هشام: وردّ عليهم ابن [مالك] (٥) بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥].

стр. 255

وأجيب: بأن شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه (١). وفاعل "يكفيني": ضمير "الصاع". قولُه: "كان يكفي مَن هو": اسم "كان" ضمير "الصاع"، و"مَن، مفعول به موصولة بمعنى"الذي"، و"هو" مبتدأ، و"أوفى" خبره، والجملة في محل الصلة، والعائد "هو"، وَلَا يَجوز حذفه إِذَا وقع في مثل هذا التركيب، وقد جاء حذفه في قراءة من قرأ: "تمامًا عَلَى الّذِي أحْسَنُ" (٢) بضم "النون"، أي: "الذي هو أحْسَن"، وهو قليلٌ (٣). ويجوز حذفُه إِذَا طالت الصّلة، نحو قولك: "جاءني الذي هو ضارب عمرًا يوم الجمعة". ويجوز في صلة "أي"، نحو قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩]، أي: "أيهم هو أشَدّ" (٤). و"أوفي": خبرُ المبتدأ، وهو أفعلُ التفضيل، استُعمل بـ "مِن"؛ فلا يُثنى وَلَا يُجمَع وَلَا يُؤنّث (٥). و"شَعرًا": تمييزٌ، العاملُ فيه: "أوفى".

стр. 256

"وخير": بالرفع معطوفٌ على "أوفى". ويجوز بالنصب على أنَّه خبر كان، أي: "مَن كان خيرًا"، و"خيرًا" أفعل التفضيل. قال في "المجيد": حُذفت همزته شُذوذًا في الكَلام؛ فنقص بناؤه، فانصرف، كما حَذفُوها شُذوذًا في الشّعر مِن "أحَبّ" في قولهم: ................................. ... وَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإنْسَانِ مَا مُنِعَا (١) وقد نطقُوا بهمزة "خير" في الشّعر، قَال: بِلَالٌ خَيْر النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرينا (٢) وتجيء لغير التفضيل، تقول: "في زيدٍ خَير"، أي "خصلة جميلة". ومنه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]. وهو مخفّف مِن "خيّر"، كـ "ميْت" من "ميّت". انتهى. (٣) قال غيرِه: "خيرًا" أفعلُ التفضيل. فإن قيل: لِمَ لم تمتنع من الصرف للصفة والعَدل؟ لأنّ حد العَدل صادق عليه، وهو خروجُ الاسم عن صيغته الأصلية. وأجيب بأمور، منها: أنّ العَدل المعتبر في منع الصّرف عَدل لا على طريقة

стр. 257

الحذف، وهذا العَدل على طريقة الحذْف. وهذا مردودٌ بحدهم العَدل، وهو: "خروج الاسم عن صيغته الأصلية". الثاني: أنه لم يعتبر في الثلاثي السّاكن الوسط لخفته، كما لم تعتبر العجمة في "نوح" و"لوط"، والتأنيث المعنوي في نحو: "هند" على أحَد الوجهين. وهذا مردود بـ "أمس"، فإنه ممتنع للعَدل عن الألِف واللام والتعريف؛ لأنّه ليوم بعينه. الثالث: أنّ منعه الصّرف مُقتضى القياس، ولكنه لم يُسْمَع إلّا في ألفاظ العَدَد، [وجمع] (١)، و"أُخَر"، انتهى (٢). قولُه: "ثم أمَّنا في ثوب": أي: "تقَدّم إمامًا لنا في صَلاةٍ". وحرفُ الجر يتعلّق بالفعل. قولُه: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"؛ فيتعلق حرف الجر به. ومفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله "كان" مع اسمها وخبرها على الحكاية. و"ثلاثًا": منصوب على الظرف؛ لأنه عَدَد الظرف أو مصدر، على الخلاف في "مرة" (٣). ***

стр. 258

باب التيمم الحديث الأول: [٣٨]: عن عمران بن حصين -رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ رأي رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم"، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة وَلَا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (١). قوله: "أن رسول الله ﷺ رأى رجُلًا": قائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، والرؤية هنا بصرية، فـ "رجلًا" مفعول به. و"معتزلًا" صفة له. ويجوز أن يكون حالًا من "رجل" على رأي مَن يجيز الحال من النكرة (٢). و"لم يُصلّ" صفة أخرى. ويصحّ أنْ يكُون في محلّ الحال من "رجُلًا"؛ لأنّه وصف بقوله: "مُعتزلًا". وعلامةُ الجزم في "لم يُصلّ" حَذفُ"الياء"، ويجوز إثباتها، كقوله تعالى: "إِنَّه من يَتَّقِي" (٣)، وقوله: ألمْ يأتِيكَ والأنباءُ تَنمِي ... بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ (٤)

