← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكذا قولُه: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ ... ...................... (١) والحقُّ: أنَّ الدلالة لا تتمحّضُ في هذين المثالين؛ لاحتمال أن يكُون الحالُ من ضمير مُتعلق الخبر. قلتُ: إلَّا أنْ يُقال: الأصلُ في الخبَر التأخير، وإنَّما قُدِّم لضرُورة التسويغ للابتداء بالنكرة (٢)، وتقديمُ الحَال الذي أصْلُه صفَة [واجبٌ] (٣)؛ لأنَّ الصِّفةَ لا

стр. 387

تتقَدَّمُ على الموصُوف (١)، فإذا جَعَلنا العامِلَ في الحال الاستقرارُ في الخبر (٢)، وهو مُتأخِّر حُكْمًا؛ تنزل [منزلة] (٣) الحال المتقَدِّمَة على عامِلها، وذلك سَائغٌ في غير العَامِل المعنوي، وهذا عَامِلٌ معْنَوي، فلا يجُوزُ ذلك فيه باعتبار حُكْم أصْله (٤). وهَذا البَحْثُ قد يَنعَكِس، بأنْ يُقَال: الصِّفةُ أيضًا تُقَدَّر حَالًا مُتأخِّرة عن ضَمير الاستقرار، فتَقدُّمها كتَقدّم الخبَر (٥). قولُه: "لا يشهَدون الصَّلاة": في مَحَلِّ صفة لـ "قَوم"، أي: "غير حاضرين لصلاة الجماعة". "فأُحَرِّق": مَنصُوبٌ، بالعَطْفِ على "أنْطَلِق". و"عليهم: يتعلَّق بـ "أُحَرِّق"، وكذلك "بالنّار" مُتعلِّق به أيضًا. ويحتمل أنْ تتعلَّق "عليهم" بحَال مِن "النّار"، أي: "فأحَرِّق بيوتَهم بالنَّار في حَال كَوْنها عَلَيْهم"، ولكَون العَامِل الفِعْل، وهذا على مَذْهَبِ الكُوفيين في جَوَاز تَقْديم الحال على العامِل المعْنوي. (٦) ومنه قولُه:

стр. 388

إِذَا المَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا ... فمَطْلَبها كَهْلًا عليه شَديد (١) الحديث الرابع: [٦٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إذَا اسْتَأذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعُهَا". قَالَ: [فَقَالَ] (٢) بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهُ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله، فَسَبَّهُ سبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَقُولُ: وَاللهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟ (٣) وَفي لَفْظٍ: "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٤). وقد تقدَّم (٥) أنَّ التقدير: (رُوي عن عبد الله أَنَّهُ رَوَى عن النَّبِيّ ﷺ ) أَنَّهُ قَالَ"، فتتَعَلَّق "عن" الأُوْلى بالفِعْل المبني للمَفعُول، وتتعلَّق "عن" الثّانية بالفِعْل المبني للفَاعِل، ويُقَدَّر "أنّه قَال" الثاني في مَحلّ نَصْب، و"أنّه قَال" الأوّل في مَحلِّ رَفْع. (٦)

стр. 389

قولُه: "إِذَا استَأذَنت ... إِلَى آخِره": مَعْمُولُ القَول. وتَقَدَّم الكَلامُ على "إذا" وفِعْلها وجَوابها، والعَامِل فيها، [بالحديث] (١) الثّاني من "الأوّل". قولُه: "أحَدَكُم": مَفْعُولٌ بـ "استأذنت"، و"امرأتُه" الفَاعِل. وأُخِّر الفَاعِلُ عن المفعُول وجُوبًا؛ لأنه اتّصل بالفَاعِل ضَميرٌ يَعُود على المفْعُول، فهو كَقَوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلو تقدَّم الفاعلُ وفيه ضَمير المفعُول لعَاد الضَّميرُ على ما بعْدَه في اللفظِ والرُّتبة، وذَلك لا يجُوزُ، إلَّا فيما شَذّ، كقَوْلهم: "زَانَ نُورُه الشَّجَرَ". (٢) وسيأتي الكَلامُ على "امرئ" و"مَرْءٍ" و"امرأة" في الحديثِ السَّادِس من "الزَّكَاة". قولُه: " [إلي] (٣) المسْجِد: يتعلّق حَرْف الجرّ بمُقَدَّر، أي: "في الخُروج إِلَى المسْجِد". وعليه المعنَى؛ لأنَّ (استأذن) يتعدّى بـ "في"، و"خَرَج" يتعَدّى بـ "إلى". وهذا أحْسَنُ من غَيره. (٤)

стр. 390

ويحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعْنَى "في"، أي: "استأذَنَت في المسْجِد" (١)، كقوله: فَلَا تَتْرُكَنِّي بالوَعِيدِ كأنَّني ... إِلَى النّاسِ مَطْليٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٢) وهَذا لا يراهُ سيبويه. (٣) وكذلك يحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعْنى "اللام" التي للعلة، أي: "لأجْل المسْجد"، كقوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣]. (٤) [ويحتمل أن تتعلّق] (٥) بحَال، أي: "مُتوجّهة إِلَى المسْجد". قولُه: "فلا يَمْنَعْها": الفِعلُ مجزُومٌ بالنهي، و"الفاءُ" جوابُ "إذا". (٦) قالوا: وفي الحقيقة الجوابُ ما بعدها، وإنَّما استُجلبت"الفَاء" لأنّها تُؤذِن بالجَواب، ولو [كان] (٧) جَوابًا حَقيقة لحَسُن السُّكُوتُ عليها. (٨)

стр. 391

و"لا" هُنا ناهِيةٌ، والفِعْلُ معها مجْزومٌ بالسّكُون. (١) قولُه: "قَال": فاعله يعُود على غير مذكُور، وهو "مجاهد" راوي الحديث عن عبد الله بن عُمر، وكَانَ ينبغي لصَاحِبِ "العُمْدة" أن يُسمِّيه؛ لأنَّ له ذِكْرًا في الحديث. (٢) وليست "قال" في كُلّ النُّسَخ. قولُه: "والله لَنَمْنَعَهُنَّ": تقَدَّمَت حُرُوف القَسَم في العَاشِر من "كتاب الصَّلاة". وجَاءَ جَوَابُ القَسَم هُنا باللام وَحْدَها، ولو أُكِّد بـ "اللام" و"النُّون" لَقَالَ: " [لنمْنَعنَّهُن] (٣) ". قولُه: "فأقْبَل عَليه": فاعِلُ "قَال" للراوي، ولم يذكُره الشيخُ، وفيه ما تقَدَّم من الاعتراض عليه. والضّميرُ في "عليه" يعُودُ على "بلال". و"بلال" هذا [هو] (٤) أحَدُ بني عبد الله بن عُمر ﵄. قولُه: "فسَبَّه سبًّا سَيئًا ما سمعته سَبَّه مثله". [قولُه] (٥): "سبًّا": مَصْدَرٌ، وهو للنّوع؛ لأنّ المصْدَرَ إِذَا لم يَزد على مَدْلُول الفِعْل، فهُو مُؤَكِّد. (٦)

