وجاء في الحديث كثيرًا، وأمَّا إطلاقه في قوله: "لا يخسفان لموت أحد" فمن باب التغليب، غلب تذكير القمر على تأنيث الشمس، وللمُطاوعة جاء: "لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ" (١).
قال: ومتى أطلق "الخسوف" على الشمس فلاشتراكهما في ذهاب ضوئهما، أو إظلامهما. و"الانخساف" مطاوع "خسفته" فانخسف (٢).
وقوله: "على عهد رسول الله": "على" هنا تقدَّم أنها بمعنى في، أي: "في زمن النبي ﷺ "، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: "في زمن ملك سليمان" (٣).
ويحتمل أن تكون هنا فيها معنى المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: "خسفت مصاحبة عهد رسول الله ﷺ ".
قوله: "بالناس": "الباء" تتعلق بـ "صلى"، و"الناس" تقدم ذكر طرف منه في السابع من "الإمامة".
وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وحكى ابن خالويه: "ناس من الجن"، وهو مجاز؛ لأنَّ أصله في بني آدم.
ومادته عند سيبويه: همزة ونون وسين، حُذفت همزتُه شذوذًا، ثم عُوِّض منها "ال"، فلا يكاد يُستعمل بغيرهما (٤)، وقد نطق بالأصل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١].
стр. 772
ومادته عند الكسائي: نون وواو وسين، قُلبت واوه ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وهو مُشتق من "النوس" بمعنى "الحركة" (١).
وقيل: مادته من: نون وسين وياء، مِن "نسي"، ثم قلب فصار: "نَيَس"، ثم قلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها (٢).
وتقدم الكلام على "الباء" في الرابع من "باب الاستطابة"، وعلى "الفاء" في السادس من "باب الاستطابة".
وجملة: "فأطال": معطوف على "صلى"، وكذلك "ثم ركع فأطال الركوع"، وتقدم الكلام على "ثم" في الثاني من "باب الجنابة".
قوله: "وهو دون القيام": هو مبتدأ، والخبر في الظرف، وبه يتعلق، أي: وهو كائن دون. و"دون" من ظروف المكان.
وجعلها ابن مالك في "التسهيل" من القسم النادر التصرف كـ "حيث" و"وسط" (٣). قال: وقد تجيء "دون" بمعنى "رديء" فلا تكون ظرفًا (٤). هذا معنى كلامه.
ومعنى "رديء" أن يستعمل في التحقير للشيء، فيقال: "هذا ثوبٌ دون"، أي: "رديء" (٥).
قوله: "وهو دون القيام الأول": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من القيام،
стр. 773
وكذلك "وهو دون الركوع الأول" جملة حالية من الركوع.
قوله: "ثم فعل في الركعة الأخرى": "الأخرى" تأنيث "آخر"، و"أخرى" أفعل التفضيل (١). ولو قال: "في الركعة الآخرة" صحَّ، ويختلف المعنى؛ لأنه لا يلزم من الأخرى أن تكون آخرة.
وقوله: "مثل": نعت لمصدر محذوف، أي: "فعل فعلا مثل ما فعل في الأول"، وإنما قدّر هذا لأن الفعل لم يقع على المثل.
ويحتمل أن تكون "مثل" هنا مبنية لأنها أضيفت إلى "ما". و"مثل" إذا أضيفت إلى "ما" أو "أن" أو "إن" جاز فيها البناء كـ "غير"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢) [الذاريات: ٢٣]، وعلى هذا تكون الحركة حركة بناء لا حركة إعراب (٣).
ويحتمل أن تكون "مثل" حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "ثم فعل الفعل في الركعة الآخرة"، أي: "في حال كونه مثل".
و"ما" مصدرية، أي: "مثل فعله في الأولى"، أي: "في الركعة الأولى".
قوله: "ثم انصرف وقد تجلت الشمس": فاعل "انصرف": "النبي ﷺ "، وجملة "قد تجلت" في محل الحال من الضمير.
وجملة "فخطب الناس" معطوفة، وتقدّم الكلام على "خطب" في الحديث الرابع من "صلاة الجمعة".
стр. 774
"ثم قال"، و"حمد الله"، و"أثنى عليه" [و] (١) كلها معطوفات.
قوله: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله": تقدَّم أوّل الحديث.
وقوله: "إذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلوا، وتصدقوا": كلها أفعال أمر، وعلامة البناء فيها حذف النون، وقيل: السكون المتعذّر لأجْل الضمير.
قوله: "ثم قال: يا أمة محمد": أي: "قال النبي ﷺ : يا أمة محمد". تقدَّم الكلام على "يا" في الرابع من "الجنابة".
ولم يقع في القرآن نداء [بغير] (٢) "يا".
قال الأسفاقُسيّ: وقع بالهمزة في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ (٣) على قراءة التخفيف (٤).
وقد تتجرّد "يا" للتنبيه، فيليها المبتدأ أو الأمر، نحو: "ألا يا اسقياني"، أو التمني نحو: "يا ليتني"، أو التقليل، نحو:
فيَا رُبَّ يَوْمٍ. . . . ... . . . . . . . . (٥)
ومنهم مَن قدّر المنادي بعد "يا". (٦)
قوله: "والله": قسم، جوابُه: "ما أحد"، و"من" زائدة في المبتدأ، و"أغيرُ" خبره، ويجوز إعمال الحجازية، فيكون "أحد" اسمها و"أغير" خبرها، وتقدم الكلام
стр. 775
على "ما"، وشرط عملها أن لا ينتقض نفيها بإلا، ولا يزداد "أنْ" بعدها، ولا يتقدم خبرها على اسمها (١)، وقد جاء تقدم خبرها على اسمها في قول الفرزدق:
فَأَصْبَحُوا قَدْ أعَادَ اللهُ دَوْلَتَهُمْ ... إذْ هُمْ قُرَيِشٌ وإذْ ما مِثْلَهُمْ بَشَرُ (٢)
وتُؤوِّل ذلك، فانظره في موضعه
وكذلك تُؤوِّل:
. . . . . . . . . . ... وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إلَّا مُعَذَّبا (٣)
والله أعلم.
قال ابن عصفور: و"مثل" مرفوع، [لكنه] (٤) مبنيٌّ؛ لأنه أضيف إلى مبني (٥).
وزاد بعضهم في موانع العَمَل: أن [تتكرّر "ما"] (٦)، نحو قوله: ما ما زيد قائم، وأن لا يُبْدل من خبرها بمُوجب، نحو: "ما زيد بشيء إلا شيء لا يُعبأ به"، فـ "بشيء" في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو "زيد"، ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرًا عن "ما" (٧).
