← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الحديث الثالث: [١٢٠]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر، وَمن عَذَابِ النَّار، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (١). وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ" ثم ذكر نحوه (٢). جملة "كان" في محلّ مفعول القول، وجملة "يدعو" خبر "كان". والكلام على "كان" تقدّم في أوّل حديثٍ من الكتاب. وكذلك مُتعلّق "عن". قوله: "اللهم": معمول لقولٍ مُقدّر، أي: "يقول: اللهم". أو يكون التقدير: "يدعُو باللهم"، ثم حُذف حرفُ الجر، وعُدِّي الفعلُ إليه، فمحلّه نصبٌ على السّعة. أوْ يُضمَّن "يدعُو" معنى "يقول"؛ لأنّ الدعاء قَول، فيكون مفعولًا به. والكلام على "اللهم" تقدّم في الحديث الأوّل من "الاستطابة". و"إني أعوذ": "إن" واسمها وخبرها. و "أعوذ" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الاستطابة" أيضًا. و"الباء" في "بك" للإلصاق، وتتعلّق بـ "أعوذ". قال فخر الدّين الرازي: جاء "الحمد"، و"لله الحمد"، وتقدُّم المعمول يفيد الحصر عند طائفة، فما الحكمَة في أنّه جاء "أعوذ بالله" ولم يأت "بالله أعوذ"؟ وأجيب بوجُوه تقدّمت في الأوّل من "باب الاستطابة".

стр. 667

قوله: "من عذاب": "العذاب": "اسم للعقوبة"، والمصدر: "التعذيب"، فهو مضاف إلى الفاعل على طريق المجاز، وكذلك "من عذاب النار"، وكذلك "من فتنة المحيا". "الفتنة": "اسم للامتحان، والاختبار". و"القبر": واحد "القبور"، و"المقبُرة" بضم "الباء" وفتحها (١) [وكسرها] (٢) (٣)، لُغات. وجاء "المقبر" في قوله: لكل قوم مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد (٤) و"قبرت الميت"، أقبره" بضم "الباء" وكسرها "قبرًا". و "أقبرته": "أمرت بأن يُقبَر". وقال ابن السّكيت: ""أقبرته": "صيرت له قبرًا"، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] (٥) " أي: "أكرمه بالقبر ولم يجعله ملقى للكلاب" (٦). و"الدجّال": بدَل من "المسيح"، أو نعتٌ للمسيح، أو عطف بيان. و"المحيا" و "الممات" مصدران مجروران بالإضافة، على وزن "مَفعل"، ويصلحان للزّمان والمكَان والمصدَر (٧).

стр. 668

قوله: "وفي لفظ لمسلم": يتعلّق "في لفظ" بفعل مُقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، و"لمسلم" يتعلّق بـ "لفظ"؛ لأنّه مصدر، ويحتمل أن يتعلّق بصفة. وجملة "إذا تشهّد أحدكم" الفاعل لـ "جاء" على الحكاية. قوله: "فليستعذ": "الفاء" جواب الشرط، و"اللام" لام الأمر، و"بالله" يتعلّق بـ "يستعذ". وتقدّم في ثاني حديث من الأوّل الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها والعامل فيها، وعلى "أحدكم"، والكلام على "لام" الأمر في الرّابع من أوّل الكتاب. و"من أربع" يتعلّق بـ "يستعذ" أيضًا. و"أربع" على وزن "أفعل"، إلا أنه منصرف؛ لأنه ليس صفة في الأصل (١). قوله: "يقول: اللهم": جملة "يقول" يحتمل أن تكون حالًا، أي: "فليستعذ [قائلًا"] (٢)، ويحتمل أن تكون بَدَلًا (٣) من "يستعذ"؛ فتجزم، كما جزم في قوله: متى تأتنا تلمم بنا ........... ... ...................... (٤) وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، والتقدير: "إذا تشهد أحدكم فليقل: اللهم"، فإن لم يُرو مجزوما فهو حال كما [تقدّم] (٥)، أو مُستأنف. و"جهنم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث المعنوي، وشرط التأنيث المعنوي [زيادة] (٦) على ثلاثة أحرف أو تحرك الوسط، وقد زَاد هنا.

стр. 669

قال صاحب "الصّحاح": هو مُلحقٌ بالخماسي. وقيل: هو فارسي، أصله: "جِهنام" بكسر "الجيم" و"الهاء"، في قولهم: "ركية جهنام"، أي: "بعيدة" (١). قلت: فيمتنع، والعُجمة (٢). الحديث الرابع: [١٢١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٣). قوله: "عن عبد الله": أي: "روي عن عبد الله"، و"ابن عمرو" نعت لـ "عبد الله"، و"ابن العاص" نعت لـ "عمرو". "عن أبي بكر" يتعلّق بمُقدّر، أي: "أنه روي عن أبي بكر"، أو يكُون بدلًا عن "عبد الله"، فإن جعلته بدَلًا كان محلّ "أنه قال لرسول الله ﷺ " رفعًا مفعولًا لم يُسمّ فاعله؛ لأنّ البدَل يحلّ محلّ المبدَل [عنه] (٤). وإن قدّرت "أنه روي" كان جملة "أنه قال" مفعول به لـ "روي". و"لرسول الله ﷺ " يتعلّق بـ "قال". ومفعول "قال": جملة "علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي". و"علمني دعاء": جملة من فعل وفاعل [ومفعولين] (٥)، الفاعل ضمير

стр. 670

مستتر. و"علِّم" هذا يتعدّى لمفعولين، المفعول الثاني: "دعاءً" والمعنى: "حفِّظْني". ولو قال الشّيخ: "عن أبي بكر"، ولم يذكر عبد الله بن عمرو، كما جرت به عادته في الاقتصار على الرّاوي [الأخير] (١) لكَفَاه ذلك، كما عمل في الحديث الأوّل من الكتاب عن عُمر ﵁ ولم يذكُر علقمة الرّاوي عنه. قوله: "أدعو به": جملة في محلّ صفة لـ "دعاء"، والعائد: "به"، والضّمير يعود على "دعاء"، و"في صلاتي" يتعلّق بـ "أدعو"، ولا يتعلّق بـ "علمني"؛ لفسَاد المعنى، ولا بصفة لها لفسَاده أيضًا. [قوله] (٢): "قال: قل": فاعل "قال" ضمير يعود على "النبي ﷺ "، و "قل" معمُول للقول، و"اللهم" معمول للقول الثاني، وتقدّم الكلام على لفظ "اللهم" في الحديث الأوّل من "باب الاستطابة". و"إني": "إنَّ" واسمها وخبرها، وجملة "ظلمت نفسي"، و"ظلمًا" مصدر، و "كثيرًا" نعتٌ له، وبه حصلت الفائدة، لا بالمنعوت. قوله: "ولا يغفر الذّنوب إلا أنت": لما كان المعنى في غير النبي ﷺ : "ظلمت نفسي باكتساب الذّنوب"، جاء: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" توطئة لقوله: "فاغفر لي"، فـ "الفاء" فاء السببية. و"اغفر" لفظه لفظ الأمْر، ومعناها الدّعاء. و "إلا" إيجاب للنفي، [و"أنت"] (٣) فاعل "يغفر". والاستثناء مُفرغ (٤).

