← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 150600

العدة في إعراب العمدة

ابن فرحون، بدر الدين

Полный текст (1 841 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: "في وسطها": أي: "قابل وسطها"، وتسمّى هذه (١): المقايِسَة، بضم "الميم" وكسر "الياء"، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) [التوبة: ٣٨] (٣)، لكن جاءت في الآية لمقابلة معنى، وجاءت هنا في مقابلة عين. وتقدّمت مواضع "في" في الحديث الرابع من أول الكتاب. و"وسَطها": بتحريك السين وسكونها، فبالسكون ظرف، وبالتحريك اسم، وكل موضع صلح فيه "بين" فهو "وسط" بالسكون، فإن لم يصلح فيه ["بين" فهو] (٤) "وَسَط" بالتحريك، وربما سُكِّن. قال في "الصحاح": وليس بالوجه (٥). وعلى هذا يكون "فقام وسَطها" بالتحريك أقيَس؛ لأنه لا يصلح فيه "بين". والرّواية بالسّكون على خلافِ القاعدة. الحديث [العاشر] (٦): [١٦٣]: عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ" (٧). قال: الصّالِقَة: "التي تَرفَع صَوْتها عِنْد المصيبة".

стр. 842

قلت: وقيل: "التي تصكّ رأسها ووجهها". ذكره صاحب "النهاية" (١). قوله: "بَرِئ": جملة من فعل وفاعل، [في] (٢) محل خبر "أنَّ". ومصدر "برئ": "براءة"، ويقال: "برئت من المرض"، "بُرءًا"، بالضم، وأهل الحجاز يقولون: "بَرَأْتُ من المرض"، "بَرْءًا"، بالفتح فيهما، ويقال: "تَبَرَّأْتُ من كذا"، و"أنا بَراء منه"، و"خَلاء منه"، بالفتح. ولا يُثَنَّى ولا يُجمع لأنه مصدر، فإذا قلت: "أنا بريء منه"، و"خَليٌّ منه"، ثنَّيتَ وجمعتَ وأنّثت، فقلت في الجمع: "نحن بُرآء"، مثل: "فقيه وفقهاء"، و"بِراء" مثل "كريم وكِرام"، و"أبراء" مثل "شريف وأشراف"، و"أبرياء" مثل "نصيب وأنصباء"، و"بَرِيئون"، وامرأة "بريئة"، وهما "بريئان"، وهن "بريئات" و"بَرَايا". ذكره صاحب "الصحاح" (٣). قوله: "من الصالقة": متعلق بـ "برئ"، قال ابن الأثير: "الصالقة" و"السالقة": هي التي تصرخ عند المصبية وتصيح، و"الحالقة": التي تحلق شعرها. و"الشاقة": التي تشق ثوبها (٤). و"من" يتعلق بـ "برئ" فهي في محل نصب، كهي في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. والألف واللام في "الصالقة"، و"الحالقة"، و"الشاقة" موصولة بمعنى

стр. 843

"الذي"، واختُلف في حرفيتها. وتجيء الألف واللام موصولة في اسم الفاعل، واسم المفعول، والجملة الاسمية والفعلية. فاسم الفاعل: كما تقدّم من الأمثلة الثلاثة. واسم المفعول: كقولك: "المطعوم والمشروب". والجملة: كقوله: مِنَ القومِ الرسُولُ اللهِ منهم ... لهم دانَتْ رِقابُ بني مَعَدّ (١) والفعل كقوله: ما أنتَ بالحَكم الْتُرْضَى حكومَتُه ... ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدَل (٢) (٣) والمفعول محذوف في "الحالقة" و"الشاقة"، أي: "الحالقة شعرها"، و"الشاقة ثوبها". وأما "الصالقة": ففعلها هنا لازم يتعدى بحرف الجر، أي: "صلقت بلسانها"، أي: "صاحت". قال الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويقال: "سلقه بالكلام". (٤)

стр. 844

والمراد هنا "الصياح"، كأنه قال: "لعن [الله] (١) المصيحة بالنعي". قال في "الصحاح": "المسلاق": الخطيب البليغ، وهو من شدة صوته وكلامه، وكذلك "السلاق" (٢). الحديث [الحادي عشر] (٣): [١٦٤]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا في أَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "أولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ" (٤). قوله: "الحادي عشر": تقدّم الكَلام على بناء اسم الفاعل من أسماء الأعداد في الحادي عشر من "باب صفة الصلاة". قوله: "عن عائشة ﵂": جملة "﵂" معترضة لا محلّ لها، والجمل التي لا محل لها مذكورة في الحديث الأول من الكتاب. ومتعلق "عن" عامل في محل "قالت" بتقدير "أنَّ"، وقد تقدّم. و"لمَّا" تقدم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي". وإعرابها: إما ظرف بمعنى "حين" كما اختاره الفارسي، وإما حرف وجوب لوجوب، كما اختاره سيبويه، ومنهم من يقول: حرف وجود لوجود، وما وقع بعدها

стр. 845

في محل جر بالإضافة إليها، ومتى قلنا إنها حرف فلا محلّ لها (١). قال في "الصحاح": يقال: "اشْتَكى عضوًا من أعضائه"، و"تَشَكَّي" بمعنى. و"اشْتَكَى" أي: "اتخذ شَكْوةً" (٢). ويحتمل أن يكون "اشْتَكى" متعدِّيًا، أي: "اشتكى رأسَهُ"، وقد جاء في الحديث [أنه قال] (٣) ﷺ لعائشة ﵂: "وا رأساه" (٤). وفي الحديث: "إنّ ابنَتِي اشْتَكَت عَينَها" (٥)، يُروي بالضّم والفتح، فالضم على الفاعلية، والنصب على المفعولية. والظاهر أنه لازم؛ لأنه بمعنى "مرض ﷺ تسليمًا". قوله: "ذكر بعض نسائه كنيسة": فاعل "ذكر": "بعضُ"، وهو من الأسماء التي لا تُثنَّى، و [هو] (٦): "كل"، و"بعض"، و"أجمع"، "جمعاء"، و"أفعل من"، والتثنية، والجمع، والأفعال المختصة بالنفي، والأسماء المتوغِّلة في [البناء] (٧)، واسم الجمع، واسم الجنس (٨). و"كنيسة": مفعول "ذكر"، وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أي: "مكنوسة"،