стр. 776
وأجاز النحويون الفصل بين "ما" وما عملت فيه معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا (١).
و"من الله" يتعلق بـ "أغير"، وهو أفعل التفضيل، و"من" للتبعيض،
وما ورد من أحاديث الصفات يُنَزِّه البارئ سبحانه عن سمات [الحدوث] (٢) وصفات المخلوقين بالتأويل، ويُحمل مثل هذا على أن "الغائر" (٣) على الشيء مانع له وحام عنه (٤)، فيطلق لفظ "الغيرة" عليهما من مجاز الملازمة.
وقد تقدم جواب القسم في العاشر من "كتاب الصلاة"، وفي الثاني من "كتاب الصفوف".
قوله: "أن يزني عبدُه أو أن تزني أَمَتُه": تقدير الكلام: "ما من أحد أغيَر على عبده من أن يزني من الله على عباده"، فقوله: "أن يزني" في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف. و"من الله" مُتعلّق بـ "أغير".
وكان فعل "يزني" مسندًا إلى ضمير العبد فأخَّره في تركيب الحديث، وقدّم اسم الله تعالى لشرفه والتبرك به، مع إحراز الفائدة وثبوت المعنى، وهذا في التقديم والتأخير من فصيح الكلام وبليغه. والله أعلم.
стр. 777
و"على عبده": يتعلق في هذا التركيب بـ "أغير".
وتقدم الفرق بين: "كرهت خروجك"، و"كرهت أن تخرج"، في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
قوله: "يا أمة محمد، والله": تقدَّم مثله.
وجاء بعد القسم هنا "لو"، والقَسَم يحتاج إلى جواب كما تحتاجه "لو"، فهذا الموضع اجتمع فيه قَسَم وشرط، والقسم "والله" والشرط "لو"، غير أنها عكس "إنْ" في كونها تعلِّق الماضي بالماضي، بخلاف "إنْ" فإنها تعلِّق المستقبل بالمستقبل، وقد اختلفوا في الجواب لأيِّهما؟
فالذي عليه الجمهور: أن الجواب يكون للمتقدّم منهما، والجواب هنا لا يصلح للقسم، ويصلح لـ "لو"، فإذا جعلناه لـ "لو" قدَّرنا جواب القسم محذوفًا لدلالة جواب "لو" عليه، أي: "والله لو تعلمون لتضحكن قليلًا، ولتبكُنَّ كثيرًا".
وإنما قلت: إنه لا يصح أن يكون جواب القسم لأنه إذا اجتمع القسم والشرط وجعلت الجواب للقسم وجب أن يكون فعل الشرط ماضيًا لفظًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ [التوبة: ٦٥]، أو ماضيًا معنى، نحو: "والله إن لم تأتني أتيتك".
وهنا في الحديث جاء الفعل مضارعًا، فتعين الجواب لـ "لو"، وإنما قلت إن "لو" حكمها حكم "إنْ" مع القسم؛ لأنها معدودة من حروف الشرط، إلا أنها تعلق الماضي بالماضي.
وقد حرر الشيخ أبو حيان الإعراب على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في هذه المسألة، وفي ضمن كلامه فوائد تتعلّق بما نحن فيه، فقال: "اللام" في "لئن" مؤذنة بقَسَم محذوف مقدم على
стр. 778
"إنْ"، ولهذا كان الجواب له، وهو "ما تبعوا قبلتك"، ولو كان للشرط لدخلت "الفاء"، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضيًا؛ لأنه إذا حذف جوابه وجب مُضيُّ فعله لفظًا أو معنى (١).
وقال الفراء: "إنْ" هنا بمعنى "لو" ولهذا أجيبت بما كان يجاب "لو" وعلى هذا: فجواب القسم عنده محذوف يدل عليه جواب "إن"، وهذا خلاف مذهب البصريين في استعمال "إن" بمعنى "لو"، وهو قليل؛ فلا ينبغي المصير إليه إذا أمكن بقاؤها على بابها، وفيه جعل الجواب للشرط، وإنْ تقدم القسم عليه، وهو مذهب الفراء والأخفش والزجاج، فالكلُّ من "لو" و"إنْ" تقوم إحداهما مقام الأخرى، ويجاب بما يجاب به (٢).
ومذهب سيبويه أن كلًّا منهما لا يجاب بما تجاب به الأخرى لاختلاف معناهما، والماضي الواقع جواب "لئن" يُقدَّر مستقبلا، أي: "لا يتبعُن"، [و"ليظلُّن"] (٣).
وقال ابن عطية: جاء جواب "لئن" كجواب "لو" وهي ضدها؛ لأن "لو" تطلب الماضي والوقوع، و"إن" تطلب الاستقبال، لأنهما جميعًا يترتب قبلهما القَسَم، والجواب إنما هو للقسم لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه (٤).
وتُعقِّب (٥) أنّ في كلامه تثبيجًا وعدم نصّ على [المراد] (٦)؛ لأنَّ أوله يقتضي أن الجواب لـ "إنْ".
стр. 779
وقوله: فالجواب إنما هو للقسَم يدلّ على أن الجواب ليس لـ "إنْ".
وقوله: لكن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، لا يصلح أن يعلّل به قوله: إن الجواب للقسم، بل يصلح تعليلًا لكون الجواب لـ "إنْ".
وقوله: هذا مذهب سيبويه، ليس في كتابه إلا أن "ما تبعوا" جواب القسم، ووقع فيه الماضي موقع المستقبل.
قال: وقالوا: "لئن فعلت ما فعل"، يريد معنى: "ما هو فاعل"، و"ما يفعل" (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، أي: "ما يمسكهما" (٢).
قوله: "وفي لفظ" أي: "وجاء في لفظ"، ويكون الفاعل جملة، فاستُعمل على الحكاية. وإنْ قَدَّرت: "وروي في لفظ" كانت الجملة في محل ما لم يسم فاعله.
الحديث الرابع:
[١٤٨]: عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ على زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وركوع وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللهُ لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". (٣)
تقدَّم الكلام على قوله: "خسفت".
قوله: "على زمان": يحتمل أن تكون "على" بمعنى "في"، كهي في قوله تعالى:
стр. 780
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (١).
ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة، أي: "كسفت الشمس [مقارنة] (٢) عهد النبي"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: "محبًّا"، ويكون العامل فيها: "كسف"، وإن لم يجر على ظاهر اللفظ؛ لأنك لا تقول: "كسفت الشمس مقارنة على عهد"، كما [تقرّر] (٣) ذلك في سائر المتعلقات، فالنظر إلى تعلق المعنى لا إلى اللفظ.