стр. 671

ولـ "إلّا" مواضع ستة: - ١ - تكون استثناء، كقولك: "قام القوم إلا زيدًا"، و "مررت بالقوم إلا زيدًا، فتنصب ما بعد "إلا" على الاستثناء (١). ٢ - وتكون نعتًا بمعنى "غير" (٢)؛ فيجري ما بعدها على ما قبلها، كما تجري "غير" إذا أردْت بها النعت (٣)، فتقول: "قام القوم إلا زيد"، و"مررت بالقوم إلا زيد"، فترفع وتخفض [ما] (٤) بعد "إلا" في الموجب؛ لأنها نعت بمعنى "غير"، كما تقول: "قام القوم غير زيد"، فترفع "غير" بعد [الموجب] (٥) إذا أردت به النّعت لا الاستئناف (٦)، قال الله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] (٧)، معناه: "غير الله". وقيّد ابنُ الحاجب هذا القسم في "إلا"، فقال: وتكون [صفة] (٨) إذا كانت تابعة لجمع منكور غير محصُور، كالآية. (٩)

стр. 672

قلت: وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرقدانِ (١) فرفع "الفرقدان" بعد "إلا" في الوا جب؛ لأنه جعلها نعتًا لـ "كل" بمعنى "غير" (٢)، وهذا كان في الجاهلية (٣). وقيل: "إلا" هنا بمعنى "الواو"، أي: "والفرقدان" (٤). ٣ - قال الهروي: وتكون "إلا" تحقيقًا وإيجابًا بعد الجحْد، كقولك: "ما قام القوم إلا زيد"، وكقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٦٦] (٥)، و"ما مررت بالقوم إلا زيد" و"ما في الدار إلا زيد"، و"ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا"، و "ما قُبض من زيدٍ إلا درهمٌ". فـ "إلا" في هذه المواضع تحقيق وإيجاب بعد الجحد. ٤ - وتكون بمعنى "لكن"، نحو قولك: "إنَّ لفلانٍ واللهِ مالا إلا أنه شقي"، معناه: "لكنه شقي". ومن كلام العرب: "ما نفعَ إلا ضرَّ، ولا زادَ إلا نقصَ"، تقديره: "لكن زادَ"، و"لكن نقصَ". ومنه قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ

стр. 673

الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣]، معناه: "لكن أنزلناه تذكرة لمن يخشى" (١). ٥ - وتكون "إلا" بمعنى "واو" النَّسَق، كقوله تعالى: ﴿شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة ١٥٠]، معناه: "والذين ظلموا منهم" (٢). ٦ - وتكون "إلا" بمعنى "إمَّا"، كقوله: "إمّا أن تكلمني وإلا فاسكت"، المعنى: "إما أن تكلمني وإما أن تسكت". إذا ثبت ذلك: فقوله "مغفرة" مصدر "غفر"، يقال: "استغفر الله لذنبه ومن [زلته]، (٣)، فغفر له مغفرة" و"غفرا" و "غفرانًا" (٤). قوله: "من عندك": يتعلق بصفة لـ "مغفرة"، و"ارحمني" معطوف [عليه] (٥)، وفائدة قَوله: "من عندك" وإنْ كان الكُلُّ من عند الله أنَّ فضل الله ومغفرته لا في [مُقابلة] (٦) عمل، ولا بإيجاب على الله تعالى. وتفيد "العندية" معنى القرب في المنزلة. قوله: "إنك أنت الغفور الرحيم": "إنك" "إن" واسمها، و "أنت" تأكيد للكاف، وموضعه نصب. ويحتمل أن تكون مبتدأ؛ فموضعه رفع، وخبره "الغفور"،

стр. 674

و"الرحيم" خبر بعد الخبر عند من يقول بتعدّد الخبر (١)، أو صفة للصّفة عند من يقول [بجواز] (٢) صفة الصفة (٣). ويحتمل أن تكون "أنت" فصلًا، فلا موضع له من الإعراب على رأي البصريين، وله موضع عند الكوفيين، فعند الفرّاء موضعه على حسب الاسم قبله، وعند الكسائي على حَسب الاسم بعده (٤). و"الغفور": "فعول" بمعنى "فاعل"، و "الرحيم" بمعنى "راحم"، ويزيدان لمعنى المبالغة والتكثير [بالنسبة] (٥) إلى مخلوقاته. وفي الكلام لَفٌّ ونَشْرٌ؛ [لأنّه] (٦) طلب المغفرة والرحمة [بقوله] (٧) "اغفر لي وارحمني"، وأثبت له سبحانه أنه الغفور الرحيم، فالتقدير: "اغفر لي إنك الغفور، وارحمني إنك الرحيم". (٨) وفي الكلام حذفٌ؛ لدلالة ما [تقدّم] (٩) عليه، فالتقدير: "ولا يغفر الذنوب إلا

стр. 675

أنت، ولا يرحم العباد إلا أنت"، فحذف " [ولا] (١) يرحم العباد" [لدلالة] (٢) " [وارحمني] (٣) ". ويحتمل أن يكون التقدير: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي، ولا يرحم العباد إلا أنت فارحمني". (٤) الحديث الخامس: [١٢٢]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا صَلَّى النبي ﷺ صلاة بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلَّا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي". وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٥). قوله: "ما صلى صلاة": "ما" نافية، و"صلى" تقدّم الكلام عليه في الحديث الخامس من "فضل الجماعة"، و"صلاة" مصدَره (٦) يتعدّى الفعل إليه، فإن ضمَّنت "صلى" معنى فعل آخر يتعدّى إلى مفعول به، كـ "أدّيت" و"قضيت" تعدَّى بنفسه، فيكون المعنى: "ما أدى صلاة أو قضاها". قوله: "بعد أنْ نزلَتْ": "أنْ" والفعل في محلّ جر بالإضافة إلى "بعد"، أي: "بعد نزول"، فـ "أنْ" هنا مصدرية، و"عليه" يتعلق بـ "نزلت"، و"إذا جاء نصر الله" فاعل

стр. 676

"نزلت" على الحكاية، والمراد: "جميع السورة". قوله: "إلا يقول": "إلا" إيجاب للنفي، و"يقول" في موضع الحال، أي: "إلا قائلًا"، وسيأتي الكلام على "إلا" إذا وقع بعدها الفعل، في الثّامن من "اللعان". و"فيها" يتعلّق بـ "يقول". و"سبحانك": اسم موضوعٌ موضعَ المصدر بإضمار فعل من معناه لا يجوز إظهاره (١)، وهو من الأسماء الملتزم فيها النصب على المصدرية. وذهب الكسائي إلى أنه مُنادى مُضاف (٢). ورُدَّ بأنه لم يُسمَع دخول حرف النداء عليه. ويُستعمَل مضافًا، كما في الحديث، ومفردًا منونًا، كقوله: سبحانه ثم سبحانًا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد (٣) فقيل: ضرورة (٤). وهو ممنوع من الصّرف للعَلمية، وزيادة الألِف والنون (٥). قال الشيخ أبو حيان: وزعم بعضهم أنَّ لفظه لفظ تثنية، [ومعناه] (٦) كذلك،