стр. 259

وقوله: "في القَوم"، ولم يقُل: "مع القَوم"؛ لأنّه أراد: "لم يدخُل في صَلاة القَوم"، وهو حالٌ مُؤكّدة أو صفَة مُؤكّدة (١). قولُه: "يا فُلان": الكلامُ على "فُلان" يأتي في السّادس مِن "باب الإمامة"، والظّاهر أنّه ﷺ قَال له: "يا فُلان" هكذا، أو يحتمل أنّ الرّاوي نسي اسمه. قولُه: "ما منعك: "مَا" مُبتدأ، من أسماء الاستفهام، و"منعك" في محلّ الخبر، أي: "أي شيءٍ منعك". ولـ"مَا" أقسَام: استفهامية، نحو: "مَا منعك". وموصُولة. وموصُوفة. وتامّة، نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: "فنعم الشيء هي". واسمًا خاصًّا، نحو: "دققته دقًّا [ما] (٢) ". وتعجبية، نجو: "ما أحسن زيدًا". وشرطية، نحو: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وتجيء حرفًا، نافية، ومصدرية زمانية، وزائدة، كافة وغير كافة (٣). قولُه: "فقال: يا رسُولَ الله": منادى مُضاف. وتقدّم القول في المنادى في الرّابع من هذا الباب. وفي قولُه: "أصابتني جَنَابة" ما يقتضي أنّ ذلك عن احتلام، ولو [قال] (٤):

стр. 260

"عن جماع" لقَال: "أصبتُ جَنابة". أو لأنّ مَن أصَابك فقد أصبته، ولأنّ المنع بسبب الجنابة إصابة. وقوله: "وَلَا مَاء": "لا" نافية. و"مَاء" نكرة في سياق النفي. و"ماء" أصله: "مَوَهٌ"؛ لقولهم: "مَاهَت الرَّكِيَّةُ" [مَوْهًا] (١)، ولقولهم في جمعه: "أمواه"، ثم قُلبت "الواو" [ألِفًا] (٢) لتحرّكها وانفتاح ما قبْلها، فقيل: "ماه"، ثُم أبدَلُوا من "الهاء" همزة، وليس بقياس (٣). وتقدّم القَول على "لا" في الأوّل من "باب الاستطابة". وهنا محذُوفٌ تقديره: "لا مَاء موجُود"، أو "عنْدي". قال الشيخُ تقيّ الدّين: حذفُ الخبر في قولِه: "وَلَا ماء" أي موجود أو عندي، وفي حذْف الخبر بسط لعُذره؛ لما فيه من عُموم النفي، كأنّه نفى وجُود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسببٍ أو سَعي أو غير ذلك لحصّله؛ فإذا نفى وجوده مُطلقًا كان أبْلَغ في النفي وأعْذَر له.

стр. 261

وقد أنكر بعض المتكلّمين (١) على النحويين تقديرهم في قول "لا إله إلَّا الله": "لا إله لنا ... " أو "في الوجود"، وقال (٢): نفيُ الحقيقة مُطْلَقة أعَمّ من نفيها مُقيّدة، فإنها إِذَا نُفيت مُقيّدة كَان دَالًّا على سَلْب الماهيّة مع القيْد، وإذا نُفيت غير مُقيّدة كان نفيًا للحَقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كُلّ قيْد، أمّا إِذَا نُفيت مُقيّدة بقيْد مخصُوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر، هذا أو معناه. انتهى (٣). قال أثيرُ الدّين أَبُو حيّان في "لا إله إلَّا الله": "لا إله" مبني مع "لا"، في موضع رَفْع على الابتداء، وبُني الاسمُ مع "لا" لتضمّنه معنى "من" أو للتركيب (٤). الزجّاج: هو مُعرَبٌ منصوبٌ بها (٥). وعلى البناء: فالخبر مُقدّر. وقُرئ: "لَا رَيْبٌ فيه" (٦) بالرّفع والتنوين، على أنَّ "ريب" مبتدأ، والخبر [في] (٧) قولُه: "فيه". أو على أَن تكُون "لا" عاملة عمل "ليس". وضُعّف الأوّل بعدم

стр. 262

تكرارها، والثاني بقلة عملها عمل "ليس" (١). قال أَبُو حيَّان: واعترض صاحب "المنتخب" على النحويين في تقديرهم الخبر في "لا إله إلَّا الله" (٢). وذكر ما ذكره الشّيخ تقيّ الدِّين. قال: وأجاب أَبُو عبد الله محمد بن أَبِي الفضل المرسي في "ريّ الظمآن"، فقال: هذا كلام مَن لا يعرف لسَان العَرَب، فإنّ "إله" في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم "لا". وعلى التقديرين: فلا بُد من خبر للمبتدأ أو لـ "لا"، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد. وأمَّا قولُه: "إِذا لم يضمر كان نفيًا للإلهية" فليس بشيء؛ لأنّ نفي الماهية هو نفي الوجود؛ لأنّ الماهية لا تتصوّر عندنا إلَّا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية وَلَا وجود. وهذا مذهبُ أهل السنة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يثبتون الماهية عرية عن الوجود، وهو فاسِد. وقولهم في كلمة الشهادة: "إلَّا [الله] (٣)! هو في موضع رفع بَدَلًا من "لا إله"، وَلَا يكون خبرًا [لـ "لا"] (٤)؛ لأنّ "لا" لا تعمل في المعارف. ولو قلنا: إنّ الخبر للمُبتدأ، وليس لـ"لا"، فلا يصح أيضًا؛ لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر (٥). قال صاحب "المجيد" الأسفاقسي: قد أجاز الشلوبين في تقييد له على "المفصّل" أنّ الخبر للمبتدأ يكون معرفة، ويسوّغ الابتداء بالنكرة النفي. (٦)

