← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أي: "لذكر الله له"، بمعنى: "فضله وجزاءه". ويحتمل أن يكون التقدير: ["لأوقات ذكْري"] (١). قال أبو حيان: و"اللام" هنا مثلها في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢). ويحتمل أن يكُون مُضافًا إلى [المفعول، أي] (٣): " [لأذكرك] (٤) أنا"، ثم حذف الفاعل، وأضافه إلى المفعول. (٥) قال ابن عطيّة: يحتمل أن يكون: "لتذكرني فيها"، [أو يكون] (٦): "لأذكرك في عليين بها"، فالمصدر يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول (٧). قوله: "ولمسلم: مَن نسي صَلاة": أي: "وجاء لمسلم" أو "رُوي لمسلم"، ويكون قوله: "مَن نسي" في موضع الفاعل على الحكاية، أو مفعول لم يُسمّ فاعله؛ فيختلف المحلّ باختلاف التقديرين. و"مَن" الشّرطية تقدمت قبل هذا قريبًا. قوله: "فكفارتها": مبتدأ، خبره جملة: "أن يصليها"، أي: "فكفارتها صلاتها". قوله: "إذا ذكرها": يحتمل أن تكون "إذا" شَرطية، وجوابها محذوف يدلّ عليه

стр. 632

ما قبله (١)، أي: "إذا ذكرها فليصلّها، وذلك كفارتها". ويحتمل أن تكون لا شرط فيها؛ فلا تحتاجُ إلى جَوابٍ، لأنها بمعنى الزّمان والوَقت (٢). الحديث الخامس [١١٣]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَة، ثُمَّ يَرْجعُ إلَى قَوْمِه، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ" (٣). قوله: "كان يُصلي" في محلّ خبر "أنَّ"، واسمها: "مَعَاذ بن جبل". و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق "عن جابر". وجملتا ﵄، و" ﷺ " مُعترضتان، لا محلّ لهما. والمعترضة: هي [التي] (٤) تُفيد قُوّة ما يتوسّط بين أجزائه. و"مع" تقدّمت في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين". قوله: "عشاء الآخرة": هذا من باب إضَافة الموصُوف إلى صفته (٥)؛ لأنّ التقدير: "العشَاء الآخرة". وقد منع النّحويون (٦) من ذلك، وتأوّلوا ما وقَع منه مثل هَذا بحَسب ما

стр. 633

يقتضيه المعنى. فأمّا هنا فالتقدير: "صلاة عشاء الفريضة الآخرة"، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وإنما احتاجوا إلى ذلك لأنّه يلزمه منه إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأنّ الذّات المفهومة من الصّفة هي ذات الموصُوف، ويلزم من ذلك تعريف الشّيء بنفسه، [وذلك] (١) محالٌ، فإذا وقع من ذلك شيء وجَب تقدير موصُوف قبل الصّفة، كما قالوا في "مسجد الجامع"؛ إذْ قدروه بـ "مسجد الوقت الجامع". هذا مذهب البصريين، وخالفهم الكوفيون، فأجازوه (٢). و"العشاء" منصوبٌ على السّعة (٣)، كما تقدّم، أي: "صلاة عشاء". ولا يجوز أن يكُون "العشاء" مفعول "يُصلي"؛ لأنّه لا يتعدّى إلّا إلى مصدَره أو ظَرفه. قوله: "تلك الصّلاة": مفعول بـ "يُصلي" على السّعة، كما تقدّم، و"الصّلاة" صفته. ويجوز أن تكون "الصّلاة" عطف بيان. فإن قيل: اسم الإشارة أعْرَف ممّا فيه الألِف واللام، فكيف صحّ [إذا جعلته] (٤) عطف بيان لتعريف الحضُور، وبذلك سَاوى اسم الإشارة في التعريف، وزاد بأنّ الإشَارة لا تُعطي جنس المشَار إليه، وعطف [التماس] (٥) يُعطي أنّ الحاضر من "جنس الرجال"، فصار إذن أعْرَف.

стр. 634

فإن قيل: إذا قدّرته أعرَف من المشار إليه، فكيف أجَزت أن يكُون نعته، والنعتُ لا يكون أعرَف من المنعوت؟ (١) فالجواب: أنك إن قدّرته نعتًا فلا بُد أن تكُون الألِف واللام فيه للعَهد، كأنّك قلت: "مررتُ بهذا" للرجُل الذي بيني وبينك، [فهي] (٢) فيه للعَهد، فصار اسم الإشارة أعْرَف بخلاف الأوّل. [قال] (٣) ابن عصفور: وهذا معنى كلام سيبويه (٤). الحديث السّادس [١١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي [شِدَّةِ الحَرِّ، فَإذَا لم] (٥) يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ؛ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ". (٦) قوله: "كنا": تقدّم أنّ أصل "كان": [كوَن (٧)، فلما] (٨) تحرّكت "الوَاو" وانفتح ما قبلها قُلبت ألِفًا (٩). ولما اتصّل الضمير بـ "كان" سكنت "النون" وأُدغِمَت في "نون" [الكون بعد حذف] (١٠) "الألف"؛ لالتقاء الساكنين، ثم ضُمّت "الكاف"

стр. 635

لتدلّ على "الواو" المحذوفة. وجملة: "نُصلى": في محلّ خبر "كان". و"كان" مع اسمها وخبرها في محلّ نصب بالقَول. وتقدّم الكَلام على "كان" وأقسامها في الحديث الأوّل من الكتاب، و"مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين"، وتقدّم القول على "في" [في] (١) الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "في شدّة الحر": "شدّة" اسم مصدَر، مُضافٌ إلى فاعله، وتقدّم قبل هذا في الحديث الثّالث من هذا الباب الكَلام على المصدَر المضَاف إلى الفاعل وإلى المفعول. والمعنى هنا على حذف مُضاف، أي: "في وقت شدّة الحر". قال في "الصّحاح": يُقال: "شدّ النّهار"، أي "ارتفع". و"اشتدّ الشيء" من "الشِّدة". ويُقال: "شَديد"، من "الشّدّة". و"الشَّدة" بفتح "الشّين": " [الحملَة] (٢) الواحدة". (٣) قال: ويقال: "شَده": "أوثقه"، "يشده". وهو من النوادر؛ فإنه ما كان من "فعُل، يفعُل" من ذوات التضعيف غير واقع، فإنّ "يفعِل" منه مكسور "العين" مثل "عفِف، أعِف". وما كان واقعًا مثل "رددت" و"مددت"، فإن "يفعُل" منه مضموم "العين"، إلا ثلاثة أحرف جاءت [نادرة] (٤) جاء فيها الضّم والكسر، وهي: "شدّه يشدّه" و"علّه يعلّه" من "العَلَل"، وهو "الشرب"، و"نمّ الحديث ينمّه". (٥) و"بثّه يبثّه"، زادها ابن الحاجب (٦).