стр. 677

كـ"لبيك"، وهو غريب (١). و"الكاف" في "سبحانك" مفعول به، أضيف إليه. وأجاز بعضهم أن يكون فاعلًا؛ لأنّ المعنى: "تَنَزَّهْتَ". (٢) قوله: "ربَّنا": منادى محذوف حرف النداء، أي: "يا ربنا"، ويجوز فيه الخفض والنصب على البَدَل من "الكَاف"؛ لأنها في محلّ نصب، [ولذلك] (٣) يجوز في قوله: "سُبحانك اللهم ربِّنا" الوجْهَان. قوله: "وبحمدك" أي: "وبحمدك استعنت"، فيتعلَّق حرفُ الجر بـ "استعنت" المقدر، وتكون "الباء" للاستعانة، ويحتمل أن تكون "الباء" سببية، أي: "بحمد الله سبَّحتُ". قال الشيخ تقيّ الدّين: ويكون المراد بالسبب هنا: "التوفيق والإعانة على التسبيح واعتقاد معناه". ومثله قول عائشة ﵂: "بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِكَ" (٤)، أي: "وقع هذا بسبب حمد الله"، أي: "بفضله وإحسانه وعطائه" (٥). وأما قوله في السّورة: "فسبح بحمد ربك": فقال الشّيخ تقيّ الدّين: فيه وجهان: - أحدهما: أن يكون المراد "أن يُسبّح بنفس الحمد"، لما يتضمّنه "الحمد" من معنى "التسبيح" الذي هو "التنْزيه"؛ لاقتضاء "الحمد" نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى وحده، وفي ذلك نفي الشَّرِكة.

стр. 678

الثاني: أن يكون المراد: "فسبح متلبسًا بالحمد"، فتكون "الباء" دالة على الحال، وهذا يترجّح؛ لأنّ النبي ﷺ قد سبّح وحمد بقوله: "سبحانك وبحمدك". وعلى القول الأول: يكتفي بـ "الحمد" فقط، وكان تسبيح رسُول الله ﷺ على هذا الوجْه دليلًا على ترجيح المعنى الثّاني (١). قال ابن هشام: اختلف في "الباء" في قوله: "فسبح بحمد ربك"؛ فقيل: للمُصاحبة، و "الحمد" مضاف إلى المفعول، أي: "سبِّحه حامدًا له"، أي: "نزِّهْه عما لا يليق به، وأثبت له ما يليق به". وقيل: للاستعانة، و"الحمد" مضاف إلى الفاعل، أي: "سبّحه بما حمد به نفسه"، إذْ ليس كل تنْزيه حمدًا، ألا ترى أن تنْزيه المعتزلة أفضى إلى تعطيل كثير من الصفات. واختُلف في "سبحانك اللهم وبحمدك": فقيل: جملة واحدة، على أن "الواو" زائدة. وقيل: جملتان، على أنها عاطفة. ومتعلّق "الباء" محذوف، أي: "وبحمدك سبّحتُك". وقال الخطابي: المعنى: "وبمعونتك التي هي نعمة توجب عليّ حمدَك سبَّحتُك، لا بحولي وقوتي". يريد: "أنه أقيم فيه المسبَّبُ مقام السبب" (٢). وقال ابن الشجري في قوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٥٢]: "الباء" متعلّقة بحال محذوفة، أي: "معلنين بحمده" (٣). وتقدّم الكلام على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة". * * *

стр. 679

باب الوتر [الحديث الأوّل] (١): [١٢٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر، مَا ترَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى، مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى". وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا". (٢) جملة "سأل رجل" معمولة للقول، وتقدّم القول على "سأل" في الحديث الثاني عشر من "باب صفة صلاة النبي ﷺ ". و"النبي" مفعول بـ "سأل". وجملة "وهو على المنبر": في موضع الحال من "النبي ﷺ ". و"ما ترى": "م" ههنا استفهام في موضع نصب بـ "ترى"، أيْ: "أيَّ شيء ترى؟ ". و"ترى" من الرأي؛ فيتعدّى لواحد، وهو "ما"، والجملة مفعول لـ "سأل". ومتى كان المفعول اسم استفهام، أو اسم شرط، أو "كم" الخبرية وجَب تقديمه (٣). وتقدّم أن "سأل" - وحكمها حُكم أفعال القُلوب - تُعلَّق عن العمل بالاستفهام، وإنما كان ذلك؛ لأنها سبب العلم، فأجرى السّبب مجرى المسبَّب (٤)، قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠].

стр. 680

قوله: "قال: مَثْنَى مثنى": خبر مبتدأ، أيْ: "هي مثنى"، و "مثنى" الثاني تأكيد للأوّل، ولو اكتفى بأحَد اللفظين أجزأ عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ولكنه أكَّد، كقولك: "ضربتُ زيدًا زيدًا"، فجَمَع بين الاختصار في العَدل، والتأكيد بالتكرار، والله أعلم. وهو لا ينصرفُ للعَدْل الحقيقي عن اثنين اثنين، وللصّفة (١). وأجاز صرْفه الفرّاء، وصرَفَها الخليل وأبو عمرو إذا كانت نكرات، وأنشَدُوا [على ذلك] (٢): وَإنَّ الغُلامَ المُسْتَهَامَ بذِكْرِهِ ... قَتَلْنَا بِهِ مِنْ بين مَثْنًى وَمَوْحَدِ (٣) أي: "الذي يستهام بذكْره". وقيل: هذا شاذ، لا يقاس عليه. والمنع أولى. واختلف في علّة منع الصّرف: فمذهب سيبويه ما تقدّم. وقال الفراء: يمتنع للعَدل والتعريف بنية "ال". وقال الزَّجَّاج: والمنع؛ لأنها معدولة عن مؤنث؛ لأنّ الأصل: "اثنين اثنين"، و "ثلاثة ثلاثة"، و"أربعة أربعة"، وهذه كُلها مؤنثات. وقيل: المنع؛ لتكرار العَدل؛ لأنّه عدل عن لفظ "اثنين" وعن معناه؛ لأنه لا يُستعمل في موضع يُستعمل فيه الأعدَاد غير المعدولة؛ ولهذا تقول: "جاءني اثنان"، ولا تقول: "جاءني مثنى"، حتى يتقدّمه جمع؛ لأنّه وأخواته جعل بيانًا لترتيب الفعل، فإذا قلت: "جاءني القوم مثنى"، أفاد أنّ ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة فإن الغرض منها إنما هو الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره، فقد بان اختلافهما في المعنى. وذكر أبو حيان وجوهًا أخرى في العدل. وهذه الألفاظ إنما تأتي أخبارًا كما

