إِذَا ذُقْتُ فَاها قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ ... ........................ (١)
ولا مُفردًا معناه معنى الجملة، نحو: "قلتُ خُطبة"، ولا مصْدَرًا، نحو: "قُلتُ قولًا"، ولا صفة له، نحو: "قُلتُ حقًّا"، بل مجرّد اللفظ، نحو: "قُلتُ زيدًا".
ومن النّحويين مَن منَع ذلك. وهو الصّحيح؛ إذ لا يحفَظ من لسَانهم: "قال فُلانًا"، ولا: "قال ضرب"، ولا: "قال ليت".
وإنما يعمل في الجملة؛ لأنّه موضوع لحكايتها، [أو ما كان مُفردًا بمعناها، نحو: "قلتُ حقًّا"] (٢).
الثالث: للأعلم، أنَّه مرفُوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدّم عامل يُؤثر فيه، إذ لا يُؤثر القول إلَّا في مفرد مُضمَّن معنى الجملة، فبقي مُهمَلًا، والمهملُ إذا ضُمَّ إلى غيره ارتفع، كقولهم: "واحدٌ، [اثنان] (٣) " إذا عَدُّوا ولم يُدخِلوا عَاملًا لفظيًّا ولا تقديرًا، وعَطَفوا بعضها على بعض (٤). انتهى.
وفي قوله: "أقصرت الصلاة؟ " و"أصدق ذو اليدين؟ " ما يُؤذِن بأنّ الشّك في الفعل، لأنّه إذا دخَل الاستفهام على القول يكُون الشّك في الفعل المستفهَم عنه، وإن دخَل على الاسم - نحو: "أأنت فَعَلت"، "أأنت قُلت" - فإنّ الاستفهام عن فاعل الفعل المشكُوك فيه (٥).
وجملة قوله: "يُقال له" في محلّ صفة لـ"رجل". و"ذو" من الأسماء الستة، تقدّم
стр. 597
القول عليها في الثالث من "باب استقبال القبلة"، وتقدّم تثنية "يد" وما يتعلّق بالمنقوص غير المقيس في الرّابع من أوّل الكتاب.
و"أمْ" من حروف العطف، وهي على قسمين: متصلة ومنقَطعة، وهي هنا المتصلة؛ لأنها جاءَت على شرطها من تقدَّم الاستفهام والسّؤال بـ "أيّ" والجواب بأحَد الشّيئين المستفْهَم عنهما، أو الأشياء.
وأمَّا المنقَطعة: فشرْطها وقُوع الجملَة بعدها، ويتقدّمها الاستفهام والخبر، وتقدّر بـ"بل" و"الهمزة"، وجَوابها: "لا" أو "نعم" (١).
قوله: "لَمْ أنْسَ، ولم تُقْصَر": الجملة محكيّة بالقَول، وجُزم "أنْسَ" بحذف "الألِف"، وجزم "تُقصَرْ" بالسّكون، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله.
ولما كانت "أمْ" هنا المتصلة لم يحسُن في الجواب "لا" أو "نعم"، إنما نفى جملة المسئول عنه بناءً على ظنّه، أو بمعنى أنّ جملة ذلك لم يكُن، بل كان بعضه، ورُوي: "كُلُّ ذَلِك لَم يَكُن" (٢)، فأدْخَل في خبر "كُل" ما يقتضى السّلب عن كُلّ فرد.
قال ابن هشام: قال البيانيون: إذا وقعت "كُلّ" في حيِّز النفي كان النّفي موجَّها للشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبات الفعل لبعض الأفراد، كقوله: "ما جاء كُلّ القوم"، و"لم آخذ كُلّ الدراهم". ومنه:
مَا كُلُّ مَا يتَمنَّى المرَءُ يُدْرِكُهُ ... ........................ (٣)
وإن وقع النفي في حيِّز "كُلّ" اقتضى السّلب عن كُلّ فرد، كما تقدَّم من قوله
стр. 598
"كُلّ ذلك لم يكُن" (١).
قوله: "أَكَما يقول ذو اليدين؟ ": "الهمزة" هنا للاستفهام، وهي داخلة على مبتدأ محذوف، أي: "آلأمر كما يقول؟ "، فـ "الكاف" بمعنى"مثل". و"ما" هي موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: "مثل ما يقوله"، إن جعلت "الكاف" اسمًا. وإن جعلتها حرف جرٍّ، فالخبر مُقدّر، أي: "كائن كما يقول"، فتتعلّق "الكاف" به.
وقال ابن عصفور في "شرح الجمل": لا تتعلّق "الكاف" بشيء. قال: وكذا الحروف الزائدة، و"لولا" الجارّة (٢).
وقال ابن عطيّة في مثل هذا: الخبر "الكاف"، وهي على هذا اسم، كما في قول الأعشى:
أَتَنتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُ (٣)
قالوا: يتعيّن في البيت أن يكون الفاعل "الكاف"، ولا يجوز أن يُقدَّر: "أتنتهون ولا يُنهى بشيء كالطعن"؛ لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، وجوّز الأخفش حذفه (٤).
قوله: "فقالوا: نَعم": تقدّم الكلام على "نَعَم" في الرابع من "الجنابة".
قوله: "فتقدّم": جملة من فعل وفاعل، فاعلها ضمير "النبي ﷺ ". وجملة "فصلى" معطُوفة عليه. و"ما" موصولة مفعول "صلى" على السّعة، أو مصدَرية، أي: "صلى صلاته". و"ترك" صلةُ"ما"، والعائدُ محذوف، أي: "الذي تركه". "ثم سلم"،
стр. 599
"ثم كبر"، "فسجد" كُلّها معطوفات.
قوله: "مثل سُجُوده": نعت لمصدر محذوف، أي: "سجد سجودًا مثل سجوده". أو حال، أي: "سجد السّجود في حال كونه مثل سجوده"، فهو حال من المصدر بعد إضماره. واختير هذا؛ لأنّ في الأوّل حذف الموصُوف في غير المواضع المستثناة، وقد تقدّم ذكر ما استثنى من ذلك في الثّامن من "باب صفة الصلاة"، وفي الثّاني من "باب التيمم".
قوله: "أو أطول": شكّ من الرّاوي.
و"الهاء" (١) راجعة إلى "النبي"، أي: "مثل سُجُود النبي ﷺ في الصّلاة أو أطْوَل".
قوله في الثّانية: "مثل سُجُوده": يحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في السّجدة الأولى من سُجود السّهو"، ويحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في صلاته".
والكَلام على "أفعَل التفضيل" تقدّم في الأوّل من "الصّلاة". وقد استُعمل هنا بـ "من" مُقدّرة.
قوله: "فربّما سألوه": "رُبَّ" حرفُ تقليل عند الأكثرين، والكوفيون ادَّعوا اسميتها، ويجب تصديرها - فلا يُقال: "جاءني رُبّ رَجُل" - وتنكيرُ مجرورِها، ونعتُه إن كان ظاهرًا إمَّا باسم أو فعل أو بظرف أو جملة. ولا يجوز أن تقول: "رُبَّ رجُل" وتسكت، حتى تقول: "رُبّ رجل صالح"، أو "رُبّ رجل يقول"، أو "رُبّ رجل عندك"، أو "رُبّ رجل أبوه عالم".
