← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قوله: "فقال": أي: "النبي ﷺ ". "وما ذاك": "ما" استفهامية مبتدأ، و"ذاك" الخبر، و"الكاف" للخطاب، وحقّها في خطاب الجماعة بـ "الكاف والميم" (١). والجواب: أنّه أراد خطاب واحد منهم؛ لأنّ الكلام قد يكُون من واحد لمصلَحة جماعته (٢). وجملة: "يصلُّون" معمُولة للقول، و"كما نصلي" تقدّم أنّ "ما" مصدَريّة، والكاف نعت لمصدر محذوف عند الفارسي (٣) وموافقيه، واختار ابن مالك أن تكون حالًا من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: يصلون الصلاة في حال كونها مثل ما نصلي (٤). قوله: "ولا نتصدق"، "ولا نعتق": أي: "ونحن لا نتصدق"، فتكون الجملة في محلّ خبر مبتدأ محذُوف، كما تقدّم. قوله: "أفَلا": "الفاء" عاطفة، وكان حقّها أن تكُون مُتقدّمة على "همزة" الاستفهام، إلا أنّ الاستفهام له الصَدْر. وقيل: "الفاء" زائدة مُؤكّدة. وقيل (٥) في مثل هذا: يُقدَّر محذُوف من معنى الجملة قبلها [يعطف] (٦) عليه، فيكون التقدير هنا: "إذ قلتم ذلك فأُعَلِّمُكم". و"أَلَا" حرفُ عَرْض (٧). ويأتي الكَلام على "الفاء" بعد الاستفهام في الحديث [الثّالث] (٨) من "كتاب النّكاح"، وتقدّم الكلام على "أَلَا" في

стр. 702

الثّاني من "التشهد". و"أُعلِّم" يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما الضّمير المتصل، والآخر: "شيئًا"، وتقدّم الكلام على [شيء] (١) في الثّاني من "باب المرور". قوله: "تُدركُون به مَن سَبقكم": "تدركُون" فعل مضارع وفاعل، و"النون" علامة الرفع. والجملة في محلّ صفة لـ "شيء"، والعائد الضّمير في "به". و"مَن سَبقكُم" في محلّ مفعول "تُدركُون". و"مَن" موصُولة بمعنى "الذي"، ولفظها مُفرد، ومعناها الجمع، أي: "الذين سبقوكم". ولو قال: "من سبقوكم" صحَّ، لكنه أعاد على اللفظ. وجملة "وتسبقون" معطُوفة على "تُدركُون"، والعائدُ محذوف، أي: "وتسبقون به". قوله: "مَن بعدكم" أي: "مَن يأتي بعدكم". قوله: "ولا يكُون أحَد أفضَل منكُم": يحتمل أن يكُون في محلّ حال من ضمير "تسبقون"، [ولكنها] (٢) جاءت بـ "الواو" (٣)، وقد تجيء الحال المنفيّ بـ "لا" كالمثبت في قلّة مجيئه حالًا بـ "الواو". فالأصحُّ أنّه خبر مبتدأ محذوف، [وهو] (٤) عند ابن عصفور بخلاف المثبت، أي أنّه يجيء بـ "الواو" فصيحًا. وتقدّم الكلام على "لا" وأقسامها في الثّاني من "باب الاستطابة"، وعلى "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وعلى "أحَد" في ثاني حديث من أوّل الكتاب، وعلى

стр. 703

"أفعل" التفضيل في الحديث الأوّل من "الصّلاة". واستُعمل "أفعل" التفضيل هنا بـ "مِن"، فمنهم مَن جَعَلَها للتبعيض، ومنهم مَن جعلها للابتداء (١). قوله: "إلّا مَن صنع مثل ما صنعتم": "مَنْ" موصولة، والعائد عليها الفاعل في الصّلة، ومحلّها رفع بدَلًا من "أحَد". ويجوز النّصب على الاستثناء. قوله: "مثل": منصوبٌ على الحال من مصدر مفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "إلا من صنع الصنع في حال كونه مثل صنعكم". هذا اختيار أبي حيّان وابن مالك فيما [وَرَد من] (٢) هذا، كقولهم: "سار شَديدًا" و"حثيثًا"، وحكَوا هذا عن مذهب سيبويه، وعَدَلوا عن إعراب المتقدّمين، إذ جَعلوه نعتًا لمصدَر محذُوف، أي: "سار سيرًا شديدًا"، و "سيرًا حثيثًا" (٣)، لأنّه يلزَم من تقدير الموصُوف حذفه في غير المواضع المستثناة (٤)، مذكُورة في الثّامن من "باب صفة الصّلاة". "قالوا: بلى": "بلى" حرفٌ لإيجاب النفي مجردًا عن الاستفهام ومقرونًا به، وقد جاء هنا مقرونًا بالاستفهام. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

стр. 704

[الأعراف: ١٧٢]. ومما جاء مجرّدًا عن الاستفهام: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧]. وهذا هو الفرقُ بين "بلى" و "نَعَم"، لأنّ "نَعَم" يبقى الكَلام معها على ما هو عليه من إيجاب أو نفي؛ لأنها وضعت لتصديق ما قبلها (١) من غير أنْ ترفَع ذلك المنفيّ أو تُبطله، ولهذا موضع تُذكَر فيه. وقد تقدّم ذِكر "نَعَم" في الرّابع من "الجنابة"، وفي السّابع من "الإمامة". قوله: "قال: تُسَبِّحون": هذه الجملة وما بعدها بدَل من "شيئًا"، أي: "ألا أعلِّمكم تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا تدركون به". قوله: "دُبر كُلّ صَلاة": ظرف زمان. و"ثلاثًا وثلاثين مرّة" ظرفُ زمان؛ لأنّه عَدَد الظّرف. قال أبو البقاء: "مرّة" يقع مصدرًا، واستُعمل ظَرفًا اتساعًا (٢). قال: وهذا يدلّ على قُوّة شبه الزّمان بالفعل، ولا يكُون المراد بـ "المرّة" الفعل. (٣) قوله: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين": تقدم أن "رجع" يستعمل لازمًا ومُتعَدّيًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]. وفي الحديث: "ليرجع قائمكم" (٤). ومصدر اللازم: "رجوعًا"، ومصدر المتعدّي: "رَجْعًا" (٥).

стр. 705

و "فُقَراء": جمع "فَقِير"، ولم يُسمَع له فِعْل، ولا يُقَال: "فَقُر" وإن كَان قياسه أنْ يُقال: "فَقُر" فهو "فَقير" (١). قوله: "فقَالُوا": معطوفٌ على "رجع"، والمراد: "قالوا للنبي ﷺ ". قوله: "فقالُوا له: سمع إخواننا": تقدّم الكلام على "سمع" في أوّل حديث من الكتاب. و"أهْل الأمْوال" بدَل من "إخواننا"، ويجوز أن يكُون عطف بيان. قوله: "بما فعلنا": يتعلّق بـ "سمع"، أو "الباء" زائدة، أي: "سمعوا خبر ما فعلنا". و"ما" موصُولة، والعائد مفعول فعل محذُوف، أي: "بما فعلناه"، أو مصدرية؛ فلا عائد. قوله: "ففعلوا مثله": معطوفٌ على "سمع". قوله: "مثله": تقدّم قبلُ إعرابُه، وهو إمّا نعت لمصدَر محذُوف، أي: "فعلوا فعلًا مثله"، وإمّا حال، أي: "ففعلوا الفعل في حال كونه مثل". قوله: "فقال": معطوفٌ، و "رسُول الله ﷺ " فاعل، و"ذلك فضلُ الله" مبتدأ وخبر في محلّ مفعول القَول. و"ذلك" من أسماء الإشارة: الاسم "ذا"، و"الكاف" للخطاب، و"اللام" لبُعد المشَار إليه (٢). وجملة "يُؤتيه" في محلّ خبر بعد الخبر. أو يكُون في محل الحال من اسم "الله" تعالى. والعاملُ فيه: معنى الإضافة.