стр. 681

جاءت هنا، أو أحوالا كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء ٣]، فـ "مثنى" حال من "ما" وهو الصحيح، وقيل: حال من النساء. وتأتي صفات نحو قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [فاطر ١] (١). قوله: "فإذا خشي الصبح" فاعل "خشي" مقدر مفهوم، أي: خشي أحدكم الصبح، وهنا محذوف آخر تقديره: إذا خشي أحدكم على وتره ظهور الصبح. قوله: "صلى واحدة" جواب "إذا"، وهو العامل فيها عند الأكثرين، وقيل: فِعلُها إنْ قدرتها شرطًا عاملًا في الفعل (٢). وتقدّم الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها والعامل فيها في الحديث الثّاني من الأوّل. قوله: " [واحدة] (٣) ": أي: "صلى ركعة واحدة". وتقدّم أنّ "صلى" يتعدّى إلى مصدر هو ظرفه، أو يتضمّن معنى ما يتعدّى إلى مفعول. وتقدّم ذكر المواضع التي لا يجوز فيها حذفُ الموصوف، في الثّاني من "باب التيمم". قوله: "فأوترَتْ": "الفاء" سَببية، أي: "صلى واحدة فصلاتها أوترت ما صلى"، فالمقدَّر مبتدأ، وجملة "أوترت" خبره. ويحتمل أن تكون "أوترت" في محلّ "توتر"، فأوقَع الماضي موضع المستقبل، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١]، وفي ذلك تحقيق للحُكم. و"ما" موصُولة، وجملة "صلى" صِلتُها، والصِّلة والموصُول في محلّ مفعول "أوترت"، والعائد محذوف، تقديره: "أوترت ما صلاه"، والفاعل مستتر يعود على

стр. 682

"المصلِّي"، ويقدَّر قبل العائد، ولا يقدَّر بعده، لأنّ العائد هو آخر ما يأتي من الصّلة. قوله: "وإنه كان يقول": معطوفٌ على معمول متعلّق حرف الجر، أي "روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: سأل رجل عن صلاة الليل، فقال: مثنى". و"إنه (١) قال" اسم "إنَّ"، واسم "كان"، وفاعل "قال" (٢) ضمائر "النبي ﷺ "، أي: "وإنَّ النبي كان يقول بعد قوله: مثنى مثنى"، أو قال ذلك في وقت آخر؛ فرواه ابن عمر عنه. قوله: "اجعلوا آخِر صلاتكم بالليل وترًا": تقدّم الكَلام على "جعل" في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، و "جعل" هنا بمعنى "صيَّر" يتعدّى إلى مفعولين (٣). و"آخِر" بكسر "الخاء"، ضد "الأوّل" (٤)، وليس هو من باب "أفعل" التفضيل، وسيأتي في الثّالث من "باب العيدين"، والعاشر من "الجهاد". الحديث الثاني: [١٢٤]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ ﷺ ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْل، وَأَوْسَطِه، وَآخِرِه، فانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ" (٥). قوله: "من كلِّ الليل": يتعلّق بما بعده، وهو "أوتر". وتقدّم أن تقديم المعمول على عامله يقتضي الحصر (٦). قوله: "في أول الليل وأوسطه وآخره": بدَلٌ من "كلِّ الليل"، بدَلُ مُفرَّقٍ من

стр. 683

مجموع؛ لأنّ أوّله وأوسطه وآخره "جميع الليل". وتقدم الكلام على "أوَّل" في الحديث الأول. وجاء هنا: "وأوسطه"، والمراد: "الوسط". وقد جاء "أوسط" بمعنى "خيار" في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم ٢٨]، أي: "خيارهم" (١)، وجاء "الوسط" بمعنى "الخيار" أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] (٢). وقد يجيء "الأوسط" عبارة عن "جملة [التوسط] (٣) بين اثنين". و"الوسط" عبارة عن "نقطة النصفين". ويأتي ذكر "الوَسَط" و "الوَسْط" بالسّكون والتحريك (٤) في التاسع من "الجنازة". ولو قال: "من أوّله وأوسطه" جاز، لكنّه لما طال الفصل أعاد اللفظ بعينه. قوله: "فانتهى وتره إلى السحر": أي: "فانتهى فعل وتره إلى وقت السَّحر". و "سَحَر" إذا أريد به "سحر" يوم بعينه امتنع من الصّرف؛ للتعريف والعَدل عن الألِف واللام (٥). و"إلى" حرفُ جر، ومعناها: انتهاء الغاية، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ

стр. 684

الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. وتأتي للمُصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: "مُضَافة إلى أموالِكم". وتأتي لموافقة "في"، كقوله: لا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلى به القار أجرب (١) وتكون للتبيين، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]. ولموافقة "اللام"، كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]. ولموافقة "من"، كقوله: تقولُ وقد عاليتُ بالكورِ فوقَها ... فتُسْقَى فلا يُروَي إليَّ ابنُ أحمرا (٢) أي: "مِنِّي". [وأجاز الفرّاء] (٣) زيادتها، ومنه قوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أي: "تهواهم". وتأتي لموافقة "عند" (٤)، كقول الشاعر: أم لا سبيل إلى الشباب ورده ... أشهى إليّ من الرحيق السلسل (٥)

стр. 685

وقد تقدّم الكَلام على "من" في الحديثِ العَاشر من أوّل الكتاب. الحديث الثالث: [١٢٥]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا". (١) تقدّم الكلام على الأعْدَاد، وبناء اسم الفاعل منها في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة". وجملة "كان رسول الله" معمولة للقول، والقول في محلّ معمُول متعلّق حرف الجر، وجملة "يصلي من الليل" في محلّ خبر "كان". و"ثلاث عشرة ركعة": عَدَد لاسم مصدر، وهو: "الركوع"، يقال: "ركع ركوعًا"، و "ركع ركْعة" (٢). و"صلى" يتعدّى إلى مصدره، واسم مصدره، وهو هنا بمعنى: "ركع"، وبهذا الاعتبار يكُون "يُصلي" يتعدّى إلى عَدَد المصدر. و"ثلاث عشرة": من الأعدَاد المركّبة، المبنية؛ لتضمّنها حرف العَطف (٣)، وتقدّم الكَلام عليها في "باب صفة الصّلاة". قوله: "يُوتر من ذلك": أي: "منها"، فأوقع اسم الإشارة موقع الضّمير؛ لأنه إشارة إلى العَدَد، والإشارة فيها تنصيص، بخلاف المضمَر.

стр. 686

وجملة "يوتر" يحتمل أن تكون خبرًا بعد الخبر، ويحتمل أن تكُون حالًا مُقدّرة. قوله: "لا يجلس إلّا في آخرها": جملة منفيّة في محلّ صفة لـ "خمس". و"لا" نافية، وتقدّم الكلام على "شيء" في الثّاني من "باب المرور"، وهنا ضمير عائد على الموصوف، تقديره: "في شيء منها"، فـ "منها" تتعلّق بصفة لـ"شيء". قوله: "إلا في آخرها": هذا الاستثناء مُفرغ؛ لأنّ حرف الجر يتعلّق بـ "يجلس". وجاز تعلّق حرْفي جرٍّ من جنس واحد بعَامل واحد؛ لأنّ ذلك على طريق البدَل، نحو: "لا أمرُّ بأحَدٍ إلا بزيد"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة ٢٥٥] (١). وهذا الحديث يُعارضه قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" (٢)، فيُحمَل على بيان الجواز (٣)، أو نقول: هو مخصوصٌ بغيره من الأحاديث. والله أعلم. وإذا جعلنا الاستثناء مُتصلًا، وقدّرنا الضّمير في قوله: "إلّا في آخرها" عائدًا على "آخر [كُل] (٤) ركعتين من جملة الصلوات": انتفى دَليل التنفل بواحِدة (٥)، ودليل جلوس الاستراحة، ولم تقَع مُعارَضَة بين الأحاديث. والله أعلم. * * *