стр. 846

أي: [متصفة] (١)، وهي للنصارَى (٢). وأما "البِيَعُ": فقيل: كنائس النصارى، وقيل: كنائس اليهود، واحدُها: "بِيعة"، بكسر "الباء". و"الصوامع" مختصة بالرهبان (٣). قوله: "رأينها": فعل وفاعل ومفعول، الفعل: "رأى"، والفاعل: "النون" الخفيفة، والمفعول: "الهاء". وأتى بضمير جماعة النسوة لأنهن بعض، فأعاد على معنى البعض؛ لأنه يصلح للواحد فأكثر، فكأنّ الذي ذكر الكنيسة: أم سلمة وأم حبيبة، وجاء مصرَّحًا به في حديث "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها" (٤). قال أبو البقاء: يحتمل أن يكون أجرى الاثنين مجرى الجماعة (٥). وعلى كل تقدير: يجوز عود الضمير على البعض وإن كان المتحدث واحدًا؛ لأن المستمع لها متحدّث معها. والجملة من "رأينها" في محل صفة لـ "كنيسة"، ويحتمل أن تكون حالًا من ضمير الفاعل في "ذكرن"، أي: "ذكرن كنيسة قد رأينها في أرض الحبشة"، وتكون حالًا محكية، والأوّل أظهر. و"في أرض" يتعلق بـ "رأينها"، والرؤية بصرية. قوله: "يقال لها: مارية": الجملة صفة أخرى. و"مارية" لا ينصرف للعلمية والتأنيث. ويحتمل أن تكون "يقال لها" جملة مستأنفة، كأنه قيل: "ما يقال لها؟ فقيل: يقال

стр. 847

لها: مارية". وفي ارتفاع "مارية" وجوه، يحتمل أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: "هي مارية"، فتكون الجملة في محل نصب بالقول، ويحتمل أن تكون مفعولًا لم يسم فاعله بالقول. قال أبو حيان عند قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]: هو من الإسناد إلى اللفظ لا لمدلوله، أي: "يطلق عليها هذا اللفظ"، واختاره الزمخشري وابن عطية. وفيه خلاف ينبني على "القول" هل يعمل في المفرد المراد به مجرد اللفظ؟ نحو: "قلتُ: زيدًا"، فأجازه الزمخشري والزجاج وابن خروف، ومنه قوله: إِذَا ذُقْتُ فَاهًا قُلْتُ طَعْمُ مُدَامَةٍ ... . . . . . . . . . . . (١) قال أبو حيان: ومن النحويين من منع ذلك، وهو الصحيح؛ إذ لا يُحفظ من لسانهم: "قال فلان زيدًا"، ولا: "قال ضرب"، ولا: "قال ليت". وإنما يعمل في الجملة؛ لأنه موضوع لحكايتها، أو ما كان مفردًا بمعناها، نحو: "قلت خطبة"، أو مصدرًا نحو: "قلت قولًا"، أو صفة له نحو: "قلت حقًّا". (٢) وقيل (٣) في قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]: هو مرفوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدّم عامل يؤثر فيه؛ إذ لا يؤثر القول إلا في مفرد متضمن معنى الجملة، فبقي مهملًا، والمهمل إذا ضم إلى [غيره] (٤) ارتفع كقولهم: "واحدٌ، اثنان"،

стр. 848

إذا عَدُّوا، ولم يدخلوا عاملًا لفظًا ولا تقديرًا، وعطفوا بعضها على بعض (١). انظره في "المجيد" عند قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. قوله: "أتتا أرض الحبشة": الجملة في محلّ خبر "كان"، و"أتتا" فعل وفاعل، و"أرض" مفعول به. وهمزة "أرض" أصلية من قولهم: "أرضت القرحة"، إذا "اتسعت"، وقيل: سميت أرضًا لأنَّ الأقدام ترضها، وهو فاسد؛ لاختلاف المادتين (٢). و"الأرض" مؤنثة، وتُجمع على ["آرُض"، و"آرَاضٍ"] (٣)، وبالواو والنون رفعًا وجرًّا؛ فتفتح ["العين"] (٤)، [وبالألف والتاء] (٥) قالوا "أرضات" (٦). وجمع [جمعها] (٧): "أرْآض" كـ "أرطاب". وجمع "الحبشة": "حبشان"، مثل: "حَمَل، وحُمْلان" (٨). [قوله] (٩): "وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا": "كان" واسمها وخبرها، الخبر جملة "أتتا"، وفاعل "أتتا" الألِف، و"أَتَى" يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو "أرض"،

стр. 849

والجملة من "كان" معطوفة على ما قبلها. "فذكرتا": معطوف على "أتتا". وشرط بعضهم في خبر "كان" إذا كان ماضيًا اقترانه بـ "قد"، والصحيح أنه لا يلزم، وعلى ذلك أكثر الأحاديث (١). قال في "التسهيل": ولا يدخل "صار"، و"ليس"، و"ما دام"، و"ما زال"، و"ما انفك"، و"برح"، و"فتئ"، و"فتأ"، و"أفتأ"، و"ونى"، و"رام" على مبتدأ خبره فعل ماض. قال: ويجوز دخول ما بقي من الأفعال الناقصة عليه مطلقًا، خلافًا لمن شرط في خبر "كان" إن كان ماضيًا أن تقترن به "قد" (٢)، هذا معنى كلامه. قوله: "فذكرتا": لا تعقيب في "الفاء"، وإن كان فيها معنى السببية. و"من" في قوله: "من حسنها" يحتمل أن تكون زائدة عند من يقول بزيادتها في الواجب، أي: "ذكرتا حسنها"، ولذلك عطف "وتصاوير" عليه، ويحتمل أن يكون "تصاوير" مجرورًا، وعلامة الجر الفتحة لأنه لا ينصرف، و"من" لبيان الجنس. ويحتمل أن يكون في الكلام محذوف، أي: "فذكرتا من حسنها ما يوجب تعظيمها والترغيب فيها"، فيكون المفعول محذوفًا، ويدل على ذلك إنكار النبي ﷺ صفتهما لها، فـ "ما" المحذوفة مفعول "ذكرتا"، والله أعلم. ويحتمل أن تكون "من" للتبعيض، أي: "ذكرتا بعض حسنها وبعض تصاوير فيها".

