← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ولا يكونُ المراد بـ "المرّة" الفعل. وعلى هذا الخلاف يجري الخلاف في "ثلاثًا"، إن جعلته [عَددَ المصدر] (١) فهو مَصْدر، وإن جعلته عَددَ ظرف فهو ظرف. وقوله: "فقال": الفَاعِلُ ضَمير يعُود على "الرّجُل". قوله: "والذي بعثك بالحقّ": "الواو" واو القَسَم، وهي بَدَلٌ من "الباء"؛ لأنّ "الباءَ" تدْخُل على المُظهَر والمضْمَر. (٢) وقد تقَدّمَت حُروفُ القَسَم في العاشر من "الصّلاة". وجَوابُ القسم: "ما أُحْسِن غير هذا". وأجوبةُ القَسَم تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثاني من "باب الصفوف". قوله: "بالحق": يتعلّق بـ "بعثك"، أو بحَال من ضمير المفعول، أي: "ومعك الحق"، أو بحَال من ضَمير الفَاعِل، أي: "ومعك الحقّ"، كما قيل في: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] [فاطر: ٢٤]. (٣) قوله: "فعَلِّمْني": فعلُ أمر، ونُون الوقاية، ومفعول. وتدخُل (٤) في الفعْل الماضي والمضَارع عَريًّا عن نُون الإعراب، والأمرُ (٥) مثْل ما هُو هُنا، وفي (٦) المتصَرّف والجَامِد، نحْو: "أكرمني"، و"عساني"، و "خَلاني"، و "ما عداني"، و "حاشاني"، إنْ قُدِّر فِعْلا. وتدخُل في اسم الفعل، نحو: "دراكني"

стр. 562

و"تراكني"، و"عليكني"، [بمعنى: "أدركني"] (١). وتدخُل الحرف "إنّني" وأخواتها. ويختارُ إثباتها في: "ليت" و"من" و"عن" و"قد" و"قط". ويختارُ حذفها في: "لَعَلّ". (٢) وجَوابُ "إذا قُمْتَ إلى الصّلاة" هو العَامِلُ فيها. وقيل: العَاملُ فيها فِعْلها. (٣) وإن كان "العاملُ جوابها" (٤) يُضعفه أنّ ما بعْد "الفَاء" لا يَعْمَلُ فيما قبلها، وضُعِّفَ بقَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ لأنَّ مَكَانَ إنْشاء "الإفاضة" غير مَكَان إنشاء "الذّكْر"؛ لأنَّ ذلك في "عرفات"، وهذا في "المشْعَر"، وإذا اختلف المكان لزم من ذلك اختلاف الزمانين؛ فلا يجوزُ أن يكُون "الذِّكْر" عند "المشْعَر". (٥) [قوله] (٦): "ثمَّ اقرأ ما تيسّر مَعَك من القرآن": "ما" ها هنا موصولة، أو موصوفة. (٧)

стр. 563

و"معك" يتعلّق بـ "تيسّر"، أو بحَال من "القُرآن". (١) و"من" تبعيضية. (٢) ويبعُد أن يتعلّق "من القرآن" بـ "اقرأ"؛ لأنه لا يجبُ عليه ولا يُستحَبّ له أن يقرأ جميع ما تيسّر له من القُرآن. (٣) ولك أن تُعَلّق "معك" بحَال مِن ضَمير "تيسّر"، وتُعَلّق (٤) "من القُرآن" بحَال من ضمير الاستقرار [متعلّق] (٥) "معك". ويدخُل التنازع بين "اقرأ" و"تيسّر"، ومُتعلّق "معك". قوله: "ثمَّ اركع حتى تطْمئن رَاكعًا": "حتى" مُقَدَّرَة بـ "إلى أنْ"، ولا يجوزُ تقديرُها بـ "كَي". (٦) وقد تقَدّم الكَلامُ على "حتى" في الثّاني من أوّل الكتاب. و"تطمئن" منْصُوبٌ بإضْمار "أنْ" بعْد "حتّى".

стр. 564

ومصْدرُ ["اطمأنّ": "اطمئنانٌ"] (١)، و"طمَأنينة"، أي: "سَكن". و "هو مُطمئنٌ إلى كذا"، و "ذاك مُطمَأن [إليه] (٢) ". و "اطبأنّ" - بـ"الباء" - مثله، على الإبدال. وتصغير "مُطمئن": "طُمَيْئِن"، بحذف "الميم " من أوّله، وحذف إحدى النونين من آخره. وتصغيرُ "طمَأنينة": ["طُمَيئينة"] (٣)، تُحذَف إحدى النونين لأنّها زائدة. (٤) انتهى من "الصحاح". قوله: "راكعًا": حالٌ من فاعل "تطمئن". وكذلك "ساجدًا" و"قائمًا" و"جالسًا" أحوالٌ من ضمائر الأفعال قبلها. قوله: "وافعَل ذلك في صَلاتك كُلّها": أكّدَ "الصّلاة" بـ"كُلّ"؛ لأنّها أرْكان مُتعدّدة. ويحتمل أنْ يُريد بقَوله: "في صَلاتك" جنس جميع الصَّلَوَات على اختلافِ أوْقَاتها وأسمائها. ***

стр. 565

باب القراءة في الصلاة الحديث الأوّل: [٩٦]: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا صَلاةَ لِمَنْ [لا] (١) يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢). قوله: "لا صَلاةَ": تقَدّم الكَلامُ على "لا"، واسمها المبني معها، في الحديث الأوّل من "باب التيمم". و"لمن" تتعلّق بالخبر، أي: "لا صَلاة صحيحة - أو كاملة - لمن". ولا تُقدَّر: "موجودة"؛ لأنَّ فيه نفي الماهية، وليس هذا [محَلّ] (٣) نفيها. (٤) ولا تتعلّقُ "لمن" بـ "صَلاة"؛ لأنه لو تعَلّق به كان اسمُ "لا" منْصوبًا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وكَذا قَولهم: "لا خَيرًا مِن زَيد"، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. ولا يتعلّقُ شيء مِن هَذه المجرورات [ق ٧٣] باسْم "لا"؛ لأنها غير مُنَوّنة، خِلافًا لمن أجَاز ذلك. (٥)

стр. 566

قوله: "لمن لا": "مَن" هنا مَوصُولة، أي: "للذي لا يقرأ"، والعَائدُ: فاعل " يقرأ". ويحتمل أن تكون (١) نكرة موصُوفة، أي: "لإنسان لم يقرأ"، ويكون "لا يقرأ" في محلّ صفة لـ "مَن". (٢) قوله: "بفاتحة الكتاب": تتعلّق بـ"يقرأ". و"الباء" يحتمل أن تكُون للإلصاق، ويحتمل أن تكون للاستعانة، ويصحّ أن تكون زائدة (٣)، كما زيدت في قوله: ......................... ... سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ (٤) ولا بُدّ من تقدير محذوف، تقديره: "لا صَلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صَلاته".