стр. 687

باب الذّكْر عقيب الصّلاة الحديث الأوّل: [١٢٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلا بِالتَّكْبِيرِ" (٢). قوله: "عن عبد الله": يحتمل أن يكُون إلى آخر الحديث في محلّ خبر عن "الحديث" على الحكاية، ويكُون "الأوّل" [نعتًا] (٣) للحَديث. ويحتمل أن يكون "الحديث" خبر مبتدأ محذوف، التقدير: "هذا الحديث الأول". أو "الحديث" مبتدأ، والخبر محذوف، أي: "من أحاديثه الحديث الأوّل". وقد تقدّم في أوّل الكتاب ما يُغني عن إعادته. قوله: "رفْعَ الصّوت": اسم "أنَّ"، ومُضاف إليه، وهما مصدَران، الأوّل مُضاف إلى مفعوله. و "بالذّكْر" يحتمل أن يتعلّق بـ "رفْع"، ويحتمل أن يتعلّق بـ "الصّوت"، ويجري فيه الخلاف الذي في التنازُع (٤). و"حين": مُضافٌ إلى فعل مُعرب، وتقدّم الكلام عليه في الخامس من "صفة الصّلاة". وهو ظرفُ زَمَان، العامل فيه: "رفْع"، أو "الصوت"، أو يكون العَامل فيه:

стр. 688

خبر "كان" مُتقدّمًا عليها، والتقدير: "أنّ رفع الصّوت كان مُستقرًا حين ينصرف"؛ فيعمل فيه استقرار [مُقدّر] (١). و"كان" واسمها وخبرها في محلّ خبر "أنّ". و"على عَهْد" يتعلّق بـ "كان" على القَول بعمل الأفعال الناقصة في الفضلات (٢). ويحتمل أن يكُون خبر "كان": "على عَهْد رسُول الله"؛ فيتعلّق حرف الجر بالاستقرار المقدّر، ويكون "حين" في محلّ حال من ضَمير الاستقرار، أيْ: "كان مستقرًا على عهد رسول الله حين ينصرف الناس". وفيه ضعف؛ لأنّ الحال لا يتقدّم على عاملها المعنوي (٣). ويحتمل أن تكون "حين" في محلّ خبر "أنّ"، والتقدير: "أنّ رفْع الصوت بالذكر استقر حين"، ويكون "كان" بدَلًا منه، والبدَل مُبيِّن للمُبدل منه. ويحتمل أن يتعلّق "حين" بـ "الذّكْر" ويبقى الخبر في قوله: "كان" وما بعده. ويحتمل أن يكُون "الذّكْر" مُتعلقًا بحَال من "رفْع الصّوت"، فيتعلّق بالاستقرار، وتكون "كان" في محلّ خبر "أنّ". وجملة "كنتُ أعْلَم" في محلّ معمول القول. وخبر "كان": "أعْلَم" وفاعله. ومفعُوله محذوف، أي: "كنت أعلم انصراف

стр. 689

النّاس إذا انصرفوا بذلك". فـ "بذلك" يتعلّق بالمحذوف، أي: "أعلم الانصراف بذلك". وجوابُ "إذا" الأولى محذُوف يدلّ عليه: "أعلم"، التقدير: "إذا انصرفوا علمت ذلك". و"إذا" الثانية يصحّ أن تكون بدَلًا من الأولى، والعامل فيهما واحد. ويحتمل أن تكُون "إذا" الثّانية بمعنى "الوقت"، لا شرط فيها، والعَامِل فيها جَواب "إذا" الأولى. ويحتمل أن تتعلّق "بذلك" بـ "أعلَم"، ولا تتعلّق بـ "انصرفوا"؛ لفسَاد المعنى. قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو "جاء في لفظ"، فيتعلّق به حرف الجر، وتكون الجملة بعده محكيّة، إمَّا في محلّ مفعول مرفوع (١)، أو فاعل، على اختلاف التقديرين. و"ما" نافية. و "كنا": "كان" واسمها. وتقدّم ذكر هذا التركيب في الخامس من "باب جامع". و"نعرف" في محلّ الخبر، و"انقضاء" مفعولُ "نعرف"، وهو مصدَر مُضَاف إلى الفاعل. و"إلّا" إيجابٌ للنفي. و "بالتكبير" يتعلّق بـ "نعرف"؛ فيكون الاستثناء مُفرغًا.

стр. 690

الحديث الثّاني: [١٢٧]: عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ في كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيةَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (١). وَفِي لَفْظٍ: "وكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَال، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَات، وَوَأْدِ الْبَنَات، وَمَنْعِ وَهَاتِ" (٢) قوله: "مَولى المغيرة": "المغيرة" بضم "الميم" وكسرها إتْباعًا للعَين، و"مولى" بدَل، أو عطف بيان. و"شعبة" لا ينصرف؛ للعلمية والتأنيث. وفاعل "قال": ضميرُ "وراد". و"المغيرة" فاعل: "أمْلَى". و"عليّ" يتعلّق بـ "أمْلَى". ويُقال: "أملَّ" لأهل الحجاز وبني أسد، و"أملَى" لبني تميم. وأصله في اللغة الإعادة. وقيل: "الياء" في "أمليتُ" بدَل من "اللام"؛ لأنها أخفُّ (٣). قوله: "في كتاب": يتعلّق بـ "أملى". و "إلى معاوية" يتعلّق بصفة لـ "كتاب". قوله: "أنّ النبي ﷺ ": في محلّ مفعول بـ "أملى" على الحكاية. قوله: "وكان يقول": جملة في محلّ خبر "أن"، و"يقول" خبر "كان". و"في دبُر" يتعلّق بـ "يقول"، ويجوز ضم "الباء" وتسكينها (٤).

стр. 691

و "مكتُوبة" نعتٌ لـ"صَلاة". وتقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وعلى "لا إله إلا الله" في الحديث الأوّل من "باب التيمم". و"وَحْدَه": حَالٌ مؤكّدة، وتُؤَوَّلُ بـ "مُنفَرد"؛ لأنّ الحَال لا يكُونُ معرفة (١). قوله: "لا شريك له": حالٌ ثانية مُؤكّدة لمعنى الأولى. و"لا" نافية. و"شريك" مبني مع "لا" على الفتح. وخبرُ "لا": مُتعلّق "له". قوله: "له الملك": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر في المجرور. وكذلك: "له الحمد"، وكذلك: "وهو على كُلّ شيء قدير"، كُلّها جمل حاليّة. ومَن منع تعدّد الحال (٢) جَعَل "لا شريك له" حَالًا من ضَمير "وحْده" المؤوّل بـ "مُنفرد" (٣)، وكذلك: "له الملك" حالٌ من ضَمير المجرور في "له"، وما بعد ذلك معطُوفات. قوله: "اللهم": تقدّم في أوّل "باب الاستطابة". و"لا مانع" اسم نكرة مبنيٌّ مع "لا"، وخبر "لا" الاستقرار المتعَلّق به المجرور، أو يكُون الخبر محذُوفًا وجُوبًا على لُغَة بني تميم، ووافَقهم كثير مِن الحجازيين، فيتعلّق حرف الجرّ بـ "مانع".