قوله: "فقام": فاعله ضمير النبي ﷺ ، و"فزِعًا" منصوب على الحال، ومعناه "خائفًا من قيام الساعة"، والمراد: "ذا فزَع".
ويكون "الفزع" بمعنى الاستغاثة والالتجاء، ومنه: "فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ" (٤)، أي: "استغيثوا بها".
وجملة "يخشى" في محلّ الحال إن قلنا بتعدّد الحال (٥)، وإلا فهي حال من ضمير الفاعل في "فزعًا"؛ لأن المراد: "فازعًا".
وهو من الأمثلة الخمسة على وزن "فرِح".
و"أن تكون" في محلّ نصب مفعول "يخشى"، أي: "يخشى قيام الساعة"، ويحتمل أن يكون التقدير: "من أن تكون"، فتكون "أن" في محل جر أو نصب على
стр. 781
الخلاف،
و"كان" يحتمل أن تكون التامة، بمعنى "وقع وحدث"، و"الساعة" فاعل، وتقدم الكلام على "كان" في الحديث الأول من الكتاب.
ويحتمل أن تكون الناقصة، واسمها وخبرها محذوف، أي: "تكون الساعة الآية". والإعراب ينبني على الرواية، فإن كان روي: "الساعةَ" بالنصب جاء هذا التقدير، وإلا فلا.
قوله: "حتى أتى": أي: "إلى أن أتى"، فيتعلق "حتى" بـ "مشى".
و"المسجِد": أصله ظرف، وتتعدّى إليه بعض الأفعال [مثل] (١) "أتى، وجاء، ودخل"، ولا يعمل فيه إذا انتصب على الظرفية، مثل: "عمل"، و"صلى"؛ لأنَّ تقدير "في" ممتنع معها (٢).
قوله: "فقام فصلى": معطوفات على "أتى"،
وحرف الجر في "بأطول": يتعلق بـ "صلى"، ويحتمل أن يتعلق بـ "قام"، والأول أقعد بالمعنى. و"الباء" للمصاحبة، أي: "صلى متلبسًا بأطول قيام".
و"أطول": أفعل التفضيل، من "طال" اللازم، وأصله: "طَوُل"، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا.
وأما قولهم: "طلت زيدًا"، فأصله: "طَوُلت" بضم الواو، لا تقول: "طُلت زيدًا، فهو طويل"، فتنقل الضمة إلى "الطاء"، فتسقط الواو لاجتماع الساكنين، ولا يجوز أن تقول منه: "طلته"؛ لأن "فَعُل" لا يتعدّى، وإن أردت تَعْدِيَتَه قلت: "طوَّلته" و"أَطَلته" (٣).
стр. 782
وتقدم الكلام على أفعل التفضيل في الحديث الأوّل من "الصلاة".
وقد جاء "أفعل" هنا مضافًا إلى نكرة، ومتى جاء هكذا وجب فيه المطابقة، نحو: "الزيدان أفضل رجلين"، و"الزيدون أفضل رجال"، و"هند أفضل امرأة".
قال أبو حيّان (١): إذا أضيف "أفعل" إلى نكرة غير صفة بقى مفردًا مذكّرًا، وطابقت النكرة ما قبلها، فتقول: "زيد [أفضل] (٢) رجل".
قال: وأجاز أبو العباس: "إخوتك أفضل رجل"، بالإفراد، ومنعه الجمهور.
وإن كان صفة: فقد جاء المطابقة والإفراد، وأنشد الفرّاء:
وَإِذَا هُمْ طَعِمُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (٣)
قلت: اجتمع في البيت إضافة "أفعل" إلى مفرد وجمع
قال أبو حيان: والإفراد مع تقدم الجمع في الصّفة مُتأوَّل.
قال الفراء: تقديره: "ألأم مَن طعم".
وقال غيره: يُقدَّر وصفًا لمفرد يؤدي معنى جمع، أي: "ألأَمُ فريق طاعم"، حُذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه في المعنى.
وقد تأولوا ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ [البقرة: ٤١] بـ "مَن كفر" أو "أوّل حزب" (٤)، انتهى.
وعلى هذا يكون التقدير في الحديث: "فصلى بقيام أطول"، ويبقى: "وركوع وسجود".
ويحتمل أن يكونا معطوفين على "قيام" المذكور، ويكون التقدير: "وركوع
стр. 783
أطول ركوع، وسجود أطول سجود".
ويحتمل أن يكونا معطوفين على "قيام" المقدر، فيكونان كالتفسير له، ويكون التقدير: "بقيام أطول قيام، وركوع وسجود أطول ركوع وسجود"، والأول أبين.
قوله: "ما رأيته يفعله في صلاة قط": الجملة في محل صفة لـ "قيام" و"ركوع" و"سجود"، وأعاد الضمير على الجنس من الفعل، أي: ما رأيته يفعل ذلك الفعل. و"في صلاة" يتعلق بـ "يفعله" ويحتمل أن يتعلق بـ "رأيته"، وفيه الخلاف الذي في التنازع.
قوله: "قط": تقدم القول على "قط" في السادس من الإمامة، وهي ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وتختص بالنفي، ولا يجوز دخولها على فعل الحال، ولحن من قال: ما أفعلُه قط، وعلى هذا: فهي ظرف لـ "رأيته" لا لـ "يفعله"؛ لأنه مستقبل، ولأنه في محل حال من ضمير المفعول في "رأيته"، ولو كانت الرؤية علمية لكانت الجملة في محل المفعول الثاني.
قوله: "ثم قال": معطوف على "قام فصلى".
قوله: "إن هذه الآيات": الجملة من "إن" واسمها وخبرها في محل نصب بالقول، والآيات صفة لـ "هذه".
وجمع "الآيات" على الأصل الفصيح في جمع ما هو مثنى (١).
стр. 784
قوله: "التي يرسلها الله": صفة للآيات.
وجملة "لا تكون لموت أحد": في محل خبر "إن"، واللام في "لموت" لام التعليل، والعطف في قوله: "ولا لحياته" بـ "الواو".
و"لا" زائدة، قد تقدَّم قريبًا الكلام عليها.
وتقدم الكلام على "أحد" في ثاني حديث من الأوّل.
و"الموت" مصدر "مات" معتل العين، أصله: "مَوت"، تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألِفًا.
و"الحياة" ضد "الموت"، و"الحي" ضد "الميت" (١).
وحرف الجر في "لموت" يتعلق بخبر "يكون"، واسمها ضمير "الآيات".