стр. 263

واستشكَل الشّيخ أَبُو حيّان كون اسم الله بَدَلًا من "لا إله"، قال: لأنه يمكن في تكرار العامل لو قلت لا هو لم يجز، واختار أَنَّهُ بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف العائد على اسم "لا"، فإذا قلت: "لا رجل إلَّا زيد" فالتقدير: "لا كائن - أو موجود- إلَّا زَيْدِ"، فـ "زيد" بدل من الضمير في الخبر لا من "رجل". قال: ولولا تصريح النحويين أَنَّهُ بدلّ على الموضع من اسم لا لتأولنا كلامهم على أنَّهم يريدون بقولهم "بَدَل من اسم لا" أي من الضمير العائد على اسم "لا". قال بعضهم: لا يجوز فيه النصب هنا؛ لأنَّ الرفع يدلّ على الاعتماد على الثاني، والمعنى في الآية على ذلك، والنصب يدل على الاعتماد على الأوّل. ورُدّ بأنه لا فرق بين "ما قام القوم إلَّا زيد" و"إلَّا زيدًا" من حيث أن "زيدًا" مستثنى من جهة المعني، وإنَّما الفرق من حيث الإعراب؛ فأعربوا الأول بدلًا، والثاني استثناء، والبدل أولى للمُشاكلة، والاستثناء جائز (١). قولُه: "عليك بالصَّعيد": "على" ههنا للإغراء، وسيأتي في الحديث الرابع من "الصَّوم" ذكرها، والكلام على يائها. والألِف واللام في "الصّعيد" يحتمل أن تكون للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد؛ وتكون الإشارة إلى "الصعيد"الذي هو فيه، فيُستَدلّ [-عليّ- بذلك على ما] (٢) الصّعيد مُتّصف به من سبخة أو غيرها (٣).

стр. 264

فائدة: في قولِه تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، قيل: "صعيدًا" هنا ظرف إن فُسّر بـ "الأرْض" أو وجهها، وإن فُسر بـ "التراب" فهو منصوبٌ على إسقاط الخافِض، أي: "فتصبح بالصعيد زلقًا" أي: "بسببه" (١). * * * * قولُه: "فإنه يكفيك": "الفاء" هنا سَببية، و"يكفيك" فعل، وفاعله مستتر يعود على "الصعيد"، و"الكاف" مفعوله، وهنا متعلق محذوف، أي: "يكفيك عن الماء" (٢). الحديث الثاني: [٣٩]: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﷺ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ، كَما تَمَّرَغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إنَّما يَكْفيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" - ثُمَّ ضَرَبَ [بِيَدَيْهِ] (٣) الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ على الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ (٤). قولُه: "في حَاجَةٍ": مُتعلّق بـ "بعثني". و"أجنبتُ": معطوفٌ على "بعثني". وليست "الفاءُ" هُنا سَبَبية، بل هي كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾

стр. 265

[الأعلى: ٢] (١)، وَلَا تعقيبَ فيها (٢)، بل في الكَلام فِعْل مُقَدّر عُطفَت عليه، أي: "فذَهَبتُ، فأجنبتُ"، كما حُذف المعطوفُ في قَوله تَعَالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: "فأفْطَر ... "، وهو معطوفٌ على "كان"، وهذا مَفْهومٌ من فَحْوَى الكَلَام. (٣) قولُه: "فَلَم أجد الماءَ": تقَدّم القولُ على "لم" في الثالث من "باب المذي"، وفي الثالث من "الجنابة". و"أجد": من "وَجَد" المتعدّي لواحدٍ؛ لأنه بمعنى: "لم أُصب" (٤)، وتقَدّم "وَجَد" في الثّاني من "باب الجنابة". و"الماء": بالألِف واللام التي للجنس، ولو قال: "ماء" بغير تعريف كان بمعناه. قال: "فتمرَّغتُ في الصَّعيد": معْطُوفٌ على "أجد". قولُه: "كما تمرَّغ الدَّابة": "الكَافُ" حَرفُ تشبيه، وتختصّ اسميتها بالشِّعر على الأصح. وتجيء زائدة. وتُوافق "على"، "كخير" في جواب مَن قال: "كيف [أصبحت] (٥)؟ ". وللتعليل: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٦) [البقرة: ١٩٨]. (٧)