стр. 706

ويحتمل أن يكون العامل معنى الإشارة. وفيه بحث؛ لأنّ العامل في الحال العامل في صاحبها، ولأنّ الحال من المضَاف إليه ضَعيفة (١)، إلا بشروط مذكُورة في أوّل حديث من "باب الجمعة". ويحتمل أن تكون مُستأنفة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤]، و"مَن" هنا في موضع مفعول ثانٍ لـ "يؤتيه"، و"يشاء" صِلته، والعائد محذوف، أي: "من [يشاؤه"] (٢). وتقدّم أنّه اطرد حذف مفعول "شاء" و"أراد" حتى إن ذكره قليل. قوله: "قال سُمَي": انظر كيف جاءت الجمَل هنا متعدّدة، مُفتتحة بالقَول، فمنها ما هو مُرتّب بـ "الواو"، ومنها ما هو بغير "واو"، وقد قيل: إنّ الجمل المفتتحة بالقول الأفصَح فيها أن لا يُؤتى فيها بحَرف يُرتِّبُ؛ اكتفاء بالترتيب المعنوي. قال أبو حيّان: [وقد] (٣) جاء من ذلك عشرون موضعًا في "الشّعراء" في قصّة موسى ﵇ بغير عَطف، [دون] (٤) ثلاثة جاء منها اثنان جوابًا، وواحد كالجواب، ومثله في القُرآن كثير (٥). انتهى. قلتُ: وقد جاء من ذلك هنا ثلاثة عشر موضعًا منها ما هو بـ "الواو"، ومنها ما هو بغيرها.

стр. 707

قوله: "فحدّثت بعض أهلي هذا الحديث": "حدَّث" هنا يتعدّى لمفعولين، أحدهما: "بعض"، والثّاني: "هذا". وقد تقدّم الكلام على "حدَّث" وأخواته في الخامس من "فضل الجماعة". قوله: "فقال: وَهِمتَ": قال في "الصّحاح": يُقال: "وَهِمْتُ في الحساب"، "أوْهَمُ"، "وَهْمًا"، إذا "غلطتُ فيه" و "سهوتُ"، و ["وَهَمْت] (١) - بفتح "العين" - في الشيء"، "أَهِم"، "وَهْمًا" بسكون "الهاء"، إذا "ذهب وهمك إليه"، وأنت تريد غيره (٢). قلت: وهذا في الحديث بالمعنى الأوّل، أي: "غلطتُ". فمصدره: "وَهَمًا" بفتح "العين". قوله: "إنما قال لك": تقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. وفي قوله "لك" نوع إنكار، لأنّه لو قال: "إنما قال كذا" تمّ المعنى، وبهذا المعنى فرّقوا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]، و ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف: ٧٢]، لأنّ الأوّل كان يحتمل السّهو، والثّاني بعيد من السّهو. و"اللام" في "لك" تُسمّى "لام" التبليغ (٣). قوله: "تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين": هذه الجمَل كُلّها معمولة للقول، وقد تقدّم إعراب العَدَد أوّل هذا الحديث. يقال: "سبَّح" إذا قال: "سبحان الله"، و"حَمِد" إذا قال: "الحمد لله"، و"هلَّل" إذا قال: "لا إله إلا الله". ويقال أيضًا: "سَبْحَلَ" و"حَمْدَلَ". ومنه "أيَّهَ" إذا قال: "يا

стр. 708

أيُّها"، و"حَوْقَلَ" (١) و"حَيْعَلَ"، وله نظائر كثيرة (٢). قوله: "فرجعت": تقدّم آنفًا، وبه يتعلّق حرف الجر. و"أبي صالح": مجرورٌ بـ "الياء" (٣). وجملة: "فقلتُ" معطوفة على "رجعت". و"له" كما تقدّم يتعلّق بـ "قلت"، و"اللام" لام التبليغ. و"ذلك" مفعول بالقول، لأنّ القول يتعدّى إلى المفعول، نحو: "قُلتُ كَلامًا"، و"ذلك" إشَارة إلى القول. قوله: "فقال": أي: "قال أبو صالح". قوله: "الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله": لا بُدّ من مُقدّر تتعلّق به "حتى"، وتقديره: "قال: قُل". وقدَّم هنا التكبير، ثُم [السَّبْحَلة] (٤)، ثم الحَمْدَلَةَ، إمَّا [لأنّ] (٥) "الواو لا ترتيب فيها، أو ليُعلِّمه أنّ الترتيب فيها غير مطلُوب، إنما المراد أنْ يأتي بهذا المجموع على أي حالٍ كان من ترتيب أو تفريق. قوله: "حتى يبلغ": الفعل منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "حتى". و"حتى" هنا مُقدّرة بـ "إلى أن" لا بـ "كي" (٦).

стр. 709

قوله: "من جميعهن": يتعلّق بـ "تبلغ". قوله: "ثلاثًا وثلاثين": مفعول بـ "تبلغ"؛ لأنّ الفعل يسلَّط عليه، بخلاف الأوّل. الحديث الرابع: [١٢٩]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي" (١). قوله: "صلى في خميصة": جملة في موضع خبر "أنَّ". وجملة "لها أعلام" من مبتدأ وخبر، الخبر متعلَّق المجرور، وهو مُسوّغ للابتداء بالنّكرة، ومحلّ المبتدأ والخبر صفة لـ "خميصة". قوله: "فنظر إلى [أعْلامها] (٢) ": أراد "النبيَّ ﷺ ". والجملة معطوفة على "صلى"، والمراد: "شرع في الصلاة، فنظر بعد دخُوله فيها"، لا بعد الصّلاة، لقوله: "فإنها ألهتني آنفًا عن صَلاتي". و"الخميصة": "كِسَاء مُربع له أعْلام" (٣). و"الإنبجانية": "كساء غليظ"، يُقال بفتح "الهمزة" وكسرها، وكذلك في "الباء"، وكذلك "الياء" تخفّف وتشدّد. وقيل: هي "الكساء من غير عَلَم"، فإن كان فيه عَلَم فهو "خميصة".