قوله: "ولكنَّ الله": بتشديد "النون"، حرف استدراك، وجاءت بعد نفي على الأصل، واسمها اسم "الله"، وخبرها جملة "يرسلها"، وجملة "يخوِّف" بدل منها، ويحتمل أن يكون في محل الحال من فاعل "يرسلها"، و"بها" يتعلق بـ "يخوِّف"، و"عباده" مفعول [بـ "يخوِّف"] (٢)
ولو روي "ولكنْ" بالتخفيف كانت حرف استدراك، ويجب رفع ما بعدها على الابتداء والخبر، وأعملها يونس.
وتقدّم الكلام على "لكنْ" المخففة في الأول من "باب الحيض"، والثاني من "الاستطابة"، وسيأتي الكلام على "لكنَّ" المشددة في السادس من "الزكاة"، وتقدّم
стр. 785
شيء من ذلك عند ذكر الخفيفة.
قوله: "فإذا رأيتم منها شيئًا": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب، وفعلها والعامل فيها، وتقدّم الكلام على "شيئًا" في الثاني من "باب المرور".
وجملة " " معترضة، وجملة "فافزعوا" جواب "إذا"، وبه يتعلق "إلى ذكر الله"، و"ذِكْر" مصدر مضاف إلى المفعول، ولا يصحُّ أن يكون مضافًا إلى الفاعل بمعنى: "إلى تذكير الله لكم بآياته ودعائه لهم واستغفاره"؛ فإن الضمير هنا لله ، وكذلك يكون لمن قبله.
وقد قيل الوجهان في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
***
стр. 786
باب الاستسقاء
الحديث الأوّل:
[١٤٩]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "إلَى الْمُصَلَّى". (٢)
جملة "خرج" معمولة بالقول، والقول معمول بالمحذوف متعلق حرف الجر، وجملة "يستسقي" في محل حال من "النبي ﷺ "، أي: مستسقيًا، ويحتمل أن يكون حالًا مقارنة، ويحتمل أن يكون حالًا مقدرة، ويحتمل أن يكون "يستسقي" [مقدرًا] (٣) بلام "كي"، فحذفت، أي: "خرج ليستسقي".
ومِن حذف الناصب:
ألا أيها ذا الزاجري أحضرُ الْوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ [مُخْلِدِي] (٤)
والفعل مرفوع على كل تقدير، ولو نصب لجاز كما روي: "أحضر" بالنصب (٥).
قوله: "يستسقى": "يستفعل"، من "استسقى"، "استفعل"، وله اثنا عشر معنى:
стр. 787
١ - للطلب، ومنه: "يستسقى".
٢ - و [للاتخاذ] (١) كـ "استعبده".
٣ - وللتحوُّل كـ "استنسر".
٤ - ولإلفاء الشيء - بمعنى ما صيغ منه - كـ "استعظمه".
٥ - ولعَدِّه كذلك (٢) وإن لم يكنه كـ "استحسنه".
٦ - ولمطاوعة "أفعل" كـ "استشلى" (٣).
٧ - ولموافقته كـ "استنبل".
٨ - ولموافقة "يفعل" كـ "استكبر" موافق "تكبَّر".
٩ - ولموافقة "افتعل" كـ "استعصم" موافق "اعتصم".
١٠ - ولموافقة "فعِل" المجرد بكسر العين كـ "استغنى" موافق "غنى".
١١ - وللإغناء عنه، كـ "استبدّ".
١٢ - وللإغناء عن "فعَل" بفتح العين كـ "استعان" أي: حلق عانته (٤).
ومعنى "يستسقى" هنا: "طلب السقيا"، وهو أحد المعاني المتقدّمة.
و"ألِف" "استسقى" منقلبة عن "ياء"، لأنه من "السَّقي".
ومفعوله محذوف، أي: "يستسقى الله"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقال بعضهم: حذف مفعول آخر، وهو "المستسقَى"، أي: "يستسقى الله
стр. 788
ماءً". قالوا: ومنه قوله:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ (١)
قال أبو حيان: وقد ثبت تعدِّيه مرة إلى المستسقى منه، ومرة للمستسقي، فيحتاج تعديه إليهما معًا إلى ثَبْت (٢).
قلت: ويقال: "سقاه" و"أسقاه" بمعنى. وقيل: "سقاه": "ناوله ليشرب"، و"أسقاه": "حصل له شربًا".
قوله: "فتوجه إلى القبلة": معطوف على "خرج"، و"إلى القبلة" يتعلق به، وجملة "يدعو" في محل الحال من ضمير الفاعل، و"حوَّل رداءه" معطوف عليه.
وتقدم الكلام على "حوَّل" بمعنى "صيَّر" في الحديث الأول من "الإمامة"، وليس هنا معنى "صيَّر" ظاهر فيها، وإنما معناها: "نقل رداءه من جهة إلى جهة أخرى" (٣).
و"رداءه" مفعول به. و"رداء" مهموز، همزته منقلبة عن "ياء"، وكذلك "كساء" همزته منقلبة عن "واو"، فإذا ثنيتهما جاز لك وجهان فيهما، فتقول: "كساءان" و"كساوان"، و"رداءان" و"رداوان" (٤).
قيل: كان طول رداء النبي ﷺ أربعة أذرع في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد.
стр. 789
قال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان، طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويهما (١).
قوله: "ثم صلى": تقدم الكلام على "ثم"، وعلى "صلَّى"، وأفادت "ثم" ترتيب الصلاة على الدعاء.
و"ركعتين" تقدَّم أنهما عدد "ركعة" فيتعدى إليه "صلى" متضمنًا معنى "ركع"، وقد تقدم ذلك.
قوله: "جهر فيهما بالقراءة": في محل الحال من ضمير النبي ﷺ ، أي: "جاهرًا فيهما بالقراءة".
قوله: "وفي لفظ": يتعلق بمحذوف، أي: "وروي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ". و"إلى المصلى" معمول المقدر منهما، والتقدير: "وفي لفظ: خرج النبي ﷺ إلى المصلى يستسقي"، فيتعلق "إلى" بـ "خرج".
الممدودة". (١)
و"الآكام": جمع "أُكُم"، مثل "أعناق" جمع "عُنُق"، و"الأُكُم" جمع "إكام"، مثل "كُتُب" و"كِتَاب"، و"الإكام": جمع "أَكَم" مثل جَبَل وجبال، و"الأكم" و"الأكمات" جمع "أكمة" وهي "التل المرتفع" (٢).
قوله: "ما بيننا وبين سلع من دار": تأكيد لقوله: "وما نرى في السماء من سحاب ولا قزَعة"؛ لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان بينه وبينهم دار لأمكن أن تكون القزَعة موجودة، لكن حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع.