ومن أحكامها: أنها تأتي لما مضى، وللحال دون الاستقبال، تقول: "رُبّ رجل قام"، و"يقوم"، ولا تقول: "رُبّ رجل سيقوم"، و"ليقومن غدًا"، إلا أن تريد: "رُبّ رجل
стр. 600
يوصف بهذا"، كما تقول: "رُبّ رجُل مسيء اليوم محسن غدًا، أي: "يُوصَف بهذا".
ومن أحكامها: أنها تدخُل على المضمر قبل الذّكْر على شريطة التفسير، وينصب ما بعد ذلك المضمر على التفسير، كقولهم: "رُبَّهُ رجلًا جاءني"، وهذا الضّمير عند البصريين لا يُثنى ولا يُجمع؛ لأنّه ضمير مُبهَم مجهُول.
ومن أحكامها: أنها توصَل [بـ"ما"] (١)، فيبطل عملها، ويُستأنف الكلام بعدها. قالوا: ويجوز: "رُبَّ رجُل وأخيه مُنطلقين"، ولا تقول: "رب رجل وزيد منطلقين"، وإنما جَاز في الأوّل لأنّ "وأخيه" يُقدّر نكرة بِينَّةِ الانفصال، أي: "وأخ له" (٢).
وتنفرد "رُبَّ" بغَلَبة حذْف مُتعلَّقها، نحو: "رُبّ رجُل لقيته أكرمني"، فيحذفون "أكرمني" في كثير من الكلام، وشرطه أن يكُون ماضيًا.
ومن أحكامها: إعمالها محذُوفة بعد "الفاء" و"الواو" و"بل"، نحو:
فمثلك حبلى قد طرقت ... ....................... (٣)
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ ... .............................. (٤)
بَلْ [بَلَدٍ] (٥) ذِي صُعُدٍ وَآكَام (٦)
стр. 601
ومحلّ مجرورها في قولك: "ربّ رجل صالح عندي" رفع على الابتداء، لأنّ التقدير: "رجل صالح عندي". ومحلّه في نحو: "رب صالح لقيته" رفعٌ أو نصبٌ، كما في قولك: "هذا لقيته"، فالرّفع على الابتداء، والخبر: "لقيته"، والنّصب على إضمار فعل، أي: "لقيتُ رجُلًا صالحًا لقيته"، فتكُون الجملة مفسِّرة.
قال ابنُ هشام: وزَعَم الزّجّاج وموافقوه أنّ مجرورها لا يكون إلّا في محلّ نصب. قال: والصّواب ما قدّمناه (١).
وفي "رُبَّ" ستة عشر لُغة: ضم "الراء" وفتحها، وكِلاهما مع التشديد، ومع التخفيف، والأوْجُه الأربعة مع "التاء" ساكنة أو متحرّكة، ومع التجرد منها، فهذه اثنا عشر، والضّم والفتح مع إسكان "الباء"، وضمّ الحرفين مع التشديد ومع التخفيف ومع التجرّد منهما (٢).
و"ربَّ" هنا موصولة بـ "ما"؛ فلذلك لا عَمَل لها، والكَلامُ بعدها مُستأنَف.
قوله: "ثُم سَلّم": يحتمل أن يكون المعنى أنّ النبي ﷺ لما كَمل السّجدتين، لم يذْكُر الرّاوي سَلامه من سَجْدتي السّهو؛ فقال الرّاوي، وهو ابنُ سيرين: "فرُبّما سألُوه"، يعنى "سألوا أبا هريرة"، بمعنى أنه لم يتحقّق سُؤال أصحاب أبي هريرة لأبي هُريرة قبل أنْ يخبر أبو هُريرة بسَلام النبي، فأتى بـ "رُبّ" بمعنى تقليل ذلك عنده.
стр. 602
[قال] (١): "ثم سَلّم": من تتمّة كلام أبي هُريرة، وحكايته عن فعل النبي ﷺ في السّجدتين. والله أعلم.
قوله: "فنُبِّئْتُ": القائلُ لهذا: "محمّد بن سيرين" عن أبي هريرة.
و"نبَّأ" يتعدّى إلى ثلاثة إذا كانت بمعنى "أعلم" (٢)، فالأوّل هنا الضّمير المتصل القائم مقام الفاعل، وسَدَّت "أنَّ" مسدّ المفعولين الآخرين، وإن كانت المتعدّية لاثنين سدّت مسدَّ مفعُول واحد.
قوله: "فتقدّم": أي: "النبي ﷺ "، "فصلى ما ترك": أي: "الذي ترك"، والعائدُ ضمير مفعول محذُوف، و"م" وصلتها في محل مفعول "يصلي"؛ لأنّه مُضمَّن معنى "أدَّى"، كما تقدّم بيانه قريبًا.
الحديث الثاني:
[١٠٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْن بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَن النَّبِيَّ ﷺ "صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، فَقَامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْن، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ" (٣).
قوله: (عن عبد الله): وهو "ابن بحينة"، تقدّم الكَلام عليه في الحادي عشر من "صفة الصّلاة"، وأنّه منسوبٌ إلى أمِّه؛ ولذلك ثبتت [ألِف] (٤) "ابن" مع "بُحينة".
قوله: "وكان من أصحاب النبي ﷺ ": جملة معترضة.
стр. 603
والمعترضة هي: المفيدة تقوية ما يتوسّط بين أجزائه.
وجملة "أنّ النبي ﷺ " في محلّ رفع بمتعلّق حرف الجر، وقد تقدّم نظائره.
قوله: "صلى بهم" في محلّ خبر "أنَّ"، و"الظهر" مفعول بـ "صلي"، أي: "صلاة الظهر"، فتعدّى إلى مصدره.
قوله: "فقام": معطوفٌ على "صلَّى".
و"في الركعتين": "في" بمعنى "من"، كقوله:
.......................... ... ثَلَاثِينَ شَهرًا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال (١)
وهو أحَد وجوهها. ويحتمل أن تكون على بابها، أي: "قام في جلوس الركعتين قبل أن يتمها". و"الفاء" ليست سببية.
قوله: "الأوليين": تقدّم في الحديث الثّاني من "باب القراءة".
قوله: "ولم يجلس": معطوف عليه. وكذلك: "قام الناس معه". تقدّم الكلام على "مع" في أوّل "المسح على الخفين". ويحتمل هنا أن يكون في محلّ حال من النّاس، أي: "مجتمعين معه".
[قوله] (٢): "حتى إذا قضى الصلاة" تقدم الكلام على "حتى" في الحديث الثاني من الأول، ويتعلّق بهذا الموضع الكلام على "حتى" مع "إذا".
قال أبو حيّان: "حتى" مع "إذا" حرف ابتداء، وليست جارَّة لـ "إذا" ولا لجملة الشرط والجزاء. ومعنى الابتداء فيها: أن يصلح وقوع المبتدأ بعدها، لا أنه يلزم
стр. 604
وقوعه بعدها، ألا ترى أنها في نحو: "ضربتُ القوم حتى زيدًا ضربتُ" حرفُ ابتداء، [وإن] (١) كان ما بعدها منصوبًا.
و"حتى" إذا وقع بعدها "إذا" احتمل أن تكون بمعنى "الفاء"، أي: "فإذا"، أو بمعنى "إلى أن"، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فكونه بمعنى "إلى أن" يكون التقدير: "إلى أن يقولوا: إنْ هذا إلّا أساطير الأولين، في وقت مجيئهم لمجادَلتك"؛ لأنّ الغَاية لا تؤخَذ إلّا من جواب الشرط، لا من الشرط. وعلى هذا يتخرّج جميع ما جاء من هذا النحو، ولا بدّ أن يتقدّمه كلام ظاهر، كالآية، وكقوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا﴾ [الكهف: ٧٤]، أو مُقدّر، كقوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] (٢).
