← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أو يُقال: أين تقع جملة الصّلة لها محلّ؟ *** وأمّا الجملة المستأنَفة: [فهي التي] (١) تقَع أوّل الكَلام، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. (٢) والمعترضة تقَدّمَت. [قوله] (٣): "إذا سَمعتم المؤذّن": المعنى: "إذا سمعتم صوت المؤذّن يُؤذّن فقولوا". تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث [الثّاني] (٤) من أوّل الكتاب، وعلى "سَمِع" في أوّل حديثٍ من الكتاب. قوله: "مثل ما يقول": نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فقولوا قولًا مثل ما يقول". وتقدّم قول أبي حيان (٥)، وأنّ مذهب سيبويه (٦) في هذا وأمثاله [النصب] (٧) على الحال من مصدر مفهوم من الفعل، محذوف بعد إضماره على سبيل الاتساع، أي: "قولوا القول في حال كونه مثل ما يقول"، وجعل له نظائر من الكتاب والشّعر. ويحتمل أن يكون مَفعُولًا بالقول؛ لأنّ "المثل" هو المقول. قال الزّمخشري: يُقال: "مثل" و "مثيل" و"مَثَل"، كـ"شِبْه" و "شَبَه" و"شبيه". قال: واستُعير للحَال أو الصّفة إذا كَان لها شَأنٌ، وفيها غَرَابة. (٨)

стр. 422

ويجمَع على: "أمثال". (١) وأعلم أنّ "مثل" [أو] (٢) "غير" إذا أضيف إلي "ما" و"أنْ" و"أنّ" يجوز بناؤهما؛ لأنهما أشبها الظروف لإبهامهما، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٣) [الذاريات: ٢٣]، فـ"مثل" مرفوع المحلّ صفة [لـ"حَقّ"] (٥)، وبناؤهما على الفتح لإضافتهما إلى "ما". وقيل: هو منصوبٌ على الحال. (٥) وأمّا "غير": فنحو قول الشّاعر: لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ منْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذاتِ أَو قَالِ (٦) فبني "غير" على الفتح، وهي فاعلة بـ"يمنع"؛ لإضافتها إلى "أن" المصدرية، ولو رفع لكان على الأصل. (٧)

стр. 423

فـ"مثل" ههنا يحتمل أن تكون الحركة فيها حركة إعراب، ويكون الفعل منصوبًا بـ"يقول"؛ لأنّه صفة لمصدر، كما تقَدّم. ويحتمل أن يكُون منفيًا، والحركة فيه فتحة، والمحلّ منصوبٌ [بالقول] (١). وفرّق بعضهم بين "المثل" و "النحو" في قوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُؤئِي هَذَا" (٢)، فقَال: إنّما عَدَل عن "مثل" إلى "نحْو"؛ لأنّ مثل وضوئه ﷺ يتعذّر على المكلّف. (٣)

стр. 424

باب استقبال القبلة الحديث الأوّل [٦٧]: عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِه، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِه، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ". وَلِمُسْلِمٍ: "غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ". وَللْبُخَارِيِّ: "إلَّا الْفَرَائِضَ". قوله: "باب استقبال القبلة": تقدَّم الكَلامُ على اشتقاق "الباب" في أوّل حديث من الكتاب، مع إعراب السّند مُستوفى. قوله: "كان يُسبّح": جملة في محلّ خَبر "أنّ". و"حيث": تقدّم الكَلامُ عليها في الحديث العاشر من أوّل الكتاب. وقد قال "المهدوي" غير المفسر (١): إنّ "حيث" لها حُكم الظروف، إلا إذا دَخَل عليها حرف جَر، كقَول ابن دُريد: ثُمَّتَ راحَ في المُلبِّينَ إلى ... حيثُ تَحجَّى المأزَمينِ ومِنى (٢) فقال: إنّ "إلى" تقلب "حيث" من باب الظروف إلى باب الأسماء؛ لأن أسماء الزمان وأسماء المكان إنما تكون ظروفًا إذا أفضي إليها الفعل ووصل إليها كما يصل إلى سائر مفعولاته، فإذا دخل عليها حرف الجر كانت كسائر الأسماء. ولما نقل

стр. 425

بدخول الجار عليه إلى الاسمية؛ انتقل حكم الجملة التي بعدها؛ لأنها قبل أن تلحق بالأسماء على حكم ما يُضاف من الظروف إلى الجمَل. وتقدَّر الجملةُ التي بعدها مجرورة بإضافتها إليها. وإذا لم تجر مجرى الظروف المضافة إلى ما بعدها من الجمل، وانتقلت إلى باب الاسمية؛ كان ما بعدها مُقدّرًا وَصْفًا لها. فإن قيل: حُكم ما بعد الصفة أن يكون فيه ضمير يعُود إلى الموصوف، ونحن نرى ما بعد "حيث" لا يختلف حَاله، بل هو على حالة واحدة. قيل له: هو محذوفٌ. والذي سَهّل حذفه: لزومُ الصفة للموصوف، ومُشابهتها للصلة، مع ما في الحذف من الاختصار. وقدّر المحذوف في البيت في قوله: "إلى حيث ... " أي: "إلى المكان الذي تحجّى فيه المأزمان ومنى"، ثم حذف العَائد اختصارًا، على ما تقَدّم، وهذا حُكم سائر الأزمنة والأمكنة. انتهى. (١) قلتُ: وقد أنكَر جمال الدّين بن هشام هذا التقدير الذي اختاره "المهدوي". (٢) وجملة "كان" في محلّ الجر بالإضافة إلى "حيث". والعاملُ في "حيث": "يُسبّح". و"كان" الثانية تامّة، أي: "حيث يُوجّه وجهه". وتقدّر التامة بـ"حضر" و "وقع" و "وجد" (٣)، وهي ههنا بمعنى "وجد"، أي:

