← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله: "وليس للحيطان ظِلّ": الجملة في محلّ الحال من فاعل "ننصرف"، وجاءت الحال بـ "الواو"، من غير ضمير. و"ظِلّ" اسم "ليس"، وخبرها في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر. وتقدّم الكلام على "ليس" في الأوّل من "الحيض". قوله: "نَستَظل به": جملة في محلّ الصّفة. قوله: "وفي لفظ": يتعلّق بفعل محذوف، أي: "وجاء في لفظ"، وجملة "كنّا" في محلّ الفاعل على الحكاية. ويُقدَّر: "رُوي في لفظ"، فتكون الجملة كُلّها في محلّ مفعول لم يُسمّ فاعله. قوله: "كنا نُجَمِّع": تقدّم الكلام عليه في الخامس من "باب جامع". وفي قوله: "إذا زَالَت الشّمس" تجوُّز؛ لأنّ وقت الزّوال ليس هو وقت الصّلاة، إنما وقت الصّلاة بعد الزّوال. قوله: "ثُم نرجع": يعني: "بعد الصلاة إلى بيوتنا"، وهو معطوفٌ على "نُجمِّع". و"نُجَمِّع" بفتح "الجيم" وتشديد "الميم" المكسورة، أي: "نقيم الجمعة" (١). قوله: "نتتبع الفيء": معطوفٌ على "نرجع". وجواب "إذا" محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذا زالت الشمس جَمَّعنا". و"الفيء" مخصوص بـ "الظِّلّ بعد الزّوال"، فإن أُطلق على مُطلق الظلِّ فمجاز، لأنه من: "فاء الفيء"، إذا "رجع"، وذلك فيما بعد الزّوال. وسُمِّي فيئًا لرجوعه من جانب إلى جانب. قال ابنُ السّكيت: "الظّلّ": "ما نسخته الشمس"، و"الفيء": "ما نسخ

стр. 737

الشمس" (١). وجمعه: "أفياء"، و"فيوء" (٢). الحديث [الثامن] (٣): [١٣٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. (٤) الإعراب: جملة "يقرأ" في محلّ خبر "كان". و"كان" واسمها وخبرها معمول القول. وجملة " ﷺ " و"﵁" معترضتان. وجملة "قال" في محلّ خبر "أن" المقدّرة، وهي ومعمولها في محلّ معمول متعلّق حرف الجر. وجملة "يقرأ" في موضع خبر "كان"، و"في صلاة" يتعلّق بـ "يقرأ". و"يوم": ظرفُ زمان، العاملُ فيه: "صلاة"؛ لأنّه مصدَر، وعليه المعنى. و"الم تنْزيل": مفعول "يقرأ"، مبني على الحكاية. و"السّجدة" منصوبٌ بدَلًا، ويحتمل أن يكُون عطف بيان. وأمّا إعراب "الم تنزيل" في محلّها من الكتاب العزيز، فقد قيل في الحروف المقطّعة في أوائل السور: إنها أقسَام (٥)، ومحلّها نصب على أنها مفعول بفعل مُقدّر،

стр. 738

أي: "اتل". أو على تقدير حذف حرف القَسَم، كما تقول: "الله لأفعلن"، والنّاصب فعل محذوف تقديره: "التزمت الله"، أي: "اليمين به". وقيل: محلّها رفع على الابتداء، والخبر فيما بعدها. وقيل: محلّها خبر مبتدأ على إضمار "هذه" (١). وأمّا "تنْزيل الكتاب": فقيل: مبتدأ، و"لا ريب" خبره. ويجوز أن يكون "تنزيل" خبر مبتدأ محذوف، أي: "وهذا المتلوّ تنزيل"، أو "هذه الحروف تنزيل"، [و"الم"] (٢) يدلّ على [الحروف] (٣). وقال أبو البقاء: "الم" مبتدأ، و"تنزيل" خبر بمعنى "المنَزَّل"، و"لا ريب فيه": حالٌ من "الكتاب"، والعامل فيه: "تنزيل" (٤). قوله: "وهل أتى على الإنسان حين": معطوفٌ عليه، وهو مثله في البناء على قصد [الحكاية] (٥)، وهذا من باب تسمية الكُلّ بالجزء. وتقدّم الكلام على "عن" وأحكامها في الثّالث من "باب الصفوف"، وتقدّم الكلام على "في" في الرّابع من أوّل الكتاب. ***

стр. 739

باب العيدين [الحديث الأوّل] (١): [١٤٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". (٢) تقدّم إعراب السَّند في الذي قبله. و"أبو بكر" من الكُنى المركّبة تركيب إضافة، تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"عمر" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"العيد": مُشتق من "العَوْد"، وهو "الرجوع"، وقيل: "لعَوْدِه بالفرح"، وقيل: تفاؤلًا لأنْ يعود على مَن أدرَكه، كـ "القافلة". وهو من ذوات "الواو"، وأصله "عوِد" بكسر "الواو"، فقلبت "الواو" ياء، كـ "الميقات" و"الميزان". وجمعُه: "أعياد". قالوا: وإنما جُمع بـ "الياء"، وإن كان أصله "الواو"؛ للزومها في الواحد. وقيل: للفرْق بينه وبين "أعواد الخشب" (٣). قوله: "يصلون العيدين": جملة في محلّ خبر "كان". و"العيدين": المراد: "صلاة العيدين". وقد تقدّم أنّ "صلَّى" لا يتعدّى إلى مفعول به، ويتعدّى إلى مصدَره وظرفه، في الخامس من "فضل الجماعة".

стр. 740

وأصل "يُصلّون": "يُصليون" بـ "ياء" قبلها كسرة، والعَرَب تَعاف الانتقال من الكَسر إلى الضّم، فحذفوا الضّم؛ لثقله، وحذفت "الياء" لسكونها وسكون "الواو"، وحرّكت "اللام" بالضّم لأجْل "الواو". وقيل: نُقلت ضمَّة "الياء" إلى "اللام" بعد تسكين "الياء"، ثم حذفت. قوله: "قبل الخطبة": تقدّم حُكم "قبل" و"بعد" وما لا يقبل التصغير من الأسماء في الثّالث من "التيمم"، والرّابع من الأوّل. والعاملُ في "قبل": "يُصلّون". الحديث الثّاني: [١٤١]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ". فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي نَسَكْتُ بشَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي؛ فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (١). قال الشّيخ تقيّ الدّين: "النسك" هنا يُراد به "الذبيحة"، وقد استُعمل فيها كثيرًا، واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدّماء المراقة في الحج، وقد [استُعمل] (٢) فيما هو أعمّ من ذلك من العبادات، ومنه: "فلان ناسك"، أي: "مُتعبّد" (٣). انتهى