قلت: فيكون التقدير هنا: "فصلى بهم الظهر إلى أن كبَّر وهو جالس وقت انقضاء الصلاة وانتظارهم تسليمه".
قال الشّيخ أبو حيان: وجوَّز الزمخشري أن تكون "حتى" جارَّة لـ "إذا"؛ فقال: ويجوز أن تكون الجارَّة، وتكون "إذا جاءوك" في محلّ الخبر، بمعنى: "حتى وقت مجيئهم"، و"يجادلونك" حال. وأوجب ابن مَالك ذلك؛ فقال في التسهيل: "وقد تفارقها" (٣). يعني أنّ "إذا" تُفارقها الظّرفية، فتجيء مفعولًا به ومجرورة بـ "حتى" ومُبتدأ.
وما [ذهَب] (٤) إليه ليس بصَواب، والحقّ ما قاله الحوفي وأبو البقاء وغيرهما
стр. 605
أنّ "إذا" في موضع نصب بجوابها، وليس لـ"حتى" هنا عَمَل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمَل في الجمَل (١). انتهى.
فعلى ما اختاره أبو حيّان تكون "حتى" حرف ابتداء، و"قضى الصّلاة" في محل جر بإضافة "إذا" إليه، والعاملُ فيها جوابها وهو "كبَّر".
ومعنى الابتداء فيها: وقوعها مع ما بعدها جملة. قاله الزمخشري، وصوَّبه أبو حيان (٢).
قوله: (وهو جالس): جملة حاليّة من فاعل "كبَّر"، وجاءت بـ "الواو" والضّمير.
قوله: "فسَجَد": معطُوفٌ. و"سَجْدَتين" مصدر مُثنى، مثل: "ضرب ضربتين".
قوله: "قبل أنْ يُسلِّم": تقدّم الكَلام على "قبل" في الرّابع من الأوّل. و"أن يسلم" في محلّ جَر بالإضَافة إلى "قبل".
* * *
стр. 606
بابُ المرور بين يدي المصَلّي
الحديث الأوّل
[١٠٥]: عَنْ أبِي [جُهَيْمِ] (١) بْنِ الْحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِي ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ؟ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ".
قَالَ أبُو النَّضْرِ: لا أدْرِي، قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ شَهْرًا أَو سَنَةٌ (٢).
تقدّم إعراب التبويب، وما بعده من السّند [جملة] (٣) تقدّم الكَلام عليها في الأوّل من "كتاب الصّلاة".
قوله: "يعلم": يحتمل أن يكُون بمعنى "يعرف"؛ فيتعدّى لواحد، وهو الظّاهر فيها هنا. ويحتمل أن تكون العِلْمية؛ فيتعدّى إلى اثنين. وهو على كِلا الوجْهين [مُعلّق] (٤) بـ "ماذا". فجُملة "ماذا" في محلّ مفعول "عَلم".
قال أبو حيان: و"ماذا" إذا أفردت كُلّ واحدة منهما فهي على حالها، فـ "ما" للاستفهام، و"ذا" للإشارة.
وإن دخل التجوّز: فـ "ذا" موصولة بمعنى "الذي" و"التي"، وتفتقر إلى صلة، و"ما" على أصلها استفهامية.
ولك أن تجعل دلالتها دلالة "ما" الاستفهامية لو انفردت "ما"، ولذلك قالت العرب: "بماذا تسأل؟ "، بإثبات ألِف "ما" مع حرف الجر.
стр. 607
ولك أن تجعل "ذا" مركّبة مع "ما" الموصولة، أو "ما" النكرة الموصوفة، فدلالة مجموعهما دلالة "ما" الموصولة أو الموصوفة لو انفردت دون "ذا". وهذا الأخير عن الفارسي (١). انتهى.
إذا ثبت ذلك: فقوله في الحديث: "ماذا عليه؟ " يجوز أن تجعل "ذا" موصولة بمعنى "الذي"، وتكُون "عليه" في محلّ الصّلة، وتقدّر متعلّق حرف الجر: "استقر" لا "مستقر"؛ لأنّ الصلة لا تكُون مُفردًا.
ولك أن تجعل "ذا" زائدة، والتقدير: "ما عليه؟ "، فتكون "ما" مبتدأ، و"عليه" في محلّ الخبر، أي: "ما كان عليه"، أو "ثابت عليه".
ولك أن تجعل - عند قوم - "ذا" موصُولة، صِلتها "عليه" وتكُون في محلّ رفع بالابتداء، والخبر "ما" مُقدّمًا، قُدِّم الخبُر لأنّه استفهام.
وذكر ابن عطيّة في مثل: "ماذا صنعت؟ " إذا جُعلت مُركّبةً، أنها في محلّ نصب حيث وقعت، إلّا في مثل:
وَمَاذَا عَسَى الْوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا ... [سِوَى] (٢) أَنْ يَقُولُوا إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ (٣)
لأنّ "عسى" لا تعمل فيما قبلها. فـ "ماذا" في البيت في محلّ رفع، وليست "ذا" بمعنى "الذي"؛ إذ لا صِلة لها؛ لأنّ "عسى" لا تقع صِلة للموصُول الاسمي (٤).
وتعقّب عليه أبو حيّان قوله: "إذا كانت مركّبة فهي في موضع نصب إلا في
стр. 608
هذا البيت"، وقال: بل يجوز أن تقول: "ماذا محبوب"، و"ماذا قائم؟ "، و"ماذا" مُركّب؛ فيكون في موضع رفع بالابتداء، كأنك قلت: "ما محبوب؟ "، و"مَن قائم؟ " (١).
قال ابنُ الحاجب: وفي "ماذا صنعت؟ " وجهان، أحدهما: "ما الذي"، وجوابه رفع. والآخر: "أي شيء"، وجوابه نصب (٢).
يريد: إذا جعلت "ذا" بمعنى "الذي" رفعت الجواب؛ لأنّ "صنعت" صِلة "الذي"، فلم يبق له سبيل إلى العَمل في "ما" الاستفهامية؛ لأنّ الصّلة لا تتقدّم على الموصُول، ولا شيئًا منها؛ فلا يتقدّم معمولها (٣).
ولابُد للموصُول في صِلته من عائد، والعائدُ هنا ضمير محذُوف، فموضع "ما" رفع، وجوابه مرفوع؛ ليطابق الجواب السّؤال.
فإذا قلت: "ماذا صنعت؟ "، فجوابه: "خيرٌ"، بالرّفع، إذا جعلت "ذا" موصُولة، والرّفع في الجواب على أنّه خبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هو خير"، ويجوز النصب، لكن الرّفع أولى لما ذكَرنا من المطابقة بين الجوَاب والسّؤال.
والوَجْه الآخر أن يجعل "ما" و"ذا" بمنزلة الاسم الواحِد، كأنّه قد ركّب إحدى الكلمتين مع الأخرى، فيكون الفعل المذكور بعد "ماذا" مُسلطًا على "ما"؛ فيكون في موضع نصب بـ "صنعتَ"، ويكون جوابه منصوبًا، كما تقول: "ما أكلت؟ "، فتقول في الجواب: "خبزًا"، أي: "أكلتُ خبزًا"، والنصب أولى لمطابقة الجواب للسّؤال، ويجوز الرفع.