стр. 850

ومتى قدَّرت زيادة "من" جاز في "تصاوير" النصب بالعطف على محل "حُسنها" ويكون من عطف مفعول على مفعول. قوله: "فرفع رأسه": فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ما قبله، و"الفاء" سببية، وكذلك "فقال"، ويحتمل أن يكون معطوفًا على محذوف، أي: "فسمع كلامهم فرفع رأسه فقال". "أولئك إذا مات": جملة "أولئك" إلى آخرها منصوبة المحل بالقول، و"الكاف" هنا مكسورة على خطاب المتكلمة من جملة النساء، ويحتمل الفتح باعتبار الجنس. وجملة "مات" في محل جر بالظرف إن كان العامل فيه الجواب، وإن كان العامل في "إذا" فعلها كانت في محل جزم به، وقد تقدَّم القول في ذلك في ثاني حديث من أول الكتاب. وخبر "أولئك": جملة الشرط وجوابه. ويحتمل معنى قولها: "فرفع رأسه" أحد أمرين: إما أن يكون جالسًا منكسًا رأسه لضعفه ﷺ ، أو يكون مضطجعًا فرفع رأسه لينظر إليهم، ويظهر لهم ما وجده ﷺ من الغضب في وجهه، فقد كان ﷺ يُعرف غضبه في وجهه. قوله: "بنوا على قبره": أصل "بنوا": "بنيوا"، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم اجتمعت "الألف" ساكنة و"واو" الضمير ساكنة، حذف "الألف" لالتقاء الساكنين. و"على قبره": يتعلق بـ "بنوا". و"مسجدًا": مفعول به. وفي جيمه الفتح والكسر، وهو فيهما بمعنى، ففي "الصّحاح": "المسجَد" بالفتح: "جبهة الرجُل". و"الآرابُ": "السبعةُ مساجد" (١).

стр. 851

"ثم صوّروا فيه تلك الصّورة": "تلك" مفعول "صوَّروا"، و ["الصّورة"] (١) نعت له، و"فيه" يتعلّق بـ "صوَّروا". وهنا محذوف: أي: "صوَّروا مثل تلك الصورة"، أو يكون معنى "صوّروا": "مثَّلوا تلك الصورة". قوله: "أولئك شرار الخلق": "أولئك" مبتدأ و"شرار" خبره، وهو جمع "شرّ" أفعل للتفضيل، وجُمِع ليطابق "أولئك"، ويجوز الإفراد لأن "أفعل" مضاف إلى معرفة. وقد تقدّم بيان ذلك في الحديث الأوّل من "كتاب الصلاة". قوله: ["عند الله": ومخفوض به] (٢)، العامل فيه "شرار"؛ لأنه جمع "شرّ"، و"شرّ" أفعل التفضيل. الحديث [الثاني] (٣) عشر: [١٦٥]: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". [قَالَتْ] (٤): وَلَوْلا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٥). قوله: "قال رسول الله": جملة في محل نصب بـ "قالت"، و"رسول الله" فاعل "قال"، و"في مرضه" يتعلق بـ "قال".

стр. 852

قوله: "الذي لم يقم منه": [منه] (١) يتعلق بـ "يقم"، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: "لم يقم لأجله"، مثل قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] (٢). قوله: "لعن الله اليهود والنصارى": محل هذه الجملة منصوب بالقول. قال في "الصّحاح": لفظ "اليهود" أرادوا به: ["اليهوديين"] (٣)، ولكنهم حذفوا "ياء" الإضافة، يعني "ياء" النسب من "يهودي"، كما قالوا: "زنجي" و"زنج"، وإنما عُرف على هذا الحد فجمع على قياس: "شعيرة" و"شعير"، ثم عرف الجمع بالألِف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام عليه؛ لأنه معرفة مؤنث، يجري في كلامه مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحيِّ (٤). انتهى. قال أبو حيَّان: "اليهود": "الياء" أصلية، ليست من مادة "هود"؛ لثبوت "الياء" في التصريف؛ يقال: "هاد"، "يَهِيدُ". قال الشلوبين: في "يهود" وجهان، أحدهما: أن يكون جمع "يهودي"؛ فتكون نكرة مصروفة. والثاني: أن يكون عَلمًا لهذه القبيلة؛ فيكون ممنوع الصرف. وعلى الأوّل: دخلته الألِف واللام؛ فقالوا: "اليهود"، إذ لو كان عَلمًا لما دخلته (٥). وأما "النصارى": فجمع "نَصْران" و"نَصْرانة"، كـ "نَدْمان" و"نَدْمانة"، قاله سيبويه (٦).

стр. 853

ولا يمتنع "نَصْران" من الصّرف؛ لأنَّ مؤنثه "نَصْرانة". قال سيبويه: إلا أنه لا يُستعمل في الكلام إلَّا بياء النسب (١)، فيكون كـ "لِحْيان" و"لِحْيانيّ". وقال الخليل: واحد "النَّصَارَى": "نَصْرِيُّ"، كـ "مَهْرِيّ" و"مَهَارَى". وقيل: هو منسوب إلى "نَصْرَة"، قريةٍ نزلها عيسى ﵇. وقيل (٢): نسبوا إلى "نَاصِرَة": [قرية نزلها] (٣)، ولكنه غُيِّر في النسب. ومنع "نصارى" من الصّرف؛ لأنَّ ألِفه للتأنيث (٤). انتهى من "المجيد". قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": هذه الجملة عِلّةٌ لِلَّعن، أي: "لأجل أن اتخذوا"، ومثله قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا﴾ [التوبة: ٣٠, ٣١] أي: لأنهم اتخذوا. ويحتمل الاستئناف، أي: "هم اتخذوا". وأصل "اتَّخَذ" "اِوْتَخَذ"، فأُبدلت "الواو" تاء، ثم أدغمت في "التاء". وقيل: أصل "اِتَّخَذ"، "افتعل" من "أَخَذ" (٥).

стр. 854

قال صاحب "الصحاح": "أَخَذَه، أَخْذًا": "تناوله"، و"الإخذ" بالكسر [الاسم] (١)، والأمر منه: "خُذْ"، وأصله: "أُأْخُذْ" (٢). وقياسه أن تبدل همزته "ياءً"، فيُقال: "ايتخذ"، [كـ "ائتمن"] (٣). والأصل في هذا: أنه متى كانت "فَاء" الكلمة واوًا أو "ياءً"، وبُنِيت "افتعل" منها، [فالفصيح] (٤) إبدالها "ياء"، وإدغامها في "تاء" الافتعال، كـ "اتصل" من "الوصل" و"اتسر" من "اليسر" (٥)، فإن [كان] (٦) "فاء" الكلمة "همزة" أُبْدِلت "الهمزة" ياءً، والقياس إقرارها، وقد تبدل "تاء" ثم تدغم قالوا: ["اتَّمن" في] (٧) "ائتمن" (٨) وعلى هذا جاء: "اتخذ". وقيل: أصله "تخذ"؛ لأنَّ العرب تقول: "تخذ" بمعنى ["أخذ"] (٩).