стр. 426

"حيث وجد وجهه من الجهات". ويكون "الوَجْه" هنا عبارة عن الذات، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. (١) قوله: "يُومئ برأسه": جملة في محلّ الحال من الضّمير في "يُسبّح"، أو من الضّمير المضاف إليه في "وجهه". والأوّل أبين. ويُقَال: "أوْمَى" بغير همز، ومنه: "أوْمَت إليّ برأسها". (٢) قوله: "وكان ابن عُمر يفعله": الضّميرُ في "يفعله" يعود على "التسبيح"، ويحتمل أن يعُود على "الإيماء". قوله: "وفي رواية": يعني: "لمسلم والبخاري"، ويبيّنه قوله: "لمسلم". "كان يُوتر": فإنْ قدّرت: "ورُوي في رواية"؛ فالجمْلة في محلّ مفعُول لم يُسمّ فَاعله. قوله: "ولمسْلِم: غير أنّه لا يُصلّي عليها المكتُوبة": هذه الرّواية انفرد بها "مُسلم". والضميرُ في "أنّه" يعُود على "النبي ﷺ ". ولفظ حديثه: "كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيَوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ" (٣). وتقَدّم مُتعلّق حرف الجر. ومثله: "وللبخاري". قوله: "غير أنّه": يحتمل أن يكون نصب "غير" على الاستثناء من الأحوال،

стр. 427

أي: "يُصلّي في سفره على الرّاحلة في أحواله كُلها إلّا حالة صَلاة المكتوبة". [وحُكم] (١) "غير" حُكم ما بعد "إلّا" في الاستثناء، إن كان مُوجبًا فهي منصُوبة، وإن كان غير مُوجب فهي مرفُوعة (٢). ويحتمل أن يكُون نصْبه على الاستثناء المنقَطع، كما قيل في قول طرفة بن العبد: يَلُومُ وَمَا أدْري عَلامَ يَلُومُني ... كَما لامَني في الحَيِّ قُرْطُ بن أعبَدِ على غَيرِ ذَنْبٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنَّني ... نَشَدْتُ فَلَم أُغفِلْ حَمُولَةَ مَعبَدِ (٣) قال ابنُ النحاس: "غير" ههنا نصب على الاستثناء المنقطع. (٤) و"غير": مُفرد مُذكّر في جميع الأحوال. وذكر صاحب "الصّحاح" أنه يجمع على: "أغيار". (٥)

стр. 428

وتُقطَع عن الإضافة في اللفظ، فيُقال: "ليس غير". وذكر ابنُ مالك في "ليس غير" الضم والفتح. قال: وقد يُنوّن، ولا يدخُله الألِف واللام، ولا [يتعرّف] (١) بإضافة إلى معرفة. انتهى. (٢) قال [غيره] (٣): يجوز فيه الضم والفتح مع التنوين مع "ليس"، والحركة حركة إعراب؛ لأنّ المضاف مَنْوي، والتنوينُ لا يلحق إلا المعربات. (٤) قوله: "وللبخاري: إلّا الفرائض": جملة "إلّا الفرائض" مبتدأ، والخبر: "للبخاري"، أي: "هذا اللفظ كائنٌ للبخاري". ويحتمل أن تكون في محلّ مفعُول لم يُسمّ فاعله بـ"رُوي"، أو فاعل بتقدير "جَاء". و"الفرائض": منصُوبٌ بالاستثناء. اختُلف في مَذْهب مالك إذا صَلّى على الدّابة بعد أن تُوقَف له وتُعلّق حتى لا تتغير، ثم يُؤدّي الفريضة عليها كما يُؤدّيها على الأرض، على قَولين، [بالجواز] (٥) والكراهة، ذكره الفاكهاني (٦).

стр. 429

الحديث الثّاني: [٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: "بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّام، فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ". قوله: "بينما": التقدير: "بين أثناء أزمنة كَون النّاس"؛ لأنّ "بين" يقتضي شيئين فصَاعِدًا، ويُقال: "بَيْنَا" بحذف "الميم" (١) قَال الشّاعر: بَيْنَا نَحْن نَرْقُبُه ...... ... ......................... (٢) فـ"بين" هُنا ظَرْف، و "النّاس" مُبتدأ، و "بقُباء" يتعلّق بالخبر، أي: "مستقرون بقُباء". و"قُباء": يجوز فيه الصّرف مع المدّ على أنّه مُذكّر، ويجوز المنع من الصّرف بتأويل البُقعَة، ويجوز فيه القصر. (٣)

стр. 430

ويأتي الكلامُ على لفظ "النّاس" في الثالث من "الخسوف". وتتعلّق "في صلاة الصبح" بحال من الضمير في الخبر، أي: "كائنين في صلاة الصّبح". والعاملُ في "بين": الخبر المقدّر في المجرور، وتقَدّم الكَلامُ على "بين" و "بينما" في الثّالث من "السّواك". و"إذ جاءهم": "إذ" هُنا للمُفاجأة، كـ"إذا"، وهو من أقسَامها عند الأكثرين، ولا تقع إلّا بعد "بينا" و "بينما". وهل هي حرف أو ظَرف مَكان أو ظَرف زَمان؟ أقوال. (١) والعامِلُ فيها فِعلها، وهو "جاءهم"، وليس هو في محلّ جر. ولا يجوز أن يعمل في "بين": "جاءهم"؛ لأنّ الفعلَ لا يعمل في ظَرفين إلا على طريق البدل. (٢) وسيأتي تمام الكلام على "إذ" مُستوفى في الحديث السّادس من "الجنائز". وقد قَال ابنُ الحاجب: إنّ العَامِل في "إذا" الفُجائية معنى المفاجأة. (٣) وينبغي أن يُقَال به هُنا؛ إذ هو أحسَن من تكلّف التقدير، خصوصًا إن كان