стр. 609
ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] بالرّفع، ولم يُقرأ بالنصب، قالوا: لأنّ النّصب يقتضي تقدير: "أنزل"، ولو أقروا بأنه أنزل أساطير الأولين كان منهم إيمانًا، وإنما قالوه بالرفع؛ لأنه مُقدّر بإضمار مُبتدأ، أي: "هو أساطير الأولين".
وجاء الوجْهان في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] بالنصب والرفع، على ما تقدّم (١)، ولا مُعارض لأحدهما يُوجب المنع. والله أعلم.
قوله: "خيرٌ": تقدّم الكلام عليه في الثّامن من "باب الجنابة"، ويجوز فيه الرّفع، والنّصب أوْجَه، لأنّه اسم "كان" مبتدأ، أو "أنْ" مع الفعل كالمضمر، فكان أولى.
قوله: "قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة": "أربعين" ظرفُ زمان؛ [لأنّه] (٢) عَدَد الظّرف.
وهو هنا مفعول لـ "وقف". و"وقف" مُتعدٍّ، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
ولا يجوز أن يكُون ظرفًا، لأنّه ليس المراد أن يقف في أربعين يومًا ولا في أربعين سنة، وإنّما المراد جميعها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٣)، فهي بجملتها الموعود.
قالوا: ويحتمل أن يكون التقدير: "تمام أربعين"، ومثله محتمَل هنا، ويكون قد
стр. 610
حذف المضَاف، وأقام المضَاف إليه مقامه.
والمعدُود هنا منصوبٌ على التمييز، والعاملُ فيه اسم العَدَد، شبّه بـ "ضاربين".
وقيل: منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ لأنّه مُقدّر بـ "من"، والمفعول به قد يكون كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ولا يتقدّم التمييز عليه إجماعًا، ولا يُفصل بينهما إلّا في ضرورة، كقوله:
......................... ... ثَلاثُون لِلْهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلَا (١)
ولا يتعرّف التمييز، خِلافًا لبعض الكوفيين، كقولهم: "ما فعلت العشرون الدرهم"، وحمل على زيادة "ال" (٢).
قوله: "لا أدري": هو أحَد الأربعَة التي تقع بعدها "همزة" التسوية غالبًا، وهذا الوضع جاء خليًّا عن "الهمزة" في اللفظ. والأربعَة: "لا أدري"، و "لا أبالي"، و"ليت شعري"، و"سواء" (٣).
قالوا: ولا يجوز أن يقع بعد (همزة) التسوية المبتدأ والخبر، فتقول: "سواء عليّ أدرهم مالك أم دينار؟ "، ولا الفعل المضارع، نحو: "لا أدري أتقوم أم تقعد؟ ". وعلى هذا جرَى جميع ما في القرآن، فتأمّله.
ومعنى هذا عندهم: أنها لا تدخُل إلا على جملة يصحّ تقديرها بالمصدَر (٤)؛ فلذلك لم يوقُعوا بعدها الاسمية؛ لأنها لا تقدّر بالمصدَر، وأجروا الجملة المصدّرة
стр. 611
بالمضارع مجرَى الاسمية لرجُوعها إليها عندهم، لأنّك إذا قلت: "لا أدري أيقوم زيد أم لا؟ "، كان التقدير: "لا أدري أقيام يكون منه أم لا؟ ".
قال بعضهم: وإذا عُطف بـ"أو" عِوَضَ "أم" لم يجز.
قال: وقد قال صاحب "الصّحاح" بجوازه، فقال: يُقال: "سواء عليّ أقُمت أو قعدت" (١).
قال ابنُ هشام: وقد قُرئ: "سَوَاءٌ عَلَيهِم أأَنْذَرْتَهُم أَو لَم تُنْذِرْهُم" (٢).
قلت: وهذا الحديث جاء بـ "أو" فهي تقوّي ما قاله صاحب "الصّحاح"، وجاء في الحديث بعد هذا في الصيد: "فَإنّ أحَدِكُم لَا يَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَو سَهْمُكَ" (٣).
وفي الحديث حُجّة من وجهين، أحدهما: حذف "همزة" التسوية. والثاني: كون المعادل لها "أو". والله أعلم.
الحديث الثاني:
[١٠٦]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاس، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه، فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّما هُوَ شَيْطَانٌ" (٤)
تقدّم الكلام على "سمع" في الحديث الأوّل من الكتاب، و"إذا" في الحديث
стр. 612
الثّاني من أوّل الكتاب، و"صلى" وعملها في الخامس من "فضل الجماعة"، و"أحدكم" في الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "إلى شيءٍ": يتعلّق بـ "يصلي". ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "متوجهًا إلى شيء". و"يستره" جملة في محلّ صفة لـ"شيء".
وتصغيرُ "شيء": "شُيَيْء" و"شِيَىء" بكسر"الشين"، والجمع: "أشياء"، غير مصروف. ويُجمَعُ ال"شيء" أيضًا على: "أشايا" و"أشياوات" (١).
قال القرطبي: لما ذكر أسماء الله الحسنى بدَأ من أسمائه بـ "شيء"؛ لأنّه أوّل أوصاف البارئ في الإثبات، ومعناه أنه موجود.
قال: ولا يختلف فيه.
قال: واختُلف في اشتقاقه على قولين، فقيل: هو "فعْل" بإسكان "العين"، مصدر "شاء، يشاء، شيئًا"، ثم سُمي بالمصدر. الثّاني: وزنه "فعيل"كـ "نصيب"، وأصله: "شَيِيء"، وكثر استعماله في الكلام، واستثقل اجتماع الياءين مع كسْرة.
وقيل: هو "فعيل" بمعنى "مفعول"كـ "جريح" بمعنى "مجروح".
قالوا: وإنما قُلنا ذلك لأنَّا رأينا جمعه لا ينصرف، لأنّه لو كان "شيء" فعلًا بإسكان "العين" وجمعُه "أفعال" لصُرِف الجمع كما يصرف "أكلاب" و"أشياخ".
قال: ويصغَّر على: "شُيَيء" و"شِيَيْء" بضم "الشّين" وكسرها.
و"شُوى" لُغة، سمعتها عن شيخنا أبي العَلاء إدريس بن مُوسى النحوي ﵀. انتهى. (٢)
стр. 613
وتقدّم الكلام على "شاء" و"شئت" في الحديث السّادس من "باب الإمامة".
قوله: "من الناس": يتعلّق بـ"يستره". و"مِن" سببية، ويحتمل أن تكون هنا بمعنى "عن"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] أي: "عن أهلك" (١).
قوله: "فأراد [أحَد] (٢) ": قال الزمخشري: تكاثر حذف مفعول "شاء" و"أراد" مع "لو" حتى لا يكادوا يبرزونه (٣).
قال الأَسْفَاقُسِيُّ: حذف مفعول "شاء" و"أراد" مع "لو" هو الغالب (٤)، وقد يُذكَر لأحَد ثلاثة أشياء، إمّا للاستغراب، وهو قول الزمخشري (٥). وإمّا لكونه منكرًا أو كالمنكر، قاله أصحاب البيان. وإمّا لعوْد الضمير عليه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] (٦). انظر الحديث السّادس من "باب الإمامة".