стр. 636

وقال الزّمخشري: قُرئ في الشّاذ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضم "الصاد" وكسرها، وتشديد "الرّاء" المفتوحَة، أمر من "صرَّ يصرّ". (١). قلتُ: فيكون خامسًا. قال الفرّاء: فإنْ أتى مثل هذا مما لم نسمعه فهو قليلٌ، وأصلُه الضّم، وهو "حبَّه، يحبُّه" (٢). قوله: "فإذا لم يستطع أحَدنا أن يُمكِّن": تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من الأوّل، و"لم" في الثّالث من "باب المذي"، و"أحَد" في الثاني من الأول، و"أنْ" مخفّفة في الرابع من الأول. و"استطاع" يجوز فيه: "تسطيع" بحذف ["التاء"]، (٣) الاستفعال. وبعض العرب يقول: "استاع، يستيع" بغير "تاء" ولا "طاء" (٤). وفاعل "يمكِّن": ضمير "أحدنا". ومحل "أنْ" مع الفعل مفعول "يستطيع". قوله: "من الأرض": يحتمل أن تكون "من" بمعنى "في"، كقوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] (٥) ويحتمل أن تكون بمعنى التبعيض، أي: "أن يمكن جبهته بمكان من الأرض".

стр. 637

قوله: "بسط ثوبه": جواب "إذا"؛ فمحله جزم بها، على رأي من جزم بها في النثر (١). ومنه الحديث لعليٍّ وفاطمة ﵄: "إذا أخذتما مضاجعكما تُسبِّحا وتَحْمَدا وتكبِّرا" (٢). (٣) قوله: "فسجد عليه": معطوفٌ على "بسط". الحديث السابع [١١٥]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِد، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٤) تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، والاسم العَلَم المضاف في الحديث الثّاني من أول الكتاب، كـ"أبي هريرة". وتقدّم الكلام على بناء "فاعل" من العدد كـ "السّابع" و"الثّامن" في التاسع من "باب صفة صلاة النبي ﷺ ". و"قال" الأولى في محلّ رفع خبر "أنَّ" المقدرة، و"قال" الثّانية [معمول القول] (٥). قوله: "لا يصلي": جاء بـ "الياء" وبحذفها، فإثباتها يحتمل أن يكون معه "لا" نافية؛ فتقدر خبرًا في معنى النهي (٦)، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي:

стр. 638

"لا ترتابوا فيه" (١). ويحتمل أن تكون ناهية، وثبتت "الياء"، كما ثبتت [في قوله] (٢): ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في قراءة قُنبل (٣)، وهي لُغة مشهورة (٤). ومتى قدّرت "لا" ناهية فلا إشكال في [حذف "الياء"] (٥). والله أعلم. قوله: "في الثوب الواحد": يتعلق بـ "يصلي"، ويحتمل أن يتعلق بحال من "أحدكم"، أي: "لا يصلي [مشتملًا] (٦) بالثوب"، فيتعلق حرف الجر بالمقدر. قوله: "الواحد": نعت للثوب. و"الواحد" أول العَدَد، قاله الفارابي (٧). ولم يجعله بعضهم داخلًا في العدد، وإن كان مبدأ العدد وأصلًا له، وإنما العَدد تكرير الواحد [وما يبنى] (٨) عليه. قوله: "ليس على عاتقه منه شيء": "ليس" من أخوات "كان"، ترفع الاسم وتنصب الخبرَ (٩)، الخبرُ مقدرٌ، يتعلق به "على". واسم "ليس": "شيء"، وصح أن يكون اسمها نكرة، لأنّ الخبر تقدّم عليه (١٠).

стр. 639

و"منه" يتعلّق بصفة لـ "شيء" تقدّمت [فانتصبت] (١) على الحال، وهو مسوّغ أيضًا لأنّ أصله صفة، والنفي الذي في "ليس" مسوّغ آخر أيضًا (٢). ويحتمل أن يتعلّق "منه" بـ "ليس"، وهذا فيه خلاف، أعني عمل "كان" وأخواتها في غير اسمها وخبرها. فإن قلت: فهل يتعلّق "منه" بخبر "ليس"، ويتعلّق "على عاتقه" بصفة لـ "شيء" تقدّم فانتَصَب على الحال؟ قلت: هذا التركيب جاء على وَزَان قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فاختار سيبويه أن يكون "كفوًا" [خبرًا مُقدّمًا]، (٣)، ولم يجعل المجرور [في] (٤) محل الخبر (٥). واعترض عليه المبرد؛ فقال: سيبويه يختار أن يكون المجرور والظرف خبرًا إذا تقدّم، وقد تقدّم هنا، ولم يجعله خبرًا. وأجاب مكي عن هذا الاعتراض بأنْ قال: سيبويه لم يمنع إلغاء الظرف، بل يصح أن يكون في الآية خبرًا على اختيار سيبويه، ويكون "كفوًا" [حالا] (٦) من النكرة، وهو "أحد"؛ لتقدّمه عليها، فلا يبقى للمُبرد على سيبويه إذن حُجّة، ووافقه

стр. 640

على ذلك ابن عطيّة وأبو البقاء (١). قال الزّمخشري في الجواب أيضًا عن سيبويه: الكلام العربي الفصيح يقتضي أن الظرف الذي هو لغوٌ لا يكون إلا مُؤخّرًا، ولم يأت هنا الظرف لغوًا، إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مَحَطّهُ وتَرَكُّزُه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه وأحقّه بالتقديم وأحراه (٢). قال الشّيخ أبو حيّان: يرتفع هذا السؤال من أصله بأنّ الظرف المتقدّم على النكرة إنما يختار أن يكون خبرًا إذا صلح لذلك، نحو: "ليس فيها أحد خير منك"؛ لأنّ "فيها" يصلح أن يكون خبرًا على حدة؛ لأنّه تام، و"له" في الآية لا يصلح أن يكون خبرًا لـ"كان"، بل هو متعلّق بـ "كفوًا"، وتقدّم على "كفوًا" للاهتمام به؛ لأنّ فيه ضمير الباري تعالى. فالمجرور هنا ناقص لا يصلح أن يكون خبرًا و"كان"، وعلى هذا فيبطل سؤال المبرد وإعراب مكي وابن عطيّة وسؤال الزمخشري وجوابه، ويصحّ كلام سيبويه ﵀، لأنّه إنما اختار الخبرية مع التقديم في الظرف التام، لأنه مثَّل بقوله: "ما كان فيها أحد خير منك"، و"ليس فيها أحد خير منك"، إذا جعلت "فيها" مستقرًا، ولم [يجعله] (٣) على حد قولك: "فيها زيد قائم"، إذا أجريت الصفة على الاسم، فإن جعلته على حد قولك: "فيها زيد قائم" أجزت الصفة ونصبت، فتقول: "ما كان فيها أحد خيرًا منك"، لأنك إذا أردت الإلغاء كان "التأخير" (٤) أحسَن، وإذا أردت أن [تكون] (٥) مستقرًا كان تقديمه أحسَن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عَربي جيّد كثير. قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦)