стр. 431

تقديرًا لا يُعطي المعنى. (١) ولما كانت "بينما" أو "بَيْنَا" تقتضي جَوابًا التزموا أن لا يقع بعدها [إلّا] (٢) جملة أو مُفرد مصدر، كقولك: "بينما الناس"، والمفرد كقولك: "بينما قيام زيد قام عمرو". (٣) و"جَاء": يأتي الكَلام عليها في الثّامن من " [فصل] (٤) الصوم في السّفر". قوله: "آت": فاعل، وعَلامة الرفع ضَمّة مُقدّرة، وهو اسمُ فاعل من "أتى، يأتي" صفة [لموصُوف] (٥) محذوف، أي: "رجُل". وهذا من المواضع التي يجوز فيها حَذفُ الموصوف، لأنّ الإتيان بالخبر لا يكون إلّا من جنس الموصوف المحذوف. (٦) قوله: "فقال: إنّ النبي": "إنّ" كُسِرت بعد القَول، وجَاء فتحها. (٧) وتقدّم ذكر مواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب. و"أُنزل" و "أمر": مبنيان لما لم يُسَمّ فَاعله. وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" في الثالث من "فضل الجماعة".

стр. 432

و "أنْ" في محلّ نصب بـ"أمر". وتقدّم القَولُ على ذلك في أوّل "باب السواك". قوله: "فاستقبلوها": يُروَى بكسر "الباء" على الأمر، ويُروَى بفتحها على الخبر. وضميرُ المفعول في "استقبلوها" بكسر "الباء" يعود على "أهل قباء"، وبفتحها يحتمل أن يعُود عليهم، ويحتمل أن يعُود على "أصحاب النبي ﷺ المصلّين معه". قوله: "وكانت وجوههم إلى الشام": تحتمل الجملة أن تكون مُستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. ويحتمل أن تكُون في محلّ الحال من ضَمير المفعول في "جاءهم"، وتُقَدّر معه "قد". ويحتمل أن تكون مُعترضة لا محلّ لها، وهو أظهر؛ لقوله "فاستداروا" عطفًا على "استقبلوها". وقوله "إلى الشّام": يتعلّق بخبر "كان". الحديث الثالث: [٦٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: "اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّام، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْر، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي على [حِمَارِه] (١)، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ ! فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي رَأْيْتُ رَسُولَ اللهَ ﷺ يَفْعَلُهُ [لم أفعله] (٢) " (٣). قوله: "استقبلنا أنسًا": كان "أنس" في الشّام، فقَدم البصرة، فخَرَجُوا من البصرة إليه؛ فَرحًا بقُدومه (٤). وجُملةُ "استقبلنا" مَعْمُولة للقَول. قوله: "حين قَدم من الشّام": تقَدّم الكَلَامُ على "حين" في السّادس من "صفة

стр. 433

الصّلاة"، وفي الرّابع من "كتاب الصّلاة". وجميع نُسَخ "مُسلم" (١): "حين قَدم الشّام". (٢) قال القاضي عياض: وهو وَهْمٌ. وصَوَابه: "قَدم من الشّام" (٣). قال الشّيخُ تقيّ الدّين: و "من الشّام" هو الصّواب. (٤) وجُملةُ "قَدم": في محلّ جَرّ بالظرف. قوله: " [فلقينا] (٥) ": معطُوفة على جملة ["استقبلنا"] (٦)، وكذلك "فرأيته". والرؤيةُ بَصَريّة؛ فتتعَدّى لواحِد، وهو الضّميرُ. (٧) و"يُصلّي": في محلّ حال من الضّمير المفعول. قوله: "على حمَار": يتعلّق بـ"يُصلّي"، ويحتمل أنْ يتعلّق بـ"رأيته". ويجري فيه خِلاف البصريين والكُوفيين. (٨) قوله: "ووجهه من ذا الجانب": "الوَاو" واو الحال، و"وجهه" مُبتدأ، و "من ذا"

стр. 434

يتعلَّق بخبره، و"الجَانب" صفته. [و"ذا] من أسْماء الإشَارة] (١)، ثُنائي لَفْظًا، ثُلاثي وَضْعًا. قَالَ أبو البقاء: لقولهم في التصغير: "ذَيَّا"؛ فرَدّوه. (٢) وقال الكُوفيون والسّهيلي: هو على حَرْفٍ واحد وَضْعًا، وألِفه زائدة. [قال] (٣) أبو البقاء: لقولهم: "ذه أمة الله". (٤) وأجيب: بأنَّ "الهاءَ" بَدَلٌ من "الياء"، وبُني لشبهه بالحرْف لَفْظًا ومَعْنى. وقيل: لافتقاره إلى مُشَار إليه. وتدلّ (٥) على قُرْب المشَار إليه. (٦) قوله: "يعني عن يسار القبلة": جملة مُعترضة، لا محلَّ لها من الإعراب و "عن يسار القبلة" بدلٌ من "ذا"؛ فتتعلّق "عن" بما تعلّق به "من"، وهو الخبر. ويأتي الكلام على "عن" قريبًا في الحديث الثّالث من "باب الصفوف". قوله: "فقلتُ: رأيتك": جُمْلة "رأيتك" مَعْمُولة للقَول. والرُّؤية بَصَرية. و "تُصلّي" في محلّ الحال. وحَرفُ الجر في "لغير" يتعلّق بـ"تُصلّي".