стр. 741

قوله: "خطبنا النبي ﷺ ": تقدّم الكلام على "خطب" ومعناه وتعدّيه في الحديث الثّالث من هذا الباب. وإنما يتعدّى "خَطَب" من "الخِطْبة" بكسر "الخاء". وأمّا من "الخُطبة" بضمّها: فيتعدَّى إذا ضُمِّن معنى "حثَّ" و"وعَظ"، فهو هنا مُتعدٍّ؛ لأنّ معناه: "حثَّنا على أفعال، أو على آداب، فقال كذا". ويدلُّك على هذا أنّه لا يُقال: "خطب زيدٌ عمْرا" إلّا بمعنى "وعظه" أو "حثَّه". قوله: "مَن صَلى صَلاتنا": أي: "صَلاة مثل صَلاتنا"، فهو مُضافٌ لنعت مصدَر محذُوف، وكذلك: "نَسَك نُسُكَنا". و"مَن" اسم شَرط، تقدّمت مع أقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، ومحلّها الرّفع بالابتداء، وفعلها في محلّ جَزم بها، ويكُون الخبر في جوابها، ويحتمل أن يكون الخبر في فعلها؛ لأنّ في كُلٍّ منهما ضميرًا يعود عليها. و"النُّسُك": يجوز فيه الضم والسكون، وقد قُرئ: "ففدية من صيام أو صدقة أو نُسْك" (١) بسكون "السّين". قوله: "فقد أصَاب النّسك": جوابُ الشرط هنا: "فقد أصاب" إن قُدِّر "مَن صلى مثل صلاتنا" في المستقبل. وإن قدِّر الفعل ماضيًا، أي: "من صلى هذه الصلاة معنا ونسك كنسكنا"، فالجوابُ محذوف يدلّ عليه سياق الكَلام، أي: "فذلك على سُنتنا". وإنما لم يُجعل "فقد أصاب" جوابًا للشرط؛ لأنّ الجوابَ إذا كان ماضيًا لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر: ٤]، وكقوله

стр. 742

تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، و ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؛ فالجوابُ محذوف؛ لأنّ الشرط يقتضي الاستقبال في فعله وجَوابه، فلو وَقَع بعده فعل مَاض [قلبه] (١) الشّرط مُستقبلًا. فلو قلت: "إن قام زيد أكرمته"، و"من قام أكرمته"، انقلب المعنى إلى الاستقبال، يصح الجواب؛ لمطابقته معنى الشّرط (٢). قال أبو حيّان: ومنه ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، الجواب: "فقد أوتي"؛ لأنّ معناه الاستقبال (٣). قلت: ولو جاء ههنا: "مَن يصلي صَلاتنا وينسك" علمنا أنّ الماضي بمعنى المستقبل؛ فيصحّ جوابًا، ولكنهما جاءا ماضيين؛ فوَجَب تقدير الجواب، لما تقدّم. ولو جاء الأول مستقبلًا والثاني ماضيًا معنى: لم يصحّ جَوابًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. ولو كان فعل الشرط "كان": فاختلف فيها: فقيل: تنقلب إلى الاستقبال. وقيل: لا تنقلب؛ لأنها خرجت عن الأفعال بعدم التصرّف (٤)، وقد تقدّم ذلك مُستوعبًا في الحديث السّابع من "الجنابة". قوله: "فلا نُسك له": جملة اسمية منفيّة بـ "لا". و"لا" لنفي المستقبل (٥)، فلا يقَع موقعها "ما"؛ لأنّ "ما" لنفي

стр. 743

الحال (١)، وكذلك جاء في الماضي في قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣]، ولم يقل: "ما تغن" لهذا المعنى. و"نسك" اسم مبني مع "لا"، مثل: "لا ريب". وقد تقدّم الكلام على "لا" مع اسمها المبني معها في الحديث الأوّل من "باب التيمم". و"له" يتعلّق بخبر "لا"؛ لأنها مع اسمها في موضع رَفع بالابتداء. قوله: "قال أبو بردة بن نيار": "بردة" لا ينصرف للعَلَمية والتأنيث، والكَلام عليه كالكلام على "أبي هريرة"، وقد تقدّم في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. قوله: "خال البراء بن عازب": هو مرفوع، صفة لـ "أبي بردة"، ويصحّ أن يكون بدَلًا أو عطْف بيان. وجملة: "يا رسُول الله": معمولة للقول. وجملة: "إني نَسَكت شَاتي": كسرت "إنّ"؛ لأنها في ابتداء الكلام، وتقدّم الكلام على "إنّ" ومواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب. والأصل: "إنني"، فحذفت إحْدَى النّونات تخفيفًا. قوله: "نسكت شاتي": أي: "ذبحتُ شاتي". و"النسيكة": "الذبيحة"، وجمعها: "نُسُك" (٢). ويحتمل أن يكون المعنى: "نسكتُ [بشاتي] (٣) "، أي: "تقرّبتُ بها"، و"تعبّدتُ بها"، ثم حُذف حرف الجر، وعُدِّى الفعل بنفسه. قوله: "قبل الصّلاة": الألِف واللام في "الصّلاة" لمعهود في الذّهن، وهو

стр. 744

"صلاة العيد". قوله: "وعرفت أنّ اليوم": فتحت "أنّ"؛ لأنها معمولة لـ "عرف" (١)، فهي واسمها وخبرها في محلّ نصب بـ "عرف". و"اليوم" اسم "أنّ". وخبرها: "يوم أكْل". وقال: "يومُ أَكْل": أي: "يُؤكل فيه". و"اليوم" يُطلق على الزّمان من غير تحديد، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وتقول: "اليوم يفعل فلان كذا". ويُطلق على المدّة، نحو: "يوم حنين". ويُطلق على الدّولة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. (٢) ومن معنى قوله: "يوم أكل" قوله تعالى: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] أي: "العسر فيها"، فيضاف "اليوم" إلى ما يقع فيه، فإضَافته مُقدَّرة بـ "في". قوله: "وأحببتُ أن تكُون شَاتي": جملتا "عرفت" و"أحببت" معطوفتان على "نَسَكت" و"عَرفت"، ويحتمل أن يكُونا في محلّ الحال، أي: "وقد عرفت"، و"قد أحببت". يُقال: "أحبَّه" فهو "محبّ". و"حبَّه"، "يَحِبُّه" بالكسر، فهو "محبوب"، قال الشّاعر:

стр. 745

أُحِبُّ أبا مروان من أجل تمرِهِ ... وأعلُم أنّ الرِفقَ بالمرء أَرْفَقُ وَوَاللهِ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَببْتُهُ ... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقِ (١) قال: وهذا شاذّ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف بـ "فعل" بالكسر إلّا ويشركه بـ "فعل" بالضّم [إذا] (٢) كان مُتعدّيًا، ما خلا هذا [الحرف] (٣). (٤) قوله: "أوّل": تقدّم الكلام عليه في أوّل حديثٍ من الكتاب، وهو هنا "أفعل"، [وصُرِف] (٥) للإضَافة. و"ما" هنا نكرة موصوفة، ويحتمل أن تكون موصُولة، والعائد على الصّلة أو الصّفة ضمير "يُذبح". و"في بيتي" يتعلّق بـ "يُذبح". و"يُذبح" فعل مضارع مبني لما لم يُسمّ فاعله. قوله: "فذبحتُ شاتي وتغديتُ": المراد: "تغدّيت منها". قوله: "قبل أنْ آتي الصّلاة": "أنْ" وما بعدها مقدّرة بمصدّر مخفُوض بالإضافة، أي: "قبل إتيان الصّلاة". والعامل في "قبل": "تغدَّيت" أو "ذبحت"، ويجري فيها التنازع. قوله: "قال": أي: "النبي ﷺ ". "شاتك شاة لحم" أي: "غير نسك"، سيأتي الكلام على تصريف "الشّاة" في الثّاني من "كتاب الحدود". والإضافة في "شاة لحم" بتقدير محذوف، أي: "شاة طعام لحم"، أي: "لا طعام نُسك"، أو "شاة مَطعَم لحم"، أو ما أشبه ذلك. يعني: " [شاة] (٦) لحم غير نسك"،