стр. 392

وإنْ زَاد بصفَةٍ - كما هُو [ههنا] (١)، وكقَولك: "ضَرَبتُه ضَربًا شَديدًا" - أو دَلَّ على هيئة - كقَولك: "جَلَسْتُ جِلْسَة" بكَسْر الجيم - أو أُضيف -[نحو] (٢): "ضَرب شُرْطي" - أو مُعَرَّفًا بـ "اللام" العَهْديّة - نحو: "ضَرَبْتُ الضرب" - فهَذا كُلّه للنوع. (٣) وإذا ثبَتَ ذلك: فلا شَكَّ أنَّ ضَميرَ المفْعُول في "سَبَّه" يَعُود على "بلال". و"سبًّا": مَصْدَر، و"سَيئًا": صفته. قولُه: "ما سَمعته سبّه مثله": جُمْلة في محلِّ الصفة لـ "سبًّا". وهَذه الضّمَائرُ الثّلاثة تحتمِلُ أوْجُهًا ثلاثة: - الأَوْلَى: أنْ يكُون التقديرُ: "ما سَمعْتُ ابنَ عُمَر سَبّ بلالًا مثل ذلك السَبّ"؛ فضَمير "سَمعته" يعُود على "ابن عُمَر"، وضَمير "سَبّه" يعُود على "بلال"، وضَمير "مثله" يعُود على السبّ. الوجهُ الثّاني: يكُونُ التقديرُ: "ما سَمعتُ سَبًّا من أحَد سَبّ سَبًّا مثل سَبّ ابن عُمَر"؛ فيكونُ الضّميرُ الأوّل [عَائِدًا] (٤) على السَّبّ، والثاني يعُودُ عليه أيضًا، وضَميرُ "مثله" يعُود على "ابن عُمَر" بتقدير مُضَاف، أي: "مثل سَبّ ابن عُمر"، ويكُون "مثله" [مَرْفُوعًا فاعل] (٥) "سبّه". وظاهِرُ الحديث تصدير الجُمْلة الواقعة في مَوْضِع المفعُول الثاني لـ "سَمع"

стр. 393

بالماضي، والمنقُول عن النحويين تصديرها بالمضارع؛ فيكُون ذلك حُجّة عليهم. ويصحّ أنْ يكُون التقدير: " ... مثل ابن عُمر في سَبِّه"؛ فيكُون المجْرورُ مُتعلقًا بحَال من "ابن عُمر". الثالث: يكون التقدير: "ما سَمعتُ ابن عُمر [سَبّ] (١) ذلك السبَّ أحَدًا مثل بلال"؛ فيكون ضَمير "سمعته" يعُود على "ابن عُمر"، وضمير "سبّه"، يعُود على "السبّ"، وضمير "مثله" يعُود على "بلال" المحذُوف. قولُه: "وقال: أخبرك عن رسُول الله ﷺ ": أي: "قال ابن عُمر". و"أخبر": من الأفعال المتعدِّية إِلَى مفعُولين، فتارة تتعَدّى إليهما بنفسها، وتارة تتعدّى إِلَى الثاني بحَرف الجر، مثل ما وَقَع ههنا. (٢) قولُه: "وتقول: والله لنمنعهن": مُسْتَأنَفٌ، وجُملةُ القَسَم وجَوابه مَعْمُولة للقَول. قولُه: "وفي لَفْظ": حَرْفُ الجرّ يتعَلَّق بـ "رُوي" أو بـ "جَاء" أو [بـ "يُروَى"] (٣) مُقدّرًا. وجُملةُ "لا تمنعوا إماء ... إِلَى آخره": محلّها رَفْع، مَفْعُول لم يُسَمّ فاعله لـ "رُوي" المقدَّر، أو [فاعل] (٤) لـ "جاء".

стр. 394

الحديث الخامس [٦١]: عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ، قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْر، وَرَكْعَتَيْنِ [بعْدَ الظُّهْرِ] (١)، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَة، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ". (٢) وَفي لَفظِ: " [فَأَمَّا] (٣) الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ، فَفي بَيْتِهِ". (٤) وَفِي لَفْظٍ: أَن ابْنَ عمر، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيْفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ"، وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ على النَّبِيِّ ﷺ فيهَا (٥). هذا الحديثُ أدخَله "الشّيخُ" في "باب فضل الجماعة"، وظاهرُهُ لا يتعلَّقُ بها إلّا من وَجْه بعيد، وذلك أنَّ النّوافل التي ذكَرها بعد الصلوات إنّما كانت بعْد صَلاةِ الجماعة مع النَّبِيّ ﷺ . (٦) وقد يُقال: إنَّ صَلاةَ الجماعة تَزيد فَضيلتُها بما يتقدَّم عليها وبما يتأخّر عنها، كانتظارها، والتنفّل قبْلَها، والتنفّل بعْدَها، والذِّكْر عقيبه؛ فذَكَر "الشيخُ" آكَدَها، [وهُو] (٧) الصلوات المذكُورات، وما يُستحَبّ منها في المسجد وفي البيت؛ ولأنّهم قَالوا (٨): إنَّ التّنفّلَ في البيتِ أفضَلُ إلَّا النَّوافِل الرَّواتب قبْل الصلَاة

стр. 395

في المسْجد (١). قولُه: "قبل الظهر، وبعد الظهر": تقدّم الكَلامُ على "قبل" و"بعد" في الحديث الرّابع من "الأوّل"، وفي الثّالث من "باب [التيمم] (٢)). و"مع": تقدّم الكَلامُ عليها في الأوّل من "المسح على الخُفَّيْنِ". قوله: "ركعتين": تثنية "رَكْعة"، مَصدَر "رَكَعَ". والعاملُ "صلى" ضُمن معنى "رَكَعَ"، كما قيل في: "قَعَدتُ جُلوسًا"، ضُمن مَعنى "جَلَس". (٣) وأوْجَب ذلك: أنّ "صلَّى" لا يتعدّى إِلَى مفعول به، وإنَّما يتعدّى لمصدره أو مَا وضع مَوْضع المصْدَر، كقَولك: "صَلّيتُ صَلاة". (٤) قالُوا: وتَعْرِف غَيْرَ المتَعَدّي بوجُوه: - منها: أن لا يُبنى منه اسم مفعُول، وكذلك "صَلّى" لا يُبنى منه اسمُ مَفْعُول؛ فلا يُقال: "زَيْدِ صُلي"، فهو "مُصَلّ"، ويُقَال: "زَيْدِ ضُرب"، فهو "مَضروبٌ". وإنَّما يجُوزُ: "صُلِّيت الصَّلاةُ"؛ لأنه جرى مجرى الأسماء.