стр. 855

[قال] (١) تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، ويتعدّى "اتخذ" إلى واحد، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، ولاثنين بمعنى: "صيَّر" (٢)، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. وهو هنا متعدٍّ إلى اثنين، الثّاني: "مساجد". وتقدّم الكلام على ذلك مستوفىً فِي الثالث من "الحيض". قوله: "ولولا ذلك": "لولا" تقدَّم ذكرها في مواضع، منها في "باب السواك"، وفي الثالث من "باب استقبال القبلة". وهي هنا حرف امتناع لوجود، والواقع بعدها مبتدأ وخبره أبدًا محذوف عند الجمهور (٣)، وقيل: الخبر في الجواب (٤). وقال الفراء: الواقع بعدها مرفوع بها، وقال الكسائي: مرفوع بفعل محذوف (٥). ويقع بعدها ضمير مجرور (٦)، خلافًا للمبرد في منعه ذلك (٧). وهو في موضع جرٍّ بها عند سيبويه، وفي موضع رفع عند الأخفش (٨) من باب استعارة ضمير الرفع

стр. 856

للجر في قولهم: "ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا" (١). وذهب بعضهم إلى أن "لولا" تكون نافية (٢)، وجعل منه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. وليس بصواب. إذا ثبت ذلك: فاعلم أنّ "ذلك" هنا رُفع بالابتداء على المذهب الصحيح، والخبر محذوف، والتقدير: "لولا خوفُ ذلك لأبرز قبرُه". وجواب "لولا" إذا كان [مثبتًا باللام] (٣) عند الأكثرين (٤)، وقد وقع هنا بغير "لام"، ولم يجيء في القرآن بغيرها إلا فيما زعم بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا﴾ [يوسف: ٢٤]، قيل: "همَّ بها" جواب "لولا"، والتقدير: "لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها". وقد جاء من كلامهم بغير لام، وبعضهم خصّ ذلك بالشِّعر. فعلى هذا يكون ما ورد هنا، وهو قوله: "أُبرز قبرُه" من القليل، ويرُد ذلك على قول من قال: يختصّ ذلك بالشّعر. ومن الشعر قوله: لولا الحَياءُ وباقِى الدِّينِ عبْتُكُما ... ببَعْض ما فيكما إِذْ عبْتُمَا عَوَرى (٥)

стр. 857

فقال: "عبتُكما"، بغير "لام". ورأيته (١) في بعض النسخ باللام: "لأُبرز قبره"، فجرى على القاعدة في جواب "لولا". قوله: "غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا": "غير" هنا منصوبة على الاستثناء المنقطع، أي: "لكنه خشي"، كقول النابغة الذُّبياني: ولا عَيْبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سيُوفَهُم ... بهنّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ (٢) معناه: "لكن سيوفهم بهن فلول"، ومثله: فتًى كَمُلَتْ أعراقه غَيْرَ أنَّهُ ... جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ المَالِ بَاقِيَا (٣) و"غير" إذا أضيف إلى "ما" أو إلى "أنْ" أو إلى "أنَّ" المشددة يجوز بناؤها (٤)، كقول الشاعر: لَمْ يَمنع الشربَ منها غيرَ أنْ نطقَتْ ... حَمامة في غصونٍ ذات أوقالِ (٥)

стр. 858

فبنى "غير" على الفتح [وهي] (١) فاعلة، وكذلك "مثل" إذا أضيفت إلى الحروف الثلاثة (٢). و"الأَوْقَال" جمع "وَقْل"، ومنه: "التَّوَقُّل [في الجبل"] (٣)، وهو "الصعود فيه" (٤). قوله: "غير أنه خشِي": الضمير ضمير الأمر والشأن، و"خشي" مبني للمفعول، أو للفاعل، ويعود على "النبي ﷺ "، يدلّ على ذلك سياقُ الكلام. وجملة "خشي" مع ما [بعده] (٥) في محل خبر "أن". و"أن يُتَّخَذ": مفعولٌ لم يسمَّ فاعلُه، أو مفعول. و"يُتخذَ" منصوب بـ "أنْ"، وقد رُويَ: "لولا ذلك لأَبْرَز قبره"، على أنه مبنيٌّ للفاعل، بمعنى: "أَمَر بإبرازه، ولكنه [خشي"] (٦). والضّمير في "لكنه" ضمير "النبي ﷺ "، وفي هذا [بُعْدٌ] (٧)؛ لأنه لو أراد أن لا يُبرَزَ قبرُه لَوَصَّى بذلك.

стр. 859

الحديث [الثّالث] (١) عشر: [١٦٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" (٢). قوله: "ليس منا من ضرب الخدود": "مَنْ" موصولة بمعنى "الذي"، و"ضرب" في محل الصلة، والعائد ضمير الفاعل، والصّلة والموصول في محل رفع [اسم] (٣) "ليس". و"ليس" من أخوات "كان"، تقدّمت في الحديث الأول من "الحيض". وتجيء حرفًا بمعنى "ما"، تقول: "ليس زيد إلا قائم". قال ابنُ مالك في قول ابن عمر ﵁: "كَانَ المسْلِمُون حِينَ قَدِمُوا المدِينَةَ يجتَمِعُون فيتَحيّنُون الصّلَاة، لَيْس يُنَادَى لهَا" (٤): دليل على حرفية "ليس"، فلا يكون لها اسم ولا خبر. وأشار إلى ذلك سيبويه، قال بعضُ العرب: "ليس الطيب إلا المسكُ"، بالرفع، وأجازوا في قولهم: "ليس خلق الله مثله"، حرفية "ليس" وفعليتَها، على أن يكون اسمُها ضميرَ الشأن، والجملة بعدها خبر. قال: وإن جُوِّز الوجهان في "ليس" فغير ممتنع. قال: وقد تستعمل "ليس" للنفي العام المستغرق به الجنس، وهو ممَّا يُغفل عنه.

стр. 860

قلت: يريد أنها تكون مثل "لا" في نفي الجنس. ومثل ذلك: قوله ﷺ : "لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ" (١). ومثله: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ولك أن تجعل اسم "ليس" في قولهم: "ليس هذا أريد"، ضميرَ الأمر والشأن و"أريد" خبرًا، و"هذا" مفعول مقدّم. أو تجعل "هذا" اسمها، و"أريد" خبرها. ولك أن تجعل "ليس" حرفًا لا اسم لها ولا خبر (٢). إذا ثبت ذلك: فـ"ليس" هنا العاملة، واسمها "مَن" الموصولة، كما تقدَّم. و"الخدود"" جمع "خَدّ" (٣)، فإن كانت الألف واللام للجنس صحَّ معنى الجمع، وإن كان المراد ما يقع عليه من كل فرد فالخدود تثنية في المعنى دون اللفظ، نحو قوله ﵊: "إِزْرَةُ المُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (٤)، ومنه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، وقول العرب: "شابت مفارقُه" (٥). وقوله: "وشقّ الجيوب": فيه ضم "الجيم" وكسرها، قراءتان ولغتان، جمع