стр. 710

قال ابنُ الأثير: المحفوظ بكسر "الباء"، ويُروى بفتحها، وهو منسوب إلى "مَنبِج" المدينة المعروفة، وهي مكسورة "الباء"، ففتحت في النّسب، وأُبدَلت "الميمُ" همزة. وقيل: إنها منسوبة إلى موضع، واسمه "انبجان"، وهو أشبه؛ لأنّ الأول فيه تعسّف. وهو "كساء يتّخذ من الصّوف، وله خُمل، ولا عَلَم له"، وهي من أدوَن الثّياب الغَليظة (١). وإنما بعَث "الخميصة" إلى أبي جهم؛ لأنّه كَان أهْدَى للنبي ﷺ خميصة ذات أعْلام، فلما أشغَلته في الصّلاة قال: "ردّوها عليه، وائتوني بأنبجانيته"، وإنما طَلَبها منه لئلا [يُؤثر] (٢) رَدُّ الهَديّة في قلبه. و"الهمزة" فيه زائدة في قَول (٣). و"إلى أعْلامها" يتعلّق بـ "نَظَرَ". و"نَظْرَة" مصدَر مُؤكِّد، ويُفيد وحْدة العَدَد، ولا يتعلّق بـ "نظرة"؛ لأنّ معمُول المصدَر لا يتقَدّم عليه (٤). وتقدّم الكلام على عمل المصدَر في الثّاني من أوّل الكتاب. ويحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "نظرة"، أي: "فنظر نظرة كائنة إلى أعْلامها"، فلما تقدّم انتَصَب على الحال.

стр. 711

وفي قوله: "نظرَة" تنبيه على قِلَّتها، وأنَّ النّظر لم يتكرّر منه. وأفادَت "إلى" معنى الانتهاء، أي: "انتهاء نظره ﷺ فيها إلى أعلامها"، فكأنّ الذي كَره منها ﷺ إنما هو تزينها بالأعلام، ولولا ذلك لقال: "فنظر أعلامها". ومن تغيُّر المعنى مع حروف الجر: ما ذَكَره الثعالبي، قال: سمعتُ والي خوارزم أبو العبّاس مأمون بن مأمون يقول: "همّتي كتاب أنظر فيه، وحبيب أنظر إليه، وكريم أنظر له" (١). قوله: "فلمّا انصرف": "لمّا" حرفُ وجوب لوجوب، أو وجُود لوجود، عند سيبويه ومَن تبعه. وذَهَب الفَارسيُّ ومَن تبعه إلى أنها ظرف بمعنى "حين"، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الرّابع من "باب المذي". قوله: "قال اذهبوا": جملة "اذهبوا" مفعُول القَول، والقَول جوابُ "لمَّا". و"الباء" في قوله: "بخميصتي" باء الحال، أي: "اذهبوا مصحوبين بخميصتي". ويحتمل أن تكون "باء" التعدية، أي: "أذْهِبوا خميصتي". ذَكَر الوجْهين أبو حيّان عند قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] (٢). و"هذه" (٢) نعتٌ للخميصة، ويحتمل البَدَلية. قوله: "وائتوني بأنبجانية أبي جهم": أوقَع الظّاهر موقع المضمَر، ولو قال: "وائتوني بأنبجانيته" صحّ، كما جاء في بعض طُرق هذا الحديث (٣). قوله: "فإنها": الضّمير يعود على "الخميصة"، وجملة "ألهتني" خبر "إنَّ".

стр. 712

و"آنفًا" جاء فيه القصر والمدّ، وهما اسما فاعل، ولم يُستَعمل فعلهما، والمستعمل: ["ائْتَنف"] (١) (٢). قال أبو حيّان في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: تقديره: أي: "مؤتنفا"، أي: "مبتدئًا"، وهذا منصوبٌ على الحال، وأعرَبَه الزّمخشري ظرفًا (٣)، أي: "السّاعة" (٤). قال أبو حيان: ولا أعلم أحَدًا من النّحويين عدَّه من الظروف (٥). قلت: وإن لم يعدَّه أحَد، فالمعنى عليه هنا، لا يصحّ خلافه، إلا أنْ تُقدّر: "أنها ألهَت عند ابتداء الصلاة"، فيكون حَالًا، أي: "ألهتني عن صلاتي مؤتنفًا للصلاة"، وفيه خروجٌ عن الظّاهر، وتكلُّف لا يخفى. والعاملُ في "آنفًا": "ألهتني". ويحتمل أن تكون "صلاتي" المجرور بعد "آنفًا". وحرف الجر يتعلّق بـ "ألهتني". ولا يمتنع عمَل المصدَر غير المنحلّ إلى "أنْ" والفعل فيما قبله، على المختار عند أبي حيّان ومُوافقيه (٦)، وتقدم ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، لكنه عامِلٌ معنوي، والعاملُ المعنوي لا يتقدّم عليه الحَال عند البصريين، بخلافِ الظّرف (٧).

стр. 713

ويحتمل أن يتعلّق بـ "ائْتوني" أو "اذهبوا"، أي: "اذهبوا السّاعة"، أو: "ائتوني السّاعة". ولولا الفصل الكبير يُضعِفه لكَان حَسَنًا، وكذلك [يضعفه الفصْل] (١) بين متعلّق معمول "إن" بأجنبي، ويُسوّغه كوْنه ظَرفًا، والعَرَب تتّسع في الظّروف بالتقديم والتأخير. والوَجْه ما تقدّم من تعلّقه بـ "ألهتني". ومتى علّقت بـ "ائْتوني" أو بـ "اذهبوا" دخَل التّنازع بين الفعلين، وإن أُدخل في التنازع "صلاتي" جَرَى على الخلافِ في تنازع عَوامل المعمُول مُتقدّمًا عليها. والله أعلم. ***

стр. 714

باب الجمْع بين الصّلاتين في السّفَر [١٣٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ". (١) قوله: "كَان": تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب. ومحلّها هنا نصبٌ بالقول. وجملة "يجمع" في محلّ خبر "كان". و"بين" تقدّم الكَلام عليها في الثّالث من "السّواك". قوله: "على ظهر سير": قال ابن الأثير في "النهاية": جاء في الحديث: "خَيرُ الصَّدقة مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٢): "الظهر" قد يُزاد في مثل هذا إشباعًا للكَلام وتمكينًا له، كأنّ [صَدَقته] (٣) مُستندة إلى ظَهر قَويّ من المال (٤). انتهى. [و"الظَّهر"] (٥) هنا في الحديث صِلة، يتمّ معنى الحديث بدُونه، ويكون معنى الحديث أنه "يجمع بين الظّهر والعَصر [إن] (٦) كان على سير". ويحتمل أن يكون "الظّهر" هنا "البعير الشّديد"، فيكُون المعنى "أنّه يُقصر إذا كان على ظهر"، أي: "على ظهرٍ ذي سير"، أي: "يُسار عليه". ويحتمل أن يكون المراد: "على ظَهر طريق يُسار عليها". وأضاف "الظّهر" إلى "السّير" إضافة تخصيص، أي: "ظهر يختصّ بالسّير".