وقد فقد هنا شرط حذف المفعول، وهو دخول "لو" على "أراد" و "شاء"؛ فلا يكون حذف المفعول راجحًا، كما هو مع "لو". والفعل والمفعول هنا جملة: "أن يجتاز"؛ لأنها مقدَّرة بمفرد، أي: "الجواز".
و"بين يديه": تقدّم الكلام على "بين" في "باب السواك".
قوله: "فليدفعْه": "الفاء" جواب "إذا"، و"اللام" لام الأمر، والفعل معها
стр. 614
مجزوم، وعلامة الجزم السكون. وتقدّم الكلام على "لام" الأمر في السّادس من "الإمامة"، وفي الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "فإن أبَيَ": تصريفه: "أبى"، "يأبى" بفتح "العين" ماضيًا ومُستقبلًا (١).
قال أبو القاسم السّعدي: ولا خِلاف فيه (٢).
وحكى صاحب "المحكم": "أَبِيَ"، "يأبَى" بكسر "الباء" في الماضي، وفتحها في المستقبل (٣).
و"الفاء" في قوله: "فليقاتله" جوابُ الشرط.
قوله: "فإنما هو شيطان": "إنما" تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب.
و"شيطان" قيل: وزنه "فيعال"، وقيل: "فعلان".
فإنْ كان فيعالا فنونه أصلية، وإن كان "فعلان" فنونه زائدة، وهو إذَن من "شطن" أو من "شاط" (٤).
وهو مُنصرف على كُلّ حال، لأنَّا إن قدَّرنا نونه أصلية فظاهر، وإن قدَّرناها زائدة فشرط منعه مفقود، وهو وجود "فَعْلى" (٥).
وادَّعى السّجاوندى أنّ "شيطان" ممتنع، وأنشد عليه، وذلك مردُود.
وهل "شيطان" مُشتقّ من المصدر أو من الفعل؟ قولان، الأصح أنه من
стр. 615
المصدر (١).
الحديث الثّالث:
[١٠٧]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. فمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتانَ [تَرْتَعُ] (٢)، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفّ، فَلَمْ يُنكرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ". (٣)
قوله: "قال: أقبلتُ": جملة "أقبلتُ" معمولة للقول.
و"قال" تقدّر بـ "أنْ" المصدَرية لتكون في محلّ المفعول الذي لم يُسمّ فاعله لمتعلّق حرف الجر.
و"على حمار" يتعلق بـ"أقبلت" أو بـ "راكبًا"، فيكون من باب التنازع.
و"أتان" بدَل أو عطف بيان، و"راكبًا" حال من فاعل "أقبلتُ". ويقال: "أتان"، ولا يُقال: "أتانة".
قوله: "وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام": "أنا" مبتدأ، وهو من الضمائر المرفوعة المنفصلة، وخبره جملة "قد ناهزت". و"الاحتلام" مفعول به. و"يومئذ" معمول لـ"ناهزت". والجملة كُلها حال من فاعل "أقبلت".
ولا يجوز أن يكون الخبر في "يومئذ"؛ لأنّ ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجُثَث، إلّا حيث سُمع.
وجملة "ورسول الله ﷺ ": في محلّ الحال من فاعل "أقبلتُ"، أو من فاعل
стр. 616
"راكبًا". وجملة "يُصلي بالناس": في محلّ خبر المبتدأ، وجاءت الحال بـ "الواو" وحدها، وكذلك الجملة الأولى. و"بالنّاس" يتعلّق بـ"يُصلي"، و"الباء" للإلصاق.
قوله: "بمنى": "الباء" ظرفية، وتتعلّق بـ"يُصلي" أيضًا، ولما اختلف معنى الباءين جاز تعلّقهما بفعل واحد (١).
وكذلك قالوا في قول امرئ القيس:
وَيوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ ... عَليَّ وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلْ (٢)
إنَّ "على" الثانية مجاز، والأولى حقيقة في الاستعلاء. وقيل: الأولى اسم، والثانية حرف. وتقدّم الكلام على "على" في الخامس من "الجنابة".
قوله: "إلى غير جدار": يحتمل أنْ يتعلّق بحَال من ضَمير "يُصلي"، أي: "متوجهًا إلى غير جدار"، أو يتعلّق بـ"يصلي".
قوله: "فمررتُ بين يدي بعض الصّف": "بين" يتعلّق بـ "مررت"، وتقدّم حكم "بين" في الثّالث من "باب السّواك".
و"بعض" هي أحَد الأسماء التي لا تنتهي.
قوله: "فنزلت فأرسلت": معطوفٌ، ومعطوف عليه. و"الأتان" مفعول به. وجملة "ترتع" في محلّ الحال من "الأتان"، وهي حالٌ مُقدَّرة؛ لأنّ وقوعها بعد إرسال "الأتان". ومثله قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (٣). أو تكُون حَالًا مُقارنة، أي: "تركها في حال رتوعها".
стр. 617
و"دخلت" معطوفٌ على "أرسلت".
واختُلف في الواقع بعد "دخل" أهو ظرفٌ أو مفعول به؟ والصّحيح: أنه ظرف، ويؤيّد ذلك تعدّيه (١)، يعني هنا.
قوله: "فلم يُنكر [ذلك] (٢) عليّ أحد": تقدّم الكَلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي". و"ذلك" مفعولٌ به، وتقديمه على الفاعل جَوازًا. و"عليّ" يتعلّق بـ "يُنكر". و"أحدٌ" فاعل. ولا يتعلّق "عليّ" بحال من ["أحَد"] (٣) على أنّه صفة؛ لفسَاد المعنى.
وتقدّم الكَلام على "أحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل.
الحديث الرّابع:
[١٠٨]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِه، فَإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْليَّ. وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ". (٤)
قوله: "قالت" أي: "أنها قالت".
وجملة "أنام" في محل خبر "كان". و"كنتُ" وما تعلّق بها في محلّ نصب بالقول.
و"بين" تقدّم الكَلام عليها في الثّالث من "السّواك".
و"يدي النبي ﷺ " مخفوضٌ بالظرف، ومُضاف إليه.
وجملة " ﷺ " مُعترضة لا محلّ لها. والجملُ التي لا محلّ لها
стр. 618
مذكورة في الحديث الأوّل من الكتابْ
قوله: "ورِجْلاي في قِبْلَته": مبتدأ وخبر، الخبر مُتعلّق المجرور، أي: "كائنتان في قبلته". والجملة في موضع الحال من ضَمير الفاعل في "أنام". والعامل في "بين": "أنام". والمراد: "في جهة قبلته".
قوله: "فإذا سَجَد غَمزني": "إذا" تقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من الأوّل. والعامل في "إذا": جوابها، أو فعلها، على الخلاف.
وقولها: "فقبضت": معطوفٌ على "غمزني". و"رجليَّ" مفعول بـ"قبضت"، وعلامة نصبه "الياء" المدغمة في "ياء" الإضافة. ولم تُدغَم علامة الرّفع في "رجْلاي" كما أدغمت علامة النّصب "رجليَّ" لأنّ "الألف" لا تُدغَم ولا يُدغَم فيها.
قوله: "إذا قام": معطوفٌ على "إذا سجد".
قوله: "والبيوت يومئذ": "البيوت" مبتدأ، خبره جملة قوله: "ليس فيها مصابيح". وخبر "ليس": الاستقرار في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر. و"مصابيح" اسمها، وهو لا ينصرف؛ للجَمع الذي لا نظير له في الآحَاد.
