← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

يجمع، وهو منصوب على الحال، كقوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (١). ويُروى: "وصفَّنا صفَّين" (٢)، بمعنى: "جعلنا صفين"، من باب التضمين، و"خَلْف" ظرف مكان، العامل فيه "صفَفْنا". قوله: "والعدوّ بيننا وبين القبلة": تقدم قريبًا تحرير القول في تكرير "بين" في الحديث الثاني من "الاستسقاء". قوله: "فكبَّر النبي ﷺ ": معطوف على قوله: "فصففنا"، وجملة "والعدو بيننا وبين القبلة" في موضع حال من ضمير "الطائفة"، أو معترضة لا محل لها من الإعراب، وتقدم ذكر الجمل التي لا محل لها في الحديث الأول من الكتاب. قوله: "وكبَّرنا جميعًا": قال أبو حيان: ""جميعًا" يرادف "كلا" في العموم، ولا تفيد الاجتماع في الزمان، بخلاف "معًا"" (٣). وعدها ابن مالك من ألفاظ التأكيد، قال: وأغفلها النحويون، وقد نبَّه سيبويه على أنها بمنزلة "كُلّ" معنى واستعمالا (٤)، ولم يذكر لها شاهدًا من كلام العرب. قال: وقد ظفرتُ بشاهد له، وهو قول امرأة من العرب ترقّص ابنها: فِدَاكَ وَفْدُ خَوْلانَ ... جَميعُهُم وهَمْدانْ [وكُلُّ آل] (٥) قَحْطانْ ... والأكرمَون عَدْنَانْ (٦) " (٧)

стр. 807

قلت: فيكون "جميعًا" هنا تأكيدًا، وحيث تكرّر كذلك. قوله: "ثم انحدر": أي: "النبي ﷺ بالسجود". الانحدار يقتضي السرعة في الهَوْي. و"بالسجود" يتعلق بـ "انحدر"، و"الباء" باء المصاحبة، أي: "متلبسًا بالسجود"، ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى اللام، أي: "لأجل السجود"، وتسمى: باء التعليل (١)، وتقدمت الباء وأقسامها في الرابع من باب الاستطابة. قوله: "والصف الذي يليه": معطوف على فاعل "انحدر"، وسوغ العطفَ على الضمير المرفوع الفصلُ بالسجود، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه، و"الذي" وصلتُها وعائدُها صفةٌ للصف، وأراد الأقرب إليه. قوله: "وقام الصف المؤخَّر": معطوف على "انحدر" ويجوز أن تكون في محل الحال بتقدير "قد"، أي: وقد قام. قوله: "في نحر": يتعلق بـ "قام"، ويحتمل أن يتعلق بحال، أي: "محاذيًا"، بمعنى كائنًا في نحر العدو، أي: "في جهة العدو". ويطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، و"العِدَى" بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، حتى قال بعضهم: لم يأت "فِعَل" في الصفات إلا "عِدَى" (٢). وقد ذكرت ما جاء من ذلك كـ "زِيَم"، و"سِوَى"، و "قِوَم"، و"ثِنَى"، أي: "ثنيت مرتين"، و"ماء صِرى"، و"لحم زِيم"، و"وادي طوى" في "إعراب قصيدة

стр. 808

كعب بن زهير". قوله: "فلما قضى النبي ﷺ السجود": "لما" تقدم الكلام عليها في الحديث الرابع من المذي، و"قضى" هنا بمعنى الانفصال منها. قال الأزهري: "القضاء" على وجوه مرجعها إلى "انقضاء الشيء وتمامه" (١)، ومنه: القضاء المعروف بالقدر. والمراد بالسّجود هنا الجنس حتى يعم السجدتين. و"قام" معطوف على "قضى"، وإعراب هذه الجملة كالتي قبلها. قوله: "بالسجود": تحتمل الباء الوجهين المتقدمين: إما الحال، وإما التعليل. قوله: "ثم تقدّم الصف المؤخّر وتأخّر الصف المقدّم": "ثم" في هذه المواضع منها ما هو للترتيب والمهلة، ومنها ما لا مهلة فيه، فقوله: "ثم ركع النبي" يحتمل أن لا مهلة فيها بعد تقدم الصف المؤخر؛ لأنه عمل كثير. قوله: "وركعنا جميعًا": هذا بناء على أنّ الحراسة إنما كانت في السجود لا غير، ومقتضى الحديث أنّ العدو كان في جهة القبلة. قوله: "ثم رفع رأسه من الركوع": أي: "النبي ﷺ "، وهو معطوف، وكذلك قوله: "فرفعنا". المراد من "الركوع" و"جميعًا": تقدّم آنفًا. قوله: "ثم انحدر بالسجود": فاعل "انحدر" ضمير "النبي ﷺ "، وتقدّم إعراب الجملة. قوله: "الذي يليه": الصّلة والموصول في محل صفة للصف، و"الذي كان

стр. 809

مؤخرًا" صفة أخرى للصف، ويحتمل أن يكون صفة أخرى لـ "الذي" أو [بدلا] (١) منها. و"في الركعة" يتعلّق بـ "مؤخر"، و"الأولى" نعت للركعة. وتقدم ذكر "الأولى" ومعناها في الحديث الثاني من باب القراءة في الصلاة. قوله: "فقام الصف المؤخر في نحر العدو": أي: جهة العدو. وقال ابن الأثير: "نحر العدو": أي: في موازاتهم ومقابلتهم (٢)، ونسق هذه الجمل على وضعها هنا، وتقدم الكلام عليها. قوله: "فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا": الفاعل في "سجد" و"سلّم" ضمير النبي ﷺ ، و"سلمنا" معطوف عليه، و"جميعًا" تقدم ذكره قريبًا. قوله: "قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم": أي: يحرس بعضهم بعضا في الصلاة، كما يصنع حرس هؤلاء بأمرائهم، فالكاف نعت لمصدر محذوف. و"حرسكم" مصدر "حرس، يحرس"، ومنه "الحَرَسِىّ": واحد الحُرَّاس" (٣). و"ما" مصدرية أي: "كصنع"، أو تكون الكاف حالًا كما تقدم، فهي حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، و"حرسُكم" فاعل "يصنع"، و"هؤلاء" نعت لـ "حرسكم"، فهو في محلّ رفع، وأسماء الإشارة تُنعت ويُنعت بها. قوله: "وذكر البخاري": من كلام صاحب "العمدة"، و"طَرفًا" مفعول به، و"أنه" معطوف على "طرفًا"، و"منه" متعلق بصفة لـ "طرف". و"صلى صلاة الخوف" تقدّم قبل هذا، و"مع النبي ﷺ " يتعلق بحال،