قوله: "أن رجلًا دخل المسجد": جملة "دخل" في موضع خبر "أن"، و"أن" فتحت لقيامها مقام معمول لمتعلق حرف الجر.
تقدم الكلام على "دخل" وتعديها في الحديث الرابع من الاستطابة.
و"المسجد" يجري فيه الخلاف في تعدي "دخل" إلى مفعول به أو إلى ظرف، والصحيح أنه ظرف (٣)،
والجملة صفة لـ "رجل"، والعامل في "يوم" "دخل"، و"جمعة" تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من "باب الجمعة".
قوله: "من باب": يتعلّق بـ "دخل"، وجملة "كان" في محل صفة لـ "باب"، وتصريف "الباب" تقدم في "باب الاستطابة".
стр. 792
و"نَحْوَ" تقدم الكلام عليه في الحديث السابع من الأول، وهو هنا ظرف بمعنى الجهة معمول خبر "كان"، أي: "كائنًا جهة دار القضاء".
ولو كان "النحو" بمعنى المثل (١) أُعرب، فلو قُلتَ: "داري نحوُ دارك"، بمعنى: "مثل دارك"، رفعتهما لخروج "النحو" عن الظرفية.
قوله: "دار القضاء": قال ابن الأثير: قيل: هي دار الإمارة، وقال بعضهم: هو خطأ، وإنما هي دار كانت لعمر بن الخطاب بيعت بعد وفاته في دَيْنه، ثم صارت لمروان، وكان أميرًا بالمدينة، ومن ههنا دخل الوهم على من جعلها دار الإمارة (٢).
قلت: كان عمر ﵁ أوصى به لبيت مال المسلمين، أوصى أن يباع فيه ماله، وما فضل عليه بعد بيع ماله يستعان في قضائه ببني عدي، ثم بقريش، فباع عبد الله بن عمر داره هذه من معاوية، وباع ماله في الغابة، وقضى دينه، فكان يقال لها: دار القضاء لذلك، وهي دار مروان.
قلت: ولعل الباب الذي أشار إليه هو "باب السلام"، ولم يكن يومئذ الباب هناك، بل حَدَث بعد ذلك، وهو ملاصق لدار مروان، فيكون قوله: "نحو دار القضاء" أشار إليه في الزمان الذي كان الرّاوي فيه، لا في زمانه ﷺ .
وسُمي: "باب السلام"؛ لأنه يُقابل الرّوضة الشريفة، ويُسلِّمُ الداخل منه على رسول الله ﷺ ، وليس كذلك ما عَدَاه من الأبواب.
قيل: كان دَيْنُه ستةً وثمانين ألفًا. وقيل: ثمانية وعشرين ألفًا. والأوّلُ أصحُّ.
قوله: "ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله": جملة "ورسول الله" في محلّ الحال من فاعل "دخل"، ويحتمل أن يكون حالًا من "رجلًا"؛ لأنَّ
стр. 793
النكرة تخصَّصت بالصفة (١)، وهي جملة "دخل المسجد".
و"قائم" خبر عن المبتدأ، وجملة "يخطب" في محل الحال من الضمير في "قائم"، ويجوز أن تكون الجملة خبرًا بعد الخبر.
وفاعل "استقبل" ضمير "الرجل"، و"رسول الله" مفعوله، و"قائمًا" حال من ضمير "الرجل"، أو من "النبي ﷺ ".
قوله: "ثم قال": أي "الرجل".
وجملة: "يا رسول الله، هلكت": معمولة للقول.
وأنَّث "الأموال"، وإن كان جمع مذكر لأن جمع التكسير إذا أسند الفعل إليه جاء بالعلامة وبغيرها (٢)، و"الأموال" جمع "مال"، وجُمِع لاختلاف أنواعه.
قوله: "فادعُ الله": "الفاء" سببية و"ادع" فعل أمر، وعلامة بنائه حذف "الواو"، ولغة بني عامر "فادعِ" بكسر "العين"، جعلوه من ذوات "الياء" كـ "رمَى، يرمي" (٣).
قوله: "يُغِثْنا": بضم "الياء"، من "أغاث". والمشهور في العربية إنما يقال في المطر: "غاث الله الناسَ، يَغيثُهم"، بفتح "الياء".
قال عياض: هو هنا بمعنى "الإغاثة"، وليس من "طلب الغيث"، أي: "اللهم هب لنا غيثًا، وارزقنا غيثًا"، كما يقال: "سقاه" و"أسقاه" (٤).
وهو فعل مضارع مجزوم على جواب الأمر، وقيل: بشرط مقدر، أي: "إن تدع
стр. 794
الله لنا بالإغاثة يغثنا".
ويجوز - لو رُويَ - الرفع على الاستئناف، وعلامة الجزم السكون على "الثاء"، فلما اتصل الضمير سكنت "الثاء"، فاجتمع ساكنان: الياء والثاء، فحذفت "الياء" لالتقاء ساكنين.
قوله: "قال: فرفع": فاعل "قال" ضمير أنس بن مالك، وفاعل "رفع" "رسول الله ﷺ "، ومفعوله "يديه".
قوله: "ثم قال: اللهم أغثنا": تقدَّم الكلام على "اللهم" في الأول من "الاستطابة".
قوله: "قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب": الفاء هي العاطفة، و"لا" زائدة لتأكيد معنى القسم، ولو سقطت لصحَّ الكلام، ويُروَى: "ولا والله" بالواو، وهي عاطفة أيضًا، وقد تقدم الكلام على زيادة "لا" في الرابع من العيدين، ومن زيادتها قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] (١)، ومنه:
فلا والله لا يُلْفَى لما بي ... ولا لِلِما بهم أبدًا دواء (٢)
وهذا نظير الحديث.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] (٣)، "لا" في ذلك كله زائدة.
قوله: "ما نرى": جواب القسم، وقد تقدم الكلام على جواب القسم في الثاني
стр. 795
من باب الصفوف، و"نرى" من رؤية البصر، يتعدى إلى مفعول واحد، وهو "من سحاب" أي ما نرى سحابًا، و"من" زائدة في النفي، و"في السماء" متعلق بحال، كان أصله صفة لـ "سحاب".
قوله: "ولا قزعة": بالجر عطف على "سحاب"، ويجوز فيه النصب بالعطف على المحل، و"لا" زائدة أيضًا لتوكيد النفي، كقولك: "لا يستوي زيد ولا عمرو" (١).
قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار": إنما كرر "بين" ليصح العطف على [الضمير] (٢) المجرور (٣).
وليس هذا مثل قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] و ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] (٤). ولو قال: "بيننا" كفى.