стр. 396

قال أَبُو البقاء: "الصَّلاةُ" مَصْدَر "صَلَّى"، ويُراد بها هُنا الأفعال والأقوال المخصوصة؛ فلذلك جَرَت مجرى الأسماء غير المصادر. (١) الثاني: أن لا يتصل به ضمير غير ضَمير مَصْدَره، وكذلك هو هنا، تقُول: "الصّلاةُ صَلَّيتُها". الثالث: أن يَدُلّ على سَجيَّة، وهو ما ليس حَرَكَة جسم من وصْف [غير ثابت] (٢)، كـ "مَرِضَ"، و"كَسِل"، و"نَهِم"، و"جَبُن"، و"شَجُع". (٣) و"الجمعة": يأتي الكَلامُ عليها في الثّاني من "الجمعة". قولُه: "ركعتين": ليست مفعُول به؛ لما تقرّر وتبيّن. وقوله: "فأمّا": تقدّم الكَلام عليها في السّادس من "باب الاستطابة". والتقدير: "مهما [يكُن] (٤) من صَلاةٍ بعْدهُن ففي بيته"، أي: "بعد الجمعة والمغرب والعِشَاء". قولُه: "وفي لفظٍ: [أنَّ] (٥) ابن عُمر: [إن] (٦) قدّرت: "وجَاء في لَفْظٍ: أنَّ ابن عُمر"؛ [ففاعل] (٧) "جَاء": "أنَّ"، ومَا [بعْده] (٨) على الحكَاية. وإنْ قَدّرت "ورُوي":

стр. 397

كَانت [الجملة] (١) في محلّ القائم مَقَام الفَاعِل. قولُه: "قال: حَدّثتني حَفْصَة": جُملة في محلّ خَبر "أنّ"، وجُملة "حَدّثتني" مَعْمُولة للقَول. و"أنّ النَّبِيّ ﷺ ": محلّه نصب بإسقاط الخافض، أي "بأنَّ"؛ فيتعلّق بـ"حَدَّث". و"حَدّث" (٢) من الأفعَال السّبعة التي تتعَدّى إِلَى ثلاثة، وهي: "أعْلَم" و"أرَى" و"أنْبَأ" و"نبَّأ" و"أخْبر" و"خَبَّر" و"حَدَّث" (٣). فـ "أعْلَم" و"أرى": منقُولان بالهمزة من "عَلم" و"رَأى". وأمّا الخمسة الباقية: فتتعدّى إِلَى مفعولين، الثاني منهما بحَرْف الجر، وقد يُحذَف حَرْف الجر؛ تقُول: "حَدَّثتُ زَيدًا عن عَمرو"، و"حَدّثت زيدًا عَمْرا قَائِمًا"، وتقُول: "حَدّثتك بهذا"، و"حَدّثتك هذا". وقد اجتمعا في قَوله تعَالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣]. (٤) إِذَا ثبت ذلك؛ فقُولها: "كان يُصلّي سَجدَتين" جملة في محلّ خَبر "أنَّ"، وجملة

стр. 398

"يُصلّي" في محلّ خَبر "كان"، والجمْلة الأوْلى في محلّ رَفْع، والثانية في محلّ نَصْب. و"سَجْدَتين خفيفتين" القَولُ [فيهما مثْل] (١) ما تقدَّم في "رَكْعتين". قوله: "بعْدَمَا يَطْلع الفَجْر": "ما" بعْد "بعد" مَصْدَرية غَالبًا (٢). وقد تقَدّم القَولُ على "ما" المصْدَرية. قوله: "وكانت سَاعة": اسمُ "كَان" محذُوف، تقديره: "وكانت سَاعةُ تلك الصَّلاة ساعةً لا أدخُل"، فحُذف الاسمُ؛ لدلالة الخبر عليه، ولكَرَاهَة (٣) الجمْع بين المبتدأ والخبر بلفظٍ واحدٍ، وقد يَحْسُن هنا [لأنَّه] (٤) وَصْفَ الخبر بالجُمْلة الفعْلية بعْده، وهي: "لا أدْخُل على النبي ﷺ ". قوله: "فيها": يتعلَّق بـ"أدْخُل". ومَعْمُولُ "أدْخُل" محذُوفٌ، أي: "لا أدْخُلُ على النبي ﷺ ". وهَل هُو (٥) ظَرْفٌ، أو مَفْعُول به؟ الأوّل لسيبويه، والثّاني للجرمي، وهُما قَوْلان مَشْهُوران. (٦)

стр. 399

الحديث السادس: [٦٢]: عنْ عائِشَةَ ﵂، قالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى شيءٍ منَ النَّوافِلِ أشَدُّ تَعاهُدًا منْهُ عَلى رَكْعَتَي الفَجْرِ". (١) وفي لفْظٍ لِمُسْلِمِ: "رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وَمَا فِيهَا". (٢) قوله: "لم يكن": علامةُ الجزْم السكونُ. وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثالث من "المذي". ولا يجوز حذفُ نون "يكُن" هنا؛ لأنّه إذا وَلي "النون" [ساكنٌ] (٣) لم يجز حذفها، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. وإنْ وَليَهَا مُتحرّك جَاز، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧]، و ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]. وهذا مما اختصّت به "كان". [ولذلك] (٤) شروط، منها الذي تقَدّم، ومنها: أنْ لا يتّصل بها ضَمير منصُوب، مثل قَولك: "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ" (٥). (٦) [وقولها] (٧): "على شَيءٍ": في الكَلام حَذْفٌ، تقديره: "لم يكن تعاهُد النبي ﷺ

стр. 400

على شيء أشَدّ منه تعاهُدًا على رَكعتي الفجر". فقوله "على شيء" يتعلّق بالمحذُوف المضَاف، أي: "لم تكُن محافظته". و"المعاهَدة": "المحَافظة". و"أشَدّ": خبر "كان"، وهو "أفعَل من". و"منه" يتعلّق بـ"أشَدّ"، و"تعاهُدًا" تمييز، و"على ركعتي الفجر" [بالتمييز] (١). ولا يصلح أنْ يتعلّق "على شيءٍ" بصفة لـ (تعاهُدًا)، تقَدّم، فانتصب على الحال؛ لأنّ تمييز "أفعَل" لا يتقَدّم عليه (٢)، فكذلك صفته. ولا يتعلّق بـ"تعاهُدًا" نفسه؛ لأنّه مصْدَر، والمصدرُ لا يتقَدّم عليه ما يتعلّق به إنْ كَان مُنحَلًّا إلى "أنْ والفِعْل" بلا خِلافٍ، كما هُو هُنا. وإنْ كَان غير مُنحلٍّ: فالأكثرون على المنع، وجَوّزه بعضهم في نحو: "لزيدٍ بالطبّ مَعرفة"، وليس على هذا أكثرهم، بل يحتمل أن يكون "بالطّب" مُتعلقًا بالاستقرار [في] (٣) المجرور المقَدّر خبرًا. (٤) فإن قُلت: قد قدّرت: "لم يكن تعاهُد النبي"، و"أفعل" متى كان ما بعده من [جنس ما] (٥) قبْله وَجَبَت الإضافة (٦)، فكان الواجب أن يقول: "تعاهُد النبي ﷺ