стр. 810

والضّمير في "صلى" ضمير "جابر"، و"في الغزوة" يتعلق بحال ثانية، و"السّابعة" صفة للغزوة، و"غزوة ذات الرقاع" بدل من "الغزوة"، و"ذات الرقاع" تقدّم. ***

стр. 811

كتاب الجنائز الحديث الأوّل: [١٥٤]: عَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: "نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا" (١). "نعى النبي": فعل وفاعل، ومصدر "نعى": ["نَعْي"، و"نُعيان"] (٢) بالضم والفتح (٣). قال ابن الأثير: يُقال: "نعى الميت ينعاه"، "نَعْيًا" و"نَعِيًّا" إذا "أذاع موته وأخبر به" (٤) و"النجاشيّ" مفعول. قوله: "في اليوم الذي مات فيه": حرف الجر يتعلق بـ "نعَى"، و"الذي" مع صلته وعائده صفة لـ "يوم"، والضمير المجرور يعود على "اليوم"، وهو ضمير الموصول وفاعل "مات" يعود على "النجاشي". قوله: "وخرج بهم إلى المصلى": معطوف على "نعى" ويحتمل أن يكون في محل حال من محذوف، أي: "نعى النبي للناس النجاشي وقد خرج بهم". والضمير في "بهم" يعود على "الناس" المقدر، وهكذا هو في الموطأ: "نعى النجاشي للناس" (٥).

стр. 812

قوله: "إلى المصلى": قال أبو البقاء: ألفه منقلبة عن واو، وزنه "مفعل"، وهو مكان، ويجوز أن يكون مصدرًا (١) وفيه حذف مضاف، أي: "مكان صلاة". قوله: "فصفَّ بهم": معطوف على "خرج". قوله: "وكبَّر أربعًا": أي: "أربع تكبيرات"، ولذلك حذف "التاء" من "أربع"؛ لأنه عدد مؤنث. و"أربع" منصرف وإن كان فيه الوزن والصفة؛ لأجل أن الصفة ليست أصلية. الحديث الثّاني: [١٥٥]: عَنْ جَابِرِ بن عبد الله، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ (٢). قوله: "صلى على النجاشي": جملة في محل خبر "أن". قوله: "فكنت في الصف الثاني أو الثالث": يحتمل أن يكون التقدير: "صلَّى بالناس على النجاشي، وصفَّ بهم، فكنت في الصف الثاني". ويحتمل أن يكون التقدير: "صلى على النجاشي، فصليت وراءه". "وكنت": "كان" واسمها، وخبرها في المجرور، والألف واللام في "الصف" للعهد؛ لأنّه قال: "الثاني". وفيه إشارة إلى أنها كانت صفوفًا، [وأنه] (٣) جاء الأمر بذلك، وفي حديث

стр. 813

خرَّجه أبو عمر: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ [ثَلَاثَةُ] (١) صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ" (٢) وكان مالك إذا استقلَّ الجماعةَ صفَّهم [ثلاثة] (٣) صفوف (٤). وتقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأول من الكتاب، وتقدّم الكلام على بناء اسم الفاعل من أسماء العدد في التاسع من "صفة الصلاة"، وعلى "الحديث" في أول حديث من الكتاب، وعلى "عن" في الثالث من "باب الصفوف"، وعلى "ابن" في الحديث الثاني من الكتاب. و"أن النبي": في محلّ معمول حرف الجر. وأحكام "على" في الخامس من "الجنابة". قوله: "أو الثالث": "أو" هنا للشك من الراوي، ولها أقسام تقدّمت في الثالث من "باب السواك". الحديث الثالث: [١٥٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا" (٥). قوله: "صلى على قبر": أي: "بالناس"، والمراد: "صاحب قبر". و"دُفن": مبني لما لم يسمّ فاعله، ومفعوله الذي لم يسم فاعله ضمير مستتر،

стр. 814

يعود على المضاف المحذوف، أي: "صلى على صاحب قبر بعد ما دفن"، والمراد أنه "شرع في الصلاة"؛ لأنّ "صلى" فعل ماض، يقتضي أن تكبيره الأربع بعد فراغه من الصلاة، فلذلك [تُؤوَّل] (١) بـ "شَرَع". و"ما" هنا مصدرية، وكذا متى جاءت بعد "بعد"، أي: "من بعد دفنه"، وهي حرف عند سيبويه، ودليله عدم الراجع إليها، ولو كانت اسمًا لعاد عليها ضمير، فعدم حاجتها إلى عود ضمير دليل على حرفيتها، وهذا هو الفرق بين الحرف الموصول والاسم الموصول. ولا يوصل إلّا بجملة فعلية مُصدّرة بماض [متصرِّف] (٢)، أو مضارع، وشذَّ وصلها بـ "ليس" كقوله: . . . . . . . . . . . . ... بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ (٣) ولا يُوصل بالاسمية، خلافًا لأبي الحجّاج الأعلم وغيره، واستدلوا بقوله: وَجَدْنَا الْحُمْرَ مِنْ شَرِّ الْمَطَايَا ... كَمَا الْحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ (٤) (٥)

стр. 815

الحديث الرابع: [١٥٧]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ" (١). قال الشيخ تقيّ الدّين: يحتمل أن يكون المعنى: "لا يكون فيها قميص ولا عمامة"، ويحتمل أن تكون "ثلاثة" خارجة عن القميص والعمامة؛ فتكون خمسة. قال: والأوّل أظهر في المراد (٢). قلتُ: وانظر من أين يستند هذا الحديث، ولم يجيء فيه وجْه للإسناد غير ما حكته عائشة ﵂ من صفة كفن النبي ﷺ (٣)؟ وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديثُ أثبَتُ حَديثٍ يُروى في كفن النبي ﷺ (٤). قوله: "أن رسول الله ﷺ كُفِّن": جملة في محل خبر "أنَّ"، و"أنَّ" في محل رفع لمتعلق حرف الجر. قوله: "في ثلاثة أثواب": يتعلّق بـ "كُفِّن"، وأضيف "الثلاثة" إلى أقل العدد على الأصل في بابه، وأقلّ العَدَد ما كان على "أفعُل، وأفعال، وأفعِلة، وفِعْلة" (٥)، وقد [تقدّم] (٦) ذكر جموع القلّة وما انتهت إليه في الحديث الأوّل من الكتاب.