وإنما كرّر "بين" هنا ولم يكرّرها في قوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ [الشورى: ١٥] ليعم ما أضيف إلى كل واحد منها في المسافة (٥)، وسيأتي بيان ذلك في السادس من "الأيْمان".
قوله: "من بيت ولا دار": "من" زائدة في المبتدأ، والخبر في "بين"، أي: وما بيننا وبين سلع دارٌ، فتتعلق "بين" الأولى بالخبر، و"بين" الثانية معطوفة عليها، و"بين" الأولى مضافة إلى الضمير، والثانية مضافة إلى "سَلع".
стр. 796
و"البيت" معروف، والجمع "بيوت" و"أبيات" و"أباييت"، وتصغيره "بُيَيْت" و"بِييت"، بضم الباء وكسرها.
قال في "الصحاح": والعامة تقول "بويت"" (١) بضم "الباء" وبالواو.
قوله: "فطلعَتْ": أي: "قال أنس: فطلعت".
"من ورائه سحابة": "سحابة" فاعل "طلعَتْ" و"من ورائه" يتعلق بـ "طلعت"، أو بحال من "سحابة" على أنها صفة له تقدّمت فصارت حالًا.
قوله: "مثل التُّرس": صفة لـ "سحابة"، ويحتمل أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في الصفة المتقدمة، أو من "سحابة" لأنها وصفت، أو نعتًا لمصدر محذوف.
قوله: "فلما توسطت السماء": "لما" حرف وجوب لوجوب، أو وجود لوجود، واختار الفارسيُّ ومن تبعه أنها مع الماضي ظرف بمعنى "حين"، وتقدم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي".
وجملة "توسّطت" على مذهب الفارسي في محل جر، و"انتشرت" جوابها، "ثم أمطرت" معطوف عليه.
قوله: "لا والله ما رأينا الشمس سبتًا": قوله: "قال: فلا والله" تقدم أنه كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، وتقدم الكلام على ذلك، و"ما رأينا" جواب القسم.
و"سبتًا" ظرف زمان، أي: "في مدة سبت"، والمراد: "الجمعة كلها".
و"السبت" في الأصل مصدر، يقال: "سبت، يسبت، سبتًا"، إذا "قطع"، ثم سمي اليومُ "سبتًا"، وقد يقال: "يوم السبت" فيخرج مصدرًا على أصله، وقد قالوا:
стр. 797
اليوم السبت، وجعلوا "اليوم" خبرًا عن "السبت"، كما يقال: "اليوم العيد"، و"السبت" يطلق في اللغة على السير الشديد، و"السبت" برهة من الدهر، وقد أطلق هنا على أيام الجمعة كلها، فهو هنا واقع على مدة من الزمان (١).
قال ابن الأثير: كما يقال: "عشرون خريفًا"، ويراد: "عشرون سنة".
قال: وقيل: أراد مدّة من الزمان؛ لأنَّ "السبت" يقع بمعنى "القطع"، فيقع على زمان قليلًا كان أو كثيرًا. (٢)
قلت: ومقتضى هذا أنه يقع على زمان من الجمعة قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يتحدّد بالجمعة كلها.
والذي عليه الجمهور: أنّ المراد الجمعة كلها.
قال بعضهم: جمع "السبت": "أسبت" و"سبتات" بالتحريك، وجمع الكثرة: "سبوت" و"سبات"، مثل: "فَرْخ" و"فِراخ" (٣).
واعلم أن كل ظرف وقع خبرًا عن أسماء أيام الأسبوع، فإنه يكون مرفوعًا إلا "الجمعة" و"السبت"، تقول: "الأحد اليومُ"، و"الإثنان اليومُ"، برفع "اليوم" فيهما، وتقول: "الجمعة اليومَ"، و"السبت اليومَ"، بالنصب فيهما.
قالوا: وعلة ذلك أن "الجمعة" و"السبت" مصدران فيهما معنى الاجتماع والقطع، فكما يقال: "الاجتماع اليومَ"، بالنَّصب، و: "القَطْعُ اليومَ"، بالنصب، كذلك ما هو بمعناهما، لأن الثاني غير الأول، وليس كذلك باقي الأيام (٤).
стр. 798
قوله: "ثم دخل رجل من ذلك الباب": تقدم أن النكرة إذا كررت كان الثاني غير الأول، وإذا عُرِّف الثاني كان هو الأوّل، وإذا عُرِّف الأول ونُكِّر الثاني كان الأول غير الثاني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]، قيل: "لَن يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْن" (١)، فلو جاء هنا: ثم دخل الرجل، كان هو الأوّل.
قوله: "ورسول الله قائم يخطب": إعرابه كإعراب ما تقدم إلى قوله: "فادع الله يمسكها عنا": في بعض النسخ: "يمسكُها" برفع، وفي بعضها: "يمسكْها" مثل "يُغثْنا" في الجزم (٢)، والتقدير كالتقدير.
وأمّا رواية "أنْ يمسِكَها" (٣): فبنصب "يمسكها" ويقدر محلها نصب أو جر بتقدير حرف الجر، أي "بأن يمسكها".
قوله: "قال: فرفع رسول الله يديه": تقدم مثله.
قوله: "ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا": تقدّم الكلام على "اللهم" في أول حديث من "الاستطابة".
قوله: "حوالينا": منصوب على الظرفية، وهو من الظروف المكانية المبهمة؛ لأنه بمعنى "الناحية"، ولا يخرجه عن الإبهام اختصاصه بالإضافة، كما تقول: "جلست مكان زيد"، أي: قعدت موضعَه، و: هو مكانَ عبد الله، و: موضعَه. وهذا بخلاف "الدار" و"المسجد" فإنهما مختصان؛ لأن ذلك لا يطلق على كل موضع، بل هو بأصل وضعه لمعنى مخصوص.
стр. 799
والناصب لـ "حوالَينا" فعل مقدر، أي: اللهم اجعلها حوالينا، ولا تجعلها علينا. فـ "علينا" يتعلق بالمقدر كالظرف، و"حوالينا" يقال فيه: "قعدوا حواله"، و"حوله"، و"حواليه".
قال ابن مالك: "حوالي" و"حولي" و"أحوال" (١).
قال في الصحاح: ولا يقال "حوالِيه" بكسر اللام، ويقال: "قعد حياله"، و"بحياله"، أي: "بإزائه"، وأصله "الواو" (٢).
وجعل ابن مالك "حواليك" من الظروف التي لا تتصرف كـ "فوق، وتحت، وعند، ولدن، ومع، وبين بين دون إضافة" (٣).
قوله: "اللهم على الآكام": تقدم كلام الشيخ تقي الدين عليه.