و"يومئذ" ظرف، العامل فيه: "ليس". ويجوز أن يتقدّم الظّرف على "ليس"، وفي تقدّم خبرها عليها خِلاف مشْهُور (١)، ويجوز أن يعمل في "يومئذ" الاستقرار المتعلّق [بالخبر] (٢).
* * *
стр. 619
العُدَّة في إعرَابِ العُمْدَة
تَأليفُ
الشّيخ الإمَام العَلامَة بَدر الدّين أبي محمَّد عبد الله ابن الإمَامِ العَلامَة أبي عَبد الله محمَّد بن فرحُون المدَني
رَحمَةُ الله عليهِ
تحِقيق
مَكتَب الهدي لِتَحقِيق التُّراث
أبو عبد الرّحمن عَادل بن سَعد
стр. 620
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 621
العُدَّة في إعرَابِ العُمْدَة
الجُزْءُ الثَّانِي
стр. 622
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حُقُوق الطبع مَحفُوظة
الطبعة الأولى
رقم الإيداع:
الرقم الدولي (ردمك):
دار الإمام البخاري
الدوحة - قَطر
الدوحة - قطر - طريق سلوى - بجوار إشارة الغانم الجديد
ص. ب ٢٩٩٩٩ - هاتف: ٩٧٤٤٤٨٤٨٤٨ ٠٠ - فاكس ٩٧٤٤٤٦٨٥٥٨٨ ٠٠
albukhariboos@gmail.com
стр. 623
بَاب جَامِع
الحديث الأول:
[١٠٩]: عَنْ أَبِي قتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ" (١).
قوله: "باب جامع": التقدير: "هذا باب جامع"، أي: "جامع لأحاديث من كتاب الصّلاة". و"الحديث الأوّل" تقدّم في الحديث الأوّل. وتقدّم الكلام على متعلّق "عن". وتقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل أنّ "أبا قتادة" و"أبا هريرة" من الأسماء المركّبة تركيب إضافة، ولها حُكمٌ يختصّ بها.
و"الأنصاري": صفة لـ "أبي قتادة".
وتقدّم في الثّاني من الأوّل حُكم "إذا"، وحُكم "أحدكم".
و"المسجد": ظرف، أو مفعول به، على الخلافِ المتقدّم.
قوله: "فلا يجلس": "لا" ناهية، و"يجلس" مجزوم بالنهي. وتقدّم الكلام على "لا" في الثّالث من "باب الاستطابة"، وتقدّم الكلام على "جلس" في السّابع من "الجنابة". والعامل في "إذا": فعلها، وقيل: جوابها، ويضعُف عمل الجواب هنا فيها؛ لأنّه جاء مقترنًا بـ "الفاء"، وما بعد "الفاء" لا يعمل فيما قبلها (٢).
وقالوا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]: لا يصحّ أن يعمل هنا جوابها؛ لأنّ مكان إنشاء "الإفاضة" غيرُ مكَان إنشاء "الذّكْر"، لأنّ ذلك "عرفات"، وهذا "المشْعَر"، وإذا اختلف المكان
стр. 624
لزم من ذلك ضرورة اختلاف الزمانين، فلا يجوز أن "يكون" "الذّكر" عند "المشْعَر" (١).
وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من الأوّل.
قوله: "يُصلي رَكعتين": تقدّم أنّ "صلَّى" يتعدّى إلى مصْدَر أو ظرْف. و"ركعتين" عَدَد مصدر، حذف المضاف وأقيم المضَاف إليه مقامه، والتقدير: "صلَّى صلاة ركعتين"، فهو منصوبٌ على السّعة. أو يُضمَّن "صلى" معنى "أدّى"؛ فيتعدّى إلى مفعول به، أو"ركع" فتكون "ركعتين" عَدَد مصدَر "ركع". والله أعلم.
الحدِيث الثاني:
[١١٠]: عَنْ زيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: "كُنَّا نَتكَلَّمُ في الصَّلاة، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاة، حَتَّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوت، وَنُهِينَا عَن الكَلام". (٢)
قوله: "عن زيد بن أرقم": "أرقم" لا ينصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، فإن كان اسما للحَيَّة (٣) امتنع؛ للصّفة والوزن؛ فإذَن لا ينصرف معرفة ولا نكرة. قال سيبويه: ولم تختلف في ذلك العَرَب (٤).
بخلاف "أفعى" و"أخيل" و"أجدل"، فإنه اختلف في منع صرفها لعدم تحقّق الوصفية الأصلية (٥).
стр. 625
قوله: "قال: كُنَّا": أصل "كان": "كَوَن"، تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، [فقُلِبت] (١) ألِفًا (٢)، ثم اتصل بها ضمير المتكلّم، وهو "نا"، فاجتمع المثلان، فأُدْغم أحدُهما في الآخر بعد تسكين "النون" الأولى لأجْل الضمير، وضُمَّت "الكافُ" لتدل على "الواو" المحذوفة.
وجملة "نتكلّم" في محلّ خبر "كان".
و"في [الصّلاة"] (٣) يتعلّق بـ "نتكلّم".
ويحتمل أن يتعلّق [بـ "يكلّم"] (٤) بعده، ويُضعفه قوله: "يُكلّم أحَدنا صَاحبه في الصّلاة"؛ لأنّ "في الصّلاة" يتعلّق بـ "يُكَلّم"، فيُؤدّي إلى أن يتعلّق حرفا جر لمعنى واحد بفعل.
وقد [ينفصل] (٥) عن هَذا [بأنْ] (٦) يتعَلّق "في الصّلاة" الثّاني بمتعلّق الخبر في قوله: "وهو إلى جَنبه".
ويحتمل أن يكُون "يُكَلمُ" بَدَلًا من قَوله: "كُنّا نتكَلّم"، إلّا أنّ جملَة البدَل لا ضَمير فيها يعُود على خبر "كَان"، مثل مَا هُو في قوله: ["نتكَلّم"] (٧)، ويُقَدَّر: "يُكلّم الرجل منّا" حتى تصحّ البدلية.
قوله: "وهو إلى جنبه": جملة في محلّ الحال. وضَمير "هو" يحتمل أنْ يعُود على
стр. 626
"الرّجُل"، أي: "وهو إلى جَنب صاحبه"، ويحتمل أن يعُود على "صاحبه"، وباختلاف عوده يختلف الضمير في "جنبه".
قوله: "وهو إلى جنبه في الصّلاة": "هو" مبتدأ، وخبره في قوله: "في الصلاة"، وبه يتعلّق حرف الجر. و"إلى جنبه" يتعلّق بالاستقرار المقدّر متعلّق الخبر، أو يكون الخبر في قوله: "إلى جنبه"، أي: "وهو كائن إلى جنبه"، ويكون "في الصلاة" متعلّق الخبر، أو يتعلّق بحال من ضمير الخبر.
ولا يجوز أن يتعلّق "إلى جنبه" بحال من ضَمير الخبر الذي تعلّق به "في الصّلاة"؛ لأنّ الحال لا تتقدّم على عامِلها المعنويّ، بخلاف الظرف، فإنه يجُوز أنْ تقول: "كُلّ يوم لك درهم"، فـ "درهم" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"كُلّ" ظرفٌ معمول لمتعلّق حرف الجر (١).