стр. 861

"جيب". قال في "الصحاح": "الجيب": "القميص"، تقول: "جُبْتُ القميصَ"، "أجوبُهُ" و"أَجِيبُهُ" إذا "قَوَّرْت جَيْبَهُ"، قال الراجز: باتَتْ تَجِيبُ أَدْعَجَ الظَّلامِ ... جَيْبَ البِيَطْرِ مِدْرَعَ الهُمامِ (١) (٢) قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية": قال الشيخ تقيّ الدِّين: " [دعوى] (٣) الجاهلية" ينطلق على أمرين: - أحدهما: ما كانت العرب تفعله في القتال من الدّعوى. والثاني: - وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث وهو - ما كانت تقوله عند موت الميت، كقولهم: "وا جبلاه"، "وا سنداه"، "وا سيداه" (٤). الحديث [الرابع] (٥) عشر: [١٦٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ" (٦). وَلِمُسْلِمٍ: "أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ" (٧). قوله: "من شهد الجنازة": "من" اسم شرط في موضع رفع بالابتداء، و"شهد"

стр. 862

في محل الخبر، وقد تقدَّم الكلام على "مَنْ" الشرطية، وأين يكون خبرها، في الرّابع من أول الكتاب، وفي العاشر منه. و"الجنازة": مفعول "شهد"، وجملة الشرط في محلّ نصب بـ "قال" الثانية، و"قال" الأولى عاملة في محلّ [رفع ما فهم به] (١). قوله: "حتى يصلِّيَ عليها": تقدَّم في الحديث الثّاني من أول الكتاب الكلام على "حتى". و"يُصلِّيَ" هنا منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى"، فتكون "الياء" مفتوحة؛ لأن الفعل المضارع المعتلَّ بالياء و"الواو" إذا دخل عليه الناصب كانت العلامة لفظًا فتحة ظاهرة، وقد رأيتُه في بعض النسخ المقروءة بسكون "الياء"، فإن ثبت روايةً فهي لُغة. قال ابن مالك في حديث المغارة: ""فإنْ وجدتُهما راقدَيْن وقفتُ على رؤوسِهما حتى يستيقظان" (٢): وهو مثل: "حَتَّى يروْنَه قَدْ سَجَدَ" (٣) (٤)، وهذا بناء على أنّ الفعل مبنيٌّ للفاعل. فإن كانت الرواية: "حتى يُصلَّى" عليها مبنيٌّ للمفعول، فالياء أيضًا ساكنة؛ لأنَّ الفعل المعتل بالألف لا تظهر فيه علامة النصب. قوله: "فله قيراط": "الفاء" جواب الشرط، و"له" [متعلِّق] (٥) بخبر "قيراط"،

стр. 863

وهو المسوّغ للابتداء بالنكرة (١). قوله: "ومن شهدها حتى تدفن": الفعل هنا منصوب بإضمار "أنْ"، أيْ: "إلى أنْ تُدفن". وجواب الشرط قوله: "فله قيراطان"، والإعراب كالإعراب. قوله: "قيل: وما القيراطان؟ ": "قيل" تقدم الكلام عليه في الثاني من "فضل الجماعة". والفعل مبني لما لم يسم فاعله، كُسِر أوَّلُه بكسرة "الواو" فانقلبت "الواو" ياءً، وفيه الإشمام، وفيه إخلاص ضم "الفاء" وسكون "العين" (٢). والفاعل محذوف للإبهام، أي: "قال المخاطب". والمفعول الذي لم يسم فاعله هو الجملة من قوله: "وما القيراطان؟ ". قال أبو حيّان: وهذا على مذهب من يجوِّز أن يقع الفاعل جملة، وقيل: مُضمر في "قيل" يفسره سياق الكلام تقديره: "هو" (٣). قوله: "وما القيراطان؟ ": "ما" استفهامية مبتدأ، و"القيراطان" خبره. وقيل: "القيراطان" مبتدأ، و"ما" خبر عنه؛ لأنها نكرة. وأجيب: بأن فيها معنًى سوَّغ الابتداء بها، وهو الاستفهام. وتقدم أنَّ الجملة معمولة للقول. قوله: "قال": الفاعل ضمير "النبي ﷺ ". و"مثلُ" خبر مبتدأ محذوف، أي: "هما مثلُ"، و"الجبلين" مضاف إليه. وأُفرِدَ "مِثْلُ" وإن كان خبرًا عن مثنى؛ [لأنه] (٤) يُثنَّى ويُجمع، كقول الشاعر:

стр. 864

. . . . . . . . ... والشَّرُّ بالشَّرّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ (١) فكان حقه أن يقول: "مثلا الجبلين العظيمين"، ووجهُهُ: أنَّ "مثل" تكون بمعنى الحال والصفة، والقصة والشأن، ذكره الزمخشريّ (٢) وغيرُه، فيكون التقدير هنا: "صفتُهما صفةُ الجبلين". وحذْفُ المبتدأ جائز كثير فصيح. وقد أوجبوا حذف المبتدأ في مواضع، منها: - إذا أُخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح، نحو: "الحمد لله الحميد"، أو ذمٍّ، نحو: "أعوذ بالله من إبليس عدو الله". أو ترحُّم، نحو: "مررت بعبدك المسكين". أو [مصدر] (٣) جيء به بدَلًا من اللفظ بفعله، نحو: "سمعٌ وطاعةٌ"، و ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٤) [يوسف: ١٨]، على تقدير: "أمري". أو لمخصوص يعمّ "نعم" أو "بئس" المؤخّر عنهما، نحو: "نعم الرجل زيدٌ"، و"بئس الرجل عمروٌ". ومنه: "مَنْ أنت؟ زيدٌ"، أيْ: "أأنت زيدٌ؟ " عند كلامه لك. ومنه: "في ذمتي لأفعلنَّ"، أي: "في ذمَّتي ميثاقٌ أو عهدٌ" (٥).

стр. 865

قوله: "ولمسلمٍ": يتعلق بـ "جاء"، أي: "وجاء لمسلم"، أو: "رُوي"، وتقدم قريبًا منه. قوله: "أصغرُهما": مبتدأ، خبره "مثلُ جبلِ أُحُد"، والجملة كلها من "أصغرهما" وما يتعلق به في محل فاعل "جاء" الذي يتعلق به "لمسلم"، أو مفعول لم يُسمَّ فاعلُه إنْ قُدِّر "رُوِيَ" قال الشيخ تقيُّ الدّين: وهذا من مجاز التشبيه، [تشبيهًا للمعنى] (١) العظيم بالجسم العظيم (٢). ***

стр. 866

كتاب الزكاة [الحديث الأوّل] (١): [١٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ: "إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ" (٢). قوله: "ستأتي قومًا": فعل مستقبل، و"قومًا" مفعول به، و"السين" للاستقبال، ولها صدر الكلام، فلا يحسن أن تقول: "قومًا ستأتي"؛ لأنها من حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم، فكان لها الصدر، كحروف الاستفهام والنفي والتمني. قال السهيلي: وكذلك قَبُحَ: " [زيدًا] (٣) سأضرب"، و"زيد سيقوم"، مع أنَّ الخبر عن "زيد" إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه "السين"، فإن ذلك المعنى مستند للمتكلم لا إلى زيد (٤). قوله: "أهل كتاب": نعتٌ لـ "قوم" أو بدل منه.