стр. 641

[الإخلاص ٤]. (١) قلت: فيتلخّص من هذا فوائد يهتدي المعرب بمنارها، ويستضيء [بنور] (٢) برهانها، وذلك أنّ المعرب ينظر إلى ظاهر الكلام حتى [يُساعده] (٣) المعنى. ووجْه التنظير بالآية: أنّ في الحديث مجروران متقدّمان على الخبر، وهو نكرة، فمتى جعلت أحدهما [متعلقًا بالخبر] (٤) جعلت الآخر صفة متقدّمة حالًا، وفي الآية مجرور واسم ظاهر يصلح للخبر، ويصلح أن يكون [صفة للاسم] (٥) متقدّمًا حالًا، فهذا الجامع بينهما. ثم نقول في قوله: "ليس على عاتقه منه شيء": إنَّ جَعْل الخبر في ["منه" ضعيفٌ] (٦)؛ لأنّ الخبر حيث تستقر الفائدة، والفائدة هنا في قوله: "على عاتقه" أقوَى، لأنها محطّ الفائدة، [إذ التقدير: "ليس] (٧) شيء مستقرًا على عاتقه منه"، وعلى هذا المعنى. وأما إن جعلت "منه" الخبر كان التقدير: "ليس شيء موجودًا على عاتقه كائنًا منه"، فيتعلّق "على عاتقه" بحال من "شيء" على أنّه صفة في الأصل، فيقتضي نفي وجوده حال وجوده على عاتقه، وليس كذلك، فترجّح الأوّل بجريانه مع المعنى. فإن قلت: فهل يصحّ أن تكُون جملة "ليس على عاتقه" في محلّ صفة للثّوب،

стр. 642

ويكون كقوله: وَلَقَدْ أمُرَّ على اللئِيمِ يَسُبُّني ... ........................... (١) قلتُ: قياسه أن يصحّ، لولا أنّ وصف "الثوب" بالوحدة يخرجه من الجنس (٢). والله أعلم. الحديث الثامن: [١١٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَو بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا - أوْ ليَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأُتِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِما فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ [أَصْحَابه] (٣)، فَلَمَّا رَآه كَرِه أَكْلَهَا، قَالَ: كُلْ، فَإنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي" (٤). قوله: "عن النبي ﷺ ": يحتاج إلى تقدير محذوف، أي "أنّه رَوَى عن النبي ﷺ "، فتتعلق "عن" الأولى بـ "روي" المقدّر، ويكون الفعل المقدّر بـ "أن" المتعلّق

стр. 643

به "عن" الثّانية في محلّ رفع. و"قال: مَن أكَل" في محلّ نصب بـ "روى"، أي: "أنّه روى". قوله: "من أكل ثومًا": و "مَن" هنا شرطية مبتدأ، وجوابها: "فليعتزلنا"، وخبر المبتدأ فعل الشرط، وقيل: جوابه (١). ولاماتُ الأمر كلها ساكنة بعد "الواو"، وقد جاء كسرها، وجاء تسكينها مع "ثم" (٢). قوله: "وأُتي بقِدْر": يحتمل أن يكون الراوي أخبر عن النبي ﷺ في زمن غير الزمن الذي أتي فيه بالقدر ويحتمل أن يكون ذلك في وقت واحد وتكون الجملة في محلّ حال، أي قال: "وقد أُتي"، ولا يكون فيه ترتيب؛ لأنّ "الواو" لا ترتيب فيها (٣). ويُروى: "بِبَدْر" (٤) يعني "بطبق" (٥)، وهو الصّواب عندهم (٦). والفعلُ هنا مبني للمفعول، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي ﷺ ". قوله: "فيه خَضِرات": مبتدأ، ومسوغه [تقدّم] (٧) الخبر في المجرور (٨)،

стр. 644

والجملة في محلّ الصفة لـ "بدر"، وهو مسوّغ ثان. و"خضرات": جمع "خَضِرة". و"الخضرة": "العشب [الناعم"] (١) (٢). و"من بقول": متعلق بصفة لـ"خضرات". قوله: "فوجد [لها] (٣) ريحًا": تقدّم الكلام على "وجد" في الحديث الثاني من "باب الاستطابة"، وهي هنا بمعنى "أصاب" (٤)، تتعدّى إلى واحد. و"لها" يتعلّق بصفة لـ"ريح"، تقدّم؛ فانتصب على الحال، ويحتمل أن يتعلّق بـ "وجد". قوله: "فسأل": "الفاء" سَببية، أي: "بسبب ما وجد من الريح سأل"، وفاعل "سأل" ضمير "النبي ﷺ ". "فأُخبر بما فيها من البُقول": "أُخبر" مبني لما لم يُسمّ فاعله، و"أخبر" تقدّم الكلام عليها مع أخواتها (٥) في الخامس من "فضل الجماعة"، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي ﷺ "، وهو هنا يتعدّى إلى الثّالث بحرف الجر، وهو قوله: "بما فيها"، و"ما" هنا موصولة بمعنى "الذي"، و"فيها" يتعلّق بالصّلة، والعائد ضمير الاستقرار. وضَمير "فيها" يعود على ["القِدْر"؛ لأنه] (٦) مؤنث بدليل تصغيره على "قُدَيْرة" (٧)، وهذا يُرجّح أنّ الرّواية "بقِدْر"، ولو كانت "ببَدْر" وهو "الطبق" لقال:

стр. 645

["فأُخبر بما فيه"] (١). ويحتمل أن يعود الضّمير على "الخضرات"، أي: "أُخبر بما أُحضر (٢) فيها"، ويكون "في" مجازًا في الظرفية. ويحتمل أن يعود على "ما"؛ فإنّ لفظها مُذكّر، ومعناها يؤنّث ويذكّر، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، فأَنَّث على معناها، وذَكَّر على لفظها (٣). ويحتمل أن يعود الضّمير على "بقول"؛ لأنّه فسّر "الخضرات" بـ "بقول"، فهي تذكّر باعتبار الجمع، وتؤنّث باعتبار الجماعة. قوله: "فقال: قرِّبوها": أي: "قال النبي ﷺ : قرِّبوها". وفي الكلام حذف، أي: "قال: قرّبوها إلى فُلان"؛ "فقربوها إلى بعض أصحابه"، فيتعلّق حرف الجر بـ "قربوها" الثّاني. ويحتمل أن يكون التقدير: "فأشار إلى بعض أصحابه"، أي: "قال قربوها إشارة وقولًا إلى فلان من أصحابه". قوله: "فلما رآه كره أكلها": "لمَّا" تقدّم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي"، وفي السّادس من "باب صفة الصّلاة"، وهي عند سيبويه حرف وجوب لوجُوب، أو وجود لوجُود، وعند الفارسي وموافقيه ظرف بمعنى "حين"، وعند ابن مالك بمعنى "إذ" (٤). وفاعل "رآه" يعود على "النبي ﷺ "، وضمير المفعول يعود على الذي قُدِّم