стр. 401

أشَدّ تعاهد". [وكذلك] (١) اختلف النحويون في [توجيه] (٢) قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ لأنّ "ذِكْرًا" منصُوبٌ، وهو [مِن] (٣) جنس ما قبله، ولو كان مِن غير جنسه لم يحتاجُوا إلى تكلّف التوجيه، وخرّج ذلك على خمسة أوْجُه، انظرها في موضعها. (٤) والجوابُ هُنا: أنّ الاعتبار باللفظ من غير تقدير، وأما التقدير فيصير الباب كُلّه واحدًا. ألا ترى أنّك لو قُلت: "زيدٌ أشَدّ قُوّة" لنَصبت، مع أنّ التقدير: "قُوّة زيد أشَدّ قوة"، فالنظر إنّما [هُو] (٥) إلى اللفظ لا إلى المقَدّر. (٦) إذا ثبت ذلك: فقال الجوهري: "تعهّدتُ فُلانًا"، و"تعَهّدتُ ضيعتي" أفصَح من قولك: "تعاهَدت"؛ لأنّ "التعاهُد" إنها يكُون من اثنين. (٧) قوله: "وفي لفظ لمسلم": تقَدّم مثله قريبًا. قوله: "ركعتا الفجر خَير": مُبتدأ وخَبر.

стр. 402

وأخبر عن المثنّى بـ"خَير"؛ لأنّه "أفعَل من"، و"أفعل من" لا يُثنّى ولا يجمَع (١). وقد تقَدّم قريبًا أنّ المطابقة تجب إذا كان مُعرّفًا بـ"اللام"، وتجوز إذا كان مُضَافًا، ويجب الإفراد إذا استُعمِل بـ"من". (٢) باب الأذان الحديث الأوّل [٦٣]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ". (٣) قوله: "أُمِرَ بلالٌ": جملة في محلّ معمُول القَول. و"أُمر" مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" في الثّالث من "فضل الجماعة"، وفي الأوّل من "السّواك". وهُو مِن الأفْعَال التي تتعَدّى إلى المفعُول الثّاني بحرف الجر، فالأوّل هُنا "بلال"، وهُو القَائمُ مَقَامَ الفاعِل، والثّاني "أنْ" بتقدير حَرْف الجر. [و"أنْ"] (٤) المصْدَرية تقَدَّم الكَلامُ عليها في الرّابع من الأوّل، وفي العاشِر منه. وقد عَملت هُنا النصب في "يشفع"، وقد يَسْقُط عَمَلها؛ فتُهمَل، حَمْلًا لها على "ما"

стр. 403

المصْدَريّة؛ لتسَاويهما في كَوْنهما حَرْفَين مَصْدريين ثنائيين (١)، ولذلك شَوَاهِد. قَالَ ابن جني: قَرَأتُ على مُحمّد بن الحسَن - يعْني: ابن دُرَيد - عن أحْمَد بن يحيى - يعني: ثَعْلبًا - قَوْلَ الشّاعر: يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا ... وَحَيْثُمَا كنْتُمَا لُقِّيتُمَا رَشَدَا إنْ تَحْمِلا حَاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُهَا ... تَسْتَوْجِبَا مِنّةً عِنْدِي بهَا وَيَدَا أنْ تَقْرَآنِ [عَلى] (٢) أسْمَاءَ وَيْحَكُمَا ... مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُخْبرا أحَدَا (٣) فقال: "أنْ تَقْرَآن"، فأثبت "النون"، ولو نصَب لقَالَ: "أن تقرآ"؛ فينكَسِر البيتُ. (٤) قال أبو حيّان: الأمْرُ من "أمر"، تُحْذَف فَاؤه؛ فيُقَال: "مُر"، وإثباتُها قَليلٌ، أي "أأْمُر". فإنْ تقَدَّمته (٥) "فَاء" أو "وَاو": فإثباتٌ، [فإنّه] (٦) أجْوَد، كَقَوله تعَالى: ﴿وَأْمُرْ

стр. 404

أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. ويتعَدّى إلى مَفْعُولين الثاني بحَرْف الجر. (١) قلتُ: وليس هذا على إطلاقه، فقَد تقدَّم قَريبًا أنّه إنما يحذف حَرْف الجرّ من مفعُوله إذا كان مَصْدرًا، نحو: "أمَرتُك الخير"، و "أمَرتُك بالخير". وأمّا في نحو قولك: "أمَرتُك بزَيدٍ"، فإنه لا يجُوزُ: "أمَرتُك زَيدًا"، نبّه على هذا "السهيلي" (٢) ﵀ (٣). وإنما استُعمل الحذْف في أفْعَال مَسْمُوعَة، هي: "أمَر"، و "اخْتَار"، و "أستَغْفر"، و "سمّي"، و "كنّي"، و "دَعا". (٤) ويُقَال: "أذان" و"تأذين" و "أذين"، وقيل: "الأذين" للمُعْلِم بالوقْت، "فَعيلٌ" بمعنى "مُفْعِل"، ويُقال: "أذن، تأذينًا" و"أذانًا"، فوضع الاسم مَوْضع المصْدَر، وأصْله من "الأذن"، كأنه يُلقي في آذان الناس مَا يَدْعُوهُم إلى الصَّلاة. (٥)

стр. 405

الحديث الثاني [٦٤]: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائِيّ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ في قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أنْظُرُ إلى بَيَاضِ سَاقَيْه، قَالَ: فتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمالًا: حَيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الْفَلاح، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنزَةٌ، فتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلى الْمَدِينَةِ" (١). قوله: "عن أبي جُحَيفة": "جُحيفة" لا ينصرفُ؛ للعَلمية والتأنيث. وهو مُرَكّبٌ تركيب إضافة، كـ"أبي هُرَيرة" (٢). وقد تقدَّم الكلامُ على هذا وما أشبهه في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"وَهْب": بَدَلٌ منه، أو عَطفُ بيان. و"السُّوَائِيِّ": ممدودٌ، صفة لـ"أبي جحيفة"، ولا يكُونُ صفة لـ"عبد الله"؛ لأنَّ النعوتَ والأبدَال إذا تكَرّرت فهي راجعة إلى الأول حَقيقَة، فإنْ رَجَعتهما إلى الآخَر كان الأصلُ خِلافه، لكن يَبْقَى فيه تقديم البَدَل على الصِّفَة، والأصْلُ خِلافه. (٣) قوله: "أتيتُ": "أتى" المقْصُور يتعَدَّى لواحِدٍ، والممدُود بمعنى