стр. 816

قوله: "يمانية": نسبة إلى "اليمن". قال ابن الأثير في "النهاية": روي: "ثلاثة أثواب يُمْنةٍ" (١)، ضرْب من بُرود اليمن، و"يمنة" بضم "الياء" مخفف، و"الألِف" في "يمانية" عوض من "ياء" النسب، فلا يجتمعان (٢) قال سيبويه: وبعضهم يقول: "يماني" (٣). و"قوم يمانية"، و"اليمانون"، مثل: "ثمانية"، و"ثمانون"، و"امرأة يمانية" أيضًا (٤). ويُروى عِوضَ "يمانية": "سحولية" بضم "السين" وفتحها. قال الأزهري: الفتح منسوب إلى "سَحول" قرية باليمن، وبالضم: "ثياب بيض". (٥) وقيل: القرية بالضم أيضًا (٦)، حكاه ابن الأثير في "النهاية" (١).

стр. 817

قال ابن مالك: "يمان" كـ "ثمان" صحيح الآخر مفرد، وليس هو كـ "جوار" لا في اللفظ ولا في الإعراب، [أما] (٢) اللفظ فإن "جوار" جمع. وأما الإعراب: فـ "جوار" ممنوع من الصرف، و"ثمان" مصروف، تقول: "رأيت جوارٍ ثمانيًا"، وتقول: "رأيت رجلًا يمانيًا"، و"ثيابًا يمانيةً" (٣)، انتهى. و"بيض": جمع "أبيض" أو "بيضاء"، لأن "أفعل" يجمع على "فعل" بضم الفاء، ثم كُسرت لتسلم "الياء" من الانقلاب واوًا (٤). وتقدّم الكلام على "ليس" في الأول من "الحيض"، واسمها "قميص" وخبرها في المجرور، والجملة في محلّ صفة لـ "ثلاثة"، أو صفة لـ "أثواب"، وكذلك "بيض سحولية" يحتمل أن تكون صفة لـ "ثلاثة" ول "أثواب"، وانظر الفرق بين الصفتين واختلاف المعنى فيهما في الأوّل من "باب الشروط في البيع". و"لا" دخلت بعد حرف العطف زائدة لتأكيد النفي، وتقدّم الكلام عليها في الثاني من "باب الاستطابة". و"عمامة" بكسر "العين" أصل فيما كان على هذا الوزن مما هو "مشتمَل"، كـ "عِصابة"، "صِمامة"، و"لِفافة"، و"غِشاوة".

стр. 818

الحديث الخامس: [١٥٨]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي". فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ"، يعْنِي: إزَارَهُ (١). وَفِي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا" (٢). وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" (٣). وَإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ" (٤).

стр. 819

وسقطت "التاء" لأنه عدد مؤنث. قال الشيخ تقيّ الدّين: هنا فائدة أصولية، وذلك أن "ثلاثًا" من الألفاظ التي يُحمل اللفظُ فيها على حقيقته ومجازه من حيث إن قوله: "ثلاثًا" غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر، فتكون محمولة فيه على الاستحباب، وفي أصل الغُسل على الوجوب لأنه أمر من النبي ﷺ ، والأمر على الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، وعلى الندب بالنسبة إلى الإيتار (١)، انتهى. قوله: "أو أكثر من ذلك": "أو" للتخيير، وقد تقدّم الكلام عليها في الثالث من "السواك"، و"أكثر" أفعل التفضيل، وقد استُعمِل بـ "من"، فجرى مجرى الفعل في كونه لا يُثَنَّى ولا يُجمع ولا يؤنث (٢)، وقد تقدّم الكلام على "أفعل" في الحديث الأوّل من "كتاب الصلاة". و"مِن" معه للتبعيض أو الغاية. وتقدم الكلام على ["ذا" وأنه] (٣) ثنائي لفظًا ثلاثيّ وضعًا لقولهم في التصغير: "ذُيَّا" فَرُدَّ إلى الثلاثيّ، وألفه منقلبة عن ياء (٤)، ولامه المحذوفة ياء لا واو، خلافًا لبعض البصريين. وقال الكوفيون والسهيلي: هو على حرف واحد وضعًا، وألِفه زائدة، لقولهم: "ذه أمة الله". (٥)

стр. 820

وأجيب: باحتمال أن تكون "الهاء" بدلًا من "الياء". (١) وبُني لشبهه بالحرف لفظًا ومعنى. ويدلّ على قُرب المشار إليه، و"الكاف" [للتوسط] (٢)، و"اللام" للبعد، فهي مراتب ثلاثة (٣). وجعل بعضهم [. . .] (٤) ["ذا"] (٥) للقريب، وباللام والكاف أو أحدهما للبعد. فله مرتبتان (٦). وذكر بعض شراح "الجزولية" أنّ سيبويه لم يذكر تفصيلًا في هذا كُله، وإنما ذكره الفراء. وذكر السجاوندى في "اللام" ثلاثة أوجُه: البعد، والعماد، والعِوض من "هاء" التنبيه، لأنها لا تُجامعها. قوله: "إنْ رأيتن": "إن" حرف شرط، و"رأيتن" فعل ماض وفاعل، والتاء للخطاب، وأصل الفعل "رَأَيَ" تحركت "الياء"، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فلما اتصل بالفعل حرف الخطاب وهو "التاء" المضمومة سكن آخر الفعل، كما يسكن مع الضّمير المضموم. وجاءت "نون" جماعة النسوة مُشدّدة بنونين - وكان حقها أن تكون خفيفة -

стр. 821

لأنهم قابلوها بالميم و"الواو" في "أنتموا" (١). وضَمُّوا "التاء" وكان حقّها الفتح؛ لأنها "تاء" الخطاب (٢) إلا أنهم قابلوا بها الميم في "أنتموا"، وإنما ضُمَّت في "أنتُم" لأن "الميم" من مخرج "الواو"، فضموا ما قبلها، كما ضموا ما قبل "الواو" (٣). وكذلك ضموا ما قبل "النون" المقابلة للميم والواو. وإنما جعلوا "نون" جماعة النسوة في "رأيتن" و"فعلتن" مشددة؛ لأنهم قابلوها بالميم و"الواو" في ["أنتموا"] (٤). (٥) وإنما اختاروا النون لجماعة النسوة: لأنها تفيد الجمع في المؤنث، نحو: "النساء ضربن"، كما تفيده "الواو" في جمع المذكر، نحو: "ضربوا" (٦). وقال الفراء: "التاء" في "رأيتن" و"ضربتن" و"أنتما" و"أنتن" زيدت عمادًا (٧).