стр. 692

قيل: فيجب نصبه وتنوينه؛ لأنّه مُطول (١). والرّواية على بنائه من غير تنوين، فيُتمحَّل له بأنْ يعلَّق بخبر لـ "مانع" محذوف، أي: "لا مانع لنا لما أعطيت"، فيتعلّق بالكَون المقَدّر، لا بـ "مانع"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [لأنقال: ٤٨]. ويحتمل أن يكون أصله: "لا مانعًا" بالتنوين، ثم حذف التنوين بعد أن أُبدل منه "ألِف"، ثم حذفت "الألِف"؛ فصار على صُورة المبني. ويجوز أن يكُون "لما أعطيت" في محلّ صفة لـ "مانع"، والخبر محذوف. ويحتمل أن يُقدّر: "لا مانع لما أعطيت يمنع"، فيتعلّق بـ "يمنع"، ويكون "يمنع" خبر "لا" على إحْدَى اللغتين. واختار الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] أن يكون "اليوم" معمول بـ "تثريب" (٢). ورَدَّ عليه الشّيخ أبو حيّان لأجْل الفصل بين المصدَر ومعموله بـ "عليكم"، وهو إمّا خبر أوصفة، وأيًّا ما كان فلا يجُوز، وكان يلزَم تنوين "تثريب" (٣). والقول في "ولا مُعطيَ" مثله. و"ما" موصُولة، وجملة "أعطيتُ" صِلتها، والعائد محذوف، أي: "لما أعطيته".

стр. 693

قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد": "ذا" مفعول بـ "ينفع"، وعلامة نصبه "الألِف". و"منك" يتعلّق بـ "ينفع"، أي: "من عذابك". قال الشّيخ تقيّ الدّين: الذي ينبغي: أن يُضمَّن "ينفع" معنى "يمنع" أو ما يُقاربه. ولا يعُود "منك" إلى "الجد" على الوجْه الذي يُقال فيه: "حَظِّي منك كثيرٌ أو قليلٌ"، بمعنى: "عنايتك بي" أو "رعايتك لي"، فإنّ ذلك نافع (١). انتهى. وإنما قال ذلك: لأنّ العناية من الله تعالى تنفع، ولا بُدّ. وأمّا "الجدُّ" الثّاني: فإنه فاعل "ينفع"، أي: "لا ينفع صاحب الحظِّ من نزول عذابك حظُّه، وإنما ينفعه عمله الصالح"، فالألِف واللام في "الجد" الثّاني عوض عن الضّمير، وقد سَوّغ ذلك الزّمخشري، و [كذا] (٢) اختار كثير من البصريين والكوفيين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. (٣) قوله: "ثُم وفدتُ بعدُ على مُعاوية": الفاعلُ ضَمير "وَرَّاد" راوي الحديث. و "بعد": ظرف زمان، مبني على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، والعامل فيه: "وفدت". وسيأتي الكلام على قولهم: "أمّا بعد" في الحديث الأوّل من "باب الشّروط في البيع". قوله: "فسمعته يأمُر النّاس بذلك": أي: "سمع وَرَّادٌ معاويةَ يأمرُ الناس بالذِّكر المتقدّم". والكَلام على "سمع" تقدّم في أوّل حديث من الكتاب، وتقدّم الكلام على "أَمَر" في أوّل حديثٍ من "باب السواك". قوله: "وفي لفظ: كان ينهى": أي: "وجاء في لفظ"، فيتعلّق حرف الجر بـ "جاء"، أو بـ "روي". وجملة "كَان ينهى" في محلّ الفاعِل على الحكَاية، والتقدير:

стр. 694

"يُروَى في لفظ أنّ النبي ﷺ كان ينهى عن ذلك". قوله: "عن قيل وقال": يُروَى بجرِّ "قيلٍ" و"قالٍ"، وتنوينهما، ويُروى ببنائهما على الفتح على وضعهما وحكايتهما كما يقوله القائل. والتنوين والجر فيه إعراب؛ لأنّه بدخُول حرف الجر عليهما صارا أشْهر، فيجران كغيرهما، كما لو سَمّيت بـ "سار" منقُولًا من "سار"، و "أحمد" إذا نكّرتهما. قال ابنُ الأثير في "جامع الأصول": قال أبو عبيد في "قيلٍ" و "قالٍ": [نحوٌ] (١) وعربيةٌ، وذلك أنّه جعل "القال" مصدرًا، كأنه قال: "نهى عن قيلٍ وقولٍ" (٢). قال ابنُ الأثير: "قولًا" و "قالًا" و"قيلًا" بمعنى. قال غيره: لو كان هذا لقلَّت الفائدة؛ لأنَّ الثاني هو الأوّل، لأنهما إذا كانا بمعنى واحدٍ، فأيّ معنى للنهي عن شيءٍ واحد بلفظين؟ ! والأحسَن أن يكون على الحكاية، فيكُون النهي عن "قيلَ" فيما لا يصحّ ولا يُعلم حقيقته، فيقول المرء في حديثه: "قيل كذا"، كما جاء في الحديث الآخر: "بِئْسَ مَطيّةُ الرّجُلِ: زَعَمُوا" (٣). وإنما كان النّهي عن ذلك لإشغال الزّمان في التحدّث بما لا يصحّ ولا يجوز. ويكُون النّهي عن "قال" فيما يشكّ في حقيقته وإسناده إلى غيره، لأنّه يشغَل الوَقت بما لا فائدة فيه، بل قد يكُون كَذبًا، فيأثم، ويضر نفسه وغيره. أمَّا من تحقّق الحديث ويتحقّق مَن يُسنده إليه مما أباحَه الشّرع؛ فلا حرَج في

стр. 695

ذلك" (١). هذا معنى الكلام. والله أعلم. قوله: "وإضَاعَة المال": يعني "فيما لا يحلّ". وكذلك: "كَثرة السّؤال". ويُقال: "كِثرة" بكسر "الكاف" على قِلَّة، قال في الصحاح: لُغَة رديئة (٢). و"إضَاعَة" مصدَر مُضاف إلى المفعول، و"كَثْرة" مثله. قوله: "وكان ينهى عن عُقوق الأمّهات": جمع "أمهة"، قال الشّاعر: ....................... ... أُمَّهَتي خِنْدِفُ، وإلياسُ أَبي (٣) إلا أنّ "أمهة" لمن يعقل، [و"أمّ"]، (٤) لمن يعقل ولمن لا يعقل (٥). واسم "كان" مستتر فيها، وخبرها في جملة "ينهى"، والجملة كُلّها معطوفة على ما قبلها. يُقال: "عقَّ"، "عقوقًا" و"معقَّة"، فهو "عاقّ" و"عُقَق"، مثل "عامر" و "عمر". والجمع: "عققة"، مثل "كفرة". و"أعقت الفرس" إذا "حملت"، فهي "عقوق"، ولا