стр. 406

"أعطى" يتعدَّى إلى اثنين، نحو: "آتيتُ زيدًا درهمًا" (١) قوله: "في قُبّة": يتعلّق بحَال من "النبي ﷺ "، أي: "أتيتُه كائنًا، أو جالسًا". ويحتمل أن يتعلّق بخبر مُبتدأ محذوف، أي: "وهو في [قُبّة] (٢) ". وحَذْفُ المبتدأ مقرونًا بـ"واو" الحال كثيرٌ، منه قوله في الحديث: "رَأَيْت رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي في ثَوْبٍ مُشْتَمِلٌ بِهِ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ" (٣)، أي: "وهو مُشْتَمِلٌ". (٤) وجمعُ "قُبّة": ["قِبَبة"، و"قِبَاب"] (٥). وقوله "له": حَرْفُ الجرّ يتعلَّق بصفة لـ"قُبّة"، و "حَمْراء" صفَة أخْرَى. وتقْديمُ الصفة المقَدَّرة على [الصّفة] (٦) الظاهِرَة جَائزٌ، خِلافًا لابن عصفور. (٧) وحَمَل قول امرئ القيس: وَفَرْعٍ يَزِينُ الْمَتْنَ أسْوَدَ فَاحِم ... أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ (٨)

стр. 407

على الضّرورة. (١) و"حمراء": لا ينصرفُ؛ لأجْل ألِف التأنيث الممْدودة. (٢) ويحتمل أن تكُون "حمراء" حَالًا من الضّمير في مُتعلّق "له"؛ لأنّها في معنى [المنتقلة] (٣). قوله: "مِنْ أَدم": يتعلّق بصفة أخْرَى لـ"قُبّة". ويحتمل أن يتعلّق بحَال من "قُبّة"؛ لأنَّ النّكرة تخصصّه بالصّفة، أو (٤) بحَال من ضَمير مُتعلّق "له". و"مِن" هُنا لبيان الجنس، وتحتمل التبعيض. (٥) قوله: "قال: فخَرَجَ بلال": فاعِلُ "قال": ضميرُ "أبي جحيفة". قوله: "بوَضُوء": "الوَضُوء"، بالفتح: "الماءُ الذي يُتوضّأ به". وقيل: "هُو اسمٌ لمطْلَق الماء". (٦)

стр. 408

قوله: "فمِنْ ناضِح ونَائِل". قال الشيخُ تقيّ الدّين: "النّضحُ": "الرّشُّ". قيل: معناه: "أنَّ بعضهم كان ينالُ ما لا يَفْضل منه شَيءٌ، وبعضُهم كان ينالُ منه ما ينضح منه على غيره". وتشْهَد له الرّواية الأخْرَى في الصّحيح: "وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمسَّحَ بِه، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ" (١). انتهى. (٢) ويتوجّه في إعرابه أنْ يكُون التقديرُ: "فمنّا نَاضِحٌ ومنّا نائِل". فـ"ناضح" و "نائل": مُبتدآن، وخبرهما في المجرور، الذي هو "منّا"، ثم حذف المجرور، وبقي حَرْفُ الجرّ [مُتصلًا] (٣) بالمبتدأ؛ فانجَرّ، وهذا من وَجيز الكَلَام وفَصيحِه؛ لأنّه أفَاد ما يُفيده أكثر منه لَفْظًا. ويحتمل أنْ يكُون التقديرُ: "فنائلٌ لا ينالُ منه، ومن ناضِح ينال منه"؛ فيتعلّق حرفُ الجر بـ"ينال"، ويُفسَّر الحديثُ بالرّواية الأخْرَى؛ لأنّها تدلُّ عليه. و"من" هُنا للتفْصيل، وهو أحَدُ أقسَامها (٤)، والمفَصّلُ مَحْذوفٌ، والتقديرُ: "خَرَجَ بلال بوضوء على النّاس ... "، والتقسيمُ في محلّ بدَل، بدَل كُلّ من كُل، مُفصّل من مجمُوع.

стр. 409

ويحتمل أنْ تكُون "من" زائدة، والتقديرُ: "فخَرج بلال بوضُوء على النّاس، فقِسْمان، ناضِحٌ ونائِلٌ". [أو] (١) يكُون التقديرُ: "فمِنْهم ناضِحٌ، ومنهم نائِلٌ". ومثله: "انطَلَق النّاسُ، فمِن مُسْرع، ومِن مُبْطِئ". قوله: "فخَرَج النبي ﷺ عليه حُلّة حَمْرَاءُ": (عليه) يتعلَّق بخَبر المبتدأ. والمسَوِّغُ للابتداء بالنّكرة: تقَدُّم الخبر (٢). والصّفة والجمْلَة من المبتَدأ والخبر في محلّ الحَال. وجَاءَت الحَالُ (٣) بالضّمير وَحْده، ولَو جَاءَت به وبـ"الوَاو" لكَانَ أكْمَل. (٤) قوله: "كأني أنظُر إلى بياض سَاقيه": "كأنَّ" حَرْفٌ مُرَكّب عند أكثرهم، حتى ادّعَى بعضُهم الإجْمَاع عليه، وليس كَذلك، بل قيل: إنّها بسيطة. وقد تُخفّف؛ فيَجُوزُ إعمالهُا وإلغاؤُها. (٥) ولها مُشدَّدَة [أربعة] (٦) مَعَان: -

стр. 410

أحدها: وهو الغَالِبُ عليها، التشبيه، وإنما يكُون ذلك إذا كان خبرها اسمًا جامدًا، نحو: "كَأنّ زيدًا أسَدٌ". بخلاف: "كأنَّ زَيدًا قائمٌ"، أو: "في الدّار"، أو: "عندك"، أو: "يقُوم"؛ فإنّها في ذلك كُلّه للظَّنّ، وهذا (١) القسْم الثّاني من أقسامها. والتشبيهُ بها أبلَغ منه بـ"الكَاف"؛ لأنّها أكثرُ حُروفًا، ولأنّها مُرَكّبة من "الكَاف" وزيادة، ولأنّ "أنَّ" مَعَها تُشْعِر بالتأكيد في "الكَاف"، ولأنَّ الكَلامَ مَعَها مَبنى على التشبيه؛ لوقوعها في صَدْر الجُمْلة لَفْظًا وتقْديرًا، وتشبيهُ "الكَاف" [طار في] (٢) أثناء الكَلام. الثاني من أقسامها: التحقيق، نحو قولهم: فأَصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ (٣) أي: "لأنّ الأرضَ ... ". الثالث: "أنّ" الكَافَ للتعليل، و"أنّ" للتوكيد، فهي كَلمتان، لا كَلِمَة، ونظيره: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. الرابع: التقريب، قاله الكُوفيون، وحملوا عليه: "كأنّك بالشِّتاءِ مُقبلٌ"، و"كأنّك بالدّنيا لم تكُن". (٤)