стр. 435

و"لولا": حرفُ امتناع لوجود. (١) وتقدّم [في] (٢) "باب السواك" من أحكامها جملة صالحة. وتأتي "لولا" حَرْف تحضيض، كـ"هلّا"؛ فيليها الفعل، ظاهِرًا أو مُضْمَرًا. (٣) وتكُونُ نافية، كقَوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. ورُدّ هذا، وضُعِّف. (٤) ومتى جاءت حَرف "امتناع لوجُود" لزم بعدها اسم مرفوع بالابتداء عند البصريين. والخبر محذوف عند جمهورهم، خلافًا لأبي الحسن ابن الطراوة في أنَّ جملة الجواب خَبر. (٥) وقال الفرّاء: الاسمُ بعدها مرفوعٌ بها، وقال الكسائي: بفعل محذوف. (٦) ويقع بعدها ضمير مجرور، خِلافًا للمبرد في منعه ذلك، وهو في مَوضع جَرّ بها

стр. 436

عند سيبويه، وفي موضع رفع عند الأخفش، من باب استعارة ضمير الجر للرفع، كما استعير ضمير الرفع للجَر في قولهم: "ما أنا كأنْت ولا أنت كأنا". (١) قال الشيخُ تقيّ الدّين وغيره: في الحديث صَلاته إلى غير القبلة، ولا يُؤخَذُ منه أنه ﵇ صلّى على حمار. (٢) قيل: وقد غَلَّط الدّارقطني وغيرُه [عَمرا] (٣) في نسبَةِ ذلك إلى النبي ﷺ ، وإنما المعروفُ صَلاته على الرّاحلة. (٤) قلتُ: وفي الموطّأ: عن عبد الله بن عُمَر، قَالَ: "رَأيتُ النّبي ﷺ يُصَلِّي وهُو على حمَارٍ، وهُو مُتَوَجّه إلى خَيْبَر" (٥). إذا ثبت ذلك: فـ"لولا" هنا "حَرف امتناع لوجود". و"أني": "أنّ" واسمها، وخبرها: جملة "رأيتُ رسول الله"، وجملة "أن" واسمها وخبرها في محلّ مبتدأ على القاعدة. والخبرُ هنا واجبُ الحذف، على ما تقدَّم من تقدير ابن مالك (٦) في "باب

стр. 437

السواك"، وسَدّ جَواب "لولا" عن ذكر الخبر، والتقدير: "لولا رؤيتي فعل رسُول الله ﷺ [موجودة] (١) لي ما فعلته". و"ما فعلته" هو الجوابُ. ورُوي: "لم أفعله" (٢)، وهُو مثله. قال ابنُ مالك: لو أتى المبتدأ بعد "لولا" مصدرًا بمعنى الخبر أغنى عنه، مثل: "لولا قيام زَيد لأكرَمتك". (٣) قلتُ: وهَذا هُنا مثله، أي: "لولا رُؤيتي فعل رسُول الله ﷺ محقّقة - أو موجُودة - عندي ما فعلته" وذلك أنّ "أن" [مع] (٤) ما يليها مُقَدّر بمَصْدَر، مثل: "لولا قيام زَيد لأكرمتك". وهذا أحَدُ المواضع الأرْبَعة التي يجب فيها حَذْف الخبر. الثّاني: في: "لعَمْرُك لأفْعَلنّ". الثّالث: في مثل: "ضربي زيدًا قائمًا"، و "أخْطَبُ ما يكُون الأمِيرُ قائمًا". الرّابع: في مثل: "كُلُّ رَجُل وضَيعَته"، أي: "مَقْرونان" (٥)

стр. 438

ولهذا مَوْضع تُذْكَر فيه، وتقَدَّمَت في الأوّل من "السواك". باب الصفوف الحديث الأوّل [٧٠]: عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيةَ [الصّف] (١) مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ" (٢). قوله: "قَال" الأولى، في محلّ رَفْع، خبر "أنّ" المقَدَّرَة القَائِمَة مَقَام الفَاعِل. و"سَوُّوا": أصله: "سَويوا"، اجتمعت "الياء" و"الواو"، وسُبقت "الواو" بالسّكون، فأُدغمَت "الياء" في "الواو"، واتصل بها الضَّمير؛ فصَار على هَذه الصيغة. وعَلامةُ البناء حَذْفُ "النّون" عند بعضهم، أو السّكون المتعَذَّر لأجْل الضّمير عند آخَرين (٣). وقد تقدّم. قوله: "صفوفكم": مفعُولٌ به، وهو جَمْعُ: "صَف". ولو قال: "سَوّوا صفّكم" أفاد المعنى (٤)، كقوله: كُلُوا في نصْف بَطْنِكُمُ تَعيشُوا ... .................. (٥).