стр. 822

وقيل: إنما ضُمَّت "التاء" فيها لأنهم لو أبقوها مفتوحة لجاز أن تكون للواحد، وتكون "النون" زائدة في "أنتن" و"ضربتن" (١). قوله: "ذلكِ": هو بكسر "الكاف"، يخاطب أم عطية، ولو أراد خطاب النسوة اللاتي حضرن غسلها لقال: "ذلكنَّ". وقد أجازوا في خطاب الجماعة المذكّرين فتح "الكاف"، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ (٢) [المائدة: ٦٠]، وكذلك قوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (٣). فيجوز أن تكون "الكاف" هنا مفتوحة على هذا القياس، وقد جاء في الشعر: وَلَسْتُ بِسَائِلِ جَارَاتِ بَيْتِي ... أَغُيَّابٌ رِجَالُكِ أَمْ شُهُودُ (٤)

стр. 823

فخاطب جماعة النسوة بكاف مكسورة. وإذا جاز في ضمير المخاطبات، كان في خطاب الواحدة أجوز، فيحمل الحديث على ذلك إن روي كذلك. قال بعضهم: فإن قلت: لعل البيت بتقدير: "ولست بسائل كلا من جارات بيتي" (١)، فالجواب: أن هذا التقدير يأباه "رجالكِ"، فإن الظاهر أن المراد له "الأزواج". قوله: "بماء وسدر": يتعلق حرف الجر بقوله: "اغسلنها". وجواب "إنْ" الشرطية محذوف، يدلّ عليه "اغسلنها"، أي: "إن رأيتن ذلك نظرًا فاغسلنها". والرؤية هنا ظاهرها أنها علمية، فيكون "ذلك" مفعول أول، والثاني محذوف، أي: "إن رأيتن ذلك [مصلحة] (٢) ونظرًا لها". وحذف أحد المفعولين في هذا الباب عزيز قليل، إلا أن يكون عليه دليل كما هو هنا؛ لأنه قد تقدم من كلامه ﷺ وحالهم ما يقتضي العلم به. وقد جاء حذف الأول وبقاء الثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: "بخلهم هو خيرًا لهم" (٣). ومثال حذف الثاني: قول عنترة: وَلَقَد نزلْتِ فَلَا تَظُنِّى غَيْرَه ... مِنِّى بِمَنْزِلَة المُحبِّ المُكْرم (٤)

стр. 824

أي: "فلا تظني غيره واقعًا". ويحتمل أن يكون قوله: "بماء وسدر" متعلقًا بـ "رأيتن"، أي: "إن رأيتن ذلك - يعني الغسل بماء وسدر - فافعلن"، فيكون "فافعلن" جواب الشرط. وعلى الأول يكون جواب الشرط مقدرًا من اللفظ المتقدم، أي: "إن رأيتن ذلك فاغسلن". ويحتمل أن يكون "بماء وسدر" بدلًا من "ثلاث". قوله: "أو شيئًا من كافور": حرف الجر متعلق بصفة لـ "شيء". قوله: "فإذا فرغتن فآذِنّني": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب. وجوابها هنا: "فآذنَّني"، وهو فعل أمر وفاعل ونون الوقاية ومفعول، فالنون المشددة نون الفعل، ونون ضمير جماعة النسوة أدغمت إحداهما في الأخرى، وبقيت نون الوقاية؛ فجاء: "فآذنْني"، النونان الأولتان أدغمتا، وبقيت "نون" الوقاية. وسيأتي تصريف "آذن". وتقدّم الكلام على "نون" الوقاية في أول حديث من "باب الطمأنينة". قوله: "فلما فرغنا": "لما" ظرف مع الماضي بمعنى "حين"، وقال سيبويه: حرفُ وجوب لوجوب. وتقدم الكلام على "لما" في الحديث الرابع من "باب المذي". قوله: "آذناه": فعل ماض وفاعل ومفعول جواب "لما"، وأصل الفعل "أأْذِن" بهمزة ساكنة، فقلبت ألفًا لئلا يجتمع همزتان وكان [قلبها] (١) ألفًا لأجل الفتحة

стр. 825

قبلها، ووزن "أأْذن" "أفعِل" من "الإذن". قوله: "فأعطانا حقوه": "أعطى" يتعدّى إلى مفعولين، الأوّل الضمير، والثاني: "حقوه". و"أشعرنها" فعل وفاعل ومفعول، الفاعل ضمير جماعة النسوة. و"الشّعار": [ما] (١) يلي الجلد، و"الدِّثار": ما فوقه. وسُمي "الإزار" حقوًا من باب تسمية الشيء بما يلازمه؛ لأنّ "الحقو" الذي يُشدُّ على الإزار. قال ابن الأثير: الأصل في "الحقو" معقد الإزار. وجمعه: "أَحْقٍ" و"أحقاء"، ثم سُمي به الإزار للمجاورة (٢) وهو بكسر "الحاء" وفتحها. قوله: "فقال: أشعرنها به": الضمير في "به" يعود على "الحقو" المفسر بالإزار. قوله: "وفي رواية": أي وجاء في رواية فتعلق حرف الجر بـ "جاء". قوله: "أو سبعًا": فاعل جاء على الحكاية، وهو معطوف على "خمسًا"، وسقطت العلامة لأن المعدود مؤنث. قوله: "وقال: ابدأن بميامنها": "بدأ" تقدم الكلام عليه في الحادي عشر من "صفة صلاة النبي ﷺ ". و"بميامنها": "الميامن" جمع "ميمن" و"ميمنة"، خلاف "المياسر". قال في الصّحاح: متى جعلت "اليمين" ظرفًا لم تجمعه؛ لأن الظروف لا تكاد تجمع؛ لأنها جهات وأقطار مختلفة الألفاظ، ألا ترى أن "قدام" مخالف لـ "خلف"،