стр. 746

فهي مُضافة إلى محذُوف أقيم المضَاف إليه مقامه. قوله: "فإنّ عندي عناقًا": منصوب بـ "إن"، وخبر "إنّ" في الظّرف. قوله: "هي أحبُّ إليَّ مِن شاتين": جملة من مبتدأ [وخبر] (١) في محلّ صفة لـ "عناقًا". و"أَحَبُّ" أفعل التفضيل، وتقدّم الكلام على "أفعل" التفضيل في الحديث الأوّل من "الصّلاة". و"من" مع "أفعل" للتبعيض. ويتوَجّه نصب "أحَبّ" على الصّفة لـ "عناقًا" إنْ توجَّه أن تكُون "هي" [فصلًا] (٢)، أو مُقحَمة، أو تأكيدًا. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]: إنّ "هو" فاصِلة. وقاله القاضي أبو محمد بن عطيّة (٣). قوله: "أفتجزئ عني": "الهمزة" للاستفهام، و"الفاء" عاطفة. وتقدّم قول أبي حيّان: [إذا دَخَل] (٤) حرفُ الاستفهام على الفعل لا يكون فيه إشعار بوقُوع الفعل، وأمّا إن دخَل على الاسم ففيه إشعار بوقوع الفعل في الوجُود، والاستفهام عن صُدور ذلك الفعل (٥). فإذا قلت: "أهي تجزئ؟ "، أشعرَ وقوع فعل الذَّبح، فجاء التركيب على القاعدة في عدم الوقوع، وإنما تأخّرت ["الفاء"] (٦) عن "همزة" الاستفهام؛ لاستحقاق الاستفهام الصّدْر. وجعل بعضهم "الفاء" عاطفة على محذوف تقديره:

стр. 747

"أفأذبحها فتُجزئ عني؟ ". قوله: "عنِّي": تقدّم الكلام على "عن" في الثّالث من "باب الصفوف"، و"نون" الوقاية في أوّل حديثٍ من "باب الطّمأنينة"، وإثبات "نون" الوقاية في "عني" أَوْلى من حَذفها. قوله: "نَعَم": تقدّم في الرّابع من "باب الجنابة". قوله: "ولن تجزي عن أحَد بعدك": "لن" من حروف النّصب، وهي لنفي المستقبل. واختُلف: هل هي مُركّبة أو بسيطة؟ (١). وهي لنفي "سيفعل"، ولا يقتضي تأبيد النّفي ولا تأكيده، خلافًا للزّمخشري (٢). وتقع دُعامة، كما أتت "لا" دُعامة عند جماعة، منهم ابن عصفور. (٣) وليس أصلها: "لا"، فأبدلت ألِفها نونًا، خلافا للفرّاء (٤)، ولا "لا أن" فحُذفت "الهمزة" تخفيفًا، و"الألِف" للساكنين، خِلافًا للخليل (٥). وقد جاء الجزم بها في قوله في منامة ابن عمر: "لَنْ تُرَعْ، لَنْ تُرَعْ" (٦). (٧) وتقدّم الكلام على "أحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل. و"بعدك" يتعلّق بصفة لـ "أحَد".

стр. 748

قال الشّيخ تقيّ الدّين: المختار فتح "التاء" في "تجزي"؛ لأنّه بمعنى "تقضي"، يُقال: "جَزَى عني كذا"، أي: "قضى"، وذلك أنّ الذي فَعَله لم يقَع نُسكًا، فالذي يأتي به لا يكُون قضاء عنه (١). الحدِيث الثّالِث: [١٤٢]: عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ" (٢). قوله: "يوم النحر": العاملُ فيه: "صلى". وجملة "صلى" في محلّ معمول بالقول. و"قال" في محلّ معمول [متعلّق] (٣) حرف الجر، بتقدير: "أنه قال". قوله: "خَطب ثُم ذَبح": "ثم" للترتيب والمهلة. وتقدّم الكلام عليها في ["باب] (٤) الجنابة"، وبذلك حصل الترتيب بين الخُطبة والذَّبح. وتقدّم القول على "خطب" في الحديث الرّابع من "باب الجمعة". قوله: "وقال": جاء العطف بـ "الواو" المقتضية للجمع من غير ترتيب؛ لأنّه أراد الإخبار، وقد يستدلّ بوقوعها هنا مُرتّبة على أنها للترتيب، وهو مذْهَب الكوفيين (٥).

стр. 749

قوله: "مَن ذبح قبل أن يُصلي": "مَنْ" شرطية، محلّها رفع بالابتداء، وتقدّم الكلام عليها في مواضع، فلتُنظر في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "فليذبح أخرى": "الفاء" جواب الشرط، و"اللام" لام الأمر، وتقدّمت "لام" الأمر في الرّابع من الأوّل. و"أخرى" صفة لمحذوف تقديره: شاة أخرى. و"أخرى": تأنيث "آخر"، و"أَأْخَر" أفعل التفضيل، فهو لا ينصرف للصّفة والوزن، و"أخرى" لا تنصرف للتأنيث اللازم. قال ابنُ هشام: "أخر" في نحو: "مررت بنسوة أُخَر" جمع لـ "أخرى"، و"أخرى" تأنيث "آخر" بالفتح، بمعنى "مغاير"، وهو من باب اسم التفضيل، واسم التفضيل قياسه أن يكون في حالة تجرّده من "ال" والإضافة مُفردًا مُذكّرًا، نحو: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ [يوسف: ٨]، ونحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ﴾ [التوبة: ٢٤]، فكان القياس أن يُقال: "مررت [بآخر"] (١)، و"بنساء آخر"، و"برجال آخر"، و"برجلين آخر"، ولكنهم قالوا: "أُخرى"، و"أُخَر"، و"آخرين"، قال الله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ [التوبة: ١٠٢]، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾ (٢) [المائدة: ١٠٧]، فهذا هو حقيقة العَدْل عن صيغته الأصليّة (٣). وإنما خصّ النحويون "آخر" بالذّكر: لأنَّ في "آخر" وزن الفعل، وفي "أخرى" ألِف التأنيث، وهما أوضَح من العَدْل. وأمَّا "آخِرون" بكسر "الخاء"، و"آخِران" فمعربان.