стр. 646

إليه الطّعام، وضمير "كره" يعُود على "الرجُل"، وجملة "كره" في محلّ الحال من مفعول "كره"؛ لأنّ الرؤية بصرية (١)، وجوابُ "لما": "قال"، وضمير "قال" يعود على "النبي ﷺ "، وضمير "كُل" يعُود على "الرجل"، والجملة معمولة للقول. قوله: "فإني أناجي مَن لا تُناجي": "إنَّ" واسمها وخبرها، الخبر في الجملة. و"مَن" يحتمل أن تكون موصولة، ويحتمل أن تكون موصوفة، أي: "شخصًا لا تناجيه". الحديث التاسع: [١١٧]: عَنْ جَابِرِ بنِ عبد اللهِ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ الملائِكَةَ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإنْسَانُ". وفي روايةٍ: "بني آدمَ" (٢). قوله: "من أكل": "مَن" هي الشرطية، وقد تقدّمت قريبًا. وجوابها: "فلا يقربن"، ومحلّها رفع بالابتداء، والخبر في فعلها، وقيل: في جوابها، وقد تقدّم الكلام عليها مستوفى في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، وفي العاشر منه. و"لا" هنا ناهية، وقد تقدّم الكلام على أقسام "لا" في الثّاني من "باب الاستطابة، ، وعلى مواضع النّون المؤكّدة في الحديث الخامس من أوّل الكتاب. قوله: "يقربن": فعل مُضارع مُؤكّد بنون التأكيد الشديدة، وهي مختصّة بالنهي والأمر والاستفهام والتمني والعَرض والقَسَم (٣).

стр. 647

وأما قوله: "مسجدنا": ويروى: "مَسَاجِدَنا" (١)؛ فمفعول: "يقربنّ". والنهي عن القُرب أبلَغ من النهي عن نفس الشّيء، وإنما تعدّى هنا ولم يتعدّ في نحو: "قرُبت منك"؛ لأنّ هذا ضُمّن معنى "يغشى"، وهو من "فَعِل" بكسر "العين" في الماضي، وفتحها في المستقبل. وأمّا "قرُب، يقرُب" بضم "العين": فمصدره ["قُرْبًا"] (٢) (٣) بمعنى "الدنوّ" الأوّل مصدره: "قِربانًا" (٤) بكسر "القاف"، مثل "غِشيانًا" (٥). وعُدِّي الفعلُ بنفسه، لا بحرف الجر، كما عُدِّي "غشِيت" و"مسِسْت"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: أي ["ولا] (٦) تمسُّوهن" و"لا تغْشُوهن". (٧) وقوله: "وفي رواية": حرفُ الجر يتعلّق بمحذوف، تقديره: "وجاء في رواية"، فيكون "بنو آدم" الفاعل [على الحكاية] (٨)، ومتى قدَّرت عامله "رُوي" فهو مفعول لم يُسمَّ فاعله. و"من" هنا لبيان الجنس، و"ما" موصولة، [وصلتها: "يتأذى"] (٩)، و"من" الثانية سببية، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، والضّمير في "منه"

стр. 648

يعود على "ما". و"الإنسان" [اسم جنس] (١). قال ابنُ الحاجب: و"إنسان"، "فِعلان" من "الأنس"، وقيل: ["إفعان"] (٢) من "نسي"؛ لمجيء "أُنيسيان" (٣). قلتُ: [تصغيره] (٤) على أنّ وزنه "فِعلان"، "أنيسان"، و"أنيسيان" شاذ، ولا يُقَاس عليه (٥). قوله: "بنو آدم": اعلم أنّ "بنو" جمع "ابن"، [وهو] (٦) جمع تكسير، حمل على جمع المذكّر السالم في علامة إعرابه، فرَفْعُه بـ "الواو"، ونصبُه وجرُّه بـ "الياء"، ومثله: "حرون" جمع "حرة"، و"أرضون"، و"سنون" وبابه. قال ابن هشام: وهذا الجمع مُطرّدٌ في كُلّ ثلاثي حُذفت لامه وعوض منها "هاء" التأنيث ولم تكسر، نحو: "عِضَة" و"عِضِين"، و"عِزَة" و"عِزِين"، و"ثُبَة" و"ثُبِين". قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] (٧). ولا يجوز ذلك في نحو "ثمَرَة"؛ لعَدَم الحذف، ولا في نحو "عِدَة" و"زِنَة"؛ لأن المحذوف "الفاء" (٨) ولا في نحو "اسم" و"أخت" و"بنت"؛ لأنه عُوِّض عن "الهاء"،

стр. 649

ولا في نحو "شاه" و"شفة"؛ لأنهما كُسِّرا على نحو: "شِياه" (١) و"شِفاه" (٢)، وقد تقدّم شيء من ذلك. باب التشهّد الحديث الأوّل: [١١٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" (٣). وَفِي لَفْظٍ: "إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ" وَذَكَرَهُ. وَفِيهِ: "فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". وَفِيهِ: "فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" (٤). قوله: "علمني رسول الله ﷺ : جملة في محلّ مفعول القول، والتقدير: "أنه قال"؛ ليقوم مقام فاعل متعلّق حرف الجر. و"علَّم" هنا يتعدّى لمفعولين، أحدهما الضّمير المتصل بالفعل، والثّاني "التشهد"، وقد يتعدّى إلى ثلاثة، كقولك: "علَّمت زيدًا عمرًا قاعدًا"، ودخلت

стр. 650

"نون" الوقاية في "علّمني"، وقد تقدّم الكلام على "نون" الوقاية في الحديث الأوّل من "الطمأنينة". قوله: "كَفِّي بين كفَّيه": مبتدأ وخبر في محلّ حال من ضمير المفعول في "علمني"، وجاءت الحال جملة [اسمية] (١) بالضّمير وحده، ومثله: "كلمته فوه إلى فيّ"، وقد يأتي الحال بـ "الوا و" والضّمير، مثل: "جاء زيد وعليه عمامة"، ويجيء بـ "الواو" وحدها، نحو: "جاء زيد وعمرو قائم" (٢)، وقد تقدّم أقسام الحال في الثّالث من "المذي"، و"بين" في [الثّالث] (٣) من "السّواك". قوله: "كما يعلِّمني السورة": "ما" ههنا مصدرية (٤)، و"الكاف" نعت لمصدر محذوف، أي: "يعلمني التشهد تعليمًا مثل ما يعلمني السورة". واختار ابن مالك ومَن تبعه أن تكون "الكاف" حالًا من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، تقديره: ["يعلمني] (٥) التعليم مثل ما يعلمني". وتقدّم الكلام على "كما" في الحديث الثّاني من "باب الجنابة". قوله: "من القرآن": "من" للتبعيض، أو لبيان الجنس؛ لأنّ كُلّ "سورة" منه [قرآن] (٦). ويتعلّق حرف الجر بحال من "السورة"، أي: "السورة كائنة [من القرآن] (٧).