стр. 826

و"اليمين" مخالف للشمال (١). قلت: وعلى هذا لا يكون "ميامن" هنا بمعنى "الجهات"، إنما هو بمعنى "الأعضاء اليمنى". قوله: "ومواضع الوضوء منها": قال في "الصحاح": "الموضِع": المكان، و"الموضِع" أيضًا مصدر، قولك: "وضعت الشيء من يدي"، "وضعًا" و"موضوعًا"، وهو مثل المعقول. و"الموضَع" بفتح الضاد لغة في "الموضِع"، سمعها الفراء (٢)، انتهى. و"مواضع": هنا جمع "موضع" أي: "أماكن الوضوء". قوله: "منها": هذه اللفظة في بعض النسخ وأكثرها على سقوطها، ويتعلق حرف الجر بحال من "مواضع". ويحتمل أن يتعلق بصفة لها؛ لأنه أضاف المواضع إلى جنس الوضوء، لا وضوءًا بعينه، فعومل معاملة النكرة في الوصف بالمجرور، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] قيل: جملة: "نسلخ" صفة لليل (٣)، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٤) [الجمعة: ٥]. وكذلك قوله: وَلَقَدْ أمُرَّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبُّني ... . . . . . . . . . . . (٥)

стр. 827

واختاره الزمخشري وابن مالك. وأنكر ذلك أبو حيّان، وقال: هذا هدم لما استقر عند أئمة النحو أن النكرة لا تنعت إلا بالنكرة، والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، ولا دليل لمن ذهب إليه (١). قوله: "وإن أم عطية": معطوف، والهمزة من "إن" مكسورة؛ لأنها في ابتداء الكلام، ولو فتح "أن" بتقدير: "وذكر الراوي" [عَنِي] (٢): "أنّ [أم عطية] (٣) " جاز. والعملُ على الراوية. قوله: "ثم جعلنا رأسها ثلاثة قرون": التقدير: "وجعلنا شعر رأسها ثلاثة قرون". و"ثلاثة" مفعول "جعلنا"، أي: "صيَّرنا رأسها ثلاثة قرون". و"القرن": الخصلة من الشعر (٤). وأثبت في العدد "التاء"؛ لأنها عَدَد مذكّر.

стр. 828

[الحديث السادس] (١): [١٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: [بينما] (٢) رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، [فَوَقَصَتْهُ] (٣) - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْن، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (٤). [وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ"] (٥). قوله: "بينما رجل واقف بعرفة": "بينما" تقدم الكلام عليها في الحديث الثالث من السواك، والتقدير هنا: بين أوقات وقوف رجل بعرفة. وقد تلحق الألف من غير ميم، والتقدير كالتقدير، ويزول عنها بدخول "ما" عليها الاختصاص بالأسماء. فـ "رجل" مبتدأ و"واقف" صفة له، وهو المسوِّغ للابتداء بالنكرة، وخبر المبتدأ "بعرفة". قوله: "إذ وقع عن راحلته": "إذ" للمفاجأة، وأقسام "إذ" تأتي في الحديث السادس من الزكاة، ومن أقسامها أن تكون للمفاجأة عند الزمخشري وموافقيه خلافًا للأكثرين، قال جمال الدّين ابن هشام: "إذ" على أربعة أوجه: -

стр. 829

أحدها: أن تكون اسمًا للزمن الماضي. والوجه الثاني: تكون اسمًا للزمن المستقبل نحو: "يومئذ". الثالث: للتعليل، نحو: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]. قلت: ومنعه الجمهور. الرابع: أن تكون للمفاجأة، قال: نصّ على ذلك سيبويه. قال: وهي الواقعة بعد "بينا"، و"بينما" كقوله: . . . . . . . . . . ... [فَبَيْنَما] (١) العُسْرُ إِذْ دارَتْ مَياسِيرُ (٢) وهل هي ظرف مكان أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجأة، أو حرف مؤكد زائد؟ أقوال. وعلى القول بالظرفية: فقال ابن جني: عاملها الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وعامل "بينا"، و"بينما" محذوف يفسره الفعل المذكور. (٣) قلت: فيكون هنا في الحديث العامل في "إذ": "وقع"، والعامل في بينما فعل آخر من المعنى و"وقع" يفسره. فالتقدير: "وقع بين أوقات رجل واقف بعرفة إذ وقع". وقال الشلوبين: "إذ" مضافة إلى الجملة فلا يعمل فيها الفعل ولا في "بينا، وبينما"، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا فيما قبله، وإنما عاملهما محذوف

стр. 830

يدل عليه الكلام؛ و"إذ" بدل منها. وقيل: العامل ما يلي "بين" بناء على أنها مكفوفة عن الإضافة إليه، كما يعمل تالي اسم الشرط فيه. وقيل: ["بين" خبر] (١) لمحذوف، وتقدير قولهم بينما أنا قائم إذ جاء عمرو: بين أوقات قيامي مجيء عمرو ثم حُذف المبتدأ مدلولًا عليه بـ "جاء عمرو". وقيل: مبتدأ، و"إذ" خبره، والمعنى: حين أنا قائم حين جاء عمرو. وذكر لـ "إذ" معنيان آخران: - أحدهما: التوكيد، وذلك بأن تحمل على الزيادة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة، وحملا عليه آيات من القرآن، منها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، والثاني: التحقيق كـ "قد"، وحملت عليه الآية، قال: وليس القولان بشيء (٢) قال أبو حيان: وكانا [ضعيفين] (٣) في النحو (٤). قلت: قال ابن الحاجب: إن العامل في "إذ" [معنى] (٥) المفاجأة (٦). قوله: "عن راحلته": تقدم الكلام على "عن" في الثالث من باب