стр. 750

وإن كانت "أخرى" بمعنى: "آخِرة"، نحو: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] جمعت على "أُخر" مصروفًا؛ لأنَّ مُذكّرها "آخِر" بالكسر، بدليل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧]، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فليست من باب اسم التفضيل (١). قوله: "مكانها": ظرفُ مكان. قال في التسهيل: "مكان" كثير التصرف، لا بمعنى "بدل" (٢). يعني: أنها إذا كانت بمعنى "بدل" تنزلت منزلة "غير"، وهذا المعنى هنا، فيكون صفة لـ "أخرى"، أو بَدَل، أو صفة لـ "شاة" المحذُوف. وسُمّي "المكان" مكانًا: لتمكُّن الجسم فيه وثبُوته، ووزنُه: "فَعال"، لقولهم: "أمكنة"، فـ "الميم" أصل، و"الألِف" زائدة (٣). قوله: "ومَن لم يَذبَح فليَذْبح": "لم" تقدَّم الكَلام عليها في الثّالث مِن "المذي"، وفي الثّالث من "الجنَابة"، وهي لنفي الزّمان الماضي المنقِطع من زَمَان الحال، والجوابُ جاء مُستقبلًا على قاعدته. و"يذبَح" مجزوم بـ "لم"، لا بـ "مَن"، لأنَّ ["لَم"] (٤) لا تدخُل إلَّا على الفعل المستقبل، و"مَن" تدخُل على الماضي. وذَهَب بعضهم إلى أنّ التنَازع يقَع في سَائر العَوامِل (٥)، والصّحيح الأوّل. قوله: "باسم الله": حرفُ الجر يتعلّق بحَال، أي: "قائلًا بِاسْمِ الله"، أو "مُتبرّكًا

стр. 751

بِاسْم الله". وقيل: المراد: "فليذبح لله". وقيل: "لسُنَّة الله". وقيل: "بتسمية الله على ذبيحته". والأوّل عندي أظْهَر؛ لأنَّ القَولَ يُحذَف كثيرًا. [الحدِيث الرّابع] (١): [١٤٣]: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلا أَذَانٍ وَلا إقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتكِّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ". فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ. (٢) قوله: "يوم العَيد": ظرفُ زمان، مُقدّر بـ "في"، أي: "شهدت الصلاة مع النبي ﷺ في يوم"، فالمفعولُ محذوف. ويحتمل أن يكون "يوم" مفعول "شهدت"، ويكون التقدير: "حضرت يوم العيد". "فبدأ فيه بالصّلاة"، وتقدّم الكلام على "بدأ" في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة". و"قبل": ظرف، العاملُ فيه: "بدأ"، ويحتمل أن تعمل فيه: "الصّلاة"، وتقدّم الكَلام على "قبل" في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، و"الخُطبة" بضَمّ "الخاء" تقدَّم في الرّابع من "صلاة الجمعة". قوله: "بلا أذَان": "الباء" حرف جر، وهي "باء" الحال من ضمير "النبي ﷺ "، أي: "مبتدئًا بلا أذان"، أو تتعلّق "الباء" بحال من "الصّلاة" إن كان العامل في "قبل": "الصّلاة". ولا يجوز إن كان العامل في "قبل": "بدأ"، للفَصل بين المصدر ومعموله بأجنبي.

стр. 752

و"لا" هنا عند الكُوفيين اسم بمعنى "غير" لدُخُول حرف الجر عليها (١). و"أذانٍ" مخفوضٌ بالإضافة إليها، ومثله قوله: "خرجت بلا زاد"، و"جئت بلا شيء". والصّحيح: أنّ "أذان" مجرور بـ "الباء"، و"لا" دَخَلت بين حَرف الجر والاسم لمعناها من النفي، فهي زائدة [بين "الباء"] (٢) ومعمولها، وعلى هذا يكون الزّائد مُعترضًا بين شيئين مُتطالبين (٣)، وإن لم يصحّ المعنى بإسقاطه، كما قيل في: ["زيد كان فاضل"] (٤)، فـ "كان" تفيد معنى المضي والانقطاع، ويُسمونها: زائدة، وكذلك قالوا في نحو: "ما جاءني زيد ولا عمرو": ["لا"] (٥) زائدة، وإن كان المعنى يختلّ بإسقاطها. فإذا قلت: "ما جاءني زيد وعمرو"، احتمل أنّ المراد نفي مجيء كُلّ واحد منهما على حال، وأن يُراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء، فإذا جيء بـ "لا" صَار الكلام [نصًّا] (٦) في المعنى الأوّل (٧). قال الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]: حال، و"إلّا" لغو (٨). قال أبو حيان: لا يريد أنها زائدة، وإنما يريد أنَّ ["يولهم"] (٩) وصلة إلى العمل فيما بعدها، كما قالوا في: "جئت بلا زاد": إنَّ "لا" لغو باعتبار العَمل، لا المعنى،

стр. 753

والاستثناء من حال محذوفة، أي: "ومن يولهم [متلبِّسًا] (١) بأيّ حال كان إلَّا في حال كَذا". ولو لم يُقدّر حالًا محذوفة لم يصحّ دخُول "إلا"؛ لأنَّ الشّرط عندهم واجب، والتفريغُ لا يكُون في الواجب (٢). قال ابنُ هشام: نعم، هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] لمجرد التأكيد، وكذا: "لا يستوي زيد ولا عمرو" (٣). إذا ثبت ذلك: فـ "الباء" تتعلّق بـ "بدأ"، ولا تتعلّق بـ "الصلاة"، وإن كانت مصْدرًا؛ للفصل بين المصْدَر وما عمل فيه بمعمول لغيره، لأنَّ "قبل الخطبة" معمول لـ "بدأ". ويحتمل أن تتعلّق "الباء" بحال من "الصّلاة"، وتكون "باء" المصاحبة. ولـ "لا" أقسام تقدّمت في الثاني من باب الاستطابة. قوله: "ثُم قام مُتكئًا على بلال": "ثُم" حرفُ عطف ومُهلة، فيحتمل أن يكُون بين الصّلاة والخطبة مُهلَة لِمَشيه إلى مَكَان الخطبة. ويحتمل أن تكُون "ثم" لا مُهلة فيها، كقوله: كهَزِّ الرُّدَيْنيِّ تَحتَ العَجَاج ... جَرَى فِي الأَنَابِيبِ ثُمَّ اضْطَرَبْ (٤) ليس المراد في البيت: "تأخُّر اضطراب الرّمح عن زَمَن جريان الهَز في أنابيب". قوله: "مُتكئًا": حالٌ من ضمير الفاعل في "قام"، أصله: "موتكئًا"، أُبدلت

стр. 754

"الواو" ياءً، وأُدغمت في "التاء"، وتقدّم الكلام على مثل هذا في الحديث الثّالث من "الحيض". و"على بلال" يتعلّق بـ "متكئًا". قوله: "فأمر": الفاعِل ضَمير "النبي ﷺ ". قوله: "بتَقوَى الله": يتعلّق بـ "أمر"، و"على طاعَته" يتعلّق بـ "حَثَّ". و"تقوَى": "فَعْلَى"، من "وَقَى"، "يَقِي"، فعله الماضي: "اوتقَى"، ومُضارعه: "يوتقِي". و"التقوى" اسم المصْدَر، والإضَافة فيه إلى المفعول. (١) ومفعول "أمر" محذوف، أي: "أمر النَّاس". وتقدّم الكلام على "أمر" في أوّل "باب السواك". قوله: "وحثّ ووَعَظ الناس وذكّرهم": معطوفات على ما قبله، و"النَّاس" يحتمل أن يعمل فيه "حثَّ" أو "وعظ"؛ فيجري فيه حُكم التنازع، وكونه لم يجيء، "ووعظهم" دلَّ على إعمال الثاني. قوله: "ثم مضى حتى أتى النّساء": تقدَّم الكلام على "ثُم". و"مضى": مصدره: "مُضِيّا" بضم "الميم"، وقرأ الكسائي (٢) بكسرها اتباعًا لحركَة "الضّاد" (٣)، [كـ "العُتِيّ" و"العِتِيّ"]، (٤)، ووزنه: "فعول"، "مُضوي"، فالتقَت