стр. 439

و"التسوية": مَصْدَر "سَوَّى"، كـ"لبَّى تَلبية"، وهو مُضَافٌ إلى المفعول. قوله: "من تمام الصّلاة": يتعلّق حَرف الجر بخبر "إن". و"تمام" مصدر "تمّ"، وهو مُضافٌ إلى الفاعل. وتقدّم القول على التبويب. و"الأوّل" صفة للحديث. و "الحديث" مبتدأ، خبره جملة الحديث على الحكاية. وتقدّم مُتعلّق حرف الجر في الأحاديث الأُوَل، ومعنى "عن" في الثالث من "باب الصفوف". الحديث الثاني [٧١]: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (١). وَلِمُسْلِمٍ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا [يُسَوِّي] (٢) بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا [عَنْهُ] (٣)، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ، حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: عِبَادَ الله، لتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٤). قوله: "عن النعمان": يتعلّق بـ"روى" المقَدّر. وقوله: "قال": في محلّ خَبر "أن" مُقَدّرَة. وجملة "يقُول" في محلّ حَال من

стр. 440

"رَسُول الله ﷺ " على المختار. وقيل: في محلّ مفعول به. وقد تقدّم في أول حَديث من أوّل الكتاب تقدير ذلك مُستوفىً. قوله: "لتُسوّنّ": "اللام" جواب قسَم مُقَدّر، أي: "والله لتسوّنّ"، وأكّد بـ"اللام" و"النون" (١)، وقد تقدّم في الحديث العاشر من "كتاب الصلاة" ذكر حروف القسم، فليُنظر هنالك. واعلم أنَّ الجملة التي تقع جَوابًا للقسم، إمّا اسمية، أو فعلية. أمّا الاسمية، فعلى قسمين: مُوجبة، ومنفية. فالموجبة: باللام وبـ"إنّ" الثقيلة أو الخفيفة، نحو: "والله لزيد قائم"، و"إن زيدًا لقائم". والمنفية: بـ"ما" و"إن" بمعنى "ما" وبـ"لا"، كقولك: "والله ما زيد قائم"، و"والله لا أحد أفضل منك". وأمّا الفعلية، فعلى قسمين: مُوجبة، ومنفية. فالموجبة: على ثلاثة أقسام: ماضية، وحال، ومُستقبلة. فالماضية: بـ"اللام" و "قد"، نحو: "والله لقد قام زيد"، وبـ"اللام" وحدها، نحو: "والله لقام زيد". ومنه قول امرئ القيس: حَلَفْتُ لهَا باللهِ حَلْفَةَ فاجِر ... لَنَاموا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيثٍ ولا صَالِ (٢) التقدير: "لقد ناموا".

стр. 441

وقد تحذف "اللام"، نحو: "والله قد قام زيد". القسْم الثاني: الحال، ولا بُدّ معه من "اللام" وحدها، ولا تدخُلُ "النون"؛ لأنها تُفيد الاستقبال؛ فتقول: "والله ليقُوم زيد". القسْم الثالث: المستقبل، فيحكى بـ"اللام" و"النون"؛ لأنها تُفيد الاستقبال، فتقول: "والله ليقومنّ زَيد" بتشديد "النون" وتخفيفها. وإنما لزمت "النون" للفرق بين فِعْل الحال وفِعْل الاستقبال. (١) إذا ثبت ذلك: فقوله "لتسوّنّ" فعل مُستقبل؛ ولذلك جاء بـ"اللام" و"النون". وقوله: "أو ليُخالفن" معْطُوفٌ عليه. قوله: "بين": هي ظَرْف، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الثالث من "باب السواك". قوله: "ولمسلم": أي: "ورُوي لمسلم" فيتعلّق حَرْف الجرّ به. وقد تقدّم مثله. و"كان" وما بعدها في محلّ رَفع به. و"حتى": حَرْف ابتداء (٢). و"كأنما": كافّة، ومكفوفة. ويحتمل أن تكُون "ما" هاهنا مَصْدَرية (٣)، أي: "كأنّ

стр. 442

تسويته بها تسوية القداح"؛ فالضّمير في "تسويته" يعود على "النبي ﷺ "، و "بها" يعُود على "الصفوف"، و"القداح" مرفوعٌ على أنه خبر "كان" على حَذْف مُضاف، أي: "كأنّ تسويته بها تسوية القداح"، هذا صَحيحٌ حَسَنٌ إن ساعدته الرّواية في رفع "القداح". وأمّا على نصب "القداح" فيحتمل أن يجعل الباء في "بها" باء الآلة (١)، والضّميرُ يعود على "يد النبي ﷺ "، أي: "كأنما يسوي بيده القداح"، يعني: "في التقويم والاعتدال"، وفاعل "يسوي" ضمير يعود على "النبي ﷺ ". ويحتمل أن يكون الضّمير في "بها" يعود على "التسوية"، أي: "فكأنما يسوي بتلك التسوية القداح". قوله: "حتى إذا رأى": "حتى" حرف ابتداء، واختار الزمخشري أنها حَرْف جَر مع "إذا" (٢)؛ فتتعلّق هنا بـ"يُسَوّي". و"إذا" جوابُها محذوف، يدلّ عليه الكَلام، أي: "حتى إذا رأى أنْ قد عقلنا التسوية تركنا". ويحتمل أن يكون "أنْ" المخففة؛ فيكون التقدير: "أنّا قد عقلنا"؛ [فتكون] (٣) جملة "عقلنا" في محلّ خبر "أن"، و"أنا" مع اسمها وخبرها سَدّت مسَد مفعولين؛ لأنّ الرؤية عِلْمية؛ ولذلك جاء بعدها "أن" المخففة من الثقيلة، وفُصل بينها وبين الفعل