قوله: "وبطون الأودية": جمع "بطن" ويجمع على "بطنان"، وبطنان الجنة: وسطها، ويقال: بطنت الوادي دخلتُه (٤). و"الأودية" جمع "واد"، قالوا: وليس في كلام العرب جمع "فاعل" على "أفعلة" إلا في هذه الكلمة خاصة، وهي من النوادر (٥).
قوله: "فأقلعت": وجاء في بعض الروايات لمسلم: " [فَانْقَطَعَتْ] " (٦) وهما بمعنى، أي: كفَّت.
والإقلاع: الكفّ، ويقال: أقلع فلان عما كان عليه، و: أقلعت عنه الحمى.
стр. 800
وعطف عليه "وخرجنا نمشي"، وجملة "نمشي" في محل الحال، وهي حال مؤكدة؛ لأن خروجهم من المسجد لا يكون إلا لمشي.
وتشبه هذه الحال قوله:
إذَا كُنْتَ رَبًّا للقَلُوصِ فَلَا تَدَعْ ... رَفِيقَكَ يَمْشِي خَلْفَها غَيرَ رَاكِبِ (١)
لكن المؤكّدة في البيت: "غير راكب".
قوله: "فسألت": الضمير في "سألتُ" للراوي عن أنس. وتقدم الكلام على "الأول" في الحديث الأول من الكتاب.
وتقدم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على الاسم كما هي هنا وجاء الفعل بعده أشعر بوقوع الفعل في الوجود، والاستفهام عن صدور ذلك الفعل من المخاطب أو من غيره.
بخلاف ما إذا ولى الاستفهام الفعل فإنه ليس فيه إشعار بوقوعه.
فإذا قلت: "أنت ضربت زيدًا؟ "، أشعر بوقوع الضرب بزيد، لكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب.
وإذا قلت: "أضربت زيدًا؟ "، استفهمت عن إسناده له، ولا إشعار فيه بالوقوع.
قال أبو حيان: ونص على هذا أبو الحسن الأخفش (٢).
وهذا التركيب في الحديث من القسم الأول؛ لأن تقدير الكلام: "الرجل الأول دخل ثانيًا؟ "، فالدخول معلوم، والرجل عند المستفهم مجهول، هل هو الأول
стр. 801
أو غيره؟ وجاء في البخاري أنّ الرجُل الأوّل هو الثاني.
قوله: "لا أدري": يجوز فيه حذف "الياء" تخفيفًا، كـ "لا أُبالي"، وكما حذفوا من "يكن" لكثرة الاستعمال (١).
وهمزةَ التسوية مقدرة، أي: "أهو هو أم لا؟ وتقدّم ذكر "همزة" التسوية.
***
стр. 802
باب صلاة الخوف
[الحديث الأوّل] (١):
[١٥١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً، رَكْعَةً". (٢)
قوله: "قال: صلى": في محلّ معمول متعلق حرف الجر، وجملة "صلى" معمولة للقول.
وجملة " ﷺ "، و"﵄" معترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب، والجمل التي لا محل لهما تقدم ذكرها في أول حديث من أول الكتاب.
قوله: "صلاة الخوف": مصدر لـ "صلى"، و"صلى" لا يتعدى إلى مفعول به، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في الحديث الخامس من فضل الجماعة.
والخوف لا يكون إلا مما يأتي بخلاف الحزن فإنه لما مضى.
قوله: "في بعض أيامه": [المراد: في بعض ساعات أيامه] (٣).
قوله: "فقامت": معطوف على "صلَّى". (٤)
стр. 803
[الحديث الثّاني] (١):
[١٥٢]: [عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الْخَوْفِ: "أَنَّ طَائِفَةً صُفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ"] (٢). (٣)
["صَفّت"] (٤): في محلّ خَبر "أنَّ"، و"معه" يتعلّق بالفعل.
قوله: "وطائفة [وِجَاه] (٥) العدو": بضم الواو وكسرها، مبتدأ وخبر، وصحَّ الابتداء بالنكرة؛ لأنّ الكَلام فيه تفصيل.
و"وجاه" ظرف مكان، يتعلق بالاستقرار، مأخوذ من "المواجهة" بمعنى: المقابلة، يقال: "قعدتُ وُجاهك"، بالضم والكسر، وأبدلوا من الواو تاء فقالوا: "تجاهك"، والأصل الواو.
قوله: "فصلى بالذين معه ركعة": "ركعة" تقدم أنه مصدر "ركع"، أي: عقد بالذين معه ركعة، و"معه" ظرف في محل الصلة، والعامل فيه الاستقرار، والصلة والموصول في محلّ جرٍّ بالباء، وحرفُ الجر يتعلق بـ "صلَّى"، والفعلُ معطوفٌ على ["صَفّت"] (٦).
стр. 804
قوله: "ثم ثبت قائمًا": أي: "ثبت النبي ﷺ "، و"قائمًا" حال من ضمير "ثبت".
قوله: "وأتموا لأنفسهم": الضمير في "أتموا" يعود على الطائفة التي صلت الركعة، ومفعول "أتموا" محذوف، أي: "أتموا صلاتهم"، يعني بالسلام منها، والنبي ﷺ قائم. و"انصرفوا" [معطوف] (١) على "أتموا"، وكذلك "وصفُّوا وِجاه العدو".
قوله: "وجاءت الطائفة الأخرى": الجملة معطوفة على ما قبلها، وكذلك "فصلى بهم" معطوف على "جاءت"، وجملة "بقيت" في محل الصلة، والعائد فاعل "بقيت"، والصلة والموصول صفة للركعة.
قوله: "ثم ثبت جالسًا": مثل "ثبت قائمًا"، وهي حال مصاحبة.
قوله: "وأتموا لأنفسهم": مفعوله محذوف، أي: أتموا صلاتهم، ومعنى "لأنفسهم": بغير إمام.
قوله: "ثم سلم بهم": أي: "سلم بهذه الطائفة الثانية"، وهو خلاف ما اختاره مالك (٢)، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على الطائفتين، أي: "سلم بالطائفة الأولى وبالثانية"، بناء على أنّ الطائفة الأولى انصرفت وجاه العدو وهي في الصلاة حتى سلّموا بسلام النبي ﷺ ، وهو اختيار أبي حنيفة (٣) ﵁.
يجمع، وهو منصوب على الحال، كقوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (١).
ويُروى: "وصفَّنا صفَّين" (٢)، بمعنى: "جعلنا صفين"، من باب التضمين، و"خَلْف" ظرف مكان، العامل فيه "صفَفْنا".
قوله: "والعدوّ بيننا وبين القبلة": تقدم قريبًا تحرير القول في تكرير "بين" في الحديث الثاني من "الاستسقاء".