стр. 867

وتقَدّم أن "أهل" تجمع على "أَهْلات" و"أَهَلات" (١) و"أهال" (٢). قلت: وجُمع على "أهلون" رفعًا و"أهلين" نصبًا وجرًا، مع أنه ليس بعَلَمٍ ولا صفة (٣)، وكذلك ["آلون"] (٤). وتقدّم الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها في الحديث الثاني من أوّل الكتاب. وجملة "جئتهم": في محل جر بالإضافة إلى "إذا" إنْ قدَّرْتَ "إذا" غير عاملة، وإنْ قَدَّرْتها عاملة فهي في محل جزم بها، و"إذا" في محل نصب بفعلها، وجواب "إذا": "فادعُهم". و"إلى أن يشهدوا" جار ومجرور، وعَمِلَ حرْفُ الجرِّ في محل أنْ مع الفعل؛ لأن المجرور مقدَّر بمصدر، أيْ: "إلى شهادة". و"يشهدوا" منصوب بـ "أنْ"، وعلامة النصب حذفُ "النون"؛ لأنه اتصل به ضمير جماعة المذكَّرين العاقلين. قوله: "أنْ لا إلَه إِلَّا الله": "أنْ" هذه يُحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة، أي: "إلى شهادة أنَّه لا إله إلا الله"، فـ "لا إله إلا الله" في محل خبر "أنَّ"، و"أنَّ" هنا في محل جر بالإضافة، وعطف عليه "وأن محمدًا رسول الله"، الضمير المقدَّر مع "أنَّ" هو ضمير الشأن.

стр. 868

ويحتمل أن تكون "أنْ" هنا المفسِّرة؛ لأنَّ شروطها كلَّها موجودةٌ، وأنكر الكوفيون "أنْ" المفسِّرة، والجمهور على خلافه. فمِنْ شروطها: أن تُسبَق بجملة، ولذلك امتنع أن تكون في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] مفسِّرة (١). الشرط الثاني: أن تتأخر بعدها جملة، وكذلك وقع هنا. الشرط الثالث: أن يكون في الجملة السابقة معنى القول لا حروفه، وهذا موجود هنا؛ لأن المراد: "فادعهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله". فـ "يشهدوا" بمعنى: "يقولوا"، وبيَّن ذلك ﷺ بقوله: "أمِرْت أنْ أقَاتِل النّاسَ حَتّى يقُولُوا: لَا إله إلَّا الله" (٢). قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] لأنه ليس المراد بالانطلاق هنا المشي، بل "الانطلاق في القول"، فلا يقال: "قلت له أن افعل" (٣). قال ابن هشام: وفي شرح الجمل الصّغير لابن عصفور أنها قد تكون [مفسِّرة] (٤) بعد صريح القول (٥). الشّرط الرابع: أن لا يدخل عليها جارٌّ، فلو قلت: "كتبت إليه بأن افعل"، كانت مصدرية.

стр. 869

وتقدّم الكلام على "أنْ" المخففة في الثاني من "باب الصفوف". وإعراب "لا إله إلا الله" تقدَّم في الحديث الأوّل من "باب التيمم". قوله: "وأن محمدًا رسول الله": معطوف، أي: "ويشهدوا أنَّ محمدًا رسول الله". قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك": "إنْ" حرف شرط، و"هم" فاعل بفعل مقدَّرٍ يفسره ما بعده، والتقدير: "فإن أطاعوا"، فحذف الفعل وبقي ضمير الفاعل المتصل [منفصلًا] (١)، فالفعل الموجود يفسر المحذوف، وعلى هذا مذهب البصريين في أن الشرط لا يليه إلا الفعل. وأجاز الكوفيون والأخفش وقوع الابتداء بعد الشرط، نحو: "إذا زيدٌ مكرمُك فأكرمْهُ" (٢). وعلى هذا: يكون "هم" مبتدأ، والخبر الجملة، فيكون للجُملة محلّ من الإعراب، وعلى الأوّل لا يكون لها محلّ من الإعراب. وتعدَّى "أطاع" باللام تقوية، وإلا فهو يتعدّى بنفسه، تقول: "أطاع لك زيد"، و"أطاعك زيد" (٣). قوله: "بذلك": "الباء" سببية، أي: "بسبب ذلك"، أو تكون بمعنى "عَلَى"، أي: "على ذلك"، ويكون مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: "على قنطار" (٤)، ويحتمل أن تكون بمعنى "في". قوله: "فأخبرهم أن الله": في محل نصب أو جرِّ، بتقدير حرف الجر، أي:

стр. 870

"أخبرهم بأن الله". و"أخبر" من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة، وتقدّم الكلام عليها وعملها في الخامس من "فضل الجماعة". ويُحتمل أن تكون "أنَّ" هنا سدَّت مسدَّ معمول "أخبر"، ولذلك فُتِحت. وقوله: "قد فرض": جملة في محل خبر "أنَّ". قوله: "خمس صلوات": مفعول "فرض". قوله: "في كل يوم وليلة": يتعلق بصفة لـ "صلوات"، أي: "كائنات في كلِّ"، أو يتعلق بـ "فَرَض"، وفيه بُعد؛ لأن فَرْضَ الله قديمٌ، إلا أن يُصرَف إلى الوجود. قوله: "فإن هم أطاعوا لك": تقدم مثلُه قريبًا. قوله: "تؤخذ": فعل مضارع مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، في محل صفة لـ "صدقةً". قوله: "من أغنيائهم": "مِنْ" هنا للتبعيض. قوله: "فتردّ على فقرائهم": مثل "تؤخذ"، لكنه مضاعف، والمفعول القائم مقام الفاعل فيهما مستتر، يعود على الصدقة، والضمير المجرور في قوله: "أغنيائهم" يعود على "القوم". قوله: "إياك وكرائم أموالهم": هذا تحذير. قال ابن الحاجب: وهو معمول بتقدير: "اتَّقِ" تحذيرًا مما بعده. (١) والتقدير هنا: "اتق نفسك أن تتعرض لكرائم أموالهم"، أي: "باعد نفسك منها، وباعدها منك"، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف وهو النفس بحذف موجبه وهو الفعل، فصار الضمير منفصلًا لعدم ما يتصل به.