стр. 567

ويحتمل أن يُضَمّن "يقرأ" معنى "يُصلّي"، فلا يُحتَاجُ إلى تقدير المجرور. ولا يَصحُّ التضمينُ إذا قيل بزيادةِ "الباء". وقد أُطلق لفْظُ "الصّلاة" على "القراءة" ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، المعنى: "بقراءتك". (١) ويحتمل أنْ تتعلّق "البَاءُ" بحَال، أي: "لا صَلَاة لمن لا يُصَلّي قَارئًا بفَاتحة الكتاب"؛ فتكُونُ "البَاءُ" للمُصَاحَبة (٢). الحديث الثاني [٩٧]: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: "كَانَ [النبي] (٣) ﷺ ، يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، [يُسْمِعُ] (٤) الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ في الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، [وَفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ] (٥). وَكَانَ يُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْح، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ" (٦). قال الشّيخ تقيّ الدِّين: "الأُولَيَان" تثنية "الأُولَى"، وكذلك "الأُخْرَيَان". وأمَّا

стр. 568

ما يسيغُ على الألسنة مِن " [الأوّلَةُ] (١) "، وتثنيتها بـ "الأولَتين": فمَرجُوحٌ في اللغة. (٢) وتقَدّم في الحديثِ قبله ما يتعَلّق بالسّنَد من الإعراب. قوله: "يقرأ": جملة في محلّ خبر "كان". و"الأوليين": نعْتٌ للركعتين. و"الأولى": تأنيثُ "أوّل". وكذلك "أخرى" تأنيثُ "آخِر"، مُقابلٌ للأوّل، وليس هو مُؤنّث "آخَر" بمعنى "غير". ووزنه "أفعل" لم يُستَعْمَل منه فِعْل؛ لأنَّ فَاءه وعَينه واوان، فاستثقلوا اجتماعَ الواوين. وقيل: هو "أفعل"، من "آل، يئول"، فأصله: "أأول"، ثمَّ قُلِب، فصار "أوأل"، كـ"أعْفَلُ" (٣)، ثمَّ خُفّف بإبدال "الهمْزة" واوًا، ثمَّ بالإدغام. (٤)

стр. 569

قال أبو حيان: "وكِلا القَولين ضعيفٌ". (١) قال "مَكّي": والكَلامُ على "أُولى" كالكَلام على "أوّل"؛ إذ هي مُؤَنَّثُه. (٢) وله معنيان: - أحدهما: أن يُجرَى مجرَى الأسْماء؛ [فيكون] (٣) مصروفًا، وتليه العوامل، كـ "أفكل"، وعليه قَول العَرَب: "ما تركتُ أولًا ولا آخرًا"، أي: "ما تركتُ له قديمًا ولا حديثًا". والثاني: أن يُجرَى مجرى "أفْعَل التفضيل"؛ فيُستَعْمَل بـ "مِن" ملفُوظًا بها أو مُقَدَّرَة، أو بـ"ال"، أو بالإضافة. (٤) وقالوا: "ابْدَأْ بهذا أَوَّلُ" مَبنيًّا على الضّم، اتفاقًا. واختُلف في علّة بنائه؟ فقيل: لقَطْعه عن الإضافة، أي: "أوّل الأشياء". وقيل: لقطعه عن استعماله بـ "من"؛ فأشْبَه قطعه عن الإضافة، أي: "أوّل من كذا". واختُلف فيه إذا بُني؟ فقيل: ظرفٌ. وقيل: اسم. والخلافُ مَبني على أنّ الذي

стр. 570

يُبنى على القَطْع، هَل شَرْطُه أن يكُون ظَرْفًا أم لا؟ (١) وتقَدّم في الحديث الأوّل من الكتاب طَرَفٌ من ذلك. إذا ثبَت ذلك: فـ" أُولَى" من الأسْماء المقْصُورة، ومتى ثُنّي المقْصُور وكَان زَائدًا على ثلاثَة أحْرُف قُلبت ألِفه "يَاءً"، فتقُول في "جمادى وجمادى": "جماديان"، وفي "حبارى وحبارى": "حباريان"، وفي "أُولَى وأُولَى": "أوليان". وإن كان ثُلاثيًّا: رَدَدْت ألِفَه إلى أصلها، فتقول في "عَصىً" و"عَصى": "عصوان"، وفي "رَحىً" و"رَحى": "رحيان". (٢) قوله: "في الرّكعتين": يتعلّق بـ "يقرأ". و"من صلاة العَصْر": يتعلّق بـ"الأوليين"؛ لأنه "أفْعَل من". و"بفاتحة الكتاب": يتعَلّق بـ "يقرأ" أيضًا. و"من": للتبعيض، [أو لابتداء] (٣) الغَاية. (٤) وجملة "يُطَوّل" وما يتعلّق به في محلّ الحال من ضمير الفَاعل في "يقرأ". وجاء المضارعُ بالضّمير وحده، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾

стр. 571

[يوسف: ١٦]. (١) قوله: "يُسْمِع": جملةٌ أيضًا في محلّ الحال. و"أحيانًا": جمعُ "حين"، ظرف زَمَان. (٢) وقد تقَدّم الكَلامُ عليه في الخامس من "صفة الصّلاة"، وفي الرابع من "كتاب الصّلاة". والتقدير: "يُسمِعُنا الآية" (٣)، فحذف المفعول الأوّل. وما بقي من الحديث إعرابه كإعراب الذي قبله. الحديث الثالث: [٩٨]: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ" (٤). قوله: "قال: سمعتُ": سَمِع" عدَّها ابنُ مالك في "التسهيل" من أخوات "حسب" إذا تعلقت [بعين] (٥)، شرطَ أن يكُون الثّاني [فعلًا] (٦) يدلّ على صَوت (٧).

стр. 572

وقد تمّ الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب. والفعلُ هنا متعدٍّ إلى الذّات، فيحتمل أن يكون "يقرأ" في محلّ المفعول الثّاني أو في محلّ الحال. قوله: "في المغرب": أي: "في صلاة المغرب". وتقدّم الكلام على "كان" في أوّل حديث من الكتاب، وتقدَّم أن جملة " ﷺ " و"﵁" لا محلّ لها من الإعراب، وذِكْرُ الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "في المغرب": حرف الجر يتعلق بـ"يقرأ"، والمراد: "في صلاة المغرب". وتقدّم الكلام على "في" من حروف الجر في الحديث الرّابع من أول الكتاب. و"الباء" في "بالطور" تتعلّق بـ"يقرأ" أيضًا، و"قرأ" يتعدّى بنفسه، وقد قيل: إنَّ الفعل هنا يتضمّن معنى فعل يتعدّى بـ"الباء"، فقيل: هو بمعنى في "يتبرك"، أو بمعنى "يُطوِّل المغرب بالطّور"؛ فتكون "الباء" سَببية، أي: "بسبب قراءتها فيها، أو تكون "الباء" زائدة، كما زيدَت في قوله: .............................. ... سُودُ المَحَاجِرِ لا يقْرأْنَ بالسُّوَر (١) وكقوله: .............................. ... نَضْرِب بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بالفَرج (٢)