قوله: "فكبَّر النبي ﷺ ": معطوف على قوله: "فصففنا"، وجملة "والعدو بيننا وبين القبلة" في موضع حال من ضمير "الطائفة"، أو معترضة لا محل لها من الإعراب، وتقدم ذكر الجمل التي لا محل لها في الحديث الأول من الكتاب.
قوله: "وكبَّرنا جميعًا": قال أبو حيان: ""جميعًا" يرادف "كلا" في العموم، ولا تفيد الاجتماع في الزمان، بخلاف "معًا"" (٣).
وعدها ابن مالك من ألفاظ التأكيد، قال: وأغفلها النحويون، وقد نبَّه سيبويه على أنها بمنزلة "كُلّ" معنى واستعمالا (٤)، ولم يذكر لها شاهدًا من كلام العرب.
قال: وقد ظفرتُ بشاهد له، وهو قول امرأة من العرب ترقّص ابنها:
فِدَاكَ وَفْدُ خَوْلانَ ... جَميعُهُم وهَمْدانْ
[وكُلُّ آل] (٥) قَحْطانْ ... والأكرمَون عَدْنَانْ (٦) " (٧)
стр. 807
قلت: فيكون "جميعًا" هنا تأكيدًا، وحيث تكرّر كذلك.
قوله: "ثم انحدر": أي: "النبي ﷺ بالسجود". الانحدار يقتضي السرعة في الهَوْي.
و"بالسجود" يتعلق بـ "انحدر"، و"الباء" باء المصاحبة، أي: "متلبسًا بالسجود"، ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى اللام، أي: "لأجل السجود"، وتسمى: باء التعليل (١)، وتقدمت الباء وأقسامها في الرابع من باب الاستطابة.
قوله: "والصف الذي يليه": معطوف على فاعل "انحدر"، وسوغ العطفَ على الضمير المرفوع الفصلُ بالسجود، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه، و"الذي" وصلتُها وعائدُها صفةٌ للصف، وأراد الأقرب إليه.
قوله: "وقام الصف المؤخَّر": معطوف على "انحدر" ويجوز أن تكون في محل الحال بتقدير "قد"، أي: وقد قام.
قوله: "في نحر": يتعلق بـ "قام"، ويحتمل أن يتعلق بحال، أي: "محاذيًا"، بمعنى كائنًا في نحر العدو، أي: "في جهة العدو".
ويطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، و"العِدَى" بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، حتى قال بعضهم: لم يأت "فِعَل" في الصفات إلا "عِدَى" (٢).
وقد ذكرت ما جاء من ذلك كـ "زِيَم"، و"سِوَى"، و "قِوَم"، و"ثِنَى"، أي: "ثنيت مرتين"، و"ماء صِرى"، و"لحم زِيم"، و"وادي طوى" في "إعراب قصيدة
стр. 808
كعب بن زهير".
قوله: "فلما قضى النبي ﷺ السجود": "لما" تقدم الكلام عليها في الحديث الرابع من المذي، و"قضى" هنا بمعنى الانفصال منها.
قال الأزهري: "القضاء" على وجوه مرجعها إلى "انقضاء الشيء وتمامه" (١)، ومنه: القضاء المعروف بالقدر.
والمراد بالسّجود هنا الجنس حتى يعم السجدتين. و"قام" معطوف على "قضى"، وإعراب هذه الجملة كالتي قبلها.
قوله: "بالسجود": تحتمل الباء الوجهين المتقدمين: إما الحال، وإما التعليل.
قوله: "ثم تقدّم الصف المؤخّر وتأخّر الصف المقدّم": "ثم" في هذه المواضع منها ما هو للترتيب والمهلة، ومنها ما لا مهلة فيه، فقوله: "ثم ركع النبي" يحتمل أن لا مهلة فيها بعد تقدم الصف المؤخر؛ لأنه عمل كثير.
قوله: "وركعنا جميعًا": هذا بناء على أنّ الحراسة إنما كانت في السجود لا غير، ومقتضى الحديث أنّ العدو كان في جهة القبلة.
قوله: "ثم رفع رأسه من الركوع": أي: "النبي ﷺ "، وهو معطوف، وكذلك قوله: "فرفعنا".
المراد من "الركوع" و"جميعًا": تقدّم آنفًا.
قوله: "ثم انحدر بالسجود": فاعل "انحدر" ضمير "النبي ﷺ "، وتقدّم إعراب الجملة.
قوله: "الذي يليه": الصّلة والموصول في محل صفة للصف، و"الذي كان
стр. 809
مؤخرًا" صفة أخرى للصف، ويحتمل أن يكون صفة أخرى لـ "الذي" أو [بدلا] (١) منها. و"في الركعة" يتعلّق بـ "مؤخر"، و"الأولى" نعت للركعة. وتقدم ذكر "الأولى" ومعناها في الحديث الثاني من باب القراءة في الصلاة.
قوله: "فقام الصف المؤخر في نحر العدو": أي: جهة العدو.
وقال ابن الأثير: "نحر العدو": أي: في موازاتهم ومقابلتهم (٢)، ونسق هذه الجمل على وضعها هنا، وتقدم الكلام عليها.
قوله: "فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا": الفاعل في "سجد" و"سلّم" ضمير النبي ﷺ ، و"سلمنا" معطوف عليه، و"جميعًا" تقدم ذكره قريبًا.
قوله: "قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم": أي: يحرس بعضهم بعضا في الصلاة، كما يصنع حرس هؤلاء بأمرائهم، فالكاف نعت لمصدر محذوف.
و"حرسكم" مصدر "حرس، يحرس"، ومنه "الحَرَسِىّ": واحد الحُرَّاس" (٣).
و"ما" مصدرية أي: "كصنع"، أو تكون الكاف حالًا كما تقدم، فهي حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، و"حرسُكم" فاعل "يصنع"، و"هؤلاء" نعت لـ "حرسكم"، فهو في محلّ رفع، وأسماء الإشارة تُنعت ويُنعت بها.
قوله: "وذكر البخاري": من كلام صاحب "العمدة"، و"طَرفًا" مفعول به، و"أنه" معطوف على "طرفًا"، و"منه" متعلق بصفة لـ "طرف".
و"صلى صلاة الخوف" تقدّم قبل هذا، و"مع النبي ﷺ " يتعلق بحال،
стр. 810
والضّمير في "صلى" ضمير "جابر"، و"في الغزوة" يتعلق بحال ثانية، و"السّابعة" صفة للغزوة، و"غزوة ذات الرقاع" بدل من "الغزوة"، و"ذات الرقاع" تقدّم.
***