стр. 715

قال ابنُ الأثير: جاء في الحديث: "ظهرانيهم"، و"أظهرهم"، وتكرّر ذلك في الحديث، والمراد بها الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه "ألِف ونون" مفتوحة تأكيدًا. ومعناه: "أنّ ظهرًا منهم قُدَّامه وظهرًا وراءه"، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قال: "بين أظهرهم"، ثم كثُر [حتى] (١) استُعمل في "الإقامة بين القوم" ومطلقًا (٢). وتقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، وجملتي: " ﷺ "، و"﵁" في أوّل حديثٍ من الكتاب. وتقدّم الكلام على "إذا"، والعامل فيها، وجوابها في ثاني حديثٍ من الأوّل. وتقدّم الكَلام على "كان" في أوّل حديثٍ من الأوّل. ***

стр. 716

باب قَصْر الصّلاة [١٣١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃". (١) قوله: "صحبتُ": جملة من فعل وفاعل، في محلّ معمول للقول. و"قال" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر. قوله: "فكَان": معطوفٌ على "صحبتُ". و"الفاء" هنا عاطفة، لا [تعقيب] (٢) فيها ولا تسبيب، ولها مواضع ثلاثة (٣): - التسبيب، كقولك: "سَها فسجد". والتعقيب من غير تسبيب، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]. وتكون مجرّدةً عنهما، كما تقدّم، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]. وتقدّم الكلام على "الفاء" في السّادس من "باب الاستطابة"، وعلى "لا" وأقسامها في الثالث منه، وعلى "في" وأقسَامها في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، وتقدّم القول على "على" في الخامس من "الجنابة"، وتقدّم القول على "ركعتين" في الخامس من "صَلاة الجماعة". والمراد: "على ركعتين من صلاته، إلا المغرب".

стр. 717

قوله: "وأبا بكر وعمر وعثمان": كذلك الرّواية، بالنّصب فيها كُلّها، فالنّصب في الأوّل بـ "الألِف"؛ لأنّ الاسم من الأسماء السّتة، وهو مُركّب تركيب إضافة، وتقدّم الكلام عليه في ثاني حديثٍ من الأوّل. و["عمر"] (١) لا ينصرف؛ للعَلَمية والعَدل التقديري، وتقدّم الكلام عليه في الحديث الأوّل من الكتاب. و"عثمان" لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألِف والنون. وكلها معطوفة على "رسول الله ﷺ ". ولو رُوي برفعها على الابتداء، والخبر "كذلك"، أي: "صلوا كذلك"، جاز. وعلى النصب فيها يَحتَمِلُ "كذلك" أن تكون "الكاف" مبتدأً، اسم بمعنى "مثل"، والخبر محذوف، أي: "كذلك صلاتهم". ويجوز الرّفع فيها بالعَطف على اسم "كان"، أو بالعطف على فاعل "يزيد"، ويكون التقدير: "كان النبي ﷺ لا يزيد هو وأبو بكر وعمر على ركعتين"، ويكُون "كذلك" إمّا منصوب بفعل، أي: "كُلّهم فعلوا كذلك"، أو مرفوع بتقدير: "كذلك فعلوا". ويجوز فيها النصب على المفعول معه، أي: "كان النبي ﷺ لا يزيد هو مع أبي بكر وعمر وعثمان على ركعتين"، ويجري في ذلك ما تقدّم. ويجوز أن يكون "عثمان" [مرفوعًا] (٢) بالابتداء مقطوعًا عما قبله، ويُقدَّر خبره مثل ما قبله، أي: "وعثمان فعل مثل ذلك". ***

стр. 718

باب الجُمعَة الحديث الأوّل: [١٣٢]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ [قال: رأيت] (١) النبي ﷺ قام [عليه] (٢) فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، [حتى سجد] (٣) فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلمُوا صَلاتِي". وَفِي لَفْظٍ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى". (٤) قوله: "رأيت النبي": جملة معمولة للقول. قوله: "قام": جملة في محلّ الحال من "النبي ﷺ "، والتقدير: "وقد قام". وتقدّم الكلام على الحال إذا وقعت فعلًا ماضيًا في السّابع من أوّل الكتاب. وثبت في رواية هذا الحديث: "قال: رأيتُ النبي ﷺ وقام عليه، فكبّر، وكبّر الناس". وهذا الحديثُ اقتضبه الشّيخ من حديث سَهل بن سعد: "وهو من طرفاء الغابة، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ قام عليه، فكبر، وكبر النّاس" (٥). والضّمير في "عليه" يعود على "المنبر"، وعلى ما ذكره الشّيخ يكون الضّمير يعود على مذكُور في ذِهنه، ويكون اكتفى عنه بقوله: "وهو على المنبر" لأنها في محلّ

стр. 719

حال من "النبي ﷺ ". ويحتمل أن يعود الضّمير على المفهوم من السياق، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (١)، والأوّل أبينُ لمن عَلم أصْل الحديث. قوله: "فكبرّ": "الفاء" للتعقيب من غير تسبيب، و"كبّر الناس" معطوفٌ عليه. وتقدّم الكلام على "وراء" في الثّالث من "باب الصفوف". قوله: "وهو على المنبر": جملة في محلّ الحال من ضمير "النبي" في "كبَّر"، ويحتمل أن يكون في محل الحال من "النّاس". ويكون الحال على التقدير الأوّل بـ "الواو" والضّمير، وعلى الثّاني بـ "ـالواو" وحدها. ولا يكُون الحال من [ضمير] (٢) "وراءه"؛ لأنّ الحال من المضاف إليه ضعيفة، إلّا في مواضع مذكورة تقدّمت في الحديث الرّابع من "الحيض". قوله: "ثم رفع": أي: "رفع من الركوع". "ثم نزل": إنما نزل؛ لأنّ أعلى المنبر لا يسَع السّجود عليه. قوله: "ثم عاد": اعلم أنّ "عاد" أحَد الأفعال الأربعة التي هي "غدا"، وراح"، و "آض"، و "عاد" (٣)، وقد جاءت متعدّية بحرف الجر، وجاء بعدها منصوبٌ يحتمل أن يكون خبرًا لها، على إعمالها عمل "كان". فإذا قلت: "عاد زيدٌ راكبًا"، كان "زيد" اسمها، و"راكبًا" خبرها، يُجْرونها

стр. 720

مجرى "صار" (١). ومنهم مَن لا يلحقها بـ "كان"؛ لما رأى من قصورها عنها، فيجعل انتصاب ما بعدها على الحال؛ لأنها تتعدّى بحرف الجر؛ لأنّ خبرها لا يصحّ أن يكُون معرفة، بخلاف "صار". والتقدير في الحديث هنا: "ثم عاد إلى مكانه الذي كان فيه قبل نزوله". وعلى هذا، فلا يكون من أخوات "كان". وإن قدّرتها بمعنى "صار": كان اسمها ضَمير "النبي ﷺ "، وخبرها مُقدَّر، أي: "ثم عاد فاعلًا ذلك حتى فرغ". وسيأتي الكلام عليها وأخواتها في السّادس من هَذا الباب. قوله: "القهقرى" (٢): مصدَر لبيان النوع، من المصادر المختصّة، ومنه: "اشتمل الصمّاء"، وهو "يعدو الجَمَزَى". والتقدير: "فنزل يمشي مشى القهقرى"، أي: "متقهقرًا". واختلف الناس في نصبها، فقيل: هي منصوبة بفعل مُقدّر من لفظها، والتقدير: "رجع قهقرا القهقرى"، ويحتمل هو صفة لموصوف محذوف، أي: "رجع الرجعة القهقرى"، والثّالث تقدّم، ومثله: "قعد القرفصاء"، و"اشتمل الصماء"، والخلاف في الكُلّ واحد (٣). قوله: "حتى سَجَد": "حتى" حرف ابتداء متعلّقة بـ "يمشي" المقدّر. قوله: "في أصل المنبر": أي: "إلى أصل المنبر".