стр. 573

ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وقيل: ضُمِّن "تُلْقوا" معنى "تُفْضوا" (١). وأُوِّل "من يُرد فيه بإلحاد"، أي: "يَهِمّ". وضُمِّن "نرجو بالفرج": "نطمع بالفرج"، "أي: بسَبب الفرج". وضمِّن "يقرأن" معنى: ["يرقين"] (٢) و"يتبرّكن". قال السّهيلي: يقال: "قرأتُ بالسّورة" على معنى "تبرّكت بها"، ولا يقال: "قرأتُ بكتابك" لفوات معنى "التبرك " (٣). قلت: وعلى هذا يجري الحديث في التأويل. وقال: "بالطور"، ولم يقُل: "بوالطُّورِ" على لفظ الآية، [أراد السّورة] (٤)، والتعريفُ بالبعض كافٍ، ولأنَّ "الواو" حرف قسَم زائد على الكَلمة. واعلم أن أسماء السّور إن أردت بها "السّورة" المؤنثة منعتها من الصرف للتأنيث والعَلَمية، إلا أن يُنوَى المضاف فتصرف، فتقول: "قرأتُ محمدًا" أي: "سورة محمَّد". وما كان ثلاثيًّا ساكن الوسط جاز لك فيه الوجْهان اللذان في "هند"، إلا أن يكون أعجميًّا، نحو: "هود" و"نوح"؛ فإنَّه [ ... ] (٥) ويمتنع؛ لأنَّ فيه ثلاث عِلل،

стр. 574

تُقابل الخفةُ بعلَّة، ويمتنع بعِلّتين. وأمَّا ما فيه الألِف واللام - كما وقع هنا - فإنَّه ينصرف؛ لأنَّ ما لا ينصرف إذا دَخَلته "اللام" أو أضيف انصرف. الحديث الرابع: [٩٩]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَو قِرَاءَةً مِنْهُ" (١). قوله: "أنَّ النبي": في محلّ رَفع [بمتعلّق] (٢) حرف الجر. قوله: "كان في سفر": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، وتقدّم الكلام على "كان" في أوّل حديث من الأوّل. و"في سَفر" [أيتعلّق بالاستقرار] (٣) المقدّر. قوله: "بالتين والزيتون": أي: "بسُورة التين والزيتون"، ولو قال: "بالتين" كما قال: "بالطّور" (٤)، كفى في الدّلالة على السّورة. ويأتي السّؤال المتقدّم في إسقاط "واو" القسَم. وقد يُقال في الجواب هنا: إن عطف "الزيتون" يحقّق أنّ المعطوف عليه قسَم،

стр. 575

بخلاف ما تقدَّم في "الطور"، وقد تقدَّم الكلام عليه. قوله: "فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا": "ما" نافية، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "باب التيمم"، و"سمع" في أوّل [حديث] (١)، و"أَحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل، و"أفعل التفضيل" في الأوّل من "الصّلاة". و"صوتًا" هنا منصوبٌ على التمييز، وكذلك "قراءة"، وامتنع الجر بالإضافة إلى أفعل؛ لأنه من غير الجنس، وقد تقدَّم قريبًا. قوله: "مِنْه": يتعلّق بـ"أحسن"، و "من" معه للتبعيض. و"أوْ" هنا للشّك من الرّاوي، أو تكُون بمعنى "الواو". وتقدّمت "أو" في الثّالث من "باب السّواك". الحديث الخامس: [١٠٠]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ"، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يصنَع ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ [بِهَا] (٢). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ". (٣) قوله: "بعث رجُلًا": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"على سريّة"، متعلّق بـ"بعث"، ولا يصح أن يتعلّق بصفة لـ"رجل" لفساد المعنى، ولا بحال لأنَّ "رجلًا" نكرة. ولم يقل: "في سرية" لأنّ "على" تفيد معنى الاستعلاء، وهو المتقدّم عليهم والآمِر فيهم. قوله: "وكان يقرأ لأصحابه": جملة معطوفة على "بعث". وخبر "كان"، في جملة

стр. 576

"يقرأ". و"لأصحابه" يتعلّق بـ"يقرأ". و"اللام" في: "لأصحابه" لام التعليل. قوله: "في صلاتهم": "في" ظرفية مجازًا، كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، و: "في زيد خير" (١). وتتعلّق بحال أي: "مُؤتمّين به في صلاتهم"، فيتعلّق حرف الجر بـ"مؤتمين"، وصاحب الحال: "أصحاب". ويحتمل أن يكون الحال من ضمير فاعل "يقرأ"، أي: "كان يقرأ لهم في حال كونه في صلاتهم". قوله: "فيختم": معطوف على "يقرأ". وقوله: "بـ: قل هو الله أحد" حرف الجر يتعلّق بـ"يختم"، والجملة إلى آخر السّورة محكيّة مجرورة. ويحتمل أن يكون ختمه للسّورة بعد "الفاتحة والسّورة"، ويحتمل أن يكون بعد "الفاتحة" فقط، فيجعلها عِوضَ السّورة. وفي إعراب "قل هو الله أحَد" أوْجُه: - أحدها: أنّ "هو" مبتدأ عائد على المسئول عنه؛ لأنَّ المشركين قالوا للنبي ﷺ "صِفْ لَنَا ربَّك"، فأنزَل الله السّورة (٢). فـ"هو" مبتدأ، و"الله" خبره، و"أَحَدٌ" خبر بعد الخبر. وأجاز الزّمخشري أن يكُون "الله" بدَلًا من "هو"، و"أحد" خبر "هو". ويجوز أن يكون "هو" ضمير الأمر والشأن، مبتدأ، و"الله أحدٌ" جملة من مبتدأ وخبر في موضع خبره (٣).

стр. 577

قوله: "فلما رجعوا": "لما" تقدَّم الكلام عليها في الرّابع من "باب المذي"، وهو هنا ظرف، واختار سيبويه أن يجعَلَها "حرف وجوب لوجوب" (١). ولا بدّ لها من جواب، وجوابها هنا: "ذكروا ذلك"، وهو فعل ماض وفاعل. و"ذلك" مفعول به، وتقدّم الكلام على "ذا" من أسماء الإشارة في الثالث من " [باب] (٢) استقبال القبلة"، و"اللام" في "ذلك" لبُعد المشار إليه، و"الكاف" للخطاب. قيل في تعليل كسر "اللام" من "ذلك": إنها لو فُتِحت [لالتبس] (٣) بـ"لام" المِلْك. قوله: "فقال: سلوه" أي: "قال النبي ﷺ ". [وجملة] (٤) "سلوه" معمولة للقول، وفيه حذف تقديره: "سلُوه عن فعله لأي شيء يصنع ذلك؟ ". قوله: "لأيّ شيء يصنع ذلك؟ ": المجرور يتعلّق بـ"يصنع". و"أيّ" هنا استفهامية. وقد جاءت شرطية، في نحو قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] ". وجاءت موصولة، وصفة، وحالًا، ووصلة إلى نداء ما فيه الألِف واللام. مثال الموصولة: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ﴾ [مريم: ٦٩]. والصفة: "مررت برجل أيِّ رجل". والحال: "مررت بعبد الله أيَّ رجل" (٥).