стр. 831

الصفوف. "فوقصته" معطوف على "وقع". قال في "الصّحاح": يقال: "وَقَصْتُ عنقه أَقِصُها"، أي: "كسرتُها"، و"وقص الرجل" فهو ["مَوْقُوص"] (١). ويُقال أيضًا: "وَقَصَتْ به راحلته"، فهو كقولك: "خذ الخطام" و"خذ بالخطام" (٢) وفي الحديث: "أو قال: أوقصته": على الشّك من الراوي. قوله: "فقال رسول الله ﷺ ": "الفاء" سببية، والجملة معطوفة، وجملة "اغسلوه" معمولة للقول. قوله: "بماء": يتعلق بـ "اغسلوه"، و"سدر" معطوف عليه، و"كفِّنوه" معطوف عليه، و"في ثوبين" يتعلق بـ "كفنوه"، ويُروَى: "فِي ثَوْبَيْهِ" (٣)، ومعناهما مختلف. ويحتمل أن تكون "في" بمعنى "الباء"، أي: "بثوبيه". وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]: "في" بمعنى "الباء"، أي: "يذرؤكم به"، أي: "يكثركم به" (٤). ويحتمل أن تكون "في" على بابها، وهو أحسن أن يُجعَل الثوبان وعاء له. قوله: "فإنه يُبعث يوم القيامة": الفعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله. و"ملبِّيًا": منصوب على الحال، من المفعول الذي لم يسم فاعله المستتر في "يُبعث".

стр. 832

الحديث [السابع] (١): [١٦٠]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (٢). قوله: "نُهينا": إنما استند هذا الحديث بقولها: "نهينا"، لأنّ النهي المشار إليه هو نهي النبي ﷺ . قال الشيخ تقي الدين: في الحديث دليلٌ على كراهة اتباع الجنائز من غير تحريم، فهو معنى قولها: "ولم يُعزم علينا". قال: "العزيمة" دالة على التأكيد، وفي هذا ما يدلّ على خلاف ما اختاره بعض المتأخّرين من أهل الأصول أنّ "العزيمة": "ما أبيح فعله من غير قيام دليل المنع"، وأن "الرخصة": "ما أبيح مع قيام دليل المنع"، وهذا القول مخالف لما دلّ عليه الاستعمال اللغويّ من إشعار العزم بالتأكيد، فإنّ هذا القول يدخُل تحته المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه (٣). انتهى. قوله: "قالت": أي: "أنها قالت". وقد جاء حذف "أنَّ" - قال ابن مالك - في مثل قوله: ولولا بنوها حولها [لخبطتها] (٤) ... . . . . . . . . . . وعجز البيت: . . . . . . . . . . ... كخبطة عصفور ولم أتلعثم (٥)

стр. 833

أي: "لولا أنَّ بنوها"، فحذف "أنَّ"، وأبطل عملها، وله شواهد في الكتاب والسنة ستأتي بعد ذلك. قوله: "نُهينا": فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ومفعول لم يسم فاعله، و"عن" يتعلق بـ "نهينا". و"اتِّباع" مصدر "اتَّبع" مضاف إلى المفعول، والتقدير: "عن أن نتبع الجنائز"، وفرَّق السُّهيلي بين قولك: "كرهت قيامك"، و"كرهت أن قمت"، ففي الأول المكروه نفس القيام أو هيئته، والثاني: نفس الفعل (١). قوله: "ولم يُعزم علينا": "لم" حرف جزم، تقدّم الكلام عليها في الثالث من "باب المذي". و"يُعزم" مجزوم بـ "لم". ونصب بها بعضهم، وتأوّل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وخرَّجه الشيخ أبو محمد بن عطيّة على أنّ الأصل: "نشرحن" بالنون أبدَل منها ألِفًا، ثم حذفها تخفيفًا. (٢) وقيل: هي لُغة، كما [جاء] (٣) الجزم بـ "لن" (٤)، ومنه:

стр. 834

فلن أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (١) ومنه قوله في الحديث: "لَنْ تُرع، لَنْ تُرع" (٢). الحديث [الثّامن] (٣): [١٦١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ؛ فَإِنَّهَا إنْ [تك] (٤) صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" (٥). قوله: "أسرعوا بالجنازة": يحتمل أن تكون "الباء" للمصاحبة، كقوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: "معك سلام" (٦). وكذلك هنا: "أسرعوا ومعكم الجنازة"، أو "حاملين الجنازة"، كما قيل في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٧٨] أي: "حامدًا ربك" (٧).

стр. 835

وتقدّم أقسام "الباء" في الرابع من "باب الاستطابة". قوله: "فإنْ تَكُ": الفاء سببية، أي: بسبب كونها صالحة أو غير ذلك، و"إنْ" حرف شرط، وتقدم الكلام على "إنْ" في السابع من "الجنابة"، وعلى الفاء في السادس من "الاستطابة". و"تَكُ" مجزوم بالشرط، وعلامة جزمه سكون آخره. (١) وأصل "كان": "كون، يكون"، تحرّكت "الواو" وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، فصار "كان" كـ "قال"، وأما "يكون" فاستثقلت فيه الضمة على الواو فنقلت إلى الكاف، فصار "يكُون"، ثم دخل الجازم فسكَّنَ "النون"، فحذفت [الواو] (٢) لسكونها وسكون ["النون"] (٣)، ثم حذفت النون تخفيفًا من "يكن" لكثرة استعمالها (٤). ولم يجيزوا ذلك في غيرها من الأفعال، فلا يقال في "صان، يصون": "يص"، كما قالوا: "يك". وتقدّم شرط الحذف في السادس من "صلاة الجماعة". واسم "كان" ضمير يعود على "الجنازة". و"صالحة": خبر "كان"، والتقدير: "إن تكن الجنازة ذات صلاح فجزاؤها خير تقدمونها إليه"، فحذف المضاف الذي هو "ذات"، وحذف المبتدأ الذي هو "فجزاؤها"، كما حُذِف في قوله: "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ" (٥) حذف هناك