стр. 721

وقد جاءت "في" بمعنى "إلى" ومُرادفة لها في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] (١). ويحتمل أن يتعلّق "في" بحال، أي: "فسجد مُستقرًا في أصل المنبر"، أي: "جعل سُجوده بين قوائم المنبر". قوله: "ثُم عَاد إلى محلّه من المنبر": فتعدّى الفعل بـ "إلى". قوله: "حتى فرغ من صلاته": يتعلّق بـ "عاد". وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"فرغ" لازم، لا يتعدّى. يُقال: "فَرَغ من الشغل"، "يفْرُغ" بضم "العين"، "فُروغًا" و "فراغًا". ويُقال: "فَرِغ الماءُ" بالكسر "يَفْرَغ"، "فراغًا"، مثل: "سَمِع، يسمَع، سماعًا"، أي: "انصبَّ" (٢). قوله: "من آخر صلاته": لو قال: "من صلاته" أدَّى المعنى، ولكنه ضمَّن "فرَغ" معنى "انتهى"، [أي: "حتى انتهى] (٣) إلى آخر صلاته". ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الأحوَال والانتقالات في الصّلاة؛ [إذْ] (٤) كان منها ما هو على المنبر، ومنها ما هو أسفل منه، وآخر صلاته ﷺ كان على الأرض أسفَل المنبر، فقال: "من آخر صلاته" مُراعاة لهذا المعنى. والله أعلم. قوله: "ثُم أقبَل على الناس": "ثُم" هنا على بابها من الترتيب. وذكر الإقبال؛ لأنّ قبله كان ظهره إليهم. يُقال: "أقبل" و"قبل على الناس"

стр. 722

بمعنى (١). "فقَال: يا أيها النّاس": تقدّم الكلام على "يا" في النّداء في الرّابع من "الجنابة"، والسّابع من "الإمامة". و"النّاسُ" صفة لـ "أيّ" لازمة للرّفع، خلافًا للمازني ومَن وافقه، فإنهم أجَازوا النّصب، وقد قُرئ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وتقدّم الكلام على "ناس" في السّابع من "الإمامة". قوله: "إنّما صنعت هذا لتأتموا بي": "إنما" كافَّةٌ ومكفوفة، وتسمّى: "مُهيِّئة" (٣)، وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. قوله: "لتأتموا بي": "اللام" لام "كَيْ" (٤). و"تأتَمُّوا" فعل مضارع وفاعل. و"بي" متعلّق بالفعل. "ولتعلَّموا صلاتي" معطوفٌ عليه، و"اللام" الثّانية مُشدّدة، ويجوز تخفيفها. قوله: "وفي لفظ": تقدّم أنه يجوز في مُتعلَّقه وجهان: - أحدهما: "جاء"؛ فيكون جملة "صلَّى" - عليها - فاعلُهُ على الحكاية. والثاني: "روي"؛ فتكون الجملة [مفعولا] (٥) لم يُسمَّ فاعلُه.

стр. 723

ويجوز أن يكون في محلّ خبر لما بعده على الحكاية. والضّمير عائد على "أعواد المنبر" لأنّه جاء في الحديث: "مُرِي غلامَكِ النّجَارَ يَصْنَع لي أعْوَادًا" (١)، كما تقدّم أوَّل الحديث، فتارة أعاد الضمير على "المنبر"، وتارة أعاده على "أعواد". قوله: "فنزل القهقرى": تقدّم قريبًا. الحديث الثاني: [١٣٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٢). قوله: "قال": تقدّم الكلام على القول وعمله في أوّل حديث من "باب السّهو"، وتقدّم الكلام على "مَن" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرّابع منه، وفي السّابع منه. ومحلّ "مَن" هنا رفع بالابتداء، والخبر في فعل الشرط، وقيل: في جوابه، وقيل: فيهما. و"الجمعة" هنا مفعول به، لأنها يجمع النّاس لها. ولها عند العرب ثلاثة أسماء، أشهرها: "جمعة"، والثاني: "العَروبة" بالألِف واللام، وفيها لُغة شاذة: "عروبة" بغير "لام"، وبغير صَرف. وتُسمّى أيضًا: "حربة" بـ "الحاء" و"الراء" و"الباء" الموحدة من تحت. و"الجمعة": بتسكين "الميم" وضمها وفتحها، لُغات، الضّم على أنّه مصدَر بمعنى "الاجتماع". وقيل في المسكَّن أنه بمعنى: "المجمع فيه"، مثل: "رجل ضحْكة"، أي: "يُضحك منه".

стр. 724

ووجْه الفتح: أنه بمعنى "الفاعل"، أي: "يوم المكان الجامع"، مثل "ضُحَكة"، أي: "كثير الضحك". والجَمْعُ: "جُمَع" و"جُمُعات"، ويجوز الفتح والتسكين. وإنما سُميت: "العَروبة" من ["أعرَب"] (١) إذا "بَيَّن"؛ لأنه يومٌ بَيِّن عندهم. وإنما سمَّوه: "حربة"؛ لأنه يوم عال، كـ "الحربة"، بمعنى أنّه مُرتفع عال. وقد قيل: من هذا اشتُق "المحراب". وقيل: إنما سُمّي "جمعة"؛ لأنّه جمع فيه خلق السّماء والأرْض (٢). واعلم أنّ أيام الجمعة تُجمَع وتُثنَّي، فجمع "السَّبت" في القلّة: "أَسْبُت" و"سَبَتات" بالتحريك لا غير؛ لأنّه ليس بنعت، وفي الكثرة: "السُّبوت"، ويجوز: "السِّبات"، مثل: "فَرْخ" و"فِراخ" (٣). ويجمع "أحَد" على "آحَاد" و"أحدات" و"أحود"، وحُكي "أُحد" بضم "الهمزة". وأمّا "الاثنان" فسبيله ألا يُثنَّى ولا يجمع، وأن يُقال فيه: "مضت أيام الاثنين"، إلّا أن يقول: "ذوات"، وحكوا: "أثن". وجمعه: "ثني". وقيل: جمعه: "أثانين" و"آثان". وأمّا "الثلاثاء": فجُمع على: "ثلاثوات" و"أثالث" و"أثاليث". وأمّا "الأربعاء": فيُجمع على: "أربعاوات" و"أرابيع".