стр. 443

بـ"قد"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] (١)، ولو كانت بصرية لقال: "رأى استواءنا"؛ لأنَّ العِلم والعَقل مُدرَكان لا بحاسة البصر. ويجُوز أنْ تكُون الرّؤية بَصرية (٢)، و "أن" مصدَرية، ولا أثر للفاصل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] برفع الفاعل، على أنّ "أن" المخفّفة من الثقيلة، و"لا" الفاصلة، وقرأ أبو حيوة: "ألّا يَرْجِعَ" (٣) بنصب الفعل على أنَّ "أن" المصدرية الناصبة، ولا أثر للفاصل. (٤) قال [النيلي] (٥) ﵀: الأفعالُ الداخلة على "أن" المخففة من الثقيلة أفعال القلوب، فمنها يقينٌ محض، كـ"علمتُ"، ومنها شكّ محض، كـ"ظننتُ"، ومنها مُترقّب، كـ"رجوتُ" و "أردتُ"، فهي مع الأوّل مخفّفة من الثقيلة؛ لملابسة معناها، ومع الثّالث ناصبة للفعل، ومع الثاني إن مال الترجيح للأوّل - وهو جانب اليقين -

стр. 444

جاز الأمران، وإلّا فهي كالثالث. (١) قال ابنُ هشام، في المخفَّفة من الثقيلة: يجب كون اسمها مضمرًا محذوفًا، ويجب كون خبرها جملة، فإن كانت اسمية أو فعلية وفعلها جامد أو دُعاء لم تحتج إلى فاصل، نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]. ويجب الفصل في غيرهن بـ"قد"، نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أو تنفيس، نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، أو بنفي، بـ"لا"، أو "لن"، أو "لم"، نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧]، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥]، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧]، و"لو"، نحو: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]. ويندر ترك الفاصِل. انتهى. (٢) وسيأتي تمامه في الحديث الأوّل من "الزكاة". قوله: "ثم خَرَج يومًا": "ثم" لترتيب الأخبار (٣)، و"يومًا" تقدّم في الحديث الثالث من "باب الاستطابة". قوله: "فقام": "الفاء" للعطف من غير تسبيب، كهي في قوله تعالى:

стр. 445

﴿فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (١)، وقد تقدَّم الكلامُ عليها في السادس من "باب الاستطابة". قوله: "حتى إذا كاد أن يُكَبّر": ["حتى"] (٢) حَرْفُ ابتداء (٣)، وتقدّم القولُ عليها في ثاني حديث من الأوّل. و"كاد" تقدّم الكَلام عليها في العاشر من "كتاب الصّلاة"، وهي هُنا على بابها، واسمها يحتمل أن يكون "ضمير النبي ﷺ "، و "أن يُكبر" خبرها. ويحتمل أن تكون تامة، و "أن" وصلتها فاعلها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]. وجاء ضميرها مُقترنًا بـ"أن" حملًا على "عسى". (٤) وجاء في رواية: "حتى إذا كاد" (٥)، وفي أخرى: "حتى كاد أن يُكبر" (٦). وقد

стр. 446

قيل بزيادة "إذا" [مع] (١) "حتى" حيث وَقَعَت (٢). فإنْ قيل بذلك هُنا: اتفق الحديثان، وإلّا فـ"حتّى" حَرْف ابتداء معها ومع الفِعْل الماضي (٣)، وتبقى "إذا" على أصْلها من الظرفية (٤)، وجوابها محذوفٌ، أي: "أمسَك عن التسوية". قوله: "فرأى رجلا باديًا صَدْره": هذه الرؤية بَصَرية، و"رَجُلًا" مفعولٌ به، و"باديًا": نعتٌ له، و "صَدْره" فاعل بـ"باد"؛ لأنه اسم فاعل من "بدا، يبدو"، ووقع مُعتمدًا على الصّفة (٥)، واسم الفاعل واسم المفعول متى اعتمدا على نفي أو استفهام أو بأن يكونا صفة لموصُوف أو خبرًا لذي خبر أو حالًا لذي حال أو صلة لموصول؛ عملا عمل فعلهما (٦). ولو رُوي "باد صَدره" جاز في "صدره" الابتداء، وخبره "باد". وجاز في

стр. 447

"صَدره" أن يكون فاعلًا سَدّ مَسد الخبر، وهذا مذهبُ سيبويه. (١) وليس هو مثل قوله "خبيرٌ بنو لهب"؛ لأنّ "خبيرًا" لم يعتمد، ومع ذلك أوجبوا أن يكون مُبتدأ؛ لأنه لو جعل خبرًا مُقدّمًا لم يُطابق "بنو لهب"، لأنَّ "بنو لهب" جمعٌ، و"خبيرٌ" مُفرد؛ فوجب أن يكون "خبيرٌ" مبتدأ، و "بنو لهب" فاعل ساد مَسدّ الخبر، واستغنى بما في "خبير" من معنى الفعل عن وجُود ما يفوته من نفي أو استفهام. (٢) وعجُز البيت: خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ، فَلا تَكُ مُلْغِيًا ... مَقالةَ لِهْبيٍّ إِذا الطيْرُ مَرَّتِ (٣) [قوله] (٤): "فقال: عباد الله": معطوفٌ على "رأى"، و "عباد الله": مُنادى مُضاف، حُذف حرفُ النداء منه، وحَذفُ حرف النداء جائز إلا مع اسم الجنس والإشارة واسم الله والمستغاث والمندوب (٥).