стр. 871

ويقدّر الفعل الذي هو "اتق" مؤخرًا لئلا يصير: "اتَّقِك"، فيجتمع ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، وذلك لا يجوز إلَّا في أفعال القلوب، فيكون التقدير: "إياك وكرائم أموالهم اتق"، فـ "كرائم" معطوف على "إياك". قالوا: وشذّ من ذلك قول عمر ﵁، وقد عنَّ له أرنب وهو مُحْرِم، وأصحابه مُحْرمون: "إيّاي وأَنْ يحْذفَ أحَدُكم الأَرْنَبَ"، لأنَّ ضمير المتكلم لا يكون تحذيرًا، فهو شذوذ، كما شذ قولهُم: "إذا بلغ الرجل الستين فإيَّاه وإيَّا الشوابّ"، فحذَّر بضمير الغائب، وذلك قليل لا يجوز (١). قالوا: وفي هذا المثال شذوذ آخر، وهو إقامة الضمير مقام [الظاهر] (٢) والإضافة إليه (٣). قوله: "واتق دعوة المظلوم": هذا يدل على تقدير "اتق" في الجملة الأولى، و"المظلوم" اسم مفعول، والألف واللام فيه موصولة. قوله: "فإنه"" لو قال: "فإنها ليس بينها" بالتأنيث عادت الضمائر على الدعوة المؤنثة، وجرَى على الأصل، ولما جاء هنا مذكرًا حُمل على أنه ضمير الأمر والحديث، أي: "فإن الأمر والشأن". تقدم الكلام على "ليس" في الحديث الأول من "الحيض"، وتقدم الكلام على ضمير الأمر والشأن في الرابع من أوّل الكتاب، وفي السادس من "باب القراءة في الصلاة". قوله: "ليس بينها وبين الله" الجملة في محل خبر "إنَّ"، وتقدم الكلام على "بين"

стр. 872

والعلة في تكرارها وعدم تكرارها في الثاني من "باب الاستسقاء"، وفي الثالث من "باب السواك". الحديث الثاني: [١٦٩]: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١). قال الشيخ تقيّ الدّين: يقال: "أواقيُّ" بالتشديد والتخفيف، وتحذَف الياء، وَ"وُقِيَّة" أنكَرها بعضهم (٢). قلتُ: يعني: لا يُقال إلا: "أوقيّة". و"الأوقية": أربعون درهمًا، فالنصاب مائتا درهم، والدرهم ينطلق على الفضة الخالصة حقيقة (٣). و"الذَّوْد": قيل: ينطلق على الواحد. وقيل: إنّه كـ "القوم" و"الرهط" (٤). انتهى. قال ابن الأثير: "الذَّوْدُ من الإبل": "ما بين الثِّنْتَيْن إلى التسع"، وقيل: "ما بين الثلاث إلى العشر". واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، كـ "النَّعم". وقال أبو عبيد: "الذَّود": "من الإناث دون الذكور" (٥). انتهى.

стр. 873

وتقدّم الكَلامُ على "ليس" في الأوّل من "الحيض". قوله: "فيما دون": "في" حرف جر، تقدَّم ذكرها في الحديث الرابع من أوّل الكتاب. و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، أو نكرة موصوفة، أيْ: "في فضة". و"دون" متعلق بالصلة، أو الصفة، والتقدير: "فيما استقر" أو "ثبت"، ولا يُقدر: "مستقر"؛ لأنَّ المفرد لا يكون صلة الموصول (١). قوله: "خمس أواق": جرى على أصل العدد من تذكير المؤنث؛ لأنَّ "الأواق" جمع "أوقية"، و"الذَّود" مؤنث فسقطت العلامة فيهما، وثبتت مع "الأوسق" لأنه جمع "وُسق"، مذكر. ولا بُدَّ هنا من محذوف يقدّر صفة، أي: "خمس أواق من الوَرِق، وخمس ذود من الإبل، وخمسة أوسق من الحبوب". وحذفُ الصفة كثير، منه قوله في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. أي: "أيِّ معاد" (٢)، وقوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] أي: "البَيِّن" (٣). و"لا" في قوله "فيما دون" مؤكّدة لمعنى النفي في "ليس"، والجملة معطوفة على الجملة. واسم "ليس": "صدقة"، وخبرها في المجرور، [وبه يتعلق] (٤) حرف الجر. والعامل في "دون" الاستقرار في المجرور.

стр. 874

وتقدّم الكلام على "دون"، ولا تستعمل إلا مضافة إلا إذا كانت بمعنى "رديء"؛ فإنها تخرج عن الظرفية (١). قوله: "خمس ذود": فيه إشكال؛ لأنهم قالوا: "الذود" يقع على الواحد، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ العَدَد لا يُضاف إلى واحد، ولذلك جعل بعضهم الرواية فيه: "خمسٍ ذودٍ" بالتنوين على البدل، فينتفي السؤال. وأمَّا من جعله واقعًا على أكثر من واحد فيشكل أيضًا؛ بأنه يلزم متى أوقعناه على اثنين أن يكون خمس ذودٍ عشرة، ومتى جعلناه لأكثر من اثنين تعدد إلى خمسة عشر، وليس كذلك، ولذلك قال بعضهم: لا واحد له من لفظه (٢)، فكأنه قال: "خمس نوق". قال أبو البقاء في إعرابه في قوله ﷺ : "ثم أمر لنا بثلاث ذود": الصواب تنوين "ثلاث"، وأن يكون "ذود" بدلًا من "ثلاث"، وكذلك "خمس ذود"، ولو أسقطت التنوين وأضفت لتغير المعنى؛ لأن العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون "ثلاث ذود" تسعة أبعرة؛ لأنَّ أقلَّ ["الذود"] (٣) ثلاثة أبعرة (٤). قال النواوي: "الوسق" بفتح "الواو" وكسرها، "والورق" بكسر "الراء" وسكونها (٥).

стр. 875

الحديث الثّالث: [١٧٠]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١). وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ" (٢). تقدَّم الكلام على متعلّق حرف الجر، و"أنّ رسول الله ﷺ " في محلّ مفعول لم يسمّ فاعله لمتعلّق "عن". قوله: "قال": في محلّ خبر "أن"، وجملة "ليس" في محلّ مفعول القول. وتقدّم الكلام على "ليس" في الحديث الأوّل من "الحيض". و"على المرء": يتعلّق بخبر "ليس" واسمها "صدقة"، و"في عبده" يتعلّق بصفة لـ "صدقة"، تقدَّم فانتصب على الحال، ويحتمل أن يتعلّق بمتعلق "على المرء". و"لا" في قوله: "ولا فرسه" مؤكّدةٌ للنفي، و"الواو" عاطفة. و"المرء": "الرجل"، يُقال: "هذا امرؤٌ"، و"رأيتُ امرأً"، ويقال: "مرءان صالحان"، ولا يُجمع على لفظه، وبعضهم يقول: "هذه مرأة صالحة"، و"مَرَةٌ" أيضًا بترك "الهمز" وتحريك "الراء" بالفتح. فإن جئت بألِف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح "الراء" على كل حال، تقول: "هذا امرَأٌ"، و"رأيت امرَأً"، و"مررت بامرَإ"، حكاها الفرّاء (٣). اللغة الثانية: ضمُّها على كُل حال، تقول: "هذا امرُؤ"، و"رأيت امرُؤًا"،