وقوله: "في الصّلاة": الألِف واللام في "الصّلاة" للجنس، وقد تقدَّم أقسام الألِف واللام في السّابع من الأوّل.
ومتى قدّرت "هو" عائدًا على "صاحبه"، و"في الصّلاة" متعلّقها "نتكلّم"؛ احتمل أن يكُون "صاحبه" المكلّم في صَلاة وفي غير صَلاة.
وإن جعلت "في الصلاة" مُتعلقًا بحال من "صَاحبه" كان "صاحبه" في الصّلاة، واحتمل أن يكون "المكلّم" في غير صَلاة، ويبقى النهي على أنْ يُكلّم من ليس في صَلاة مَن هو في صَلاة.
واحتمل أن يكُونا في صَلاة. وهو الظّاهر.
قوله: "حتى نزلت": تقدّم الكَلام على "حتى".
وجملة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] هي الفَاعل على الحكاية،
стр. 627
والتقدير: "حتى نزلت آية: وقوموا"، على حَذف مُضاف. و"قانتين" منصوبٌ على الحال من ضَمير الفاعل في "قومُوا".
قوله: "فأُمِرْنا": مبني لما لم يُسمّ فاعلُه، ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله: ضَميره المتصل به، و"الفَاء" سَببية، و"بالسكوت" يتعلّق بـ "أُمرنا".
و"السّكوت": مصدَرُ "سَكَت" لازمًا (١).
الحديث الثّالِث
[١١١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَة ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اشَتدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاة، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٢).
قوله: "عن رسول الله ﷺ ": يحتمل البَدَل، ويحتمل تقدير فعل يتعلّق به حرف الجر.
قوله: "فأبرِدوا": "الفاء" سَببية، و"عن الصّلاة" يتعلّق بـ "أبرِدوا".
و"عن" هنا بمعني "الباء"، كما هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، أي: "بالهوى" (٣). وتقدّم الكلام على "عن" في الثّالث من "باب الصّفوف". ويُروَى هنا: "بالصّلَاة" (٤) بـ "الباء"، وهو "باء" السّبب.
قوله: "فإنّ شَدّة الحرِّ": "الفاء" جوابُ الأمر المضمَّن معنى الشّرط، وهو "أبردوا"، أو جَوابُ شرط مُقدّر، وتقدير الشّرط لا يجري مع ظَاهر اللفظ إلّا بتقدير، فيقدّر: "إن لم تُبردوا تمنعْكم شدّة الحر كمال الصّلاة".
стр. 628
ومثلُه: "لاطِف زيدًا، فإنَّ الغَضَب من الشّيطان"، أي: "إن لم تُلاطفه غضب".
قوله: "من فيح جَهنّم": يتعلّق بخبر "إن"، و"مِن" هنا للتبعيض، وقد تقدّم الكلام على "من" الجارّة في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
و"شدّة الحر" مصْدَر من "اشتدّ"، مُضافٌ إلى فاعله، والمصدَر قد يُضاف إلى فاعله وإلى مفعوله إن كان فعله مُتعدّيًا (١)، والأصلُ إضافته إلى الفاعل، وهو مذهب سيبويه (٣).
قيل: إنّ رجُلين كان لهما دِرَاية في هذا العِلم، فأحوَجهما الزّمان إلى أنْ يخدما عند بعض أهل العلم [في خيمته] (٣) بالأجرَة، فلما حضر الغَداء جَلسا للأكْل، ومع أحدهما الخبز وحْده، والآخر معه خُبز وجبن، فسَأَل الذي ليس معه جبن صاحبه أن يُعطيه من جُبنه، فأعطَاه منه شيئًا يسيرًا جدًّا. فقال له بعد أن أخَذه منه: "عَطيَّة الرّجُل على مقداره". فقال له المعطي: "صَدَقت". فقال له الآخذ: "ليس هذا مذهَب سيبويه".
قلت: أراد الآخذُ أنّ ["عطية"] (٤) وإن لم يكُن مَصْدرًا فهو اسم مصدَر، يجري مجرَى المصدَر. فالمعطي إنما أعْطى على قَدْره، لا على قَدْر الآخِذ. فهو يصلح أن يكُون مُضافًا إلى الفاعل، ويصلح أن يكون مُضافًا إلى المفعول، وهو الآخِذ، فلما قال الآخذ: "عطيّةُ الرجُل على قدْره"، قال له المعطي: "صدقت"، بمعنى أنّ المصدر مُضاف إلى المفعول، فقال الآخذ: "ليس هذا مذهب سيبويه، بمعنى أنّ اختيار سيبويه إضافة المصدَر إلى الفاعل. هذا تلخيص ما ذكره في شرح ابن الحاجب (٥)
стр. 629
الشيخُ الإمامُ ابنُ عبد السّلام، وأتى بهذه القصّة في "كتاب الذّبائح" على تفسير قوله ﵇: "أكلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاع حَرَامٌ" (١)، فـ "أكْل" مَصدَر مُضاف إلى المفعول، ويحتمل أن يُضاف إلى الفَاعل.
ومن مُوافقة اسم المصْدَر في العَمَل ما ذكَره أبو البقاء في قوله تعالى ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، قَال: "خَرابها": اسمٌ للتخريب، كـ "السّلام" اسمٌ للتسليم، فهو يعْمَل عَمَل المصْدَر، فـ "خرابها" مُضَافٌ إلى المفعول. (٢)
الحديث الرّابع
[١١٢]: عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لها إلَّا ذَلِكَ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] " (٣)
وَلمُسلِم: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَو نَامَ عَنْهَا فكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا" (٤).
قوله: "مَن نسي": "مَن" شَرط، مرفُوعة المحلّ على الابتداء. وأسماء الشرط مبنية لتضمّنها معنى حَرف الشّرط. وقد تقدّم الكلام على (من) الشرطية في السّابع من أوّل الكتاب، وفي العَاشر منه.
والخبرُ في فعل الشّرط. وقيل: في جوابه. وقيل: فيهما. وقيل: حيث كان الضّمير العَائد على "مَن".
قوله: (فليصلِّها): "الفاء" جوابُ الشّرط، و"اللام" لام الأمر. و"يُصلِّها" فعل مُضارع مجزوم بـ "لام" الأمر، وعلامة الجزم حذفُ "الياء". وتقدّم الكلام على "لام"
стр. 630
الأمر في الرابع من الأول.
وتقدّمت "إذا" وجوابها والعامل فيها. وجَوابها هنا محذوفٌ، يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذا ذَكَرها صلّاها".
قوله: "لا كَفارة لها إلّا ذلك": "لا" نافية، و"كفّارة" اسمها، و"لها" يتعلق بخبر "لا"، و"إلا" إيجاب للنفي، و"ذلك" بدَل من محلّ "لا كفارة" (١). ويحتمل أن يكون "لها" صفة لاسم "لا"، و"ذلك" خبر "لا".
والقولُ هنا كالقول في الحديث الأوّل من "باب التيمم" على قوله: "ولا ماء" و"لا إله إلا الله"؛ فانظره هناك.
والمعنى هنا: "لا كفّارة لها إلّا صَلاتها".
و"ذلك" من أسماء الإشارة، والاسم "ذا"، و"اللام" [لبُعد] (٢) المشار إليه، و"الكاف" للخطاب. وتقدّم الكلام على "ذلك" في الحديث الثّالث من "استقبال القبلة".