стр. 411

ومحلُّ "كأني أنظُر": حَالٌ من محْذوف، تقديره: "أحْكي لكُم كأني أنظر"، أي: "محقّقًا ذلك". ومعنى الجملة: حَال من "النبي ﷺ ، أي: "خَرَج في حُلّة حمراء محققًا بياض سَاقيه"، فتضمّنت الجملة معنى الحَال من "النبي ﷺ ". قوله: "قال: فتوضّأ: الفاعلُ: ضميرُ "وهب". وهذا الوضُوء يدُلُّ على أنّ الإناءَ الذي خَرَج به "بلال" لم يكُن فيه فَضْل وضُوء النبي ﷺ ، إلّا أنْ يُقال: "إنّه توضّأ مرّتين لسَبب". قال بعضُهم: فيه تقْديم وتأخير، أي: "فتوضّأ، فخرج بلال". وهذا فيه قلق. = معان، وزاد عما ذكره العلماء (أنها للتعليل). ولعل السبب وجود سقط بالمخطوط أو بنسخة "ابن فرحون" من "مغني اللبيب". وأنقُل لك نصّ "ابن هشام" حتى يتبين لك موضع الاشتباه. فقد قال ابنُ هشام: "وذكروا لكَأنّ أربعة معان: - ١ - أحدها: وهو الغالب عليها والمتفق عليه، التشبيه ... بخلاف: (كأنّ زيدًا قائم)، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن. ٢ - والثاني: الشك والظن ... ٣ - والثالث: التحقيق، ذكره الكوفيون والزجاجي ... فإن قيل: فإذا كانت للتحقيق، فمن أين جاء معنى التعليل؟ قلتُ: من جهة أنّ الكلام معها في المعنى جواب عن سؤال عن العلّة مُقدّر ... وأجيب بأمور، أحدها: ... الثاني: أنه يحتمل أن ... الثالث: أنّ الكاف للتعليل، وأنّ للتوكيد، فهما كلمتان لا كلمة، ونظيره: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]، أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين. ٤ - والرابع: التقريب ... ". وانظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٣، ٢٥٤). وراجع: عقود الزبرجد (١/ ٤٧٦ وما بعدها)، الجنى الداني (٥٧٠ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٩٤ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (١/ ٤٨٦)، الكليات للكفوي (ص ٧٥٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٨).

стр. 412

ويحتمل أن يكُون الإناءُ أولًا كان فيه فَضْل وضُوءه ﷺ من وضُوء قبل هذه الصّلاة. ويحتمل أن يكُون جَدّد الوضُوء؛ لأنّ الوضُوء على الوضُوء نُورٌ على نور. ويحتمل أن يكُون " ﷺ " أخَّر الوضُوءَ، وكان [تبرّكهم] (١) بما في إنائه الذي من عادته ﷺ يتوضّأ فيه أو منه. والله أعلم. قوله: "وأذّن بلال": مَعْطوفٌ على الفعل قبله. وفي تكرير "قال" تأكيدٌ للحديث والمحَدّث عنه، أو يكُون "قال" الثّانية [بَدَلًا] (٢) من الأولى. قوله: "أتتبعُ فَاه": فاعلُ "أتتبع": ضميرٌ يعُود على "وهب"، وضميرُ "فاه" يعُود على "بلال"، هذا الظاهرُ. ويحتمل أنْ يكُون الرّاوي عن "وهب" حَكى أنه جَعَل يتتبع فَم "وهب" عند حكايته. والظاهرُ الأوّل. (٣) والمرادُ بقوله: "هاهنا وهاهنا": "اليمين والشمال"، وهما هنا ظرفا مكان؛ لأنّ الإشارة إلى المكَان [بـ: "هاهُنا"] (٤). و "هاهنا" و "هِنّا" - بكسر "الهاء" وتشديد "النّون" - من ظُروف المكان (٥). و"يَمينًا وشمالًا": بَدلٌ من "هاهنا وهاهنا". (٦) وفاعلُ "يقول": ضَميرُ الرّاوي عن "وهب"، أي: "يقُول وهْب: حيّ على

стр. 413

الصّلاة، حيّ على الفلاح، في جهة اليمين، وفي جهة الشمال". وفي بعض الروايات: "فجَعَلْتُ أتَتَبّعُ فَاهُ، هَاهُنا وهَاهُنا، يَمِينًا وَشمَالًا" (١). وفي بعضها: "يَقُولُ يَمِينًا وَشمَالًا، يقُولُ: حَيّ على الصَّلَاة" (٢) تأكيدًا للفِعل بالفِعْل لَفظًا. ويحتمل أنْ يُضَمّن "يقُول" الأولى معنى "ينحرفُ يمينًا وشمالًا، يقُول: حَيّ على الصّلاة"؛ فيكُونان ظرفين. وسيأتي في العاشر من "كتاب الصّوم" (٣) الكَلام على "ههنا" [و"هُنا" و"هِنا"] (٤). و"الفم" تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّاني من "باب السّواك". قوله: "يقُول": ههنا، فيه التعبيرُ بالقَول عن الفِعل، وقد جاء في الحديث من ذلك: "فَقَالَ بِيَدِه كَذَا" (٥). قوله: "حَيّ على الصّلاة": قال بعضُهم: أصلها: "حيهل" مُتّصلة، اسمُ فعل، ومعناها: "أسرع"، أو: "أقْبِل سَريعًا". وفيها لُغاتٌ، أحدها: هذه. وفصلُ "الياء" من "هل" (٦). وتشديد "الياء"،

стр. 414

وتسكينها. وإبدال "العَين" (١) بـ"الياء". وهي مَبنية؛ لكَونها اسم فِعْل. وحَقُّ الاسم الواقع بعدَهَا أن يكُون منصوبًا بالإغراء، ولا يُتوَهّم أنّ "العَينَ" و"اللام" في آخرها حَرف جَر. (٢) و"الفلاحُ": "الفَوزُ". انتهى. (٣) قلتُ: والذي عليه الأكثرون: فصلُ "على" على أنّها حرف جَر (٤)، لكنّ ألفاظَ الأذان كُلها سَاكنة، لا تُروَى بنَصْبٍ ولا بجَر. قوله: "ثم ركزت له عَنَزَةً": معطُوفٌ على قوله "فتوضّأ"، وعلى قوله "وأذّن بلال". قوله: "وصَلّى الظُّهرَ رَكعتين": أي: "صَلاة الظُّهر"، فتعدّى "صلّى" إلى مَصْدره. وتقدّم في الخامس من "باب فضل صَلاة الجماعة". و"ركعتين": هنا حَالٌ من "الظّهر"، وهي حَال مُقدَّرة، مثل قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (٥)، هذا إن حُمل الكلامُ على الشّروع في الصّلاة، وأنّ "صلى" بمعنى "شرَع".