стр. 266

وموضعُها هُنا مع المجرور: نصبٌ على الحال. وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدَر محذُوف. (١) فتُقدّر: "تمرّغًا كتمرّغ الدّابة". وكذلك في قولك: "سِير عليه سيرًا حثيثًا". (٢) وتقدّم أنّ مَذْهَبَ "سيبويه" في هذا كُلّه النصب على الحال من المصدَر المفهُوم من الفعْل المتقَدِّم المحذُوف بعد الإضمار على طريق الاتساع. (٣) فيكونُ التقديرُ: "فتمرّغت على هذه الحالة". وَلَا تكونُ عنده نعتًا لمصدَر محذُوف؛ لأنه يُؤَدّي إِلَى حَذْف الموصُوف في غير المواضع المستثناة (٤)، وقد تقَدّم أكثر هذا في الثّاني من "باب الجنابة"، فانظره هنالك. وللكاف مع "ما" معنى آخر، ذكره في الحديث الخامس من "كتاب الصّلاة" عند قولُه: "كما شَغَلونا". (٥)

стр. 267

والألِفُ واللام في "الدّابة" لمعهودٍ في الذّهن؛ لأنّه ليس كُلّ دابّة تتمرّغ. و"ما": هنا مَصْدَرية، وهي حرفٌ في الصحيح. ومتى اقترنت "ما" بـ "كاف" التشبيه -كما هي هنا، وفي قولُه تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]- وقعت بين فعلين مُتماثلين؛ فهي مَصْدَرية. (١) وقوله: "ثم أتيتُ": تقدّم القَولُ على "ثم" في الحديث الثّاني من "الجنابة"، وفي الخامس من الأوّل. و"أتى": بمعنى "جَاء" يتعدّى لمفعول واحد، و"آتى" بالمد يتعدّى لاثنين؛ لأنه بمعنى "أعطى". (٢) "فذكرتُ ذلك": معطوفٌ على "أتيتُ". و"ذلك": مفعولٌ به. وهو مبني؛ لأنّه من أسماءِ الإشارة. (٣) قولُه: "إنَّما يكفيك": يَجوز أن تكُون "ما" موصُولة بمعنى "الذي"، وصلتها: "يكفيك"، والعائدُ: ضميرُ الفاعل، و"ما" وصلتها في محلّ اسمً "إنّ"، وخبرها: "أن" المصْدَرية مع فعلها. ويجوز أنْ يكون "ما" هي المهيئة حرفًا، وتكُون (أن) والفعل فاعلُ "يكفيك". والأصلُ: "يكفيك فعل كذا".

стр. 268

والتقديرُ على الأوّل: "الذي يكفيك فعل كذا". وأُطلق "القول" على الفعل. (١) ويصحّ أن تكُون "ما" مَصْدَرية. والتقدير: "إنّ كفايتك أنْ تقُول كذا". وقد قيل في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]: إنّها مَصْدَرية. (٢) وإنَّما بدأ بـ "اليدين" على "الوجه"؛ لأنّه لا ترتيبَ في "الواو" (٣). و"الهاء، في "هكذا" للتنبيه، حرفٌ. و"الكاف" للتشبيه، حرفٌ. و"ذا": اسمُ إشارة. فإعرابُ "كذا": جار ومجرور، كما تقُول في "كأي"، إلَّا أَنَّهُ لا يتوَجّه هنا إلَّا أن تجعل "الكَاف" اسمًا بمعنى: "مثل". (٤) و"ذا": في محلّ جَرّ بالإضافة؛ لأنّ "تقُول" مُضمّن معنى " [تفعل] (٥) ". فتكون "الكاف": المفعول به. ومتى جعلتها حرف جر لم يكن في اللفظ مفعولًا بالفعل؛ لأنّ الجار والمجرور لا يكونُ مفعولًا به، وَلَا [له، و"الهاء"] (٦) التي للتنبيه؛ لأنَّها زائدة على الكلمة، ويكون هذا من أقسام "الكاف" التي تتعين فيه

стр. 269

للاسمية. و"كذا" تَرِد على ثلاثة أوْجُه، هذا (١) أحدها. والثاني: أن تكُون كلمة واحدة مُركّبة من كلمتين مُكنيًا بها عن غير عَدد، كما جاء في الحديث: "أَتَذْكُر يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ " (٢). الثالث: أن تكون كلمة واحدة مُكنيًا بها عن العَدد، فتُوافق " [كأيّن] (٣) " من وجُوه (٤)، وسيأتي الكَلام عليها في السّادس من "الزكاة". قولُه: "ثم ضرب [بيديه] (٥) الأرض ضربة واحدة": "ثم" لترتيب الأخبار (٦)، وتقدّمت قبل هذا في الثاني من "كتاب الجنابة". و"ضربة": مصْدَرُ "ضَرَب". و"واحدة": نعْتٌ له، [مُؤكِّدًا] (٧)، كقَوله