стр. 755

"واو" ساكنة و"ياء" فأُبدلت "الواو" ياء، وأدغمت في "الياء"، وكُسِر ما قبلها لتصحَّ "الياء" (١). وقُرِئ بفتح "الميم" مصْدَرًا (٢). قوله: "فوعظهن": فعل ومفعول، معطُوف على "مضى"، و"ذكّرهن" و"قال" كلهن معطُوفات. و"تَصَدَّقْن": أمْر من "تصدَّق"، و"النون" فاعلة ضمير جماعة المؤمنات. "فإنَّكنَّ": "الفاء" عاطفة. و"إنَّكنَّ": "إنَّ" واسمها. و"أكثرُ حطبِ" خبرها، و"أكثر" أفعل التفضيل، استُعمل بالإضافة، وقد تقدَّم الكلام عليه في الأوّل من "الصّلاة". ولما كان "حَطَب جهنّم" - نعُوذ بالله منها - أنوَاعًا، حَسُن إضافة "أفعل" بمعنى: أكثر تلك الأنوَاع. و"جَهنم" لا تنصرف، للعَلمية والتأنيث. قوله: "فقامَت امرَأة": "التاء" علامَة التأنيث، وجاء: "قام امرأة" (٣)، والعَلامَة أشْهَر. قوله: "مِن سطة النساء": قال الشّيخ تقيّ الدّين: لهم في هذه اللفظة وجهان: - أحدهما: ما ذهَب إليه بعض الفُضلاء الأدباء من الأندلسيين أنه تغيير - أي: تصحيف - من الرّاوي، وكأنّ الأصل: "من سَفَلة النّساء"، فاختلَطَت "الفاء"

стр. 756

بـ "ـاللام"، فصارت "طاءً"، ويُؤيّد هذا أنّه ورَد في كتاب ابن أبي شيبة والنّسائي: "مِن سَفَلَةِ النّسَاء" (١)، وفي رواية: "فقَامَت امْرَأة مِن غَير عِلْيَة النّسَاء" (٢). الوجْه الثّاني: تقدير اللفظ على الصّحة، وهو أن تكُون اللفظة أصلها من "الوسط" الذي هو "خيار"، وبهذا فَسَّره بعضهم: "مِن عِلْيَة النّساء و [خيارهنّ"] (٣)، وعند بعض الرواة (٤): "مِن وَاسِطَةِ النّسَاء" (٥). قال ابنُ الأثير: "من خيارهم حسبًا ونسبًا". وأصلُ "سِطَة" من "الوسط" بـ "الواو"، وهو فاؤها، و"الهاء" فيها عِوَضٌ من "الواو"، كـ "عدة" و"زِنة" من "الوعد" و"الوزن" (٦). قوله: "سفعاء الخدّين": "الأسفع" و"السفعاء": "من أصَاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصليّ من سَواد وحمرة أو غيرهما" (٧)، انتهى. قوله: "سفعاء": هو مرفوعٌ على الصّفة عند مَن أجَاز تقدّم الصّفة المقدّرة على الصّفة الظاهرة (٨)، ومَن منع جعله خبر مبتدأ محذوف، وإن رُوي منصوبًا فهو حال أو مفعُول بفعل مُقدّر. وهو لا ينصرف للتأنيث اللازم.

стр. 757

قوله: "فقالت: لم يا رسُول الله": الأكثرون على لزوم [حذف] (١) ألِف "ما" الاستفهامية إذا دَخَل عليها حرف جرٍّ وأضيف إليها (٢)، وتقدّم الكَلام عليه في السّادس من "الاستطابة". ومن الإثبات قوله: عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ... كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رماد (٣) [ويُروى: "في دَمان"]. (٤) (٥) وفي الحديث: "بما أهْلَلَت؟ " (٦). قوله: "قال: إنَّكنّ تُكثرن": أي: "قال النبي ﷺ ". "إنّكن": "إنَّ" واسمها. وجملة "تُكثرن" في محلّ خبرها. و"الشّكَاة" مفعول بـ "تكثرن"، و"الشّكاة": "الشّكوى"، مصدر "شَكَى". و"أكثر" يتعدّى بـ "من"، يُقال: "أكثر من الأكْل"، ويتعدّى بنفسه، كما هو هنا، ويتغير هذا المعنى إذا تعدّى بـ "على"، نحو: "أكثر على الناس"، بمعنى: "استطال". و"الشّكاة": مصدر "شَكَا" (٧).

стр. 758

قوله: "وتكفُرن العَشير": أي: "فَضْل العشير"، وهو "الزّوج". و"الكُفر" هنا بمعنى "الجحد". قال ابنُ الأثير: "العَشير": "المعاشر"، [كـ "المصادق"] (١) في: "الصديق"، لأنها تُعاشره ويُعاشرها، فهو "فعيل" من "العِشْرة"، وهي "الصّحبة" (٢). انتهى. قال الحريري: "وأفي [للعَشير] (٣) وإن لم يُكَافئ بالعَشير" (٤). أراد بالأوّل: "المعاشر"، وبالثّاني: "العُشْر"؛ فإنَّه يُقال: "عُشْر" و"عَشِير" و"مِعْشار"، بمعنى (٥). قوله: "قال: فجعلن يتصدّقنّ" أي: "قال جابر". و"جعل" هنا من أفعَال المقارَبة بمعنى "طفقن"، اسمها الضّمير المتصل بها، وخبرها: الجملة الفِعْلية. ولـ "جعل" أقسَام تقدّمت في الرّابع من أوّل الكتاب. قوله: "من حُلِيِّهنَّ": يتعلّق بـ "تصدّقن". قوله: "يلقين" بَدَل من "يتصَدّقن"، و"من أقراطهن" يتعلّق بـ "يلقين". و"الأقراط": جمع "قرط". قال القاضي عياض: الصّواب: [قِرَطَتُهُنَّ] (٦) بحَذف "الألِف"، وهو المعروفُ في جمع "قُرْط"، كـ "خُرْج" و"خِرَجَة"، ويُقال في جمعه: "قِراط"، كـ "رُمْح" و"رِماح"،

стр. 759

[ولعلّ "أقراط" جمعُ الجمع] (١) (٢). و"الخواتيم": جمع "خاتم" بكسر "التاء" وفتحها، ويقال: "خيتام"، و"خاتام"، أربع لُغات معروفة. و"في ثوب" يتعلّق بـ "يلقين"، و"من" لبيان الجنس، وتحتمل التبعيض. الحدِيث [الخَامس] (٣): [١٤٤]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ" (٤). وَفِي لَفْظٍ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى تخْرُجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى الْحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيِرهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". (٥) قوله: "نسيبة": بدَل من "أم عطيّة"، أو عطف بيان، ويجوز فيه الرّفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. و"الأنصارية" صفة لـ "أم عطية". وجملة: "أن نخرج" في محلّ نصب بإسقاط الخافض، أو محلّ جَر على الخلاف