стр. 725

وأمّا "الخميس": فيجمع على: "أخمسة"، وفي الكثرة: "خمس" و"خمسان"، كـ "رغيف" و"رغف" و"رغفان". ويُقال: "أخمساء" كـ "أنصباء"، و"أخامس" (١). وهنا محذوفٌ، التقدير: "مَن جاء منكم صلاة الجمعة". قوله: "فليغتسل": "اللام" لام الأمر، وتقدّمت في الرّابع من الأوّل، وفي السّادس من "الإمامة". قوله: "منكم": يتعلّق بـ "جاء"، و"من" لبيان الجنس، وتقدّم الكلام عليها وأقسامها في العَاشر من أوّل الكتاب. [الحديث الثالث] (٢): [١٣٤]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٤). قوله: "جاء رجل": في محلّ نصب، معمول القول. وجملة "والنبي ﷺ يخطب" مبتدأ وخبرٌ، في محلّ الحال من "رجُل"، وإن كان نكرة؛ لأنّه معلوم لجابر، ومشهورٌ بين الصّحابة (٥)، كان اسمه: "سُلَيْك الغَطَفانِيّ"،

стр. 726

فهو كِناية في معرفة (١). وتقدّم الكلام على "فلان" و"فلانة" في السّادس من "الإمامة"، وهما من الأسماء التي لا تثنى؛ لأنهما لم يُستعمَلا نكرة؛ بسبب أنهما كناية عن الأعْلَام، والاسم العَلَم لا يثنى حتى ينكَّر (٢). قوله: "يخطُب النّاس": تعدّى "خطب" إلى مفعول؛ لأنّه تضمَّن معنى: "يعظ الناس"، و"يذكِّر النّاس". والعَاملُ في "يوم": "يخطب". وتقدّم أنّ "يوم" و"يوح" الفاء فيهما و"العين" حرفا علَّة، وذلك لا يوجد في غيرهما، يعني [تتقدم] (٣) "الياء" فيهما (٤). وزاد بعضهم: "ويل" و"ويح" و"ويس" (٥)، وهذه مصادر. وتقدّم ما قيل في "اليوم"، وعلى [ما يقع] (٦) عليه في الثّالث من "باب الاستطابة".

стр. 727

قوله: "فقَالَ": يعني: "النبي ﷺ ". "صلَّيْتَ؟ ": أي: "أصليتَ؟ "، فحذف "همزة" الاستفهام، وحذفُها فصيح، جاء منه كثير، منه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] قال ابن مالك: الأصل: أَوَتلك نعمةٌ؟ " (١). وقول الشّاعر: . . . . . . . . . . ... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ (٢) قالوا: والسّر في ذلك كثرة استعمال الاستفهام في ذلك الكلام، حتى قيل: إنّ الاستفهام أكثر من الخبر. وقيل: "الاستفهام دهليز العلم". "قال: لا": "لا" حرفُ جواب، تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "كتاب الحيض". وفاعل "قال": ضمير المكنى عنه بـ "فلان". وفاعل "قال" الثّانية ضمير "النبي ﷺ ". وجملة "قُم فارْكَع" معمولة للقول. و"ركعتين" مصدر "ركع"، وتقدّم الكلام على ذلك في الخامس من "صلاة الجماعة". قوله: "وفي رواية: فصلِّ ركعتين": جملة "فصلِّ ركعتين" يحتمل محلُّها في الإعراب ما يقتضيه العاملُ في حرْف الجر، فإن قُدِّر "جاء" فهي في محلّ فاعل، وإن قُدر "رُوي" فهي في محلّ مفعول لم يُسمَّ فاعله، وإن قُدر مبتدأً فَالمجرور في محلّ الخبر، والكُلّ على الحكاية. وهذا الحديث مع الذي بعده مرتَّب في "العُدّة" بتقديم البعدي وتأخير القبلي، وهي في "العمدة" على أنّ راويهما واحد؛ فقال: "وعنه" يعني: "عن عبد الله بن عمرو". وفي شرح الشّيخ تقيّ الدّين رواية جابر بن عبد الله، كالذي قبله في الشّرح، فليُتأمَّل ذلك، فإنّ نُسَخ الشّرح على هذه المخالَفَة، وقد اتَّبعتُ في الإعراب شرح

стр. 728

الشّيخ ﵀. الحديث [الرّابع] (١): [١٣٥]: عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ". (٢) جملة "يخطب" خبر "كان". وجملة "كان" معمولة للقول. والقول في محلّ خبر "أن" المقدّرَة، المعمولة لمتعلَّق حَرْف الجر. قوله: "يخطُب خُطبتين": عَدَد مصدَر، مثل: "يركع ركعتين". و"خَطَبَ" إذا تعدّى يُضمَّن معنى "وَعَظ" و"حَثَّ"، يُقال: "خطب"، "يخطُب"، "خُطبة"، فهو "خاطب"، و"خطيب" (٣). قال الشّيخ تقيّ الدّين: هذا الحديث لم أقف عليه بهذه الصّيغة في الصحيحين، فمَن أراد تصحيحه فعليه إبرازه (٤). قوله: "وهو قائم": في محلّ الحال من فاعل "يخطب"، وجاءت جملة الحال اسمية بـ "الواو" والضّمير وحده. قوله: "يَفصِل بينهما بجلوس": جملة فعلية في محلّ الحال من الضّمير في "قائم"، فتكون الحال مُتداخلة. ويُحتمل أن يكُون حالًا من ضمير "يخطب" إن قلنا: بتعدّد الحال (٥)، وتكون هذه الحال بالضّمير وحده؛ لأنّ المضارع متى وقع حالًا لم يكن

стр. 729

بـ "الواو"، فإن صحبتْه صيَّرتْه جملة اسمية بتقدير مُبتدأ، فلو قال: "ويفصل بينهما بسلام"، كان التقدير: "وهو يفصل بينهما". [وإنما] (١) قالوا ذلك؛ لأنّ المضارع يجري مجرى اسم الفاعل، فكما لا يحتاج الأصل إلى "واو"، فكذلك ما هو بمنزلته. [فإذا] (٢) قلت: "جاء زيد يضحك"، معنا: "ضاحكًا" (٣). وتقدّم الكلام على "بين" في الثّالث من "باب السواك". و"الباء" في قوله: "بجلوس" باء الاستعانة، أو "باء" الحال، أي: "ملتبسًا بجلوس". و"الفصل" في اللغة: "القطع" (٤)، فالمعنى هنا: "أنه كان يقطع ما بين الخطبتين بجلوس"، ومنه: "لَا رضَاعَ بَعْدَ فصَالٍ" (٥). الحديث [الخامس] (٦): [١٣٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ". (٧) قال الشّيخ تقيّ الدّين: يُقال: "لغا، يلغو"، و"لغا، يلغي"، و"اللغا": "رديء

стр. 730

الكلام" (١). زاد ابن الأثير: "لَغَا، يَلْغَا". (٢) وقال غيره: يُقال: "لغا الرجل يلغو" إذا "تكلّم بلغته" (٣)، وليس هذا مما جاء في الحديث. قال ابن عطيّة: "اللغو": "السّقط من القول" (٤). وفي حديث أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنّه قال: "فَقَد لَغَيْتَ" (٥)، والأفصح: "لَغَوت". وعدَّ بعضهم "لَغَيت" لحنًا من بعض الرّواة. تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، وتقدّم الكَلام على القول وعمله في الأوّل من "السّهو". و"اللام" في قوله: "لصاحبك" لام التبليغ. قال أبو حيّان: ومنه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. (٦) قوله: "أنصت": يُقال: "أنصت"، "ينصت" إذا "سكتَ سُكوت مُستمع"، وقد "نصت". و"أنصته"، أي: "أسكته"، فهو لازم ومُتعدّ. قال الهروي: قال: "أنصته" و"أنصت له" مثل "نصحته" و"نصحت له" (٧).