стр. 270

تعَالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. والمصدر يكُون للتأكيد والنّوع والعَدَد، [وهو] (١) هُنا للعَدَد والتأكيد، مثل: "ضَربتُ ضَربًا". والنوع: نحو: "جَلَستُ جِلْسة" بكسر "الجيم". (٢) قولُه: "ثم مَسَح [الشمال] (٣) على اليمين": أي: "على اليد اليمين"، [فكانت] (٤) اليمنى ممسوحًا بها الشمال. وهذا على أنَّ الترتيبَ في اليدين [غير] (٥) مطلوب. أو نقول: المسْحُ تصلُح إضافته للماسح والممسُوح في حالةٍ واحدة، وعدّى "مسَح"، على أنَّه ضُمِّن معنى "أمَرّ وأجْرَى" (٦). ويحتمل أن تكون "على" بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌّ عَلَى﴾ [الأعراف: ١٠٥]، أي: "بي". (٧) ومن ذلك: قولهم في قولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٨) [المائدة: ٦]: أي:

стр. 271

"بَلَل أيديكم برءوسكم"؛ فـ "الرأسُ" على هذا ماسح. (١) قولُه: "وظاهر كفّيه": معطوفٌ على "اليمين؛ فيكون مجرورًا. ويحتمل النصب بالعطف على "الشمال". وأمَّا: "ووجهه": فهو منصوبٌ بالعطف على "الشمال"، أو على "ظاهر" إن كان منصوبًا. وَلَا يجوزُ فيه الجر، وإن كان "ظاهر" مجرورًا؛ لفساد المعنى. ويحتمل أن يكون: "ووجهه" مفعول معه، أي: "مع وجهه". الحديث الثالث [٤٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَل، وَأُحِلَّتْ لِي [الْغَنَائِمُ] (٢)، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ [خَاصَّةً] (٣)، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً" (٤). قولُه: "أعطيتُ خمسًا": أي: "خمس خِصَال"؛ ولذلك سَقَطَت العَلامة؛ لأنّ طريقة أسْماء العَدَد مُخَالفةٌ لطريقةِ غيرها، وذلك أنّك إِذَا عَددت مُذَكّرًا أنثتها، وإذا عَددت مُؤنثًا ذكّرتها (٥)، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾

стр. 272

[الحاقة: ٧]. (١) وإنَّما فعلوا ذلك لأنّ أصْلَ العَدَد وأوّله بـ "الهاء" من حيث إنه جماعة، والجماعة مُؤنثة، والمذكّر قبل المؤنث، فأعطوا الأُوْلَى [للأَوْلَي] (٢). (٣) وإن جاوزت "العشرة" ركّبت على الآحَاد العَشرة، فقلت: "أحد عشر"، إِلَى "تسعة عشر". وفائدة هذا التركيب للاختصار؛ لأنّ الأصل "أحد وعشرة"، فالاسمُ [الأوّل] (٤) مبني؛ لأنه ينزل منزلة صَدْر الكَلمة، وبُني الثاني لتضمّنه معنى الحرْف، وهو "الواو"، إلَّا "اثنا عشر"، فإنه مُعْرَب؛ لأنه لا يُوجَد في الأسماء مُثنى مُركّب مبني؛ ولأنه لو بُني لبَطُل دَليلُ التثنية. (٥) ثم إنّ "أحد" و"اثنان" يُذكّران مع المذكر، ويُؤنّثان مع المؤنّث، كما كانا قبل التركيب، وكذلك هما في سائر العُقود، تقُول: "أحد عَشر رجُلًا"، و"إحدى عشرة

стр. 273

امرأة"، و"اثنان وعشرون رَجُلًا"، و"اثنتان وعشرون امرأة". (١) وإنَّما جمعُوا بين عَلامتي تأنيث في "إحدى عشرة"، لأنّه جَاء في [حَال] (٢) التركيب كحَاله حَال الإفراد، إلا أنّه غير "الواحد"، إلى "الأحد"، و"الواحدة"، إِلَى "إحْدي" تخفيفًا. وأمَّا تأنيث الجزء الثاني مع المؤنث فيما بقى من العَدَد، وتذكيره مع المذكر: فجَاء على القياس المهجور. (٣) قولُه: "أُعطيتُ": "أعطي" يتعَدّى إِلَى مفعُولين، الأصْلُ فيهما الفَاعل والمفعول، بخلاف باب "حسب"؛ فإنّ الأصل [في] (٤) مفعوليها المبتدأ والخبر (٥). وهو مبني لما لم يُسَمّ فاعله، فالمفعولُ الأول "الضمير"، [وهو قائمٌ] (٦) مقام الفاعل، و"خمسًا" المفعولُ الثّاني. و"لم": حَرْفُ جَزْم (٧)، تقَدّم حُكْمُها في الثّالث من "بابِ [الجنابة] (٨))، وفي