стр. 760

في ذلك. وجملة "أُمِرْنا" في محلّ معمُول القول، والقول معمُول لمتعلّق حرف الجر. وصُرِف "العَواتق"، وهو على صيغة منتهى المجموع للألِف واللام، وهو جمع "عاتق" (١). و"ذوات": جمع "ذات" بمعنى: "صواحبات" (٢). قوله: "وأَمر الحُيَّض": تقدم حكم "أَمَر" و"أَنْ" بعدها، و"أَمر" هنا بفتح "الهمزة" لا غير. قوله: "نُخْرج": بـ "النون" المضمومة، من "أَخرَج". و"مُصلى": مفعول "يعتزلن". و"المصلى": "موضع الصّلاة". وإنما ذلك مُبالَغة في النّهي عن الصّلاة معهم، وعن مخالَطتهم، كقوله ﷺ : "مَنْ أكَلَ مِن هَاتَين الشّجَرَتَين الخَبِيثَتَين فَلَا يَقْرَب مَسْجِدَنَا" (٣). قوله: "وفي لفظ": أي: "وجاء في لفظ"، فتكون جملة: "كنا نُؤمر" في محلّ الفاعِل على الحكَاية، ويتعلّق حرْف الجر بـ "جاء". تقدَّم الكلام على "أمر" في "باب السّواك"، و"أن" النّاصبة المقَدّرة بمصْدر في العَاشر من الأوّل، وتقدّم حُكمه في الرّابع من الأوّل، وتقدّم "كنَّا" في الحديث [السّادس] (٤) من "جامع الصّلاة"، وتقدّم "يوم" في الثّالث من "الاستطابة"،

стр. 761

وتقدّمت "حتى" في الثّاني من الأوّل. قوله: "وفي لفظٍ": تقدَّم قريبًا، و"كنّا" كذلك. قوله: "أن نَخرُج" و"حتى تَخرُج البكر": "النون" و"التاء" مفتوحتان، وجَرَت "حتى" هُنا على قاعِدتها من الغَاية والنّصب، بإضمار "أنْ"، وهي هنا مُقدّرَة بـ "إلى أنْ"، بتقدير: "كنا نُؤمَر أن نَخْرج يَوم العيد، حتى أُمِرنا أنْ تَخرج البِكرُ". قوله: "حتى تخرُج البِكْر": الجملَة بعدها في موضِع جرٍّ بها، وقياسُ "حتى" أن لا تعمل شيئًا؛ لأنها لم تختصّ بالأسماء ولا بالأفعَال. فإن دَخَلت على الفعل المضَارع نَصبته بإضمار "أن" الخفيفة. وإنْ دَخَلت على الجمَل لم تُؤثّر فيها، وصارَت معها حرْف ابتداء. وإن دَخَلت على المفرَدات خفضتها بمعنى: "إلى". وإن دَخَلت على الماضي لم تُؤثّر فيه، وكان الفعل بعدها في محلّ جر بها. وجَرَت "حتى" هنا على القَاعِدة في كَون ما بعدها وقَع عليه الحُكم الذي وقَع على ما قبلها، وفي كَون ما بعدَها جزءًا مما قبلها، وأقلّ منه في الكمية، وبهذا حصل الفرق بين "إلى" و"حتى"، فإن "إلى" تجرُّ ما بعدها، ويجوز أن يكون من جنس ما قبلها ومن غير جنسه، تقول: "قام زيد إلى عمرو"، و"قام القوم إلى منزلهم". والعِلّة في ذلك: أنّ "حتى" لم تتمكّن في الغاية تمكّن "إلى" (١). قوله: "حتى الحُيَّض": بدَل من قوله: "حتى تخرُج البكْر"، ويصحّ أن تكون "حتى" عاطفة، أي: "وتخرج البكْر". و"الحُيَّض": جمع "حائض"، ويجمع على: "حوائض".

стр. 762

قوله: "فيُكبِّرن بتكبيرهم": "الباء" باء السّببية، أو "باء" المصاحبة، أي: "مُقيّدين بتكبيرهم". قوله: "ويدعُون": فعل مُضارع، وفاعله: "النون" لا "الواو"؛ [لأنّ] (١) "الواو" من نفس الكَلمة، والفَاعل ضمير جماعة النسوة، والفِعل معها مبنيّ. وتقدّم الكلام على النّونات التي يُبنى معها الفعل في الحديث الخامس من الأوّل. قوله: "يرجُون بَرَكَة ذلك اليوم": مثل "يدعُون"، والجملة في محلّ الحال، أي: "راجين بركة ذلك اليوم". و"اليوم" نعت لـ "ذلك". "وطهرته": معطوفٌ على "بركة"، فيكُون منصوبًا. ويجوز أن يكون معطوفًا على "ذلك"؛ فيكون مجرورًا. ويحتمل أن يكون التقدير: "يرجون بركة صلاة ذلك اليوم"، لأنَّ الكَلام تعليل لإخراجهن في مُصلى المسلمين للصّلاة وحضور الدّعوة، وأمَّا "اليوم" فبركته شَاملة لمن خَرج ولمن لم يخرُج. ***

стр. 763

باب صَلاة الكُسُوف [الحديث الأوّل] (١): [١٤٥]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: "خَسَفَتْ الشَّمْسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ [في] (٢) رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ" (٣). قوله: "خسفت الشمس": قيل: "الخسوف" و"الكسوف" بمعنى، والأكثر استعمال "الخسوف" في "القمر"، و"الكسوف" في "الشّمس" (٤). وسيأتي في الحديث الثّالث الكلام على ذلك. قوله: "فبعث": معطوفٌ على ما قبله، و"على عَهْد" يتعلّق بـ "خسفَت"، والمراد "زمَن رسُول الله ﷺ "، كأنّه سُمَّى الزّمان بما وَقَع فيه من عَهد النبي ﷺ ، أو مَا عَاهَدهُم عليه. وفي الحديث: "وَأنَا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِك" (٥) وجاء: "حُسْنُ العَهْدِ مِن الإِيْمَان" (٦). وللعَهْد مَعانٍ كَثيرة ليس هذا مَوضع عَدِّها. و"على" هنا يحتمل أن يكُون بمعنى "في"، كما هي في قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: "في ملك" (٧).

стр. 764

قوله: "فبَعَث مُناديًا" أي: "أرسَل مُناديًا". ويحتمل أن يكُون بمعنى: "أمر مُناديًا"، ويكُون "بَعَث" بمعنى قولهم في حديث عائشة ﵂: "فَبَعَثْنا البَعِيرَ" (١)، أي: "أقمناه" و"أثرناه" (٢). و"مُناديًا": مفعول "بَعَث". وسُمِّيَ "مُناديًا" باسم مَا آل إليه، من "النّداء"، أي: "بَعَث رجُلًا"، فحذف الموصُوف، وأقام الصّفة مقامه. وقد تقدَّم أنه لا يجُوز حَذف الموصُوف إلَّا في مواضِع محصُورة، وإنما جاز هنا لأنَّ معنى الصّفة يدلّ على الموصُوف، وذِكْرُ ذلك تقدَّم في الثّامن من "باب صفة الصّلاة"، وفي الثّاني من "التيمم". وجملة "يُنَادي" في موضع صِفَة لـ "مُناديًا"، وإعرابه مُقدّر، وتُقدّر حَركات إعراب الفِعل إذا كان مُعتلّ الآخر في حال الرّفع مُطلقًا، وفيما آخِره ["ألِف"] (٣) في حال النّصب لا غير. وأمَّا "مناديًا": فمنقوصٌ، إعرابه في حالة النّصب لَفظًا، وفي حالتي الرّفع والجرّ تقديرًا (٤). قوله: "الصّلاة جَامعة": استحسن الأكثرون النّصب في "الصّلاة" (٥) بتقدير: "احضروا الصّلاة". و"جامعة" حال من "الصّلاة" أي: "ذات جمع لكم"، ويكُون من