стр. 651

ويحتمل أن يتعلّق بـ"يعلمني"، والأوّل أحسن. ويحتمل أن يتعلّق بـ "السورة؛ لأنّ فيها معنى الفعل. قال الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]: يتعلّق حرف الجر بـ "سُورة"، قيل: لأنّ في السّورة معنى الطّائفة [من القُرآن] (١)، وأقلّ الطائفة منه ثلاث آيات. واختلف في "واو" السّورة (٢)، قيل: أصل، مأخوذ من "سور البلد"؛ لأن "السّورة" محدودة محوزة. وقيل: "الواو" منقلبة عن "همزة"، من "السؤر" الذي هو "البقية من الشيء" (٣). وعلى كِلا الوجْهين: يجوز أن يتعلّق حرفُ الجر به، سواء قدّرتها بـ "محوزة محدودة" أو بـ "بقية". وقد يُعلَّق حرفُ الجر بما فيه رائحة الفعل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣]، فقالوا: "في السموات" يتعلّق بلفظ الجلالة؛ لأنه بمعنى "المعبود"، والاسم العَلَم إذا ضُمِّن معنى الفعل عمل في الظّرف والمجرور، كما قيل في قوله: أنا أبو المنهال بعضَ الأحيان (٤) فـ "بعضَ" منصوب بما تضمنه "أبو المنهال" أي: "أنا المشهور".

стр. 652

قوله: "التحيات لله": "التحيات" مبتدأ، و"لله" الخبر، والجملة إلى آخرها محكيّة بدَلًا من "التشهد"، أعني: مفعول "علمني". ويحتمل أن يكون مفعولًا بفعل مُقدّر على الحكاية يدلّ على ما قبله، أي: "علَّمنا التحيات لله إلى آخره"، أي: "هذا اللفظ". ويُقَدَّر: "قال" قبل: "التحيات لله"، فتكون الجملة إلى آخر الحديث معمولة للقول المقدَّر. و"التحيات": جمع "تحية". و"التحية" هنا: "البقاء"، فتكون "اللام" في "لله" للاختصاص. وقيل: المراد: " [كُلّ ما] (١) تُعظم به الملوك، لله"، فتكون "اللام" للاستحقاق. وقيل: المراد: "العظمة"؛ فتكون "اللام" للاختصاص أيضًا، أي: "العظمة الكاملة لله". وقيل: المراد: "السلام"، بمعنى أن "التحيات التي تعظم بها الملوك إذا سُلِّم عليهم"، فتكون "اللام" للاستحقاق كما تقدّم، أي: "التحيات مستحقة لله" (٢). قال ابن قتيبة: وإنما جمعت "التحيات"؛ لأن واحدًا من ملوكهم كان له تحية يُحيَّا بها، فقال لنا: "قولوا: التحيات لله"، أي: "الألفاظ الدالة على الملك مستحقة لله". (٣) قوله: "والصلوات": قيل: "المعهودات في الشرع"، فيقدَّر: "واجبة لله"، وإن أريد بها رحمته التي تفضل بها على عباده؛ فيقدر: "كائنة أو ثابتة لعباد الله"، فيقدَّر مُضاف محذوف. قوله: "الطيبات لله": معنى "الطيبات": "الكلمات الطيبات كلها مستحقة لله"، فهذه الألفاظ كُلّها في نفسها مبتدأ وخبر.

стр. 653

قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": "السلام" مبتدأ، و"عليك" في موضع خبره، وبه يتعلّق حرف الجر، وجاء في رواية: "سلام عليك أيها النبي". والأول أعمّ؛ لأنّ الألف واللام تقتضي الجنس، ويدخل فيه المعهود، وأمّا "سَلام" مع التنكير فينصرف لـ "سلام ما" قليلًا أو كثيرًا، ولو وَرَد منصوبًا صحّ بمعنى "سلمنا سلامًا". و"السلام" هو اسم من أسماء الله تعالى، لا يجوز أن يسمى به أحد غيره. ومعنى قوله: "السلام عليك": "السلامة عليك ولك"، وقيل: معناه "التسليم"، وقيل: معناه "التعوذ"، أي: "الله معك"، أي: "الله متوليك وكفيل بك"، وقيل: معناه "الانقياد لك" (١). قال الشيخ تقيّ الدّين: وليس يخلو بعض هذا من ضَعف؛ لأنه لا يتعدّى "السّلام" لبعض هذه المعاني بكلمة "على" (٢). انتهى. ويحتمل أن يكون "السلام عليك" مبتدأ خبره [محذوف] (٣)، أي: "السلام عليك موجود"، ويتعلّق حرف الجر بـ "السلام"؛ لأنّ فيه معنى الفعل. وأمّا "سلام [عليك" بالتنكير] (٤) فمسوّغ الابتداء به معنى "الدّعاء". قوله: "أيُّها النبي": "أيُّها" مرفوعٌ على الاختصاص، [والاسم في] (٥) الاختصاص معمول لـ "أخُصُّ"، [واختير] (٦) الحذف إلّا في باب "أيها" و"أيتها"، فإنه

стр. 654

يُستعمل في النّداء على [ما هو] (١) عليه؛ فيضمان، ويوصَفان لزومًا باسم لازم الرّفع محكي بالألِف واللام، كما تراه هنا، [ونحو: "أنا أفعل] (٢) كذا أيها الرجل"، و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة". (٣) وأما إن كان المخصوص غير "أي" و "أيَّه"؛ فإنه ينصب، نحو قوله: "نحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ" (٤)، قاله ابن هشام. (٥) فتحصّل من هذا أن "أيّ" و"أيّه" مضمومة اللفظ في باب الاختصاص، منصوبة المحلّ بـ "أخصّ" المقدّر. قوله: "ورحمة الله وبركاته": معطُوفان على "السّلام". و"رحمت" كتب في القرآن بـ "التاء" في: البقرة ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]، وفي الأعراف ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٥٦]، وفي هود ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ [هود ٧٣]، وفي مريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢]، وفي الزخرف ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [الزخرف ٣٢]، وفي الروم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ (٦) [الروم ٥٠] (٧).