стр. 696

يُقال: "مُعق" إلّا في لُغة رديئة، وهو من النّوادر، والجمع: "عُقُق" مثل "رسُول" و"رُسُل" (١). و"وَأْدِ البنات": معطوفٌ عليه، و"البنات" جمع "بنت"، وقد تقدّم في أوّل حديث من "الحيض". قوله: "ومنع وهات": يحتمل أوجُهًا، منها الكسر في "منع" والتنوين، والكسر بلا تنوين، والفتح مع التنوين، والفتح بلا تنوين. فأمّا الكسر مع التنوين إذا ثبت رواية: فالقول فيه كالقول في "قيل وقال". وأمّا الكسر بلا تنوين: فعلى نية مُضاف، أي: "ومنْع خير" أو "إحسان"، ثم حذف المضَاف إليه. وقد وُجد كثيرًا، [ومنه] (٢): ....................... ... بين ذراعي وجبهة الأسد (٣) وأمّا الفتح بلا تنوين: فوجَّهها ابنُ مالك في حديث: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَات، وَوَأْدَ البَنَات، وَمَنَعَ وَهَاتِ" (٤) بوجهين: - أحدهما: أن يكون الأصل: "ومنعًا" بالتنوين، ثم استعمل فيه اللغة الربيعية، فإنهم يقفُون على المنوَّن المنصوب بالسّكون (٥)، فلا يحتاج الكاتب على لُغتهم إلى "ألِف"؛ لأنَّ مَن أثبتها في الكتابة لم يُراع إلَّا جانب الوقْف، فإذا كان يحذفها في

стр. 697

الوقْف كما يحذفها في الوصْل لزمه أن يحذفها خطًّا في "منع" لهذا. والوجْه الثاني: أنّ تنوين "منعًا" أُبدِل واوًا، وأدغِم في "الواو"، فصار اللفظ بـ "عين" تليها "واوٌ" مشدّدة، كاللفظ "يعوّل" وشبهه، فجُعلت صُورة الخط مُطابقة للَّفظ، كما فُعل بكَلِمٍ كثيرةٍ في المصحَف. ويحتمل أن يكُون الأصل: "ومنع حَقّ"، فحذف المضَاف [إليه] (١) (٢). ويتخرّج النّصب في الحديث هنا إن ثبت روايةً على تقدير فِعْلٍ، أي: "وحرَّم منعًا وهاتِ"، أو على أنّه مفعول معه، أي: "نهى عن كذا مع نهيه عن كذا". وينظر إلى التقدير الأوّل قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، إذ التقدير: "أمدح المقيمين" (٣). وذكر فيه أوجُه أُخَر. و"هات" على أصله في الكَسر، ولا يُستعمَل إلا هكذا، بكسر "التاء" للمُذكّر والمؤنّث. قال ابنُ مالك: "هات" فعل أمر، وليس باسم فعل، كما قال الفارسي والزّمخشري، بدليل اتصال الضّمائر بها في قولك: "هاتا"، و"هاتوا"، و"هاتي" (٤). قال غيره: وللمرأتين: "هاتيا"، كالمذكرين، وللنساء: "هاتين"، مثل "عاطين" (٥). ولا يُقال منه: "هاتيتُ". ولا يُنهى بها، لا يُقال: "لا تهات"، وهذا

стр. 698

راجعٌ إلى السّماع (١). الحديث الثالث: [١٢٨]: عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ به مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً". قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ لك: "تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". فَرَجَعْتُ إِلَى أبِى صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ. (٢) قوله: " [مولى] (٣) أبي بكر": بدَلٌ، أو عطْف بيان من "سُمَي". وذُكر في الحديث "سُميّ" و"أبو صالح السمان" و "أبو هريرة"، وكان ذِكرُ "أبي هريرة" يغني عند الاختصار، إلا أنّه ذَكَرهم لأنّ لهم ذِكْرًا في الحديث، والتقدير:

стр. 699

"رُوي عن سُمَي أنّه رَوى عن أبي صالح ما رواه أبو هريرة". قوله: " [أنّ] (١) فُقراء المسلمين": في محلّ نصب، مفعول بفعل مُقدّر، أيْ: "رُوي عن سُمَي أنّه رَوى عن أبي صالح. . .". و"عن أبي هريرة" بدَلٌ من "عن أبي صالح"، أو يتعلّق بفعل مُقدّر بـ "أن" مثل ما تقدّم، أي: "أنه روي"، كما تقدّم من إعراب ذلك. و"فقراء المهاجرين" أو "المسلمين" من باب إضافة الصّفة إلى موصُوفها، أي: "الفقراء المسلمين"، فيُتأوَّل بأنْ [يُقال] (٢): "فقراء الجماعة المسلمين". قوله: "أتَوْا رسُول الله ﷺ " جملة في محلّ خبر "أن". قوله: "فقالوا": معطوفٌ على "أتوا". وجملة "قد ذهب": مفعولُ القول، وتقدّم القول على "ذَهَبَ" في الثّاني من "باب الاستطابة". و"أهلُ": فاعل "ذَهَب". ويجمع على: "أَهْلات" و "أَهَلات"، و"أهالي" زادوا فيه "الياء" على غير قياس (٣). قوله: "الدُّثور": هو جمع "دَثْر"، و "الدَّثْر": "المال الكثير"، و "الدُّثور" أيضًا: "الدُّروس"، يُقال: "دَثَر الرسْم"، و "تداثر". و "الدَّثور" بالفتح: "الرجُل الخامل، النؤوم" (٤). قوله: "بالدرجات": يتعلّق بـ "ذهب".

стр. 700

و "العُلَى" تأنيث "أعلى"، صفة للدّرجات. وفي الحديث: "إنَّ أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما ترون الكوكب [الدُّريّ] (١) في أفق السماء" (٢). قيل: "عليون" اسم للسّماء السّابعة، وقيل: لديوان الملائكة الحفَظة، تُرفع [إليه] (٣) أعمال الصالحين. وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرفها وأقربها من الله في الدّار الآخرة (٤). ويُعرَب بالحروف والحركات. وأمّا "العلى" بمعنى: "المنزلة" و "الرفعة"، نحو قول ابن دريد: . . . . . . قَالَ الْعُلَى ... بفي امرئ فآخركم عَفْرُ الْبَرَى (٥) فهو جمع "العَلاء" بالفتح (٦). وتُليت بـ "الألِف" عند البصريين؛ لانقلابها عن "الواو" في قولهم: "علوت"، وبـ "الياء" عند الكوفيين؛ لضم أوّله. وتقدّم في [الثّالث] (٧) من "السّواك" [الكَلام] (٨) على "الرّفيق الأعلى" بزيادة بيان في الفرق بين "عُلَى" و"أعلى".