стр. 578

[وتقدّم] (١) الكلام عليها في الثّالث من "باب التيمم". قوله: " [أفسالوه] (٢) ": تقدَّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصلاة". وهو هنا متعدٍّ إلى واحد، وإلى آخر بحرف الجر. "فقال": الفاعل: ضمير "الرجل". وهنا محذوف، أي: "قالوا له: لم تختم بقل هو الله أحد؟ فقال ... ". "لأنها": أي: "أختم بها لأنها"، فتتعلّق "لأنّها" بـ"أختم". و"الفاء" في قوله: "فأنا سَببية، أي: "بسبب ذلك أنا أحب أن أقرأ بها". والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أنّ محبته لها لأنَّ فيها صفة "الرحمن"، أو هي صفته؛ لأنها جواب للمُشركين إذْ قالوا: "صِفْ لنا ربّك". وقوله " ": يحتمل أن يكون من كلام الرّاوي، أو من كلام المسئول، والتقدير: "عزَّ بها، وجلَّ عن غيرها من صفات النقص". قوله: "أحبّ أن أقرأ بها": الجملة في محلّ خبر "أنا". و "أن أقرأ بها" في موضع نصب مفعول بـ"أحبّ"، أي: "أحبُّ القراءة بها". قوله: "فقال رسول الله ﷺ ": الكلام فيه حذف، أي: "فجاءوا فأخبروا النبي ﷺ فقال" العطف على ذلك المحذوف. وتقدّم الكلام على "أخبر" وأخواتها في الخامس من "فضل الجماعة"، وهي

стр. 579

تتعدّى إلى مفعولين، الثّاني منهما بحرف الجر. وقد حُذف حرف الجر مع "أن"، والتقدير: "أخبِروه بأن الله يحبُّه". وجملة "يحبُّه" في محلّ خبر "أن". وحَسَّنَ حذفَ الباء كونُها. من "أن"، وكونها مع الأفعال التي تتعدّى بها. الحديث السادس: [١٠١]: عَنْ جَابِرِ بنِ عبد اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ" (١). قوله: "فلولا صليت بسبح": "لولا" هنا حرف توبيخ، يلزم الفعل بعدها ظاهرًا أو مُقدّرًا. ثمَّ إن كان الفعل مستقبلًا كانت تحضيضًا، وإن كان ماضيًا - كما هي هنا - كانت توبيخًا (٢). قال تعالى: ﴿لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ومنه قول الفرذدق [في تقدير] (٣) الفعل: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكمي المقنعا (٤)

стр. 580

يريد: "لولا عددتم". وإن قدَّرت: "فلولا تعدون" كانت تحضيضًا، أي: "هلا تعدّون الكمى" (١). وتقدّم الكلام على "لولا" في الثّالث من "باب استقبال القبلة". وقوله: "بسبِّح": حرفُ الجر دخل على الجملة، فهي إذن محكيّة مبنية لا إعراب فيها، وكذلك: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، والمراد: "إلى آخرهن". وأمَّا إعرابُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] غير محكيٍّ: فـ"سبِّح" فعل أمر. و"اسم ربك" قيل: بمعنى "مسمى اسم ربك"، وقيل: على بابه، أي: "نزِّه اسم ربك عن أن يُسَمَّى به صنم أو وثن"، أو"عن تذَكّره إلا وأنت خاشع" (٢). قال أبو البقاء: وقيل: لفظة "اسم" زائدة (٣). و"الأعلى" يصح أن يكون صفة لـ"ربك"؛ فيكون [مخفوضًا] (٤)، أو صفة لـ"اسم" فيكُون منصُوبًا. لكن هذا إنما يصحّ على أن يكُون "الذي" مقطوعًا [مرفوعًا] (٥) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أو منصُوبًا على المدْح. وإمَّا أن يكُون صفة لـ"ربك"؛ فلا يجوز، [لما] (٦) يلزَم عليه من الفصْل بين الموصُوف - وهو "ربك" - وصفته - وهو "الذي" - بصفةِ غيرِه وهو "الأعلى"؛ لأنّه

стр. 581

صفة لـ"اسم"، ولا يجوز؛ إذ لو قلتَ: "رأيتُ غُلام هندٍ العاقلَ الحسنةِ" لم يَجُزْ (١). وأمَّا إعراب قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، فهو قسَم ومعطُوف عليه، وكذلك: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. قال ابنُ الحاجب: الاتفاق على أنّ "الواو" الأولى للقَسَم، والخلاف في الثّانية (٢). والعلّة في ذلك: أنها لو كانت واوات قسَم لكانت الأقسَام كُلّها مُستقلة، فيحتاج كُلّ واحد منها إلى الجواب، وليس فيما وقع من ذلك إلَّا جواب واحد. ولأنّ "الواو" الثانية لو وضع موضعها "الفاء" أو"ثمَّ" لكان المعنى على حاله (٣). قوله: "فإنَّه يُصلي وراءك الكبير والضعيف": "إنّه": "إنّ" واسمها، وهو ضمير الأمر والشّأن. ولضمير الأمر والشأن شرائط، أحدها: أن يكون غير عائد على مذكور. والثاني: أن لا يجوز أن يُعطف عليه، أو يُبدل منه، أو يُؤكَّد. والثالث: أن يُفسَّر بجملة، إمّا من مبتدأ وخبر، وإمّا من فعل وفاعل. الرابع: أن لا تتقدّم عليه الجملة المفسّرة له. الخامس: أن لا يكون في الجملة المفسّرة عائد يعُود على المبتدأ الذي هو ضَمير الشّأن (٤).