стр. 448

قوله: "لتسَوّنّ صُفوفكم": قد تقدّم الكلامُ على "لام" القسَم، و"النون" المؤكّدة قريبًا في أوّل الحديث. الحديث الثالث: [٧٢]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ مَعَكُمْ؟ " قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْن، ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ (١). وَلِمُسْلِمٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّه، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا" (٢). قال صاحبُ "العُمدة": "اليتيمُ هو: ضُميرة، جَدّ حُسين بن عبد الله بن ضُميرة". قلتُ: الرّاوي عن "أنس" هو: "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك"، ولذلك اختلف في ضمير "جدّته"، فقيل: هي "جدّة أنس"؛ فيعُود على مذكُور. وقيل: على "إسحاق"؛ فيعُود على غير مذكُور، ويقوم منه اعتراضٌ على صاحب "العُمدة". (٣)

стр. 449

قلتُ: و"مُليكة" بضَم "الميم" وفتح "اللام"، وقيل: بفتح "الميم" وكسر "اللام". (١) قوله: "أنّ جَدّته": فُتحت "أنّ" لأنها في محلّ معمول متعلق حرف الجر، و"مليكة" بدَل من "جدّته" أو عطف بيان. وجملة "دَعَت" في محل خبر "أنّ". و"لطَعَام": يتعلّق بـ "دَعَت"، وجملة "صنعته" في محلّ صفة "لطَعَام". وهُنا محذوفٌ، أي: "فأجَابها إليه، فأكَل"، فجُملة "أكَل" معطُوفة على المحذوف. و"منه": يتعلّق بـ "أكَل". و"مِن" للتبعيض (٢). قوله: "ثُمّ قَالَ": فَاعِله ضَمير "النبي ﷺ ". وجملة "قُومُوا": معْمُولة للقول. وتقَدّم أنَّ عَلامَة البناء فيه حَذْفُ "النون"، وقيل: السّكون المتعذّر لأجْل الضّمير (٣). وتقدّم أنّ جُملة " ﷺ "، و"﵁" مُعترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب. قوله: "فلأصلي": "اللام" يحتمل أن تكُون لام "كي"، ويحتمل أن تكون "لام" الأمر. (٤)

стр. 450

قال جمالُ الدين بن مالك: يحتمل الوَجْهين، فإن كانت "لام" الأمر كان مجزومًا، وزيدت "الياء"، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ (١) في قراءَةِ "قنبل" (٢)، ووَجْهها: أنّه أجْرَى المعتَلّ مجرَى الصّحيح. وإن كانت لام "كي": فتسكينُ ["الياء" تخفيفٌ] (٣)، وهي لُغَة مشْهُورة، ومنه قراءة الحسَن: "وذَرُوا مَا بَقيْ مِن الرِّبَا" (٤)، وقراءة الأعمش: "فنَسيْ وَلم نَجِدْ لَهُ عَزْما" (٥). (٦) قال بعضُهم: "اللامُ" مفتوحة، وهي جَوابُ قَسَم. وذلك بعيدٌ؛ لأنّها لو كَانت للقَسَم لكان "لأُصلينّ لكُم" بـ "النون". (٧) قلتُ: لا يلزمُ هذا؛ فقد قَال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]: إنّ "اللام" جَوابُ قسَم، وليس هو مُؤكدًا بـ "النون". (٨) قوله: "قَالَ أنس": جُملة مُستأنفة لا محلّ لها، وتقدّم الكَلامُ على الجمَل التي لا

стр. 451

محلّ لها في الحديث الرّابع مِن "الأذَان". قوله: "فقمتُ إلى حَصير لنا": مَعْطوفٌ على قوله: "قوموا"، وحَرفُ الجر يتعلّق بصفة لـ "حَصير". وبين قوله: "حَصير لنا" و: "حَصيرنا" فَرقٌ يُدْرَك بالبديهة. قال الشّيخُ أبو حيّان، في قوله تعالى، حكاية عن يوسف ﵇: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩]: نَكّرَه ليُريهم أنّه لا يَعرفهم. وفُرّق بين "غُلام لك" و"غُلامك"؛ ففي الأوّل أنتَ جَاهَلٌ به، وفي الثّاني عَالم به؛ لأنّ التعريفَ به يُفيد نوع عَهْد في "الغُلام" بينك وبين المخاطَب. (١) قوله: "قد اسْوَدّ": في محلّ صفة أخْرى، أو في محلّ الحال من ضَمير مُتعلّق المجرّد. وقوله: "مِن طُول": يتعلّق بـ "اسْوَدّ". و "ما" هنا مَصْدَريّة، أي: "من طُول لبسه". قوله: "فنضحتُ": بفتح "الضَّاد"، ومُضَارعه في المعروف: "ينضح" بكسر "الضّاد". (٢) قوله: "بماء": "الباء" للاستعانة (٣)، تقَدّم الكَلامُ على "الباء" وأقسامها في الرّابع من "باب الاستطابة". قوله: "فقام عليه رسولُ الله ﷺ : معطوفٌ على "فنضحته". قوله: "وصَففتُ أنا واليتيم وراءه": أكّد الضميرَ المرفوع بـ "أنا" ليصحّ العطفُ

стр. 452

عليه. ويجوزُ نصب "اليتيم" على أنه مفعُولٌ معه، أي: "مع اليتيم". (١) و"اليتيم": على وزْن "فَعيل"، جمعه "أيتام" و "يتامى". وقد "يتم"، "يأتم"، "يتمًا" فيهما. (٢) وجاء "فعيل" هنا في الصفات من غير مُبالغة، وكذلك "عَجُوز"، وذلك خِلاف القياس، ومثله "حَصُور" للناقة الضَيّقة الإحليل. (٣) وانظر ما الفرق بين "وراء" الأولى والثانية؟ إذ دخلت "مِن" في "وراء" الثانية دون الأولى؛ فيحتمل أنّ في "مِن" معنى المجاوَزَة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] (٤)، وذلك أنّ أنسًا لما صَفّ مع اليتيم وَرَاء النبي ﷺ جَاوَزَت المرأة مَقَامهما إلى مَقامها؛ فناسَب مَعْنى "مِن" معها. ويحتمل أنّ "مِن" جَاءت مُخلّصَة لمعنى "خَلْف"؛ لأنّ "وَرَاء" يُستعمَل بمعنى "أمَام"، كما قيل في قَوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، قيل: هو بمعنى: "أمامهم" (٥). فـ "مِن" خَلّصتها لحقيقة معناها؛ إذ لو جاء: "والعجُوز وراءنا"