стр. 415

وأمّا إنْ حمل على صُورة الواقع منه ﷺ من تكميل الصّلاة، وأنَّ "صلّى" بمعنى "كمل الصّلاة"، فالحالُ مُقَارنة، أي: "أوْقَع فِعْلها في حَال كونها ركعتين". قوله: "فلم يزَل يُصلّي رَكعتين": تقَدّم الكّلامُ على "ما زال" في [الحديث من] (١) "باب فضْل الجماعة". و"لم" و"لا" في حُكْم واحد مع "زال"، وأصلُه مع "ما" النافية "زول" بكَسْر "العَين"، ومُضارعه "يزال"، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ﴾ [المائدة: ١٣]، كـ"خَاف، يخاف". وأمّا "زال" التي بمعنى "الانتقال": فإنّ ماضيها "فَعَل" بفتح "العين" (٢). قوله: "يُصلي ركعتين": جملة في محلّ خبر "زال". والتقديرُ: "يُصلّيها ركعتين"، فـ"ركعتين" حالٌ من ضمير "الصّلاة"، وتقدّم بيانُ ذلك في الخامس من "صَلاة الجماعة". قوله: "حتّى رَجع إلى المدينة": "حتّى" حَرفُ ابتداءٍ وغاية (٣)، ويتعلّق بـ"يُصلّي"، ولا يتعلّق بـ"يزال"؛ لأنّ المعنى ليس عليه.

стр. 416

الحديث الثالث [٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُوم" (١). جُمْلة "يُؤذِّن" في محلّ خَبر إنَّ، و "بليل" يتعلّق به، و "الباءُ" ظَرْفية (٢)، والتقدير: "في ليل طويل قبل الفجر"، ثم حَذَف الصفة لفَهْم المعنى، كقَوله تعَالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] أي: "البيّن"، وكما قيل في قوله تعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: ["أي مَعاد"] (٣). (٤) وتقَدَّم أقْسَام "البَاء" في الرّابع من "باب الاستطابة". قوله: "فكُلوا": "الفَاءُ" سَببية (٥). وأصْلُ "كُلْ": "أُأْكُلْ"، فالأولى مجتَلبة للوَصْل، والثانية "فاء" الكلمة،

стр. 417

فحُذفت الثانية لاجتماع المثلين حَذْفَ شُذوذ، فوَلِيَتْ "هَمزةُ" الوصْل ["الكَافَ"] (١)، وهي مُتحرِّكَة، فحُذفت "هَمْزةُ" الوصْل لزوَال مُوجبها، وهي "الهمْزَة" السّاكنة. (٢) ومثله: "خُذ". (٣) ولا [يُقَاسُ عَليه] (٤)؛ فَلا يُقَالُ في الأمْر من "أجَر، يأجرُ": "جر". (٥) قالوا: وحَكَى سيبويه "أو كُلْ" شَاذًّا. (٦) وعَلامَةُ البناء في "كُلوا" حَذْفُ النُّون عند جَمَاعة، منهم: "ابن النحّاس"، ووافَقَه "ابن عطيّة". (٧) قال أبو حيّان: [وليس] (٨) هذه طريقة البصريين، فإنّ فِعْلَ الأمر عندهم مبني على السكون، فإذا اتصل به ضَميرٌ بَارز كانت حَرَكَةَ آخِره مُنَاسِبةٌ للضّمير، نحو: "كُلي" و"كُلا" و "كُلوا"، ويبقى في الإناث سَاكِنًا، نحو: "كُلْن"، فليس فيها "نُون"

стр. 418

تُحذَف للأمْر. (١) نعَم، ما [ذكروه] (٢) يجري على طريقة الكُوفيين في أنه مُعْرَب، وأنَّ أصله: "لتأكلا"، و"لتأكلوا"، فحذف "النون" للجَازم. (٣) قوله: "حتى تَسْمَعُوا": تقدّم الكَلامُ على "حتى" في ثاني حديث من أوّل الكتاب. و"تسْمَعُوا": فِعْل مُضارع - وفاعِل - منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "حتى"، وعلامة نصبه حَذْفُ "النون" من آخره. (٤) وتقَدّم الكَلامُ على "سَمع" في أوّل حَديثٍ من الكتاب. وهو هُنا مُتعلق بصَوْتٍ؛ فيتعَدّى إلى واحد (٥)، وهُو "أذان". و"ابن أم مكتوم": اسمه: "عمرو بن قيس". (٦) و"حتى": يحتمل أن تتعلّق بـ"كُلوا"، وهو اختيارُ الكوفيين. ويحتمل أن تتعلّق بـ"اشربوا"، وهو اختيارُ البصريين. (٧)

стр. 419

الحديث الرّابع [٦٦]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ" (١). تقدّم إعراب السّند، ومُتعلّقات حروف الجر. وتقدّم ذكرُ الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل مختصرًا، وأنّ جملة "﵁" وجملة " ﷺ " لا محلّ لهما من الإعراب؛ لكونهما مُعترضتين. وهن خمس، هذه أحدها، والثانية: جملة الصّلة، والثالثة: المفسّرة، والرابعة: جملة جَواب القَسَم، والخامسة: المستأنَفة. (٢) فالمعترضة تقَدّمَت. وجملة الصّلة: نحو: "جَاء الذي قام أبوه". (٣) والمفسّرة هي: "الكاشفة حقيقة ما قبلها"، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٤) [القصص: ٤٨]، فقالوا (٥): وما بعده جملة مُفسّرة لكُفرهم، ونحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، فـ"لهم" وما بعده مُفسّر للوَعْد (٦).