стр. 582

فائدة: جوَّز ابن الحاجب في قوله ﷺ : "وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ" (١) كون اسمها ضمير شأن، و"أجوَد" مبتدأ، و"في رمضان" حالًا سادًّا مسدَّ الخبر (٢). وفيه نظَر من وجهين: - أحدهما: أن الحال السادَّة مسدَّ الخبر شرطها أن لا تصلح للخبر (٣). والثاني: أنّ ضمير الشّأن لا يخبر عنه إلَّا بجملة بُجُزْأَيْها. *** وجملة "يُصلي" مفسِّرة لا محلّ لها من الإعراب. والجمل التي لا محلّ لها من الإعراب مذكورة في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "وراءك": ظرف مكان، تقدّمت في الثالث من "باب الصفوف". و"ذو" هنا من الأسماء السّتة. وهي في كلام العرب على ضربين: - أحدهما: أن تكون بمعنى "صاحب"؛ فتضاف إلى أسماء الأجناس، وهي هذه هنا، ورفعُها "الواو"، ونصبُها بـ"الألِف"، وجرُّها بـ"الياء"، على خلاف (٤). تقول: "جاءني ذو مال"، و"رأيت ذا مال"، و"مررت بذي مال". وتقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل طرف من الكلام على "الأسماء السّتة".

стр. 583

الضّرب الثّاني: أن تكون بمعنى "الذي"، وإنما تَستعمل هذه من العرب "طيِّء" خاصّة (١)، كقولهم: .......................... ... وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ (٢) والكلام على ذلك يُحال على موضعه من كتب [العربية] (٣). ***

стр. 584

بابُ ترك الجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم " الحديث الأوّل: [١٠٢]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتتِحُونَ الصَّلاةَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". (٢) وَلِمُسْلِمٍ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رسول الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا" (٣). إعرابُ "باب" تقدَّم في "باب الاستطابة". وقوله: "ترْك الجهْر" مصدر مُضاف إلى المفعول؛ لأنَّ التقدير: "أن يترك المصلى الجهر"، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. و"تَرَك" إذا كان بمعنى "طرح" و"خلَّى" تعدّى لواحد، وإن كان بمعنى "صيَّر" تعدَّى لاثنين (٤). ومما أشكلت فيه قوله تعالى: ﴿أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَو

стр. 585

أَنْ نَفْعَلَ﴾ [هود: ٨٧]. ومنه قول الشّاعر: ذَكَرتُكِ والحَجيجُ لَه ضَجِيجٌ ... بمَكّةَ والقُلُوبُ لهَا وَجِيبُ وَقُلتُ وَنَحْنُ في بَلدٍ حَرَامٍ ... [بِه] (١) للهِ أخْلَصَت القُلُوبُ [أَتُوبُ] (٢) إليْكَ يَا رَبّاه ممّا ... جَنَيتُ قَقَد تَعَاظَمَت الذّنُوبُ وَأمّا عَن هَوَى لَيْلى وَتَرْكِي ... زِيارَتها فَإنّي لَا أتُوبُ (٣) فمتى عطفتَ على "هوى ليلى": "ترْك زيارتها" فسَد المعنى؛ لأنه يكُون "لا يتوب من ترك زيارتها"، وذلك يدلُّ على بُعْده [منها] (٤)، وسواء قدّرت "أنْ" أو لم تقّدر. وقد تؤولت الآية بأن يكُون عطف " [أو] (٥) أن نفعل" على قوله: "ما يعبد آباؤنا"، والتقدير: "أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ ". (٦) وأمَّا البيت: فلم يظهر لي فيه إلَّا وجهان، وهو أن يكون العطفُ على "ليلى"، والتقدير: "وأمَّا عن هوى ليلى وهوى ترك زيارتها فلا أتوب"؛ لأنه إذا رآها ولم تعطف عليه اشتد عليه الشّوق، وعظم عليه الجفَاء والقَلق، فهو يهوى ترك زيارتها

стр. 586

لذلك. ويحتمل أن يكون "فلا أتوب" راجعًا إلى: "هوى ليلى"، ويكون الرّاجع إلى "الترك": "لا أفعل" محذوفًا يدلّ عليه المعنى، وذلك لأنَّ التقدير: "وأمَّا توبتي عن هَوى ليلى فإني لا أتُوب"، فـ"عن" يتعلّق بـ"توبتي"، وعليه عُطف "ترْكي"؛ فيتّفقان في فعل "أمَّا"، ويفترقان في جوابها، فجوابُ "أمَّا توبتي": "فإني لا أتوب"، وجوابُ "أمَّا تركي": "فإني لا أفعَل". (١) ومثله: "علفتها ماء وتبنًا"، و"جاء مُتقلّدًا سيفًا ورمحًا"، وهذا هو الرَّاجح (٢). وقد اختاره شيخنا الإمام العلّامة شَمس الدّين، خطيب الرّوضة المشرّفة وإمامها. وقد استغنت العرب بـ"تَرَك" عن "وَدَع" و"وَذَر"، وعن اسم فاعلها بـ"تارك"، وعن اسم مفعولها بـ"متروك"، وعن مصدَرها بـ"التَرْك". وسُمع: "وَذْر" و"وَدْع" (٣). و"ببسم" مُتعلّق بالمصْدَر، ودخَل حرف الجر على "بسم الله" وهو مجرور بحرف جر؛ لأنّه أراد حكايته اللفظ على وضعه، فتنَزَّلت البسملة كُلّها منْزلة الكَلمة الواحدة. قوله: "الحديث الأوّل": تقدَّم الكلام عليه في أوّل الكتاب، وعلى متعلّق "عن"، وجملتي " ﷺ " و"﵁"، وذِكْر الجمل التي لا محلّ لها، كُلّ ذلك في لحديث الأوّل من الكتاب.

стр. 587

قوله: "يفتتحون": جملة في محلّ خبر "كان". ويحتمل أنْ يحمَل الافتتاح على ظاهره في الصّلاة، ولا يُعتدّ بالتكبير؛ لأنّه تحْريمها. ويحتمل أن يكُون التقدير: "يفتتحون القراءة في الصّلاة"، فحذفه، وهو الظّاهر؛ لأنهم جعَلوا الحديثَ دَليلًا على ترك قراءة البسملة أو السر بها، فيترجّح هذا التقدير ليصحّ الاستدلال؛ لأنَّ افتتاح الصّلاة بـ"الحمد" لا يَلزَم منه ترك البسملة في أوّل الفاتحة؛ لاحتمال أن تكون "الحمد لله رب العالمين" كناية عن السّورة كُلّها، ما قبْل "الحمْدَلَةِ" وما بعدها. قوله: "وفي رواية": يتعلّق بفعل محذُوف، أيْ: "وجاء في رواية عن أنس"، فتتعلّق "في" بـ"جاء"، و"عن" بـ"رواية"؛ لأنّه مصدَر، [أو بصفة] (١)، أي: "كائنةٍ عن أنس". وجملة "صَلّيتُ ... إلى آخره" في محلّ فاعل "جاء" على الحكَاية. و"مع" يتعلّق بـ"صلّيت"، وتقدّم الكلام على "مع" في أوّل "المسح على الخفين". و "أبي بكر" كـ"أبي هريرة" تقدَّم في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"عمر" تقدَّم في الحديث الأوّل من الكتاب. و"عثمان" لا ينصرف؛ للعَلَمية والزّيادة. قوله: "فلم أسْمَع": "الفاء" عاطفة، و"لم أسْمَع" مُضارع مجزوم بـ"لم"، وتقدّم الكلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي"، و"سَمِع" في الأوّل من الكتاب. و"أحَدًا" مفعول "أسمع"، و"منهم" متعلّق بصفته، أو بحال من ضمير فاعل "يُصلّي". و"يقْرأ" جملة إمّا في محلّ صفة، أو مفعول، على الخلاف المتقدّم في أوّل