стр. 274

الثّالث من "باب المذي". و"يُعطَهُنّ": فعل مُضارع، مبني لما لم يُسئم فاعله، مجزوم بـ "لم"، وعلامة الجزم حذفُ الألف، ومفعولاها الأوّل منهما مُتصل بالفعل، وهو ضميرُ [المؤنثات، والثاني] (١) القائم مَقَام الفاعل، وهو "أحد". وقوله: "من الأنبياء": يتعلّق بصفة لـ "أحد". [والجملة] (٢) من قولُه: "لم يُعطَهن" في محلّ صفة لـ "خمس". ويحتمل أن يتعلّق "من الأنبياء" بـ "يُعطَهن". والمعنى على الأول. وقوله: "قبلي": ظَرْفٌ، ومخفُوضٌ به، العَاملُ فيه "يُعطَهُن". [ويصحّ] (٣) أن تكُون حَالًا من "الأنبياء". ويعترضُه: أنّ ظَرْفَ الزّمَان لا يكونُ حَالًا من الجثة، كما لا يكُونُ [خَبرًا] (٤) عنها، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤] (٥). و"قبل": ظَرْفُ زمان، وقد تجيء للمَكَان، نحو: "داري قبل دارك". ومن خصائصها: أنَّها لا تُصَغّر، كـ "غير" و"سوي، وأسْماء الأيام والمشهور و"مع" و"قليل" -مع أَنَّهُ وجد "قُلَيِّل"- وجموع الكثْرة. (٦) وسيأتي ذكرها مُستوفىً في الرَّابع من

стр. 275

"تسوية الصفوف". قولُه: "نُصرتُ بالرّعْب": فعلٌ ماض، مبني لما لم يُسَمّ فاعله. و"مسيرة شهر": ظرفُ زمان، ومخفوض به. ويصلُح للمَصْدر؛ فيُقال: "بارك الله في مسيرك"، أي: "في سيرك". وفعله "سار" مُعتلّ العَين. وكُلّ ما عَينه مُعتلة فمَصْدَره: "مفعَل" بفتح "العَين"، والزمان والمكان: "مفعِل" بكسر "العَين"، نحو: "المقال والمقيل" و"المسار والمسير" و"المخاف والمخيف". فـ"مَسِيرة" أصله: "مَسْيَرة". (١) وأمَّا الصحيحُ: [فما كان] (٢) على "فعَل يفعِل" بفتح "العين" في الماضي وكسرها في المستقبل، فالمصدر منه: "مفعل"، والزمان والمكان: "مفعل" بالكسر، ما لم يكن فاؤه "واوًا"، أو لامه مُعتلة. فإن كانت فاؤه "واوًا"، نحو: "وَعَد"؛ فالمصدرُ منه والمكان والزمان: "مَفعِل"، نحو: "موعِد".

стр. 276

فإن كان مُعتلّ اللام؛ فالمصدر منه والزمان والمكان: "مَفعَل" -نحو: "مرمى"- لا غير. وأمّا "فعل يفعُل" -نحو: "قعد يقعُد"- و"فعل يفعَل" -نحو: "ذبَح يذبَح" -و"فعِل يفعَل"- نحو: "شَرِب يشرَب"، [فالمصدر] (١) والزمان والمكان منها: "مَفعل"، نحو: "مقعد" و"مشرب". إلا "فَعِل" إِذَا كان فاؤه "واوًا"، نحو: "وجِل يوجل"؛ فيكون فيه وجهان: "مَوجِل" و"مَوجَل" في المصدر والمكان والزمان. وهذا كُله إِذَا كانت "العَينُ" صَحيحة. واستثنى الشيخ "أَبُو إسحاق الزّجاج" (٢) ثمانية جاءت نوادر، عينه من "يفعلُ" مضمُومة، وفي "مَفْعِل" مكسُورة، هي: "المشرق" و"المغرب" و"المسجد" و"المنبت" و"المجزر" و"المفرق" و"المسكن" و"المطلع"، [إن] (٣) أردت المكان كسرت، وإن أردْت المصْدَر فتَحْت، وقد قُرئ: "حَتَّى مَطْلِع الْفَجْرِ" (٤). (٥)

стр. 277

إِذَا تقرّر ذلك: فـ "مَسيرة شهر" ظَرف زمان؛ لأنّها "مَفْعِلة" بكسر العين، والتقدير: "على مسيرة شهر"، ثم حُذف حرفُ الجر. وقوله: "وجُعلت لي الأرضُ مَسْجدًا وطهورًا": "جُعل" هنا مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والقائمُ مقام الفاعل: "الأرض"، و"مسجدًا" المفعول الثاني، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الرّابع من أوّل الكتاب. قولُه: "فأيّما رَجُلٌ": "أي" هنا [مُبتدأ] (١)، اسم شرْط. و"ما" زائدة، مُؤكِّدة. (٢) وَلَا يَجوز أن تكون "أي" موصولة؛ لأنّ الموصولة لا تُضافُ [إلَّا إلي] (٣) معرفة، وَلَا تتصل بها "ما"، وأيضًا فإن معنى الشرط ظاهرٌ فيها (٤)، ألا ترى أنّ المعنى: "إنْ [أدْرَكَت] (٥) رجُلًا الصّلاة". و"رجُل" مُضافٌ إليه. وجملة "أدركته الصلاة" في محلّ جزم بالشرط، [والخبر فيه] (٦). وجوابُ الشرط: "فليُصَلّ" (٧). ويجوز في "أيّما" أن تكون "ما" نكرة، و"رجُل" بدلٌ منه.