стр. 655

وهذا جاء على [لغة] (١) مَن يقف بـ "التاء"، أو باعتبار الوصل. ويحتمل قوله (٢): "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" الخبرَ والدّعاءَ. قوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين": إنما أعاد حرف الجر ليصح العطف على الضمير المجرور (٣). و"عباد": جمع "عبد"، ويجمع على "عبيد"، وعلى "أعبد" و"عبدان" بضم العين وكسرها، و"عباديد"، وله جموع أُخَر. (٤) و"الصالحين": نعت لـ "عباد". قال ابن عطية: طريق ما وقع في القرآن من "عباد" يكون محلّ شرف ورفعة، إلا أن يقترن به قرينة. وما وقع على "عبيد" يكون محلّ ضِعة وحَط منزلة إلا أن يقترن به قرينة (٥). هذا معنى كلامه، وهو صحيحٌ، وانظر هنا جاء "على عباد" لهذا المعنى، ولذلك وصفهم بـ "الصالحين". قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله": جملة "أن لا إله" في محل نصب أو جر على تقدير "الباء"، و"أنْ" [هنا المخفّفة] (٦) من الثقيلة، واسمها ضمير منصوب محذوف،

стр. 656

والجملة بعدها خبرها، والتقدير: "أشهد [أنه] (١) لا إله إلا الله"، وقد تقدّم الكلام على "أنْ" المخففة في الثّاني من "باب الصّفوف"، فانظره هنالك. وتقدّم الكلام على إعراب "لا إله إلا الله" في الحديث الأوّل من "باب التيمم". قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله": معطوفٌ على ما قبله. و"رسول": "فعول" بمعنى "مرسل"، و "فعول" بمعنى "مُفْعَل" قليل (٢). قال القاضي أبو محمد بن عطيّة: العَرَب تجري "رسول" مجرى المصدر، فتصف به الجمع والواحد والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) الشعراء ١٦] (٤). قوله: "وفي لفظ": أي: "وجاء في لفظ"، [و"روي] (٥) في لفظ"، فيتعلق حرف الجر بالمحذوف، ويكون "إذا قعد أحدكم في الصّلاة" إمّا فاعل بـ "جاء"، أو مفعول لم يُسمّ فاعله بـ "رُوي" المقدّر بـ "أن". قوله: "قعد": من "القعود"، ضد "القيام"، وفيه محذوف، أي: "قعد للتشهد في [الصلاة"] (٦). وليست "قعد" هذه التي بمعنى "صار" في قولهم: "شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة"، فإنّ تلك [تعمل عمل] (٧) ..........

стр. 657

"صار" (١)، وجعل منها الزمخشري: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء ٢٢]. قال أبو حيّان: وجَعْلُ "قعد" بمعنى "صار" [عند] (٢) الأصحاب مقصور على المثال المذكور. وذهب الفرّاء إلى اطراده بمعنى "صار"، ومنه قول الراجز: لا يقنع الجارية الخضابُ ... ولا الوشاحان ولا الجلبابُ من دون أن تلتقي الأركابُ ... وتلتقي الأسباب والأسبابُ ويقعد الأيرُ له لُعَاب (٣) قلت: وأمّا "قعد" في الحديث فلا يصحّ منها معنى "صار" إلّا على تمحُّل بعيد. قوله: "في الصّلاة": يريد "قعودًا خاضًّا"، وتقدّم الكلام على "أحدكم"، و"إذا" وفعلها وجوابها في ثاني حديث من الأوّل. و "في الصّلاة" يتعلّق بفعل، ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "متشهدًا في الصّلاة". قوله: "فليقل": جواب "إذا"، وجملة"التحيات" هنا معمولة للقول. قوله: "فإنكم إذا فعلتم": خبر "انَّ": "إذا" وفعلها، وجوابها "فقد سلَّمتم". وعلى كلٍّ: "عبد" يتعلّق بـ "سلَّمتم"، والتقدير: "فإنكم مسلِّمون على كل عبد إذا فعلتم ذلك". وتقدّم الكلام على "كُلّ" في أوّل حديث من أول الكتاب، والثّاني من "صفة الصّلاة".

стр. 658

قوله: "لله": يتعلّق بصفة لـ "عبد"، و"صالح" صفة أخرى. وقدّم الصفة المقدّرة على الظاهرة، وقد تقدّم أنَّ ابن عصفور منعه (١). قوله: "في السماء والأرض": يتعلّق بـ "صالح" أو بصفة لـ "عبد". قوله: "وفيه": يعني: "وفي اللفظ المتقدّم". "فليتخير [من] (٢) المسألة": تقدّم الكلام على "لام" الأمر في السّادس من "الإمامة"، و"من المسألة" يتعلّق بـ "يتخير". و "من" للتبعيض. و"ما شاء" في محلّ مفعول للخبر، و "شاء" فعل ماض في محلّ الصّلة، وفاعله ضمير يعُود على "المصلِّي". وهنا ضمير محذُوف يعود على "ما"، أي: "ما شاءه"، ويجوز أن يكون نكرة موصُوفة، أي: "فليتخير من المسألة دعاءً شاءه". وتقدّم الكلام على "شاء"، والكلام على حذف مفعوله، وأنه تكاثر معه ومع "أراد" حتى صاروا لا يكادُون يبرزون، في السّادس من"باب الإمامة". الحديث الثاني: [١١٩]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلَّمَنَا اللهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهم بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". (٣) قوله: "لقيني": جملة في محلّ مفعول القول.

стр. 659

وقوله: "فقال": معطوف على "لقيني". وقوله: "ألا": حرف عرض وتحضيض. والفرقُ بين العرض والتحضيض: أنّ العرض معه لِين، بخلاف التحضيض فإنه بِحَثٍّ (١). و"ألا" لها أقسام خمسة (٢): - الأُولى: للتنبيه، وتدخُل على الجملتين نحو ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة ١٣]، ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ [هود ٨]. ويُقال لها: استفتاح وتنبيه. الثاني: التوبيخ والإنكار، كقوله: أَلا طِعَانَ أَلا فرْسَانَ عَادِيةٍ ... ............................. (٣) الثالث: التمني، كقوله: ألا عُمْر ولَّى مُستطاعٌ رجوعه ... ........................... (٤) الرابع: الاستفهام عن النفي، كقوله: ألا اصطبار لسلمى أم لنا جلد ... ........................... (٥)

стр. 660

الخامس: العرض والتحضيض، ومعناهما: طلب الشيء. وتختص "ألا" هذه بالفعل، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة]. واعلم أنّ حروف التنبيه ثلاثة: "ها" و "ألا" و "أمَا". فـ "ها" أعمُّ لدخولها على المفرد والجملة، فإنهما لا تدخلان إلا على الجملة. والفرق بين "ألَا" و"أمَا": أنَّ "أمَا" للحال والاستقبال. وتحذف ألِف "أمَا" نحو: "أَمَ والله لأفعلنَّ"؛ لكثرة الاستعمال، وقد فتحوا "أنَّ" بعدها فقالوا: "أما أنك قائم؟ "، بمنزلة قولك: "أحَقّ أنك قائم؟ "، فـ "أنَّ" وما بعدها في محلّ مبتدأ، وما قبلها مُقدَّر بالظرف، وهو خبرها، كذا قرّره النيلي ﵀ وغيره (١). وتقدّم الكلام على باقي الحديث. فقوله هنا: "ألا أهدي لك هدية؟ " عرض، و "أن النبي ﷺ لما التقدير: "هي أن النبي ﷺ "؛ فتفتح "أنَّ" لأنها معمُوله (٢). ويحتمل أن تكون مكسورة على الاستئناف. ويحتمل أن تكون بدَلًا من "هَدّية"، أي: "ألا أهدي لك أن النبي"، فتكون مفتوحة. و"هدية": اسم مصدر، والمصدر: "إهداء"؛ لأنّه من "أهدى". و "المِهدى" بكسر "الميم": ما يهدى فيه، كالطبق ونحوه، ولا يُسمّى "مِهدى" إلّا وفيه ما يُهدَى. و"المهداء" بالمد: "الرجل الذي عادته الهدية" (٣).