стр. 453

لاحتمل معنى "أمامنا"، ولا يخرج عنه إلا بدَليل مِن خَارج؛ ولهذا قال ﷺ في الحديث بعد هذا: "فَإنّ مِن وَرَائِهِ الكَبِير وَالصَّغِير وَذَا الحاجَة" (١)؛ فأتى بـ "مِن" لهذا المعنى. ويحتمل أن تكون "مِن" للتبعيض (٢)، تفيد معنى البَعْضيّة في المكان، بخلاف الكَلام إذا خَلا منها. ولعَلّ غير ذلك من المعاني. والله أعلم. وفي التاسع من "الجنائز" كَلامٌ مُستوفى في معاني هذا الظّرف. وهو مُؤَنّثٌ، بدَليل قولهم في التصغير: "وُرَئِّيةٌ"، بـ "هاء" التأنيث، وكذلك "قُدام". وليس في الظّروف مُؤنّث غيرهما. (٣) قوله: "فصلّى لنا رَكْعتين": تقدّم القَولُ على تعدّي "صلّى" في الحديث الخامس من "فضل الجماعة". و"اللام" في قوله: "لنا" لام التعليل، أي: "لأجلنا"، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٤)، أي: "لأجل تعليمنا الصّلاة". قوله: "ولمسْلِم": يتعلّق بفِعْل محذُوف، أي: "ورُوي لمسْلم عن أنس"، و"أنَّ

стр. 454

رسُول الله" القَائم مقَام الفَاعِل. وجملة "صَلّى به وبأُمّه" في محلّ خَبر "أنَّ". وأعاد حَرْف الجر في قوله "بأمه"؛ لأنّه لا يُعْطَفُ على الضمير المجرور إلا بإعَادة الخافض، والعلّة في ذلك: شِدّة اتصال الضمير المجرور بالجار حتى صَار كالكَلمة الواحِدة؛ فلم يجُز العَطفُ من غير إعادة الخافض؛ لأنه يشبه العطف على بعض الكلمة. (١) وجوَّز ذلك كثير من النحويين والكوفيين. (٢) وجَعَلوا من ذلك: قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرْحَامِ" (٣) بالجر، وهي قراءة "حمزة". (٤) ومنه قوله:

стр. 455

.................. ... فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ (١) قوله: "فأقامني عن يمينه": أي: "قال أنس: فأقامني" بالعطف على "صلى به وبأمه"، وفيه التفاتٌ؛ لأنّه لم يقُل: " [فأقامه] (٢) عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم"؛ ففيه الخروج من الغيبة إلى التكلّم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وهو أسلوبٌ في علم البيان يُسمّى "الالتفات". (٣) وقد يكون من الغيبة للخطاب، نحو قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، [ثُم] (٤) قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. (٥)

стр. 456

وعكسه، من الخطاب إلى الغيبة: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. (١) ومما جاء في الخطاب قول النابغة: يَا دار مَيّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ (٢) و"عن": معناها "المجاوزة". (٣) ويحتمل هنا أن تكون بمعنى "من"، أي: "من جهة يمينه"، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أي: "من عباده" (٤). ولولا بُعْد التأويل لصح أن تكُون هنا بمعنى الباء، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، أي: "بالهوى"، ومنه: "رميتُ عن القوس"، أي: "بالقوس". (٥) قال امرؤ القيس:

стр. 457

تَصُدُّ، وَتُبْدِي عَنْ أَسِيْلٍ، وَتَتَّقِي ... بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (١) وعلى هذا يكُون المعنى: "أقامني يمينه": "في جهة يمينه". وليس في اللفظ ما يدلّ عليه. [وتجيء] (٢) "عن" بمعنى "على"، كقوله: لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أنْتَ دَيَّانِي فتَخْزُوني (٣) أي: "فتسوسُني، وتقهرني". ويصلُح معناها هنا في الحديث، أي: "فأقامني عن يمينه". وتجيء "عن" للبدَل، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣]. (٤)

стр. 458

وتكُون للتعليل، نحو قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤]. (١) ومُرادفة ["بعد"] (٢)، نحو قوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. (٢) وتجيء حَرفًا مَصْدريًّا بمعنى "أنْ"، كقول بني تميم: "أعجبني عن تفعل". (٤) وتكون اسمًا (٥)، كقوله: . . . . . . . . . . . . . ... منْ عنْ يَمينِ الحُبيَّا نَظْرَةٌ قَبَلُ (٦)

стр. 459

وتختصُّ بجرّها "من". (١) قوله: "وأقام المرأة خلفنا": أي: "في مكان خلفنا". و"خلف": من ظُروف المكان المبهَمَة، وهي الجهات الست. إذا ثبت ذلك: فـ "مالك" ﵁ أدْخَل هذا الحديثَ في "سُبحة (٢)

стр. 460

الضّحى" (١)؛ [لأنه] (٢) صلى لهم ضُحى. (٣) واستدلّ به (٤) على صَلاة النافلة جماعة، وفيه نَظَر؛ لأنه أمَرَهم، فبأمره صارت واجبة عليهم (٥). الحديث الرّابع: [٧٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ؟ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِه، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، [وأقَامَنِي] (٦) عَنْ يَمِينِهِ" (٧). قوله: " [بات] (٨) ": أصله: "بَيَتَ" (٩)، تحرّكت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت
следующие страницы →