стр. 278

وتُضاف " [أي] (١) " إِلى نكرة مُطلقًا، نحو: "أي رجل". وقولنا: "مُطلقًا": أي: سواء كان المضافُ مُفردًا، أو [مثنىً] (٢)، أو مجموعًا، نحو: "أي رجُل" و"أي رجُلين" و"أي رجال". وقد تُضافُ إِلَى المعرفة إِذا كانت (٣) [مُثناة] (٤)، نحو قولُه تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، أو مجموعة نحو: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وَلَا تُضَافُ "أي" إِلَى مَعْرفة مُفرَدَة، إلَّا إِذا كان بينهما جمعٌ مُقَدّر، نحو: "أيّ زَيْدِ أحسَن"؛ إذ المعنى: "أيّ أجزائه أحْسَن". وتقَدّم أنّه لا تُضَافُ "أي" الموصولة إلَّا إِلَى معرفة، نحو قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، خِلافًا لابن عصفور. وَلَا تُضَافُ " [أي] (٥) " المنعوت بها إلَّا إِلَى نكرة، نحو: "مررتُ بفارس أيّ فارس". (٦) وسيأتي الكَلامُ على أقسَامها ومواضِعها بزيادةِ بسْطٍ في الأوّل من "كتاب الصّلاة".

стр. 279

قولُه: "من أُمتي": يتعلّق بصفة لـ "رجُل". وجملة "أدركته الصَّلاة": تقَدّم أَنَّهُ فعلُ الشّرط، وأنه في محلّ الخبر. وتقدّم قريبًا حُكمُ الشّرط وجَوابه. ويحتمل أن يكُون الخبرُ: "فليُصَلّ"، وفيه بُعْد؛ لأنه طلب؛ ولأنّ "الفاء" تمنع من ذلك، فيُقدَّر: "أيّما رَجُلٌ أَدْرَكَتْه الصّلاة صَلّاها"، وسياقُ الكَلام يدُلّ على ذلك. قال بعضهم: يُقَدّر الخبر فيما فرضه الله أو نبيه: "أيّما رجُلٌ أدركته الصّلاة"، كما قُدِّر في قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. (١) وظاهرُ كلامه أَنَّهُ لا يجوزُ أن تكون جملة "أدركته" الخبر؛ لأنَّها ليست محلًّا للفائدة؛ ولأنّ التقدير: "أيّما رَجُل مُدركٌ للصّلاة". قلتُ: والذي قَدّمته أظهَر؛ لأنّه لو كان [الفعل] (٢) مُستقبلًا لظَهر عَمَل الشرط فيه. فلو قلت: "أيّما رجُلٌ تُدركه الصّلاة فليُصَلّ" ظهر عَمل الشرط في فعله، كسائر أسماء الشّرط، ولأنّ تَعَذّر حرف الشّرط -وهو: "إنْ"- ظَاهِر في الفِعْل؛ لأنّك تقول: "أدركت رَجُلًا الصلاة فليُصلّ"، وفي الكَلام تقديرٌ لا بُدّ منه، أي: "أيّما رجُلٌ أدرَكَه أوقات الصّلاة" أو " ... فرضية الصَّلاة". وفي جعله "الصّلاة" مُدْرَكة تنبيهٌ على أنَّ التيمّمَ لا يكونُ إلَّا عند ضيق الوقت عن طَلَب الماء أو اليَأس منه. (٣)

стр. 280

"وأُحلّت لي الغنائم": معطوفٌ على "نُصرتُ بالرعب". وجملة "ولم تحل لأحَد" في محلّ الحال من "الغنائم". واللام في "تحلّ" يجُوزُ فيها الفتح والضم، وقيل: والكَسْر؛ لأنّ الفعلَ مجزوم، وهو مُضاعَف [الآخر] (١). (٢) [واختار] (٣) سيبويه في قولِه ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (٤) الضّم؛ اتباعًا لحركة "الهاء". (٥) [قولُه] (٦): "من قَبْلى": مُتعَلّق بصفة لـ "أحَد"، و"لأحَد" يتعلّق بـ "تحلّ". وتقدّم القَولُ آنفًا في "قبل"، وجملة القَول في " [أحد] (٧) " في الرّابع من الأوّل. قولُه: "وكان النَّبِيّ يُبعَثُ إِلَى قوْمه [خاصَّة] (٨)، وبُعثتُ إِلَى النّاس عامَّة": جملة "كَان" [تقدّمَت] (٩) هُنا، وكان حَقّها أن تتأخر؛ فيجيء الكَلام: "وبُعثتُ إِلَى النّاس