стр. 588

الكتاب. وقد رُوي: "يُصَلّي"، وفيه إشْكَال؛ لأنّه لا يجوز أن تقُول: "سَمعتُ زيدًا يضرب عمرًا"، إلا أنْ تقَدِّر: "فلم أسْمَع صَوت أحَدٍ منهم يُصلّي"، فيكون "يُصلي" في محلّ صفة أخرى. و"أحَد" هنا جاءت على [أصلها] (١) بعد نفي (٢). قال ابنُ مالك: وقد جاءت في الإثبات في قوله ﷺ : "وَلَا أقُولُ: إنّ أحَدًا أفْضَل مِن يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٣). وإنما استعملت في الإثبات؛ لأنَّ فيه معنى النفي، وذلك بمعنى: "لا أحَد أفضل من يونس"، والشّيء قد يُعطى حُكم ما هو في معناه وإن اختلف فيه اللفظ (٤). قلتُ: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، فأجري في دخول "الباء" على الخبر مجرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١]؛ لأنّه في معناه (٥). وقوله: "يقرأ ببسم الله": حرفُ الجر يتعلّق بـ"يقرأ"، أو بحال، أي: "مُستفتحًا

стр. 589

صَلاته [ببسم] (١) الله"، أو يُضمَّن "يُصلي" معنى "يقرأ". قوله: "ولمسلم": تقدَّم مثله. وجملة "صلّيت" في محلّ معمول متعلّق "لمسلم"، إمّا فاعل على الحكاية، أو مفعول لم يُسَمّ فاعله. و "خَلْفَ" تقدَّم في الحديث السّادس من "باب صفة الصلاة". وجملة "لا يذكرون" في محلّ الحال من ضَمير "يستفتحون". و"بسم الله" إلى آخرها مفعول به على الحكاية. ***

стр. 590

باب سُجود السّهو الحديث الأوّل: [١٠٣]: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِد، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِد، فَقَالُوا: أُقصرَتِ الصَّلاةُ؟ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَاه أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةٌ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَو أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، [ثُمّ كَبّر]، (١) وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَو أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ" (٢). قوله: "عن أبي هريرة": يحتمل أن يكُون بدَلًا من "عن محمَّد بن سيرين"، أو تقدّر: "رُوي عن ابن سيرين أنَّه رَوى". وباختلاف التقديرين يختلف محلّ "قَالَ: صَلّى بنا"؛ فعلى الأوّل يكون محلّه رفعًا، وعلى الثّاني يكون محلّه نصبًا. وقوله: "بنا" يتعلّق بـ"صلّى"؛ لأنه بمعنى: "أمّ بهم". وجاء "صلَّى" متعدّيًا بـ"اللام"، نحو: "لأُصَلِّي لَكُم"، و"صَلَّى لَنَا" (٣). وجاء

стр. 591

بـ"الباء"، وهي "باء" [التعدية] (١). وتقدّم الكَلام على "صلَّى" وتعدِّيها في الحديث الخامس من "فضل الجماعة". و"إحْدَى": مفعول "صلَّى"، [على] (٢) تضمينه معنى "قضَى" و "أدَّى"؛ لأنّه لازم، [فلا] (٣) يتعدّى إلا إلى مصدره أو ظرفه. وقد يُقال: إنّه إنّما [تعدّى إلى] (٤) "إحدى"؛ لأنها مضافة إلى مصدره، أو لأنّها عَدَده. و"إحْدَى" تأنيث: "أحَد". قوله: "قال ابن سيرين": فعل وفاعل، ومُضاف إليه. و"سيرين" مُعرَب بالحركات، غير مُنصرف للعَلَمية والعُجمة، وليس هو كـ"ثيرين" ولا "سنين". قال ابنُ قُتيبة في كتاب "المعارف": محمَّد بن سيرين، كان سيرين عبدًا لأنس بن مالك، كاتَبَهُ على عشرين ألْفًا، فأدَّى الكتابة، وأمُّه صفيَّة مولاة أبي بكر ﵁. (٥) قوله: "قال ابن سيرين: وسمّاها أبو هريرة، ولكن نسيتُ أنا": هذه الجملة كلها مُعترضة بين قول أبي هريرة. ففاعل "قال" الثانية: "ابنُ سيرين"، وفاعل "قال" الثّالثة: "أبو هريرة"، وهي مُؤكّدة للأولى حتى تتصل حكاية "أبي هُريرة". قوله: "ولكن": تقدَّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "باب الحيض"،

стр. 592

ومتى وَليها كلامٌ فهي حرفُ ابتداء لمجرّد إفادة الاستدراك، كما هي هنا. و"أنا" تأكيدٌ لضَمير الفاعِل [في "نسيتُ"] (١). ويجوز أن يكون "أنا"، مبتدأ، و"نسيتُ" خبر مُقدّم. "قال: فصلى": فاعل "قال" ضمير "أبي هريرة". وجملة "صلّى بنا ركعتين": تقدَّم الكلام عليها في الخامس من "فضل الجماعة". "ثمَّ سلَّم" معطوفٌ عليه. و"ثُمَّ"، لترتيب الأخبار؛ لأنَّ السّلام من [الصّلاة] (٢) داخلٌ في ماهيتها. وإذا ضممت آخر كلام أبي هريرة إلى أوّله كان التقدير: "عن أبي هريرة قال: أراد الصّلاة بنا رسول الله ﷺ أو شرع في الصّلاة بنا - فصلى بنا ركعتين". وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأنَّ "الفاء" تقتضي التعقيب، فيكون صلاته للركعتين عقيب صلاته إحدَى صلاتي العشي. قوله: "ثمَّ قام إلى خشبة": "إلى" هنا يتعلّق بحال، أي: "قام مستندًا إلى خشبة"، أو يتعلّق بـ"قام". و"معروضة" صفة لـ"خشبة". و"في المسجد" يحتمل أن يتعلّق بـ"معروضة"؛ لأنّه اسم مفعول من: "عرضت العود". ويحتمل أن يتعلّق بصفة لـ"خشبة". ويحتمل النصب في "معروضة" على الحال من "خشبة" وإن كانت نكرة (٣)، ويكون "في المسجد" مُتعلّقًا بـ"معروضة"، أو بحال من الضمير فيها. ولا يتعلّق "في المسجد" بصفة لـ"خشبة" اللفصل بالحال بين الصّفة والموصُوف. ولا تنتصب