стр. 661

قوله: "فقلنا": معطوفٌ على "خرج"، وجملة "يا رسول الله" معمولة للقول. وتقدّم الكلام على لفظ "ما" في السّابع من "الإمامة". قوله: "قد عَلِمْنا": من تمام المفعول، و"عَلِم" بمعنى "عرف"، يتعدّى لمفعول واحد (١). و"كيف": سؤال عن [حال] (٢)، وتقدّم الكلام على "كيف" في العاشر من "صفة الصّلاة"، وفي الرّابع من "كتاب الصّلاة". وهي عند سيبويه [ظرفية] (٣) في كل أحوالها، وعند غيره تجري فيها وجوه الإعراب (٤). ولا يجوز أن تكون "كيف" مفعول "علم"؛ لأنّ "كيف" لا تأتي إلا اسم استفهام أو اسم شرط، وكلاهما لا يعمل فيه ما قبله، إلّا ما روي شاذًا: "انظر إلى كيف تصنع"، وقولهم: "على كيف تبيع الأحمَرَين؟ " (٥). وأمَّا "كيف" هنا فكما تقدّم سؤالٌ عن حال، في موضع نصب بـ "نسلِّم"، و"كيف" الثانية في موضع نَصب بـ "نُصلي عليك"، وهي هنا على حدّها في قوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم ٤٥]. و"كيف" وما بعده في محلّ مفعول "علِم".

стр. 662

ويحتمل أن تكون "كيف" مفعولًا مطلقًا، أيْ: "قد علِمنا أيَّ سلام نسلِّم عليك، فعلِّمنا أيَّ صَلاة نُصلي عليك". وعلى هذا يكون "علِم" [معلقة] (١) عن العَمل. قوله: " [قال] (٢) ": ما بعد "قال" معمول له، وما بعد "قولوا" معمول له. قوله: "اللهم صلِّ": تقدّم الكلام على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة". قوله: "كما صلّيت": تقدّم الكلام على "الكاف" من "كما" في الحديث الثاني من "باب الجنابة". و"على محمّد": يتعلّق بـ " [صلِّ] (٣) "، و"على آل محمّد" معطوفٌ على ["محمد"] (٤). و"آل" قيل: بمعنى "أهل"، وألِفه بدَل من "هاء"، وتصغيره: "أهيل". وقال بعضهم: ألِفه بدَل من "همزة" ساكنة، و "الهمزة" بدَل من "الهاء". وقيل: ليس بمعنى "أهل"؛ لأنّ "الأهل": "القرابة"، و"آل" من "آل"، "يؤول" إليك [في قرابة] (٥) أو رأي أو مذْهَب. فأصلُه: "أوْل"، فانقلبت واوه ألِفًا، ومن ثَمّ قَال يونس في تصغيره: "أُوَيْل" (٦)، حكاه الكسائي عن العرب (٧).

стр. 663

وقد خصُّوا "آل" بالإضافة إلى ذوي الخطر ممن يُعلم، فلا يُقال: "آل" الإسكاف" و "الحجام" (١)، قالوا: نحنُ آلُ اللهِ في بلدتِنا ... لم نَزَلْ آلا على عهدِ إِرَم (٢) ونحوه للأخفش. قال: لا يُضاف "آل" إلا إلى الرئيس الأعظم. واعتُرض بأنه سُمع: "آل المدينة" و"آل البصرة". ومنع الكسائي ذلك، فقال: لا يُقال: "فلان من آل البصرة"، بل: "من أهل" (٣). وقد سُمعت إضافتُه إلى اسم الجنس وإلى الضّمير. واختلف [في قياس] (٤) إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي وأبو جعفر النحاس والزبيدي، وأجازه غيرهم (٥). ويُجمع بـ "الياء" و"النون" نصبًا وجرًّا، وبـ "الواو" و "النون" رفعًا، كما جُمع "أهل"، فيقال: "آلون" (٦). قال مكي: فأمَّا "الأَوْل" بمعنى "السّراب": فجمعه: "أَاْوَال"، على

стр. 664

"أفعال" (١). إذا ثبت ذلك: فمعاني توجيه التشبيه في هذا الحديث بين نبينا ﷺ وإبراهيم ﵇ تنيف على العشرين قولًا، وأحسنها: أن يكون التشبيه راجعًا إلى أصل الصّلاة بأصل الصّلاة، لا إلى القَدْر بالقَدْر (٢)، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]، وضعّفه الشيخ تقيّ الدّين (٣)، والمعنى عليه قوي. قوله: "إنك حميد مجيد": كُسرت "إنّ" لأنها في ابتداء الكلام (٤)، ولو فتحت جاز بمعنى: "لأنّك حميد" (٥). و"حميد" بمعنى: "محمود" (٦)، و "مجيد" بمعنى: "ماجد"، وصُرّفا لِبِناء المبالغة (٧). قال الشّيخ تقيّ الدّين: كأنّ ذلك للتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد. ويحتمل أن يكُون "حميد" مبالغة من "حامد"؛ فيكون ذلك كالتعليل للصّلاة

стр. 665

المطلوبة، فإنّ "الحمد" و"الشّكر" يتقاربان، فـ "حميد" قريب من معنى "شكُور"، وذلك مُناسبٌ لزيادة الإفضال والإعطاء لما يُراد من الأمور العظام، وكذلك المجد والشّرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة. و "البَرَكة": "الزيادة والنماء من الخير" (١). قوله: "اللهم بارك على محمد": قال في "الصّحاح": يُقال: "بارك الله لك وفيك وعليك"، و"باركك"، وقال تعالى: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل ٨]، و ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف ٥٤]، و"بارك" مثل "قاتل وتَقاتَل"، إلا أنّ "فاعل" يتعدّى، و"تفاعل" لا يتعدّى (٢). قال أبو حيان: "تبارك" تفاعل، مُطاوِعُ "بارك"، لا يتصرّف؛ فلا يجيء منه مُضارع، ولا اسم فاعل، ولا مصْدَر، ولا يُستعمَل في غيره تعالى (٣). وقد تقدّم أنّ "إبرا هيم" اسم أعجمي لا ينصرف، فعلامة الجر فيه الفتحة للعَلَمية والعجمة. وفيه لُغات ستّ: "إبراهيم"، "إبراهام"، "إبراهوم"، "إبراهيم" بضم "الهاء" وفتحها وكسرها من غير "ياء". وجمعُه: "براهم" و"أباره" (٤)، ويُجمع بـ "الواو والنون"؛ لتوفر الشروط فيه (٥). وقيل: معناه "أب رحيم" (٦).