стр. 281

عامّة، وكان النَّبِيّ يُبعَث إِلَى قَوْمه"، [لكنّه] (١) قَدّمها تنبيهًا على ما هو أعلى منها، فلَمَّا كانت هذه الخصوصية من أعظم ما أوتيه ﷺ فعل هذا فيها دون غيرها مِمَّا اختص به ﷺ . قولُه: "وأُعطيتُ الشفاعة" (٢): الفعلُ مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والمفعول الذي لم يُسَم فاعله: ضمير مُستتر يعُود على المتكلّم، و"الشفاعة" المفعولُ [الثاني] (٣). والألِفُ [واللام في] (٤) "الشّفاعة" لمعهود في الذّهن، وهي "الشّفاعة العُظمى" (٥). قولُه: "وبعثتُ للناس عامَّة" (٦): "العامّة" خلاف "الخاصة". وعدّها بعضهم من ألفاظ التأكيد، وقَرَنَها بـ "كُلّ" و"جميع". قال ابنُ هشام: وعَدُّهما -يعنى: "جميع"، و"عامّة"- من ألفاظ التأكيد غريبٌ. قال: و"التاءُ" في "عامّة" بمنزلتها في "النافلة"، [فتصلُح] (٧) مع المذكّر والمؤنّث، فتقُول: "اشتريتُ العَبْدَ عَامّته"، كما قال الله تعالى: ﴿ويَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾

стр. 282

[الأنبياء: ٧٢]. انتهى. (١) ولم يرد في الحديث هُنا: "عامّتهم"، بل القَول في "عامّة" كالقَول في "خاصّة" في قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. (٢) فيصح أن يكون "عامّة" هنا (٣) [حَالًا] (٤) من "النّاس"، أي: "مُعمّمين بها"، أو يكُون نعتًا لمصدر محذوف، أي: "بعثةً عامّة". ويحتمل أن يكون حَالًا من ضَمير الفاعل، أي: "بُعِثتُ مُعَمّمًا للنّاس". (٥) والهاءُ للمُبالَغَة، كـ "عَلّامَة" و"نَسّابَة". (٦) وقيل: هو (٧) مَصْدَر، كـ "العَافية" و"النّافلة". (٨)

стр. 283

ويجوز أن "بُعث" ضُمِّن معنى "أُرسل"، أي: "أُرسِلتُ للنّاس عامّة"، أي: "إرسالة عامّة". (١) ورُوي في هَذا الحديث: "وبُعثتُ إِلَى النّاس كَافّة" (٢)؛ فيجري فيه مَا تقَدّم في "عَامّة". (٣) قال ابنُ مالك: جَعْلُ "كَافّة" حَالٌ من مُفْرَد لا يُعرَفُ. (٤) وكونُ [تائه] (٥) للمُبالَغَةِ مُعْترَضٌ؛ لأنّ ذلك مقْصُورٌ على السّماع، لأنّها إنّما تكون للمُبالَغة فيما كان على أحَد الأمثلة، كـ "فَروقة" و"مِهْذَارة". و"كافّة": "فاعلة"، ليس من أمثلة المبالَغة. (٦) وقال الزّمخشري: "كافّة" صفة لمصْدَر محذُوف. ورَدّ الزّمخشري على مَن قَال في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] أن تكُون "كافّة" حَالًا من "النّاس"، بأنّ (٧) تقديمَ حَال المجرور عليه (٨) لا يجوزُ. (٩)

стр. 284

قال الشّيخُ "تقيّ الدّين" (١): ويحتمل أن تكُون الألِفُ واللام في "الشّفاعة" لتعريف الحقيقة، نحو: "الرجلُ خيرٌ من المرأة". (٢) باب الحيض الحديث الأوَّل [٤١]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلا أَطْهُرُ، أَفَادَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: "لا، إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: " [لَيْسَ] (٤) بِالحْيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ [الْحَيْضَةُ] (٥) فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي" (٦). تقدّم القولُ على إعراب السَّنَد [إلي] (٧) قولُه: "سَألت". وسيأتي الكَلام على

стр. 285

"سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ ". و"سألت" في محلّ خبر "أنّ". وجملة "فقالت" معطُوفة [عليها] (١)، على معنى التفسير للسؤال، ولولا "الفاءُ" لكانت بَدَلًا منها. و"بنت": صفة لـ "فاطمة". وأصْلُ "بنت": "بنوة". وليست "التاء" في ["بنت" و"أخت"] (٢) عَلامة للتأنيث. قال سيبويه (٣): لو سَمّيت بهما رَجُلًا لصرفتهما مَعرفة؛ فلو كانت للتأنيث -كـ "فاطمة"-[لما انصرفتا] (٤). فإنْ قلت: فما عَلامةُ التأنيث؟ فالجوابُ: أنهما أقيما مقَام عَلامَة التأنيث، وهي تعاقبهما، فـ "الهاء" في ["ابنة" لتأنيث] (٥) "ابن"، ثم حذفوا الهمزة، واستغنوا بصيغة "بنت" عن ["ابنة"] (٦) في قيام "التاء" مقَام "الهاء" في "ابنة". ولم [يحتاجوا إلي] (٧) "الهمزة"؛ لأنّ الأوّل مُتحرّك. وإنَّما أُبدِل إحداهما من الأخرى؛ لأنّ "الهاء" لما كانت عَلمًا للتأنيث، [ووجدت "التاء" عَلمًا] (٨) للتأنيث، أُبدِلت إحداهما من الأخرَى.
следующие страницы →