стр. 731

قال الزّمخشري: يُقَال: "أنصتوني" من "الإنصات"، وأصله: "أنصتوا إليَّ"، فحذفوا "إلى"، وتعدّى بنفسه بمعنى "استمعوا إليَّ"" (١). و"يوم الجمعة": ظرفُ زمان، تقدّم. والعاملُ فيه: "قلت"، ولا يعمل فيه "أنصت"؛ لفساد معناه؛ لأنه ليس المراد أن يقول: "أنصت لي في يوم الجمعة"، إلا أن تكون جملة: "والإمام يخطب" حالًا من الضّمير في "قُلت". ولا يتعلّق بـ "صاحبك"؛ لأنه ليس المراد تقييد الصّحبة بيوم الجمعة. قوله: "والإمام يخطب": جملة من مبتدأ وخبر، في محلّ حال من ضَمير الفاعل في "قلت". ولا يصحّ أن يكون حالًا من "صاحبك"؛ لفسَاد المعنى، ولا حالًا من ضمير "أنصت". و"يوم" معمول لفاعل "قلت"؛ لأنه يلزم أن يكون القائل "لاغيًا" بقوله: "أنصت"، وإن كان القول مُتقدّمًا على ساعة الخطبة، وليس كذلك. قوله: "فقد لَغَوت": "الفاء" جواب "إذا"، و"الفاء" في جواب الشرط تفيد التسبيب، وتقدّم الكلام على "الفاء" في السّادس من "الاستطابة"، وتقدّم الكلام على جواب الشّرط إذا كان ماضيًا لفظًا مُستقبلًا معنى، كما هو هنا، كُلّ ذلك في الحديث السّابع من "الجنابة".

стр. 732

الحديث [السّادس] (١): [١٣٧]: وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ [في الساعَةِ الأُولى] (٢) فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتمعُونَ الذِّكْرَ" (٣). قوله: "من اغتسل": تقدّم الكلام على "مَن" مستوفَى في الرّابع من أوّل الكتاب، والعاشر منه. وتقدّم في الحديث قبله "يوم الجمعة"، والكلام عليها. قوله: "ثم راح": تقدّم الكلام على "ثم" في الثّاني من "باب الجنابة"، وهي تفيد الترتيب، ورُوي: "ورَاحَ" (٤) بـ "الواو"، كلاهما لا تفيد معنى التعقيب المطلوب في اتصال "الغُسل" بالسّير إلى الجمعة، فلا يكُون فيه دليلٌ على اشتراط الاتصال بالسّير. قوله: [فكأنما] (٥): هو جوابُ الشرط. و"كأنما" كافَّة ومكفوفة. والكافَّة: ما كفَّت "كأنَّ" عن العمل، وتسمَّى: مهيِّئة، هيَّئتْ "كأنَّ" للدخُول على الفعل. وتقدّم الكلام على "كأنَّ" في الحديث الثّاني من "الأيْمان".

стр. 733

ويحتمل أن تكون "ما" هنا موصولة بمعنى "الذي" لو ثبت رفع "بدنة" في الرّواية، أي: "كأن الذي قربه بدنة"، فتكون "ما" مع صلتها اسم "كان"، و"بدنة" خبرها، والعائد على "ما" ضمير محذوف، لكن يتوقف ذلك على الرّواية. وفي الكلام محذوف، أي: "من اغتسل يوم الجمعة، وراح إلى الصلاة". قال في التسهيل: يلحق بمعنى "صار": "كان"، و"أصبح"، و"أضحى"، و ["أمسى"] (١)، و"ظل". ويلحَق بها ما رادفها من: "آض"، و"عاد"، و"آل"، و"رجع"، و"استحال"، و"تحول"، و"ارتد"، و"قعدت كأنها حربة". قال: والأصحّ أن لا يلحَق بها "آل" ولا "قعد" مُطلقًا، وأن لا يجعل من هذا الباب: "غدا" و"راح" ولا "أسحر" و"أفجر" و"أظهر" (٢). قال ابنُ مالك في "تحفة الراغب" (٣): التحقيقُ أنّ "غدا" و"راح" ليسا من هذا الباب، بل هي أفعال تامة، والمنصوبُ بعدها على الحال؛ لأنّ خبرها لا يصحّ أن يكون معرفة، وخبر أفعال هذا الباب يصلح أن يكُون معرفة، فلا تكون حالًا؛ لأنّ شرطها التنكير (٤). فـ "راح" هنا متعدٍّ بحرف الجر، فلا يكُون لها اسم وخبر إلّا عند مَن جعل لها ذلك، فيكون خبرها محذوفًا، أي: "من راح قاصدًا للمسجد في الساعة الأولى". قوله: "قَرّب بدنة": المعنى: "أهدَى بدنةً"، ومنه: "القُربان".

стр. 734

قوله: "في السّاعة الثّانية": تقدّم بناء اسم الفاعل من أسماء العَدَد في التّاسع من "باب صفة الصلاة". قوله: "أقرن": صفة لـ "كبش"، وليس هو "أفعل من"، وإنما المراد: "ذا قرنين"، كـ "أبطح"، و"أبرق" مما استُعمل دون موصوفه. و"السّاعة الثّانية" و"الثّالثة" و"الرّابعة": حكمها جارٍ على القَاعِدة الأصلية المرفوضة، فتؤنّث مع المؤنث، وتذكّر مع المذكّر (١)، قالوا: لأنّه جرى مجرى "ضارب" و"ضاربة"، وقد تقدّم ذلك. قوله: "فإذا خرج الإمام": تقدّم حُكم "إذا" والعامل فيها في الثّاني من أوّل الكتاب. وجواب "إذا": "حضرت الملائكة". يجوز في "حضر" فتح عينه وكسرها، يُقال: "حضر القاضي اليوم امرأة"، بكسر "الضاد" وفتحها. و"الملائكة": جمع "ملك"، على وزن "فَعَل"، من "الْمُلْك"، وهو "القوة"، ولا حذف فيه، وجُمع على: "فعائلة" شذوذًا. وقيل: مُفرده "فَعْأل" كـ "شَمْأل". وقيل: مفرد "مَلْأَك" على وزن "مَفْعَل"، قال: فَلَسْتَ لَإِنْسِيٌّ وَلَكِنْ لَمَلْأَكٌ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (٢) وقيل: مفرده "مألك" من "الألوكة"، وهي: "الرّسالة" (٣).

стр. 735

قوله: "يستمِعُون الذّكْر": الجملة في محلّ الحال من "الملائكة". و"الذِّكر" مفعول "يستمعون". و"استمع": "افتعل"، من الاستماع. الحديث [السّابع] (١): [١٣٨]: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النبي ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ" (٢). وَفِي لَفْظٍ: "كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النبي ﷺ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ". (٣) قوله: "وكان من أصحاب الشّجرة": جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب، والجمل التي لا محلّ لها من الإعراب تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من الكتاب. والمراد هنا: "من أصحاب بيعتهم تحت الشجرة". وجاء أنّ "شجرة البيعة من الجنّة" (٤) لأنّ أهلها استوجبوا الجنة بما حصل لهم من رضا الله. وتقدّم الكلام على "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين". قوله: "ثُم ننصرف" يعني: "من الصّلاة"، والجملة معطوفة على "نصلي".