стр. 666

الحديث الثالث: [١٢٠]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر، وَمن عَذَابِ النَّار، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (١). وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ" ثم ذكر نحوه (٢). جملة "كان" في محلّ مفعول القول، وجملة "يدعو" خبر "كان". والكلام على "كان" تقدّم في أوّل حديثٍ من الكتاب. وكذلك مُتعلّق "عن". قوله: "اللهم": معمول لقولٍ مُقدّر، أي: "يقول: اللهم". أو يكون التقدير: "يدعُو باللهم"، ثم حُذف حرفُ الجر، وعُدِّي الفعلُ إليه، فمحلّه نصبٌ على السّعة. أوْ يُضمَّن "يدعُو" معنى "يقول"؛ لأنّ الدعاء قَول، فيكون مفعولًا به. والكلام على "اللهم" تقدّم في الحديث الأوّل من "الاستطابة". و"إني أعوذ": "إن" واسمها وخبرها. و "أعوذ" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الاستطابة" أيضًا. و"الباء" في "بك" للإلصاق، وتتعلّق بـ "أعوذ". قال فخر الدّين الرازي: جاء "الحمد"، و"لله الحمد"، وتقدُّم المعمول يفيد الحصر عند طائفة، فما الحكمَة في أنّه جاء "أعوذ بالله" ولم يأت "بالله أعوذ"؟ وأجيب بوجُوه تقدّمت في الأوّل من "باب الاستطابة".

стр. 667

قوله: "من عذاب": "العذاب": "اسم للعقوبة"، والمصدر: "التعذيب"، فهو مضاف إلى الفاعل على طريق المجاز، وكذلك "من عذاب النار"، وكذلك "من فتنة المحيا". "الفتنة": "اسم للامتحان، والاختبار". و"القبر": واحد "القبور"، و"المقبُرة" بضم "الباء" وفتحها (١) [وكسرها] (٢) (٣)، لُغات. وجاء "المقبر" في قوله: لكل قوم مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد (٤) و"قبرت الميت"، أقبره" بضم "الباء" وكسرها "قبرًا". و "أقبرته": "أمرت بأن يُقبَر". وقال ابن السّكيت: ""أقبرته": "صيرت له قبرًا"، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] (٥) " أي: "أكرمه بالقبر ولم يجعله ملقى للكلاب" (٦). و"الدجّال": بدَل من "المسيح"، أو نعتٌ للمسيح، أو عطف بيان. و"المحيا" و "الممات" مصدران مجروران بالإضافة، على وزن "مَفعل"، ويصلحان للزّمان والمكَان والمصدَر (٧).

стр. 668

قوله: "وفي لفظ لمسلم": يتعلّق "في لفظ" بفعل مُقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، و"لمسلم" يتعلّق بـ "لفظ"؛ لأنّه مصدر، ويحتمل أن يتعلّق بصفة. وجملة "إذا تشهّد أحدكم" الفاعل لـ "جاء" على الحكاية. قوله: "فليستعذ": "الفاء" جواب الشرط، و"اللام" لام الأمر، و"بالله" يتعلّق بـ "يستعذ". وتقدّم في ثاني حديث من الأوّل الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها والعامل فيها، وعلى "أحدكم"، والكلام على "لام" الأمر في الرّابع من أوّل الكتاب. و"من أربع" يتعلّق بـ "يستعذ" أيضًا. و"أربع" على وزن "أفعل"، إلا أنه منصرف؛ لأنه ليس صفة في الأصل (١). قوله: "يقول: اللهم": جملة "يقول" يحتمل أن تكون حالًا، أي: "فليستعذ [قائلًا"] (٢)، ويحتمل أن تكون بَدَلًا (٣) من "يستعذ"؛ فتجزم، كما جزم في قوله: متى تأتنا تلمم بنا ........... ... ...................... (٤) وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، والتقدير: "إذا تشهد أحدكم فليقل: اللهم"، فإن لم يُرو مجزوما فهو حال كما [تقدّم] (٥)، أو مُستأنف. و"جهنم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث المعنوي، وشرط التأنيث المعنوي [زيادة] (٦) على ثلاثة أحرف أو تحرك الوسط، وقد زَاد هنا.

стр. 669

قال صاحب "الصّحاح": هو مُلحقٌ بالخماسي. وقيل: هو فارسي، أصله: "جِهنام" بكسر "الجيم" و"الهاء"، في قولهم: "ركية جهنام"، أي: "بعيدة" (١). قلت: فيمتنع، والعُجمة (٢). الحديث الرابع: [١٢١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٣). قوله: "عن عبد الله": أي: "روي عن عبد الله"، و"ابن عمرو" نعت لـ "عبد الله"، و"ابن العاص" نعت لـ "عمرو". "عن أبي بكر" يتعلّق بمُقدّر، أي: "أنه روي عن أبي بكر"، أو يكُون بدلًا عن "عبد الله"، فإن جعلته بدَلًا كان محلّ "أنه قال لرسول الله ﷺ " رفعًا مفعولًا لم يُسمّ فاعله؛ لأنّ البدَل يحلّ محلّ المبدَل [عنه] (٤). وإن قدّرت "أنه روي" كان جملة "أنه قال" مفعول به لـ "روي". و"لرسول الله ﷺ " يتعلّق بـ "قال". ومفعول "قال": جملة "علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي". و"علمني دعاء": جملة من فعل وفاعل [ومفعولين] (٥)، الفاعل ضمير

стр. 670

مستتر. و"علِّم" هذا يتعدّى لمفعولين، المفعول الثاني: "دعاءً" والمعنى: "حفِّظْني". ولو قال الشّيخ: "عن أبي بكر"، ولم يذكر عبد الله بن عمرو، كما جرت به عادته في الاقتصار على الرّاوي [الأخير] (١) لكَفَاه ذلك، كما عمل في الحديث الأوّل من الكتاب عن عُمر ﵁ ولم يذكُر علقمة الرّاوي عنه. قوله: "أدعو به": جملة في محلّ صفة لـ "دعاء"، والعائد: "به"، والضّمير يعود على "دعاء"، و"في صلاتي" يتعلّق بـ "أدعو"، ولا يتعلّق بـ "علمني"؛ لفسَاد المعنى، ولا بصفة لها لفسَاده أيضًا. [قوله] (٢): "قال: قل": فاعل "قال" ضمير يعود على "النبي ﷺ "، و "قل" معمُول للقول، و"اللهم" معمول للقول الثاني، وتقدّم الكلام على لفظ "اللهم" في الحديث الأوّل من "باب الاستطابة". و"إني": "إنَّ" واسمها وخبرها، وجملة "ظلمت نفسي"، و"ظلمًا" مصدر، و "كثيرًا" نعتٌ له، وبه حصلت الفائدة، لا بالمنعوت. قوله: "ولا يغفر الذّنوب إلا أنت": لما كان المعنى في غير النبي ﷺ : "ظلمت نفسي باكتساب الذّنوب"، جاء: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" توطئة لقوله: "فاغفر لي"، فـ "الفاء" فاء السببية. و"اغفر" لفظه لفظ الأمْر، ومعناها الدّعاء. و "إلا" إيجاب للنفي، [و"أنت"] (٣) فاعل "يغفر". والاستثناء مُفرغ (٤).
следующие страницы →