стр. 593

"معروضة" على الحال من الضّمير الذي في "المسجد"؛ لأنَّ الحالَ لا يتقدّم على العَامِل المعنوي (١). قوله: "فاتكأ عليها": أصله: "اوتكأ عليها" (٢). والأصل في هذا وما هو مثله مما "فاء" الكلمة فيه "ياء" أو"واو" وبُني منه "افتعل"، فإنهما يُبدلان "ياء"، ويُدغمان في "تاء" الافتعال (٣). وتقدّم في الثّالث من "الحيض". قوله: "كأنه غضبان": في موضع الحال، أي: "مشبهًا". و"غضبان" لا ينصرف؛ لأنه صفة، ومؤنثه "غَضْبَى" (٤)، وتقدّمت في الحديث الثّاني من "الأذان". قوله: "ووضَع يَده اليمنى على اليسرى": معطوفٌ على "اتكأ". و"شبَّك بين أصابعه" و"خرَجَت السّرعان" معطُوفات. قال ابنُ الأثير: "السّرعان" من النَّاس: "مُقدّموهم" و"أوائلهم" (٥)، بفتح "السّين" وضمها وكسرها. قال الجوهري: ويلزم الإعراب نُونه في كُل وجْه. ويُقال: "سرعان ذا خروجًا"، أي: "سرع ذا خروجا"، نُقلت فتحة "العين" إلى "النون"؛ لأنه معدول من "سَرُعَ"؛ فبُنِيَ عليه. ويُقال: "لَسَرْعان ما صنعت كذا"، [أي: "ما أسرَع"] (٦).

стр. 594

انتهى (١). قوله: "من أبواب المسجد": يتعلّق بـ"خرَجَت". قوله: "فقالوا: أقصرت الصّلاة؟ ": أي: "قال بعضهم لبعض لأجل ما رأوا من فعل النبي ﷺ و"الهمزة" للاستفهام. قال في "الصّحاح": "قَصُرَ" بالضم "يقْصُر"، "قصْرًا"، خلافُ "الطُّول". و"قَصَرْتُ" من الصّلاة" بالفتح "أقصُر"، "قَصْرًا". و"قَصَرْت الشيء على كذا" إذا "لم يجاوز به إلى غيره" (٢). وجملة "أَقُصِرت؟ " معمول للقول، ويُروى: "قُصِرت الصّلَاة؟ " (٣) بـ"همزة" مُقدّرة، كما قُدّرت في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي: "أَوَتلك نعمة؟ " (٤). قوله: "وفي القوم أبو بكر": "أبو بكر" مبتدأ، وخبره مُتقدّم في المجرور، و"عمر" معطوفٌ عليه. والجملة معطوفة على ما قبلها، أو في موضع الحال. قوله: "فهاباه": رُوي بإثبات المفعول وحذفه. فـ"أنْ يُكلّماه" بدَل من ضمير المفعول في "هاباه". و"أنْ" هي المصدرية الناصبة. وعلامة النّصب في "يكلماه": حذفُ "النون". والجملة كُلّها في الحقيقة مُفسّرة لمعنى [قوله] (٥): "وفي القوم أبو بكر وعمر"

стр. 595

لأنّه لو لم يُقل: "فهاباه" لقيل: فما منعهما وهما أقرَب من غيرهما [وأدلّ عليه] (١) ﷺ ؟ (٢). قوله: "وفي القوم رجُلٌ في يديه طول": "رجل" مبتدأ، ومُسوّغ الابتداء بالنكرة تقدُّم الخبر في قوله: "في القَوم"، ومُسوّغٌ آخر، وهو وصفه بالجملة بعده، فـ"طولٌ" مبتدأٌ خبرُه في المجرور. ويحتمل أن يرتفع "طُول" بالمجرور؛ لأنّه اعتمد على الصفة، والظّروف والمجرورات إذا اعتمدت على صفة أو حال أو صلة أو خبر عملت عند سيبويه (٣). قوله: "يقال له: ذو اليدين": يجري في إعراب "ذو اليدين" ما قيل في: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قال أبو حيان: في ارتفاع "إبراهيم" أقوال: - أحدها: أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: "هو إبراهيم"، وتكون الجملة المحكية بالقول في موضع نصب به. الثاني: أنَّه مفعولٌ لم يُسمّ فاعله لـ "يُقال"، وهو من الإسناد للفظ لا لمدلوله، أي: "يُطلق عليه هَذا اللفظ". واختاره الزّمخشري وابن عطيّة. وفيه خلاف ينبني على أنّ القول هل يعمَل في المفرَد المراد به مجرّد اللفظ، نحو: "قلت زيدًا"، فأجازه الزمخشري والزجاج وابن خروف وابن مالك بشرط أن لا يكُون مُنقطعًا من جملة، نحو قوله:

стр. 596

إِذَا ذُقْتُ فَاها قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ ... ........................ (١) ولا مُفردًا معناه معنى الجملة، نحو: "قلتُ خُطبة"، ولا مصْدَرًا، نحو: "قُلتُ قولًا"، ولا صفة له، نحو: "قُلتُ حقًّا"، بل مجرّد اللفظ، نحو: "قُلتُ زيدًا". ومن النّحويين مَن منَع ذلك. وهو الصّحيح؛ إذ لا يحفَظ من لسَانهم: "قال فُلانًا"، ولا: "قال ضرب"، ولا: "قال ليت". وإنما يعمل في الجملة؛ لأنّه موضوع لحكايتها، [أو ما كان مُفردًا بمعناها، نحو: "قلتُ حقًّا"] (٢). الثالث: للأعلم، أنَّه مرفُوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدّم عامل يُؤثر فيه، إذ لا يُؤثر القول إلَّا في مفرد مُضمَّن معنى الجملة، فبقي مُهمَلًا، والمهملُ إذا ضُمَّ إلى غيره ارتفع، كقولهم: "واحدٌ، [اثنان] (٣) " إذا عَدُّوا ولم يُدخِلوا عَاملًا لفظيًّا ولا تقديرًا، وعَطَفوا بعضها على بعض (٤). انتهى. وفي قوله: "أقصرت الصلاة؟ " و"أصدق ذو اليدين؟ " ما يُؤذِن بأنّ الشّك في الفعل، لأنّه إذا دخَل الاستفهام على القول يكُون الشّك في الفعل المستفهَم عنه، وإن دخَل على الاسم - نحو: "أأنت فَعَلت"، "أأنت قُلت" - فإنّ الاستفهام عن فاعل الفعل المشكُوك فيه (٥). وجملة قوله: "يُقال له" في محلّ صفة لـ"رجل". و"ذو" من الأسماء الستة، تقدّم