стр. 876

و"مررت بامرُؤٍا". الثالثة: إجراءُ حركات الإعراب الثلاث على "الراء" بحسب العوامل، فتقول: "هذا امرُؤٌ"، و"رأيت امرَأً"، و"مررت بامرئٍ" (١). قالوا: ولا جمع له من لفظه. وتقول: "هذه امرأة"، مفتوح "الراء" على كل حال، فإن صغَّرت أسقطتَ ألف الوصل، فقلت: "مُرَيء" و"مُرَيْئة" (٢). وإنما جاء اسم "ليس" نكرة لتقدّم خبرها في المجرور. و"المسلم": بالجر صفة للمرء، وهو اسم فاعل، الألِف واللام فيه موصولة بمعنى "الذي". واختلف في حرفيتها، والأكثرون على أنها اسم (٣). قوله: "وفي لفظ": يتعلق بفعل مقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، أو: "رُوي في لفظ". "إلا زكاة": هذه الجملة في محلّ رفع، إمَّا على الفاعلية إنْ قدَّرْت "جاء"، ويكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله، أو مفعول لم يُسمَّ فاعله إن قدَّرْت "رُوي". قوله: "إلا زكاة الفطر": يجوز في "زكاة" النصب بالاستثناء، ويجوز الرفع على البدَل، والرّفع أوجَه. والبدَل بعض من كُل، وقد قُرئ: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

стр. 877

[النساء: ٦٦] بالرّفع والنصب (١). قوله: "في عبده": أي: "عن عبده"، ولذلك يقدَّر: "إلا زكاة الفطر عن الرقيق". و"الرقيق": "فعيل" بمعنى "مفعول"، وقد يُطلق على الجمع، فهو ["فعيل"] (٢) بمعنى "مفعول" (٣). ولمَّا كان معنى "الصدقة": "الزكاة" صحّ الاستثناء منه؛ لأنّه من جنسه. الحديث الرّابع: [١٧١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ" (٤). قوله: "العجماء جبار": قال الجوهري: إنما سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، فكُل من لا يتكلّم أصلًا فهو "أعجَم مُستعجَم". و"الأعجم" الذي لا يُفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العَرب، والمرأة "عجماء"، ويُقال له: "أعجم" وإن أفصح، إذا كان في لسانه عجمة (٥). قال الشيخ تقيّ الدّين: "الجبار": "الهَدَر"، و"ما لا يُضمَن". و"العجماء": "الحيوان البهيم" (٦).

стр. 878

قال ابن الأثير: سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو "أعجم مستعجم" (١). و"العجماء جبار": مبتدأ وخبر، لكن بتقدير مضاف، أي: "جُرح العجماء"، وكذلك ما عطف عليه. و"المعدِن": بكسر "الدال"، سمي بذلك؛ لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء (٢). و"البئر": مؤنثة، وجمعها في القلة: "أَبْؤر" و"أَبْآر"، وفي الكثرة: "بئار" و"بيار" بقلب "الهمزة" ياء (٣). ومركز كل شيء "معدنه"، ومن ذلك: "جنات عدن" (٤). وجملة "قال": في محل خبر "أنَّ"، وجملة "العجماء جبار" في محل معمول القول، وجملة " ﷺ " لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها معترضة بين اسم "أن" وخبرها، و"أن" في محل مفعول لمتعلق حرف الجر. وتقدّم الكلام على "أبي هريرة" وما كان مثله من الأسماء المضافة في الحديث الثاني من أول الكتاب. وفي قوله: "والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" بَحْثٌ في المناسبة بينه وبين ما تقدَّم، إذْ أول الحديث في الضمان وعدمه، وآخره في "الركاز"، وهو من باب الزّكاة، ولعله لمَّا ذكر المعدِن وله حكمان: عدم ضمان من عطب فيه، والزكاة، فبيَّن ﷺ حكم ما جُهل حكمُه، وهو عدم الضمان في المعدن، والزكاة في الركاز. وقدَّم ذِكْر

стр. 879

العجماء والبئر توطئةً واتساعًا في البيان. وأحال بيان المعدن على ما تقدَّم من قوله: "في الرِّقَّةِ [رُبُع] (١) العُشْر" (٢)، والله أعلم. الحديث الخامس: [١٧٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ؟ وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا". ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (٣). قوله: "بعث رسولُ الله": أي: "أنه قال: بعث رسولُ الله"، فـ "أنه قال" معمول متعلق حرف الجر، وجملة "بعث" في محل مفعول القول. و"عمر" لا ينصرف للعدل والعلمية، وعدْله تقديريٌّ، كـ "زُفَر"، وتقدَّم في الحديث الأول تقرير ذلك [بزيادة] (٤). قوله: "على الصدقة": يتعلق بحال من "عمر" أي: "عاملا على الصدقة"، أو يتعلق بـ "بعث". والألف واللام في "الصدقة" للعهد، أي: "الصدقة المفروضة". قوله: "فقيل: منع ابن جميل": جملة معطوفة على محذوف مفهوم من سياق الكلام، أي: "بعث عمر فذهب، فامتنع ابن جميل، فقيل"، فهو معطوف على "امتنع"، وهو مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، والقائم مقام الفاعل: الجملةُ على الحكاية،

стр. 880

فيكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله. قال أبو حيان: هو مذهب كوفيٌّ (١). وقيل: يقدر ضمير قول. وتقدَّم توجيه البناء في الفعل المعتل الوسط والقائم مقام الفاعل في الرابع عشر من "الجنائز". وفيه ثلاثة أوجه: كسر "الفاء"، وضمها، والإشمام. والألف واللام في "الوليد" وفي "العباس" للمح الصفة (٢). ومفعول "منع" محذوف، أي: "منع دفع الصدقة"، أو: "منع الساعي من أخْذ الواجب". [قوله] (٣): "فقال رسول الله ﷺ ": "الفاء" سببية. "ما ينقم ابن جميل إلا أنّ كان فقيرًا فأغناه الله": "نقم" بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والعكس (٤). قال الشيخ تقيّ الدّين: "نَقم" هنا بمعنى "أنكر"، وهذا يدلّ على أنه لا عذر له في الترك، إذ لم يحصل له موجب للمنع، إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، فلا موجب للمنع وهذا مما يقصد به العرب النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كما قال الشاعر:
следующие страницы →