стр. 701

قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "وما ذاك": "ما" استفهامية مبتدأ، و"ذاك" الخبر، و"الكاف" للخطاب، وحقّها في خطاب الجماعة بـ "الكاف والميم" (١). والجواب: أنّه أراد خطاب واحد منهم؛ لأنّ الكلام قد يكُون من واحد لمصلَحة جماعته (٢). وجملة: "يصلُّون" معمُولة للقول، و"كما نصلي" تقدّم أنّ "ما" مصدَريّة، والكاف نعت لمصدر محذوف عند الفارسي (٣) وموافقيه، واختار ابن مالك أن تكون حالًا من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: يصلون الصلاة في حال كونها مثل ما نصلي (٤). قوله: "ولا نتصدق"، "ولا نعتق": أي: "ونحن لا نتصدق"، فتكون الجملة في محلّ خبر مبتدأ محذُوف، كما تقدّم. قوله: "أفَلا": "الفاء" عاطفة، وكان حقّها أن تكُون مُتقدّمة على "همزة" الاستفهام، إلا أنّ الاستفهام له الصَدْر. وقيل: "الفاء" زائدة مُؤكّدة. وقيل (٥) في مثل هذا: يُقدَّر محذُوف من معنى الجملة قبلها [يعطف] (٦) عليه، فيكون التقدير هنا: "إذ قلتم ذلك فأُعَلِّمُكم". و"أَلَا" حرفُ عَرْض (٧). ويأتي الكَلام على "الفاء" بعد الاستفهام في الحديث [الثّالث] (٨) من "كتاب النّكاح"، وتقدّم الكلام على "أَلَا" في

стр. 702

الثّاني من "التشهد". و"أُعلِّم" يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما الضّمير المتصل، والآخر: "شيئًا"، وتقدّم الكلام على [شيء] (١) في الثّاني من "باب المرور". قوله: "تُدركُون به مَن سَبقكم": "تدركُون" فعل مضارع وفاعل، و"النون" علامة الرفع. والجملة في محلّ صفة لـ "شيء"، والعائد الضّمير في "به". و"مَن سَبقكُم" في محلّ مفعول "تُدركُون". و"مَن" موصُولة بمعنى "الذي"، ولفظها مُفرد، ومعناها الجمع، أي: "الذين سبقوكم". ولو قال: "من سبقوكم" صحَّ، لكنه أعاد على اللفظ. وجملة "وتسبقون" معطُوفة على "تُدركُون"، والعائدُ محذوف، أي: "وتسبقون به". قوله: "مَن بعدكم" أي: "مَن يأتي بعدكم". قوله: "ولا يكُون أحَد أفضَل منكُم": يحتمل أن يكُون في محلّ حال من ضمير "تسبقون"، [ولكنها] (٢) جاءت بـ "الواو" (٣)، وقد تجيء الحال المنفيّ بـ "لا" كالمثبت في قلّة مجيئه حالًا بـ "الواو". فالأصحُّ أنّه خبر مبتدأ محذوف، [وهو] (٤) عند ابن عصفور بخلاف المثبت، أي أنّه يجيء بـ "الواو" فصيحًا. وتقدّم الكلام على "لا" وأقسامها في الثّاني من "باب الاستطابة"، وعلى "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وعلى "أحَد" في ثاني حديث من أوّل الكتاب، وعلى

стр. 703

"أفعل" التفضيل في الحديث الأوّل من "الصّلاة". واستُعمل "أفعل" التفضيل هنا بـ "مِن"، فمنهم مَن جَعَلَها للتبعيض، ومنهم مَن جعلها للابتداء (١). قوله: "إلّا مَن صنع مثل ما صنعتم": "مَنْ" موصولة، والعائد عليها الفاعل في الصّلة، ومحلّها رفع بدَلًا من "أحَد". ويجوز النّصب على الاستثناء. قوله: "مثل": منصوبٌ على الحال من مصدر مفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "إلا من صنع الصنع في حال كونه مثل صنعكم". هذا اختيار أبي حيّان وابن مالك فيما [وَرَد من] (٢) هذا، كقولهم: "سار شَديدًا" و"حثيثًا"، وحكَوا هذا عن مذهب سيبويه، وعَدَلوا عن إعراب المتقدّمين، إذ جَعلوه نعتًا لمصدَر محذُوف، أي: "سار سيرًا شديدًا"، و "سيرًا حثيثًا" (٣)، لأنّه يلزَم من تقدير الموصُوف حذفه في غير المواضع المستثناة (٤)، مذكُورة في الثّامن من "باب صفة الصّلاة". "قالوا: بلى": "بلى" حرفٌ لإيجاب النفي مجردًا عن الاستفهام ومقرونًا به، وقد جاء هنا مقرونًا بالاستفهام. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

стр. 704

[الأعراف: ١٧٢]. ومما جاء مجرّدًا عن الاستفهام: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧]. وهذا هو الفرقُ بين "بلى" و "نَعَم"، لأنّ "نَعَم" يبقى الكَلام معها على ما هو عليه من إيجاب أو نفي؛ لأنها وضعت لتصديق ما قبلها (١) من غير أنْ ترفَع ذلك المنفيّ أو تُبطله، ولهذا موضع تُذكَر فيه. وقد تقدّم ذِكر "نَعَم" في الرّابع من "الجنابة"، وفي السّابع من "الإمامة". قوله: "قال: تُسَبِّحون": هذه الجملة وما بعدها بدَل من "شيئًا"، أي: "ألا أعلِّمكم تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا تدركون به". قوله: "دُبر كُلّ صَلاة": ظرف زمان. و"ثلاثًا وثلاثين مرّة" ظرفُ زمان؛ لأنّه عَدَد الظّرف. قال أبو البقاء: "مرّة" يقع مصدرًا، واستُعمل ظَرفًا اتساعًا (٢). قال: وهذا يدلّ على قُوّة شبه الزّمان بالفعل، ولا يكُون المراد بـ "المرّة" الفعل. (٣) قوله: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين": تقدم أن "رجع" يستعمل لازمًا ومُتعَدّيًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]. وفي الحديث: "ليرجع قائمكم" (٤). ومصدر اللازم: "رجوعًا"، ومصدر المتعدّي: "رَجْعًا" (٥).

стр. 705

و "فُقَراء": جمع "فَقِير"، ولم يُسمَع له فِعْل، ولا يُقَال: "فَقُر" وإن كَان قياسه أنْ يُقال: "فَقُر" فهو "فَقير" (١). قوله: "فقَالُوا": معطوفٌ على "رجع"، والمراد: "قالوا للنبي ﷺ ". قوله: "فقالُوا له: سمع إخواننا": تقدّم الكلام على "سمع" في أوّل حديث من الكتاب. و"أهْل الأمْوال" بدَل من "إخواننا"، ويجوز أن يكُون عطف بيان. قوله: "بما فعلنا": يتعلّق بـ "سمع"، أو "الباء" زائدة، أي: "سمعوا خبر ما فعلنا". و"ما" موصُولة، والعائد مفعول فعل محذُوف، أي: "بما فعلناه"، أو مصدرية؛ فلا عائد. قوله: "ففعلوا مثله": معطوفٌ على "سمع". قوله: "مثله": تقدّم قبلُ إعرابُه، وهو إمّا نعت لمصدَر محذُوف، أي: "فعلوا فعلًا مثله"، وإمّا حال، أي: "ففعلوا الفعل في حال كونه مثل". قوله: "فقال": معطوفٌ، و "رسُول الله ﷺ " فاعل، و"ذلك فضلُ الله" مبتدأ وخبر في محلّ مفعول القَول. و"ذلك" من أسماء الإشارة: الاسم "ذا"، و"الكاف" للخطاب، و"اللام" لبُعد المشَار إليه (٢). وجملة "يُؤتيه" في محلّ خبر بعد الخبر. أو يكُون في محل الحال من اسم "الله" تعالى. والعاملُ فيه: معنى الإضافة.
следующие страницы →