стр. 836

"الفاء" والمبتدأ، وهنا حذف المبتدأ لا غير، فهو أسهل في الحذف قال ابن مالك: وقرأ طاوس: "ويسألونك عن اليتامى قل أَصْلِحْ لهم خير" (١)، أي: "إن تصلح فهو خير". قال: وهو مثله؛ لأن الأمر مضمَّن معنى الشرط، فكان كالتصريح به في استحقاق جواب واستحقاق "الفاء" فيه لكونه جملة اسمية. قال: ومن خصّ هذا الحذف بالشِّعر حاد عن التحقيق، وضيّق حيث لا تضييق. ومن حذف "الفاء" (٢) في الشعر: مَنْ يَفْعَل الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... . . . . . . . . . . (٣) إذا ثبت ذلك: فقوله: "تقدّمونها إليه" جملة من فعل وفاعل ومفعول في محل صفة لـ "خير". ويجوز أن يكون "خير" و"شر" مبتدآن، أي: "فلها خير"، و"لها شر". قوله: "وإن تك سوى ذلك": هو مثل ما تقدّم من الإعراب، لكن "سوى" هنا خبر "كان" بمعنى "غير"، أي: "وإن تك غير ذلك". و"سِوَى" هذه عند الزجاجي وابن مالك كـ "غير" في المعنى والتصرف، فتقول: "جاءني سِواكَ"، بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك"، بالنصب على

стр. 837

المفعولية، و"ما جاءني أحد سواك"، بالنصب والرفع، كقولك: "ما جاءني أحد غيرك"، بالرفع والنصب (١)، وفي الحديث: "دَعَوتُ رَبّي أنْ لَا يُسَلّط عَلى أمّتي منْ سوَى أنْفُسِهِم" (٢). وعلى هذا تكون "سوى" خبر "كان". واختار سيبويه والجمهور أنها ظرف مكان لازم للنصب، لا يخرج عن ذلك إلّا في ضرورة. وعند الكوفيين وجماعة أنها تأتي بالوجْهين، ورُدَّ على مَن نفى ظرفتيها بوقوعها صلة، قالوا: "جاء الذي سواك". وأجيب: بتقدير "سِوَى" خبرًا لـ "هو" محذوفًا (٣). وعلى مذهب سيبويه - أعني كون "سوى" ظرفًا - فخبر "كان" هو العامل في "سوى"، أي: "وإن تكن الجنازة كائنة سوى ذلك"، وجوابُ الشرط كما تقدّم محذوف، أي: "إن تكن سوى ذلك فهو شر". و"تضعونه": في محلّ الصّفة. وانظر إلى قوله ﷺ في الجنازة الصالحة: "فخير تقدّمونها إليه"، ولم يقُل كذلك في الجنازة الطالحة، بل جعلها نفسها شرًّا، لأن تقديمها إلى الشر يُزهد أهلها في الإسراع بها إليه، ومقصد الحديث: [الحضُّ] (٤) على الإسراع، فرغب فيه ﷺ بما يقتضي

стр. 838

الإسراع، لا بما يقتضيه حال الجنازة أو يُقَدَّر: "فلها شر"، كما تقدّم من الوجهين. و"السواء": بالمد: "المستوى"، والسواء: "العدل" (١)، و"السواء" الوسط، و"سواء" بالمد من غير تنوين بمعنى "سوى"، و"قوم سواسية"، واحدهم: "سواء"، وهو جمع على غير قياس (٢). وليس في كلام العرب "فعاولة" إلا قولهم: "قوم سواسوة"، و"قوم [مقاتوة"] (٣)، من "القتو" (٤)، وهو الافتعال من "الخدمة"، والميم زائدة. (٥) إذا ثبت ذلك ففي "سوى" لغات: ضم السين، وكسرها (٦). وأضاف "سوى" إلى "ذلك" إشارة إلى [النسمة] (٧) الصّالحة. وتقدم الكلام على "خير" و"شر" في الثامن من "باب الجنابة". وليس المراد هنا بـ "خير" أفعل التفضيل، وإنما المراد: "خير" من "الخيور".

стр. 839

الحديث [التاسع] (١): [١٦٢]: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ فِي وَسَطِهَا" (٢). قوله: "عن سمرة": يتعلق حرف الجر بفعل محذوف، أي: "روي". و"عن" تقدم الكلام عليها في الحديث الثّالث من "باب الصفوف". و"جندب": بضم "الدال": "ضَربٌ من الجراد"، وهو اسم رجل. قال سيبويه: بفتح "الدال" وضمها. وتقع اسمًا من أسماء "الدّاهية" و"الظلم"، يقال: "وقع الناس في أمر جندب" إذا "ظلموا" (٣). و"وراء": ظرف مكان، العامل فيه "صليت". وجملة "صليت" مفعولة بالقول. وجملة " ﷺ " معترضة لا محلّ لها. و"على امرأة" يتعلّق بـ "صليت" أيضًا. وجملة "ماتت" في محل صفة لـ "امرأة". وتقدّم الكلام على "وراء" في الحديث الثالث من "باب الصفوف". وهو من الظروف المبهمة. و"المبهم": ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسمَّاه، كأسماء الجهات، وهي: "أمام"، و"وراء"، و"يمين"، و"شمال"، و"فوق"، و"تحت" وشبهها في الشياع كـ "جانب"، و"ناحية"، و"مكان" (٤) وأسماء المقادير، نحو: "ميل"، و"فرسخ"، و"بريد".

стр. 840

ومنها ما اشتق من اسم الحدَث الذي اشتق منه العامل كـ "مذهب"، و"مرمى"، كقولهم: "ذهبتُ مذهب زيد"، و"رميتُ مرمى عمرو". فلو كان مشتقًا من غير ما اشتق منه العامل، كما في نحو: "ذهبتُ في مرمى عمرو"، و"رميت في مذهب زيد"، لم يجز في القياس أن يُجْعل ظرفا، وإن استعمل شيء منه ظرفًا عُدَّ شاذًّا، كقولهم: "زيد مني مقعد القابلة"، و"عبد الله مناط الثريا"، و"زيد مزجر الكلب"، فلو أعمل في المقعد "قعد"، وفي المناط "ناط"، وفي المزجر "زجر"، لم يكن في ذلك شذوذ ولا مخالفة للقياس. وأما غير المشتق من فعل الحدث من أسماء المكان المختصة، نحو: "الدار" و"المسجد" و"الطريق" و"الوادي" و"الجبل"، فلا يصلح للظرفية أصلًا (١). و"على": تقدّم الكلام عليها في الخامس من "الجنابة". قوله: "فقام في وسطها": معطوفٌ على محذوف، أي: "صلى النبي ﷺ على جنازة، فقام في وسطها". ويجوز عطفه على "صليت"، ولا تعتبر المشاكلة في عطف الجمل على [رأي] (٢) الأكثرين. (٣)