стр. 597

القول عليها في الثالث من "باب استقبال القبلة"، وتقدّم تثنية "يد" وما يتعلّق بالمنقوص غير المقيس في الرّابع من أوّل الكتاب. و"أمْ" من حروف العطف، وهي على قسمين: متصلة ومنقَطعة، وهي هنا المتصلة؛ لأنها جاءَت على شرطها من تقدَّم الاستفهام والسّؤال بـ "أيّ" والجواب بأحَد الشّيئين المستفْهَم عنهما، أو الأشياء. وأمَّا المنقَطعة: فشرْطها وقُوع الجملَة بعدها، ويتقدّمها الاستفهام والخبر، وتقدّر بـ"بل" و"الهمزة"، وجَوابها: "لا" أو "نعم" (١). قوله: "لَمْ أنْسَ، ولم تُقْصَر": الجملة محكيّة بالقَول، وجُزم "أنْسَ" بحذف "الألِف"، وجزم "تُقصَرْ" بالسّكون، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله. ولما كانت "أمْ" هنا المتصلة لم يحسُن في الجواب "لا" أو "نعم"، إنما نفى جملة المسئول عنه بناءً على ظنّه، أو بمعنى أنّ جملة ذلك لم يكُن، بل كان بعضه، ورُوي: "كُلُّ ذَلِك لَم يَكُن" (٢)، فأدْخَل في خبر "كُل" ما يقتضى السّلب عن كُلّ فرد. قال ابن هشام: قال البيانيون: إذا وقعت "كُلّ" في حيِّز النفي كان النّفي موجَّها للشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبات الفعل لبعض الأفراد، كقوله: "ما جاء كُلّ القوم"، و"لم آخذ كُلّ الدراهم". ومنه: مَا كُلُّ مَا يتَمنَّى المرَءُ يُدْرِكُهُ ... ........................ (٣) وإن وقع النفي في حيِّز "كُلّ" اقتضى السّلب عن كُلّ فرد، كما تقدَّم من قوله

стр. 598

"كُلّ ذلك لم يكُن" (١). قوله: "أَكَما يقول ذو اليدين؟ ": "الهمزة" هنا للاستفهام، وهي داخلة على مبتدأ محذوف، أي: "آلأمر كما يقول؟ "، فـ "الكاف" بمعنى"مثل". و"ما" هي موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: "مثل ما يقوله"، إن جعلت "الكاف" اسمًا. وإن جعلتها حرف جرٍّ، فالخبر مُقدّر، أي: "كائن كما يقول"، فتتعلّق "الكاف" به. وقال ابن عصفور في "شرح الجمل": لا تتعلّق "الكاف" بشيء. قال: وكذا الحروف الزائدة، و"لولا" الجارّة (٢). وقال ابن عطيّة في مثل هذا: الخبر "الكاف"، وهي على هذا اسم، كما في قول الأعشى: أَتَنتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُ (٣) قالوا: يتعيّن في البيت أن يكون الفاعل "الكاف"، ولا يجوز أن يُقدَّر: "أتنتهون ولا يُنهى بشيء كالطعن"؛ لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، وجوّز الأخفش حذفه (٤). قوله: "فقالوا: نَعم": تقدّم الكلام على "نَعَم" في الرابع من "الجنابة". قوله: "فتقدّم": جملة من فعل وفاعل، فاعلها ضمير "النبي ﷺ ". وجملة "فصلى" معطُوفة عليه. و"ما" موصولة مفعول "صلى" على السّعة، أو مصدَرية، أي: "صلى صلاته". و"ترك" صلةُ"ما"، والعائدُ محذوف، أي: "الذي تركه". "ثم سلم"،

стр. 599

"ثم كبر"، "فسجد" كُلّها معطوفات. قوله: "مثل سُجُوده": نعت لمصدر محذوف، أي: "سجد سجودًا مثل سجوده". أو حال، أي: "سجد السّجود في حال كونه مثل سجوده"، فهو حال من المصدر بعد إضماره. واختير هذا؛ لأنّ في الأوّل حذف الموصُوف في غير المواضع المستثناة، وقد تقدّم ذكر ما استثنى من ذلك في الثّامن من "باب صفة الصلاة"، وفي الثّاني من "باب التيمم". قوله: "أو أطول": شكّ من الرّاوي. و"الهاء" (١) راجعة إلى "النبي"، أي: "مثل سُجُود النبي ﷺ في الصّلاة أو أطْوَل". قوله في الثّانية: "مثل سُجُوده": يحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في السّجدة الأولى من سُجود السّهو"، ويحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في صلاته". والكَلام على "أفعَل التفضيل" تقدّم في الأوّل من "الصّلاة". وقد استُعمل هنا بـ "من" مُقدّرة. قوله: "فربّما سألوه": "رُبَّ" حرفُ تقليل عند الأكثرين، والكوفيون ادَّعوا اسميتها، ويجب تصديرها - فلا يُقال: "جاءني رُبّ رَجُل" - وتنكيرُ مجرورِها، ونعتُه إن كان ظاهرًا إمَّا باسم أو فعل أو بظرف أو جملة. ولا يجوز أن تقول: "رُبَّ رجُل" وتسكت، حتى تقول: "رُبّ رجل صالح"، أو "رُبّ رجل يقول"، أو "رُبّ رجل عندك"، أو "رُبّ رجل أبوه عالم". ومن أحكامها: أنها تأتي لما مضى، وللحال دون الاستقبال، تقول: "رُبّ رجل قام"، و"يقوم"، ولا تقول: "رُبّ رجل سيقوم"، و"ليقومن غدًا"، إلا أن تريد: "رُبّ رجل

стр. 600

يوصف بهذا"، كما تقول: "رُبّ رجُل مسيء اليوم محسن غدًا، أي: "يُوصَف بهذا". ومن أحكامها: أنها تدخُل على المضمر قبل الذّكْر على شريطة التفسير، وينصب ما بعد ذلك المضمر على التفسير، كقولهم: "رُبَّهُ رجلًا جاءني"، وهذا الضّمير عند البصريين لا يُثنى ولا يُجمع؛ لأنّه ضمير مُبهَم مجهُول. ومن أحكامها: أنها توصَل [بـ"ما"] (١)، فيبطل عملها، ويُستأنف الكلام بعدها. قالوا: ويجوز: "رُبَّ رجُل وأخيه مُنطلقين"، ولا تقول: "رب رجل وزيد منطلقين"، وإنما جَاز في الأوّل لأنّ "وأخيه" يُقدّر نكرة بِينَّةِ الانفصال، أي: "وأخ له" (٢). وتنفرد "رُبَّ" بغَلَبة حذْف مُتعلَّقها، نحو: "رُبّ رجُل لقيته أكرمني"، فيحذفون "أكرمني" في كثير من الكلام، وشرطه أن يكُون ماضيًا. ومن أحكامها: إعمالها محذُوفة بعد "الفاء" و"الواو" و"بل"، نحو: فمثلك حبلى قد طرقت ... ....................... (٣) وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ ... .............................. (٤) بَلْ [بَلَدٍ] (٥) ذِي صُعُدٍ وَآكَام (٦)
следующие страницы →