стр. 736

قوله: "وليس للحيطان ظِلّ": الجملة في محلّ الحال من فاعل "ننصرف"، وجاءت الحال بـ "الواو"، من غير ضمير. و"ظِلّ" اسم "ليس"، وخبرها في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر. وتقدّم الكلام على "ليس" في الأوّل من "الحيض". قوله: "نَستَظل به": جملة في محلّ الصّفة. قوله: "وفي لفظ": يتعلّق بفعل محذوف، أي: "وجاء في لفظ"، وجملة "كنّا" في محلّ الفاعل على الحكاية. ويُقدَّر: "رُوي في لفظ"، فتكون الجملة كُلّها في محلّ مفعول لم يُسمّ فاعله. قوله: "كنا نُجَمِّع": تقدّم الكلام عليه في الخامس من "باب جامع". وفي قوله: "إذا زَالَت الشّمس" تجوُّز؛ لأنّ وقت الزّوال ليس هو وقت الصّلاة، إنما وقت الصّلاة بعد الزّوال. قوله: "ثُم نرجع": يعني: "بعد الصلاة إلى بيوتنا"، وهو معطوفٌ على "نُجمِّع". و"نُجَمِّع" بفتح "الجيم" وتشديد "الميم" المكسورة، أي: "نقيم الجمعة" (١). قوله: "نتتبع الفيء": معطوفٌ على "نرجع". وجواب "إذا" محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذا زالت الشمس جَمَّعنا". و"الفيء" مخصوص بـ "الظِّلّ بعد الزّوال"، فإن أُطلق على مُطلق الظلِّ فمجاز، لأنه من: "فاء الفيء"، إذا "رجع"، وذلك فيما بعد الزّوال. وسُمِّي فيئًا لرجوعه من جانب إلى جانب. قال ابنُ السّكيت: "الظّلّ": "ما نسخته الشمس"، و"الفيء": "ما نسخ

стр. 737

الشمس" (١). وجمعه: "أفياء"، و"فيوء" (٢). الحديث [الثامن] (٣): [١٣٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. (٤) الإعراب: جملة "يقرأ" في محلّ خبر "كان". و"كان" واسمها وخبرها معمول القول. وجملة " ﷺ " و"﵁" معترضتان. وجملة "قال" في محلّ خبر "أن" المقدّرة، وهي ومعمولها في محلّ معمول متعلّق حرف الجر. وجملة "يقرأ" في موضع خبر "كان"، و"في صلاة" يتعلّق بـ "يقرأ". و"يوم": ظرفُ زمان، العاملُ فيه: "صلاة"؛ لأنّه مصدَر، وعليه المعنى. و"الم تنْزيل": مفعول "يقرأ"، مبني على الحكاية. و"السّجدة" منصوبٌ بدَلًا، ويحتمل أن يكُون عطف بيان. وأمّا إعراب "الم تنزيل" في محلّها من الكتاب العزيز، فقد قيل في الحروف المقطّعة في أوائل السور: إنها أقسَام (٥)، ومحلّها نصب على أنها مفعول بفعل مُقدّر،

стр. 738

أي: "اتل". أو على تقدير حذف حرف القَسَم، كما تقول: "الله لأفعلن"، والنّاصب فعل محذوف تقديره: "التزمت الله"، أي: "اليمين به". وقيل: محلّها رفع على الابتداء، والخبر فيما بعدها. وقيل: محلّها خبر مبتدأ على إضمار "هذه" (١). وأمّا "تنْزيل الكتاب": فقيل: مبتدأ، و"لا ريب" خبره. ويجوز أن يكون "تنزيل" خبر مبتدأ محذوف، أي: "وهذا المتلوّ تنزيل"، أو "هذه الحروف تنزيل"، [و"الم"] (٢) يدلّ على [الحروف] (٣). وقال أبو البقاء: "الم" مبتدأ، و"تنزيل" خبر بمعنى "المنَزَّل"، و"لا ريب فيه": حالٌ من "الكتاب"، والعامل فيه: "تنزيل" (٤). قوله: "وهل أتى على الإنسان حين": معطوفٌ عليه، وهو مثله في البناء على قصد [الحكاية] (٥)، وهذا من باب تسمية الكُلّ بالجزء. وتقدّم الكلام على "عن" وأحكامها في الثّالث من "باب الصفوف"، وتقدّم الكلام على "في" في الرّابع من أوّل الكتاب. ***

стр. 739

باب العيدين [الحديث الأوّل] (١): [١٤٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". (٢) تقدّم إعراب السَّند في الذي قبله. و"أبو بكر" من الكُنى المركّبة تركيب إضافة، تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"عمر" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"العيد": مُشتق من "العَوْد"، وهو "الرجوع"، وقيل: "لعَوْدِه بالفرح"، وقيل: تفاؤلًا لأنْ يعود على مَن أدرَكه، كـ "القافلة". وهو من ذوات "الواو"، وأصله "عوِد" بكسر "الواو"، فقلبت "الواو" ياء، كـ "الميقات" و"الميزان". وجمعُه: "أعياد". قالوا: وإنما جُمع بـ "الياء"، وإن كان أصله "الواو"؛ للزومها في الواحد. وقيل: للفرْق بينه وبين "أعواد الخشب" (٣). قوله: "يصلون العيدين": جملة في محلّ خبر "كان". و"العيدين": المراد: "صلاة العيدين". وقد تقدّم أنّ "صلَّى" لا يتعدّى إلى مفعول به، ويتعدّى إلى مصدَره وظرفه، في الخامس من "فضل الجماعة".

стр. 740

وأصل "يُصلّون": "يُصليون" بـ "ياء" قبلها كسرة، والعَرَب تَعاف الانتقال من الكَسر إلى الضّم، فحذفوا الضّم؛ لثقله، وحذفت "الياء" لسكونها وسكون "الواو"، وحرّكت "اللام" بالضّم لأجْل "الواو". وقيل: نُقلت ضمَّة "الياء" إلى "اللام" بعد تسكين "الياء"، ثم حذفت. قوله: "قبل الخطبة": تقدّم حُكم "قبل" و"بعد" وما لا يقبل التصغير من الأسماء في الثّالث من "التيمم"، والرّابع من الأوّل. والعاملُ في "قبل": "يُصلّون". الحديث الثّاني: [١٤١]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي نَسَكْتُ بشَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي؛ فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (١). قال الشّيخ تقيّ الدّين: "النسك" هنا يُراد به "الذبيحة"، وقد استُعمل فيها كثيرًا، واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدّماء المراقة في الحج، وقد [استُعمل] (٢) فيما هو أعمّ من ذلك من العبادات، ومنه: "فلان ناسك"، أي: "مُتعبّد" (٣). انتهى
следующие страницы →