стр. 765

باب الإغرَاء، نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقوله ﷺ : "دِيَارَكُم تُكْتَبْ آثَارُكُم" (١). وفي مثل هذا: لو صُرِّح بالعَامل لجاز، بخلاف باب التحذير، وسيأتي منه عند قول: "إيّاكَ وَكَرَائِم أمْوَالهِم" (٢). واختار بعضهم فيه الرّفع، أي: "الصّلاةُ جامعةٌ لكُم"، على الابتداء والخبر. وهو إمّا بمعنى الأمْر، أو بمعنى حكاية الحال الذي تضمَّن معنى الطّلب. وعلى الأول الحُذَّاق. قوله: "وتقدّم": يحتمل أن تكُون الجملة في محل الحال، أي: "وقد تقَدّم النبي ﷺ "، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. وقد تقدَّم ذكر المواضع التي يُشترط فيها "قد" وما لا يُشترَط فيه في الحديث السّابع من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكون الجملَة معطوفة على الجملة قبلها. و"الفاء" في قوله: "فاجتمعوا" فاء السّببية، أي: "بسبب النّداء اجتمعوا"، ويلزم من العطف بهذا المعنى أن يكُون تقدَّم النبي ﷺ بسبب النّداء أيضًا؛ لأنَّ المعطوفَ في حُكم المعطوف عليه، وليس كذلك؛ لأنّه ما تقدَّم إلَّا بسبب اجتماعهم، فيضْعُف العَطف. وقد يُقال: لا يَلزَم في المعطوف ما ثبت للأوّل (٣)، بدليل قولهم: "رُبَّ شاة وسخلتها بدرهم".

стр. 766

ويجوز أن يكُون معطوفًا على "بَعَث"؛ فينتفي السّؤال. قوله: "فكبّر وصلى": معطُوفان. و"أربع رَكعات": "أربع" منصُوبٌ على المصدَرية؛ لأنّه عَدَد مصدر، ويكون "صلى" بمعنى: "ركع أربع ركعات". قال أبو البقاء: "أربع ركعات" عَدَد مُضاف إلى المصدر؛ فينتصب انتصابه، كقولهم: "ضربته ثلاث ضربات"، أي: "ضربات ثلاثًا"، فقدّم وأضاف، وإذا أضيف صفة المصدَر انتصب نَصْب المصادر (١). وتقدّم الكلام على ذلك في الخامس من "فضل الجماعة". و"أربَع" عَدَدُ مؤنثٍ، فلذلك سَقَطت العَلامَة، قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. قوله: "في ركعتين": يدلّ على أنّ المراد بـ "الرّكعات": "وضْع اليدين على الركبتين"، وأنّ المراد بـ "الركعتين" الشرعيتين اللتان تمامهما سُجودهما، فالتسمية الأولى حقيقة لغوية، والثانية حقيقة شرعية. قوله: "وأربع سَجَدات": معطوفٌ على "أربع ركعات"، يعني: "في جميع الصّلاة"، وهذه السّجدات وإن دَخَلت في مُسمّى الركعتين الشّرعيتين، فلها اسم يخصها [لُغة، فذكرها] (٢) زيادة في البيان. و"في رَكعتين" يتعلّق بصفة لـ "أربع".

стр. 767

الحديث الثّاني: [١٤٦]: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْكسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ". (١) قوله: "إن الشمس": معمول للقول الثاني، و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى، وجملة "قال" الأولى معمولة لمتعلق حرف الجر بتقدير "أن"، و"عقبة" بدلٌ من "أبي مسعود" أو عطف بيان، وعلامة جرِّه فتحة آخره لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث. و"الأنصاري" صفة لـ "أبي مسعود"، و"البدريّ" صفة أخرى له. ويبقى في ذلك الفصل بين الصفة والموصوف بالبدل، وهو خلاف الأصل (٢)، فإن جعلتها صفة لـ "عقبة" انتفى الاعتراض من هذا الوجه، ويبقى اعتراض آخر، وهو أن الصفة بعد متعدد تكون للأول (٣). قوله: "إنّ الشمس والقمر آيتان": ثنى الخبر لتثنية المبتدأ بالعطف؛ لأن العامل واحد، والإعراب واحد.

стр. 768

قوله: "من آيات الله": صفة لـ "آيتان" أي: "كائنتان من آيات الله". وإنما قلت ذلك لأن "من" إما أن تكون بيانًا لمعرفة، أو بيانًا لنكرة، فإن كانت بيانًا لمعرفة قُدِّرت بـ "الذي" والضمير، نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] التقدير: "فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان". وإن كانت بيانًا لنكرة - كما هي هنا - قدّرت بضمير عائد عليها، فإذا قلت: "من يضرب من رجل؟ " قدّرت: "من يضرب هو رجل". قال الشيخ أثير الدين: أكثر المحققين لم يُثبتوا "من" الثانية (١). قوله: "يخوف الله بهما عباده": يحتمل أن تكون الجملة صفة ثانية إذا قلنا بتعدد الصفة (٢)، ويحتمل أن تكون في محل الحال من "آيتان" لأنه وصف. و"بهما" يتعلق بـ "يخوف"، و"عباده" مفعول "يخوف"، و"الباء" سببية، ويحتمل أن تكون جملة [في] (٣) يخوف حالًا من ضمير متعلق المجرور. قوله: "وإنهما لا ينكسفان": معطوف على "إن الشمس"، وجملة "لا ينكسفان" في محل خبر "إن". و"الانكساف" من أفعال المطاوعة، أي: "كسفته، فانكسف" (٤). قوله: "لموت أحد": يتعلق بالفعل، و"اللام" لام التعليل، و"من الناس" يتعلق بصفة لـ "أحد"، و"مِن" فيه لبيان الجنس. وسيأتي الكلام على "الناس" في الحديث الذي يلي هذا.

стр. 769

قوله: "فإذا رأيتم": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب. و"رأيتم" الرؤية بصرية، و"شيئًا" مفعول بها، و"منها" يتعلق بصفة لـ "شيء"، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال. و"من" للتبعيض، ويحتمل أن يرجع التبعيض إلى "الشمس والقمر"، ويحتمل أن يرجع إلى "آيات الله"، وعلى هذا الثاني يكون الأمر بالصلاة عند رؤية كل آية من آيات الله. وجواب "إذا": "فصلوا". و"ادعوا" معطوف على الجواب. و"حتى" غاية ونصب، تقدر بـ "إلى أن"، ويحتمل تقديرها بـ "كى"، ويتعلق بـ "ادعوا" أو بـ "صلوا"، ويجري في ذلك الخلاف في التنازع. قوله: "ينكشف": بالياء والنون، فتتعلق "حتى" بـ "صلوا". ولو تعلق بـ "ادعوا" لناسبه: "حتى يكشف"؛ لأن التقدير: "وادعوا الله حتى يكشف ما نزل بكم". و"ما" موصولة بمعنى "الذي". و"بكم" يتعلق بالصلة، أي: ما استقر أي: نزل بكم، ولا يُقدَّر "كائن" ولا "مستقر"؛ لأن الصلة لا تكون مفردًا إلا مع الألف واللام. والباء في "بكم" باء الإلصاق. وتقدم حكم الباء في الرابع من الاستطابة، وكذلك الكلام على "ما" وأقسامها في الأول من باب التيمم. و"ما" الموصولة هي المفتقرة إلى صلة وعائد، وتقع على ما لا يعقل كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦]، وعلى أنواعِ مَنْ يَعْقِلُ، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (١).