قوله: "أقِم الصّلاة لذِكْرى": جاء في هذه الرواية: "أقِم" مُنقطعًا مما قبله، وجاء في غيرها: "ثُمّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)؛ فهذه الرواية مُفسِّرة للمُقدَّر هنا، أي: "فقرأ رسُول الله ﷺ : أقم"؛ فيكون "أقِم" مفعول "قرأ" مُقدّرًا.
قوله: "لذكرى": مجرور، ومُضاف إليه. و"ذكرى" مصدَر مُضاف إلى فاعل،
стр. 631
أي: "لذكر الله له"، بمعنى: "فضله وجزاءه". ويحتمل أن يكون التقدير: ["لأوقات ذكْري"] (١).
قال أبو حيان: و"اللام" هنا مثلها في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢).
ويحتمل أن يكُون مُضافًا إلى [المفعول، أي] (٣): " [لأذكرك] (٤) أنا"، ثم حذف الفاعل، وأضافه إلى المفعول. (٥)
قال ابن عطيّة: يحتمل أن يكون: "لتذكرني فيها"، [أو يكون] (٦): "لأذكرك في عليين بها"، فالمصدر يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول (٧).
قوله: "ولمسلم: مَن نسي صَلاة": أي: "وجاء لمسلم" أو "رُوي لمسلم"، ويكون قوله: "مَن نسي" في موضع الفاعل على الحكاية، أو مفعول لم يُسمّ فاعله؛ فيختلف المحلّ باختلاف التقديرين.
و"مَن" الشّرطية تقدمت قبل هذا قريبًا.
قوله: "فكفارتها": مبتدأ، خبره جملة: "أن يصليها"، أي: "فكفارتها صلاتها".
قوله: "إذا ذكرها": يحتمل أن تكون "إذا" شَرطية، وجوابها محذوف يدلّ عليه
стр. 632
ما قبله (١)، أي: "إذا ذكرها فليصلّها، وذلك كفارتها". ويحتمل أن تكون لا شرط فيها؛ فلا تحتاجُ إلى جَوابٍ، لأنها بمعنى الزّمان والوَقت (٢).
الحديث الخامس
[١١٣]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَة، ثُمَّ يَرْجعُ إلَى قَوْمِه، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ" (٣).
قوله: "كان يُصلي" في محلّ خبر "أنَّ"، واسمها: "مَعَاذ بن جبل".
و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق "عن جابر".
وجملتا ﵄، و" ﷺ " مُعترضتان، لا محلّ لهما. والمعترضة: هي [التي] (٤) تُفيد قُوّة ما يتوسّط بين أجزائه.
و"مع" تقدّمت في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين".
قوله: "عشاء الآخرة": هذا من باب إضَافة الموصُوف إلى صفته (٥)؛ لأنّ التقدير: "العشَاء الآخرة".
وقد منع النّحويون (٦) من ذلك، وتأوّلوا ما وقَع منه مثل هَذا بحَسب ما
стр. 633
يقتضيه المعنى. فأمّا هنا فالتقدير: "صلاة عشاء الفريضة الآخرة"، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
وإنما احتاجوا إلى ذلك لأنّه يلزمه منه إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأنّ الذّات المفهومة من الصّفة هي ذات الموصُوف، ويلزم من ذلك تعريف الشّيء بنفسه، [وذلك] (١) محالٌ، فإذا وقع من ذلك شيء وجَب تقدير موصُوف قبل الصّفة، كما قالوا في "مسجد الجامع"؛ إذْ قدروه بـ "مسجد الوقت الجامع".
هذا مذهب البصريين، وخالفهم الكوفيون، فأجازوه (٢).
و"العشاء" منصوبٌ على السّعة (٣)، كما تقدّم، أي: "صلاة عشاء". ولا يجوز أن يكُون "العشاء" مفعول "يُصلي"؛ لأنّه لا يتعدّى إلّا إلى مصدَره أو ظَرفه.
قوله: "تلك الصّلاة": مفعول بـ "يُصلي" على السّعة، كما تقدّم، و"الصّلاة" صفته. ويجوز أن تكون "الصّلاة" عطف بيان.
فإن قيل: اسم الإشارة أعْرَف ممّا فيه الألِف واللام، فكيف صحّ [إذا جعلته] (٤) عطف بيان لتعريف الحضُور، وبذلك سَاوى اسم الإشارة في التعريف، وزاد بأنّ الإشَارة لا تُعطي جنس المشَار إليه، وعطف [التماس] (٥) يُعطي أنّ الحاضر من "جنس الرجال"، فصار إذن أعْرَف.
стр. 634
فإن قيل: إذا قدّرته أعرَف من المشار إليه، فكيف أجَزت أن يكُون نعته، والنعتُ لا يكون أعرَف من المنعوت؟ (١)
فالجواب: أنك إن قدّرته نعتًا فلا بُد أن تكُون الألِف واللام فيه للعَهد، كأنّك قلت: "مررتُ بهذا" للرجُل الذي بيني وبينك، [فهي] (٢) فيه للعَهد، فصار اسم الإشارة أعْرَف بخلاف الأوّل.
[قال] (٣) ابن عصفور: وهذا معنى كلام سيبويه (٤).
الحديث السّادس
[١١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي [شِدَّةِ الحَرِّ، فَإذَا لم] (٥) يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ؛ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ". (٦)
قوله: "كنا": تقدّم أنّ أصل "كان": [كوَن (٧)، فلما] (٨) تحرّكت "الوَاو" وانفتح ما قبلها قُلبت ألِفًا (٩). ولما اتصّل الضمير بـ "كان" سكنت "النون" وأُدغِمَت في "نون" [الكون بعد حذف] (١٠) "الألف"؛ لالتقاء الساكنين، ثم ضُمّت "الكاف"
стр. 635
لتدلّ على "الواو" المحذوفة.
وجملة: "نُصلى": في محلّ خبر "كان". و"كان" مع اسمها وخبرها في محلّ نصب بالقَول. وتقدّم الكَلام على "كان" وأقسامها في الحديث الأوّل من الكتاب، و"مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين"، وتقدّم القول على "في" [في] (١) الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "في شدّة الحر": "شدّة" اسم مصدَر، مُضافٌ إلى فاعله، وتقدّم قبل هذا في الحديث الثّالث من هذا الباب الكَلام على المصدَر المضَاف إلى الفاعل وإلى المفعول. والمعنى هنا على حذف مُضاف، أي: "في وقت شدّة الحر".
قال في "الصّحاح": يُقال: "شدّ النّهار"، أي "ارتفع". و"اشتدّ الشيء" من "الشِّدة". ويُقال: "شَديد"، من "الشّدّة". و"الشَّدة" بفتح "الشّين": " [الحملَة] (٢) الواحدة". (٣)
قال: ويقال: "شَده": "أوثقه"، "يشده". وهو من النوادر؛ فإنه ما كان من "فعُل، يفعُل" من ذوات التضعيف غير واقع، فإنّ "يفعِل" منه مكسور "العين" مثل "عفِف، أعِف". وما كان واقعًا مثل "رددت" و"مددت"، فإن "يفعُل" منه مضموم "العين"، إلا ثلاثة أحرف جاءت [نادرة] (٤) جاء فيها الضّم والكسر، وهي: "شدّه يشدّه" و"علّه يعلّه" من "العَلَل"، وهو "الشرب"، و"نمّ الحديث ينمّه". (٥)
و"بثّه يبثّه"، زادها ابن الحاجب (٦).