стр. 420

وزَعَم الشّلوبين أنّ الجملة المفسّرة بحسب ما هي تُفسّره، فإن كان لا محلّ لها فلا محلّ لها، نحو: "زيدًا ضربته"، ألا ترى أنّ "ضربته" مُفسّر لـ"ضربت" محذوفة، وهي جملة مُستأنفة لا محلّ لها، وإن كان لها محلّ فلها محلّ بحسبه، نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فـ"خَلَقناه" مُفسّر لـ"خَلقنا" مُقَدّرًا ناصبًا لـ"كُلّ شيء"، وذلك المقَدّر في محلّ رَفْع على الخبر، فكذلك مُفَسّره. (١) مسألة: قَد يُقَال: إنَّ المبتدأ إذا كَان مَوصُولًا مُضمّنًا معنى الشّرْط كَان خبره صِلته، كما أنّ جملة الشّرط هي الخبر، وهي نظيرة الصّلة. ويُؤيّد ذلك أنهم رُبما جَزَمُوا جَوابه (٢)، كقوله: كَذَاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلَى النَّاسِ ظَالِمًا ... تُصِبْهُ عَلَى رَغْمٍ قَوَارِعُ مَا صَنَعَ (٣) وهي مُشكلة يُحاجَي بها، فيُقال: أين تكُون الصّلة لها محلّ؟ وخبرُ المبتدأ إذا كان جملة لا محلّ لها، وذلك مثل قوله: "مَن يقوم أكرمه"، فـ"يقوم" جملة الصّلة، ولا محلّ لها، باعتبار أنّه جملة صِلة. فيُقَال: أين تقع جملة لا محلّ لها خبر مُبتدأ؟

стр. 421

أو يُقال: أين تقع جملة الصّلة لها محلّ؟ *** وأمّا الجملة المستأنَفة: [فهي التي] (١) تقَع أوّل الكَلام، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. (٢) والمعترضة تقَدّمَت. [قوله] (٣): "إذا سَمعتم المؤذّن": المعنى: "إذا سمعتم صوت المؤذّن يُؤذّن فقولوا". تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث [الثّاني] (٤) من أوّل الكتاب، وعلى "سَمِع" في أوّل حديثٍ من الكتاب. قوله: "مثل ما يقول": نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فقولوا قولًا مثل ما يقول". وتقدّم قول أبي حيان (٥)، وأنّ مذهب سيبويه (٦) في هذا وأمثاله [النصب] (٧) على الحال من مصدر مفهوم من الفعل، محذوف بعد إضماره على سبيل الاتساع، أي: "قولوا القول في حال كونه مثل ما يقول"، وجعل له نظائر من الكتاب والشّعر. ويحتمل أن يكون مَفعُولًا بالقول؛ لأنّ "المثل" هو المقول. قال الزّمخشري: يُقال: "مثل" و "مثيل" و"مَثَل"، كـ"شِبْه" و "شَبَه" و"شبيه". قال: واستُعير للحَال أو الصّفة إذا كَان لها شَأنٌ، وفيها غَرَابة. (٨)

стр. 422

ويجمَع على: "أمثال". (١) وأعلم أنّ "مثل" [أو] (٢) "غير" إذا أضيف إلي "ما" و"أنْ" و"أنّ" يجوز بناؤهما؛ لأنهما أشبها الظروف لإبهامهما، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٣) [الذاريات: ٢٣]، فـ"مثل" مرفوع المحلّ صفة [لـ"حَقّ"] (٥)، وبناؤهما على الفتح لإضافتهما إلى "ما". وقيل: هو منصوبٌ على الحال. (٥) وأمّا "غير": فنحو قول الشّاعر: لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ منْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذاتِ أَو قَالِ (٦) فبني "غير" على الفتح، وهي فاعلة بـ"يمنع"؛ لإضافتها إلى "أن" المصدرية، ولو رفع لكان على الأصل. (٧)

стр. 423

فـ"مثل" ههنا يحتمل أن تكون الحركة فيها حركة إعراب، ويكون الفعل منصوبًا بـ"يقول"؛ لأنّه صفة لمصدر، كما تقَدّم. ويحتمل أن يكُون منفيًا، والحركة فيه فتحة، والمحلّ منصوبٌ [بالقول] (١). وفرّق بعضهم بين "المثل" و "النحو" في قوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُؤئِي هَذَا" (٢)، فقَال: إنّما عَدَل عن "مثل" إلى "نحْو"؛ لأنّ مثل وضوئه ﷺ يتعذّر على المكلّف. (٣)

стр. 424

باب استقبال القبلة الحديث الأوّل [٦٧]: عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِه، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِه، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ". وَلِمُسْلِمٍ: "غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ". وَللْبُخَارِيِّ: "إلَّا الْفَرَائِضَ". قوله: "باب استقبال القبلة": تقدَّم الكَلامُ على اشتقاق "الباب" في أوّل حديث من الكتاب، مع إعراب السّند مُستوفى. قوله: "كان يُسبّح": جملة في محلّ خَبر "أنّ". و"حيث": تقدّم الكَلامُ عليها في الحديث العاشر من أوّل الكتاب. وقد قال "المهدوي" غير المفسر (١): إنّ "حيث" لها حُكم الظروف، إلا إذا دَخَل عليها حرف جَر، كقَول ابن دُريد: ثُمَّتَ راحَ في المُلبِّينَ إلى ... حيثُ تَحجَّى المأزَمينِ ومِنى (٢) فقال: إنّ "إلى" تقلب "حيث" من باب الظروف إلى باب الأسماء؛ لأن أسماء الزمان وأسماء المكان إنما تكون ظروفًا إذا أفضي إليها الفعل ووصل إليها كما يصل إلى سائر مفعولاته، فإذا دخل عليها حرف الجر كانت كسائر الأسماء. ولما نقل

стр. 425

بدخول الجار عليه إلى الاسمية؛ انتقل حكم الجملة التي بعدها؛ لأنها قبل أن تلحق بالأسماء على حكم ما يُضاف من الظروف إلى الجمَل. وتقدَّر الجملةُ التي بعدها مجرورة بإضافتها إليها. وإذا لم تجر مجرى الظروف المضافة إلى ما بعدها من الجمل، وانتقلت إلى باب الاسمية؛ كان ما بعدها مُقدّرًا وَصْفًا لها. فإن قيل: حُكم ما بعد الصفة أن يكون فيه ضمير يعُود إلى الموصوف، ونحن نرى ما بعد "حيث" لا يختلف حَاله، بل هو على حالة واحدة. قيل له: هو محذوفٌ. والذي سَهّل حذفه: لزومُ الصفة للموصوف، ومُشابهتها للصلة، مع ما في الحذف من الاختصار. وقدّر المحذوف في البيت في قوله: "إلى حيث ... " أي: "إلى المكان الذي تحجّى فيه المأزمان ومنى"، ثم حذف العَائد اختصارًا، على ما تقَدّم، وهذا حُكم سائر الأزمنة والأمكنة. انتهى. (١) قلتُ: وقد أنكَر جمال الدّين بن هشام هذا التقدير الذي اختاره "المهدوي". (٢) وجملة "كان" في محلّ الجر بالإضافة إلى "حيث". والعاملُ في "حيث": "يُسبّح". و"كان" الثانية تامّة، أي: "حيث يُوجّه وجهه". وتقدّر التامة بـ"حضر" و "وقع" و "وجد" (٣)، وهي ههنا بمعنى "وجد"، أي:
следующие страницы →