стр. 770

الحديث الثالث: [١٤٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (١). وَفِي لَفْظٍ: "واسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ". (٢) قوله: "خسفت الشمس": مبني للفاعل، وجاء مبنيًا للمفعول، وقرئ في الشاذ: "وخُسِف القَمَر" (٣) ببنائه للمفعول (٤). والخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه (٥). قال ابن الأثير: المعروف في اللغة: "الكسوف" للشمس، و"الخسوف" للقمر،

стр. 771

وجاء في الحديث كثيرًا، وأمَّا إطلاقه في قوله: "لا يخسفان لموت أحد" فمن باب التغليب، غلب تذكير القمر على تأنيث الشمس، وللمُطاوعة جاء: "لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ" (١). قال: ومتى أطلق "الخسوف" على الشمس فلاشتراكهما في ذهاب ضوئهما، أو إظلامهما. و"الانخساف" مطاوع "خسفته" فانخسف (٢). وقوله: "على عهد رسول الله": "على" هنا تقدَّم أنها بمعنى في، أي: "في زمن النبي ﷺ "، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: "في زمن ملك سليمان" (٣). ويحتمل أن تكون هنا فيها معنى المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: "خسفت مصاحبة عهد رسول الله ﷺ ". قوله: "بالناس": "الباء" تتعلق بـ "صلى"، و"الناس" تقدم ذكر طرف منه في السابع من "الإمامة". وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وحكى ابن خالويه: "ناس من الجن"، وهو مجاز؛ لأنَّ أصله في بني آدم. ومادته عند سيبويه: همزة ونون وسين، حُذفت همزتُه شذوذًا، ثم عُوِّض منها "ال"، فلا يكاد يُستعمل بغيرهما (٤)، وقد نطق بالأصل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١].

стр. 772

ومادته عند الكسائي: نون وواو وسين، قُلبت واوه ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وهو مُشتق من "النوس" بمعنى "الحركة" (١). وقيل: مادته من: نون وسين وياء، مِن "نسي"، ثم قلب فصار: "نَيَس"، ثم قلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها (٢). وتقدم الكلام على "الباء" في الرابع من "باب الاستطابة"، وعلى "الفاء" في السادس من "باب الاستطابة". وجملة: "فأطال": معطوف على "صلى"، وكذلك "ثم ركع فأطال الركوع"، وتقدم الكلام على "ثم" في الثاني من "باب الجنابة". قوله: "وهو دون القيام": هو مبتدأ، والخبر في الظرف، وبه يتعلق، أي: وهو كائن دون. و"دون" من ظروف المكان. وجعلها ابن مالك في "التسهيل" من القسم النادر التصرف كـ "حيث" و"وسط" (٣). قال: وقد تجيء "دون" بمعنى "رديء" فلا تكون ظرفًا (٤). هذا معنى كلامه. ومعنى "رديء" أن يستعمل في التحقير للشيء، فيقال: "هذا ثوبٌ دون"، أي: "رديء" (٥). قوله: "وهو دون القيام الأول": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من القيام،

стр. 773

وكذلك "وهو دون الركوع الأول" جملة حالية من الركوع. قوله: "ثم فعل في الركعة الأخرى": "الأخرى" تأنيث "آخر"، و"أخرى" أفعل التفضيل (١). ولو قال: "في الركعة الآخرة" صحَّ، ويختلف المعنى؛ لأنه لا يلزم من الأخرى أن تكون آخرة. وقوله: "مثل": نعت لمصدر محذوف، أي: "فعل فعلا مثل ما فعل في الأول"، وإنما قدّر هذا لأن الفعل لم يقع على المثل. ويحتمل أن تكون "مثل" هنا مبنية لأنها أضيفت إلى "ما". و"مثل" إذا أضيفت إلى "ما" أو "أن" أو "إن" جاز فيها البناء كـ "غير"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢) [الذاريات: ٢٣]، وعلى هذا تكون الحركة حركة بناء لا حركة إعراب (٣). ويحتمل أن تكون "مثل" حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "ثم فعل الفعل في الركعة الآخرة"، أي: "في حال كونه مثل". و"ما" مصدرية، أي: "مثل فعله في الأولى"، أي: "في الركعة الأولى". قوله: "ثم انصرف وقد تجلت الشمس": فاعل "انصرف": "النبي ﷺ "، وجملة "قد تجلت" في محل الحال من الضمير. وجملة "فخطب الناس" معطوفة، وتقدّم الكلام على "خطب" في الحديث الرابع من "صلاة الجمعة".

стр. 774

"ثم قال"، و"حمد الله"، و"أثنى عليه" [و] (١) كلها معطوفات. قوله: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله": تقدَّم أوّل الحديث. وقوله: "إذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلوا، وتصدقوا": كلها أفعال أمر، وعلامة البناء فيها حذف النون، وقيل: السكون المتعذّر لأجْل الضمير. قوله: "ثم قال: يا أمة محمد": أي: "قال النبي ﷺ : يا أمة محمد". تقدَّم الكلام على "يا" في الرابع من "الجنابة". ولم يقع في القرآن نداء [بغير] (٢) "يا". قال الأسفاقُسيّ: وقع بالهمزة في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ (٣) على قراءة التخفيف (٤). وقد تتجرّد "يا" للتنبيه، فيليها المبتدأ أو الأمر، نحو: "ألا يا اسقياني"، أو التمني نحو: "يا ليتني"، أو التقليل، نحو: فيَا رُبَّ يَوْمٍ. . . . ... . . . . . . . . (٥) ومنهم مَن قدّر المنادي بعد "يا". (٦) قوله: "والله": قسم، جوابُه: "ما أحد"، و"من" زائدة في المبتدأ، و"أغيرُ" خبره، ويجوز إعمال الحجازية، فيكون "أحد" اسمها و"أغير" خبرها، وتقدم الكلام

стр. 775

على "ما"، وشرط عملها أن لا ينتقض نفيها بإلا، ولا يزداد "أنْ" بعدها، ولا يتقدم خبرها على اسمها (١)، وقد جاء تقدم خبرها على اسمها في قول الفرزدق: فَأَصْبَحُوا قَدْ أعَادَ اللهُ دَوْلَتَهُمْ ... إذْ هُمْ قُرَيِشٌ وإذْ ما مِثْلَهُمْ بَشَرُ (٢) وتُؤوِّل ذلك، فانظره في موضعه وكذلك تُؤوِّل: . . . . . . . . . . ... وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إلَّا مُعَذَّبا (٣) والله أعلم. قال ابن عصفور: و"مثل" مرفوع، [لكنه] (٤) مبنيٌّ؛ لأنه أضيف إلى مبني (٥). وزاد بعضهم في موانع العَمَل: أن [تتكرّر "ما"] (٦)، نحو قوله: ما ما زيد قائم، وأن لا يُبْدل من خبرها بمُوجب، نحو: "ما زيد بشيء إلا شيء لا يُعبأ به"، فـ "بشيء" في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو "زيد"، ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرًا عن "ما" (٧).
следующие страницы →