стр. 841

قوله: "في وسطها": أي: "قابل وسطها"، وتسمّى هذه (١): المقايِسَة، بضم "الميم" وكسر "الياء"، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) [التوبة: ٣٨] (٣)، لكن جاءت في الآية لمقابلة معنى، وجاءت هنا في مقابلة عين. وتقدّمت مواضع "في" في الحديث الرابع من أول الكتاب. و"وسَطها": بتحريك السين وسكونها، فبالسكون ظرف، وبالتحريك اسم، وكل موضع صلح فيه "بين" فهو "وسط" بالسكون، فإن لم يصلح فيه ["بين" فهو] (٤) "وَسَط" بالتحريك، وربما سُكِّن. قال في "الصحاح": وليس بالوجه (٥). وعلى هذا يكون "فقام وسَطها" بالتحريك أقيَس؛ لأنه لا يصلح فيه "بين". والرّواية بالسّكون على خلافِ القاعدة. الحديث [العاشر] (٦): [١٦٣]: عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ" (٧). قال: الصّالِقَة: "التي تَرفَع صَوْتها عِنْد المصيبة".

стр. 842

قلت: وقيل: "التي تصكّ رأسها ووجهها". ذكره صاحب "النهاية" (١). قوله: "بَرِئ": جملة من فعل وفاعل، [في] (٢) محل خبر "أنَّ". ومصدر "برئ": "براءة"، ويقال: "برئت من المرض"، "بُرءًا"، بالضم، وأهل الحجاز يقولون: "بَرَأْتُ من المرض"، "بَرْءًا"، بالفتح فيهما، ويقال: "تَبَرَّأْتُ من كذا"، و"أنا بَراء منه"، و"خَلاء منه"، بالفتح. ولا يُثَنَّى ولا يُجمع لأنه مصدر، فإذا قلت: "أنا بريء منه"، و"خَليٌّ منه"، ثنَّيتَ وجمعتَ وأنّثت، فقلت في الجمع: "نحن بُرآء"، مثل: "فقيه وفقهاء"، و"بِراء" مثل "كريم وكِرام"، و"أبراء" مثل "شريف وأشراف"، و"أبرياء" مثل "نصيب وأنصباء"، و"بَرِيئون"، وامرأة "بريئة"، وهما "بريئان"، وهن "بريئات" و"بَرَايا". ذكره صاحب "الصحاح" (٣). قوله: "من الصالقة": متعلق بـ "برئ"، قال ابن الأثير: "الصالقة" و"السالقة": هي التي تصرخ عند المصبية وتصيح، و"الحالقة": التي تحلق شعرها. و"الشاقة": التي تشق ثوبها (٤). و"من" يتعلق بـ "برئ" فهي في محل نصب، كهي في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. والألف واللام في "الصالقة"، و"الحالقة"، و"الشاقة" موصولة بمعنى

стр. 843

"الذي"، واختُلف في حرفيتها. وتجيء الألف واللام موصولة في اسم الفاعل، واسم المفعول، والجملة الاسمية والفعلية. فاسم الفاعل: كما تقدّم من الأمثلة الثلاثة. واسم المفعول: كقولك: "المطعوم والمشروب". والجملة: كقوله: مِنَ القومِ الرسُولُ اللهِ منهم ... لهم دانَتْ رِقابُ بني مَعَدّ (١) والفعل كقوله: ما أنتَ بالحَكم الْتُرْضَى حكومَتُه ... ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدَل (٢) (٣) والمفعول محذوف في "الحالقة" و"الشاقة"، أي: "الحالقة شعرها"، و"الشاقة ثوبها". وأما "الصالقة": ففعلها هنا لازم يتعدى بحرف الجر، أي: "صلقت بلسانها"، أي: "صاحت". قال الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويقال: "سلقه بالكلام". (٤)

стр. 844

والمراد هنا "الصياح"، كأنه قال: "لعن [الله] (١) المصيحة بالنعي". قال في "الصحاح": "المسلاق": الخطيب البليغ، وهو من شدة صوته وكلامه، وكذلك "السلاق" (٢). الحديث [الحادي عشر] (٣): [١٦٤]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا في أَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "أولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ" (٤). قوله: "الحادي عشر": تقدّم الكَلام على بناء اسم الفاعل من أسماء الأعداد في الحادي عشر من "باب صفة الصلاة". قوله: "عن عائشة ﵂": جملة "﵂" معترضة لا محلّ لها، والجمل التي لا محل لها مذكورة في الحديث الأول من الكتاب. ومتعلق "عن" عامل في محل "قالت" بتقدير "أنَّ"، وقد تقدّم. و"لمَّا" تقدم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي". وإعرابها: إما ظرف بمعنى "حين" كما اختاره الفارسي، وإما حرف وجوب لوجوب، كما اختاره سيبويه، ومنهم من يقول: حرف وجود لوجود، وما وقع بعدها

стр. 845

في محل جر بالإضافة إليها، ومتى قلنا إنها حرف فلا محلّ لها (١). قال في "الصحاح": يقال: "اشْتَكى عضوًا من أعضائه"، و"تَشَكَّي" بمعنى. و"اشْتَكَى" أي: "اتخذ شَكْوةً" (٢). ويحتمل أن يكون "اشْتَكى" متعدِّيًا، أي: "اشتكى رأسَهُ"، وقد جاء في الحديث [أنه قال] (٣) ﷺ لعائشة ﵂: "وا رأساه" (٤). وفي الحديث: "إنّ ابنَتِي اشْتَكَت عَينَها" (٥)، يُروي بالضّم والفتح، فالضم على الفاعلية، والنصب على المفعولية. والظاهر أنه لازم؛ لأنه بمعنى "مرض ﷺ تسليمًا". قوله: "ذكر بعض نسائه كنيسة": فاعل "ذكر": "بعضُ"، وهو من الأسماء التي لا تُثنَّى، و [هو] (٦): "كل"، و"بعض"، و"أجمع"، "جمعاء"، و"أفعل من"، والتثنية، والجمع، والأفعال المختصة بالنفي، والأسماء المتوغِّلة في [البناء] (٧)، واسم الجمع، واسم الجنس (٨). و"كنيسة": مفعول "ذكر"، وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أي: "مكنوسة"،
следующие страницы →